اعلم أيدك الله بروح منه أن الأشياء لما خلقها الله على حكم ما اقتضاه الوجود الأصل الذي هو عليه و له وجد كل ما سوى الله تعالى فما خلق شيئا إلا و خلق له ضدا و مثلا و خلافا فجعل الموافقة في الخلاف و المنافرة في الضد و المناسبة في المثل فأشد الأشياء مواصلة و محبة و اتحادا الخلاف مع مخالفه و لهذا يكون الخلاف بحسب من يخالفه و لا يتميز عن صاحبه إلا بحكمه فيتحد الخلافان بالمحل و يتميزان بالحكم فيه و أما المثل مع مثله فإن المناسبة تجمع بينهما في المودة فيحب كل مثل مثله بما فيه من مناسبة المثلية و إن لم يجتمعا فيشبه المثل الخلاف في المحبة و إن كان بينهما فرقان بالحقائق فيهما و يشبه الضد في أنهما لا يجتمعان أبدا فهما كغائب أحب غائبا و هام فيه عشقا و حكمت الموانع بأن لا يجتمعا و أما الضد مع ضده فالمنافرة بينهما ذاتية و ليس بينهما المودة التي بين الخلافين فكل واحد من الضدين يريد ذهاب عين ضده من الوجود بخلاف الخلافين فالمودة التي بينهما تمنع كل واحد منهما أن يريد ذهاب عين خلافه من الوجود لكن يريد و يشتهي أن لو يمكن الاتحاد به حتى لا تقع المشاهدة إلا على واحد بعينه و يغيب فيه الآخر إيثارا من كل خلاف على نفسه لخلافه لكنهما لا يجتمعان أبدا لذاتهما مثال المثلين بياضان و مثال الضدين بياض و سواد و مثال الخلافين لون و رائحة أو طعمفي محل واحد و المراد من هذا الذي ذكرناه تعريفك بنسبة العبد من الله ما له من هذه النسب فاعلم إن الإنسان الكامل جمع بذاته هذه الأمور كلها و ليس ذلك لغيره فهو مع الحق مثل ضد خلاف كما إن ما ذكرناه له هذا الحكم أيضا على كل واحد من هؤلاء الثلاثة فإن البياض يخالف البياض بالمحل فإن المحل يميزه فيقال هذا البياض ما هو هذا البياض و يضاد مثله فإنهما لا يجمعهما محل واحد و هو مثل له لأن الحد و الحقيقة تشملهما من جميع الوجوه فكل واحد مما ذكرناه يقبل ما يقبله الآخر من المثلية و الضدية و الخلافية و الذي يحتاج إليه في هذا الباب معرفة الإنسان مع قرينه من الإنس إن عم أو مع غيره من العالم من حيث نسبة ما إن خص و معرفة الإنسان مع الحق ليعلم صورته منه على ما ذا يكون فإنه قد اعتنى به غاية العناية ما لم يعتن بمخلوق بكونه جعله خليفة و أعطاه الكمال بعلم الأسماء و خلقه على الصورة الإلهية و أكمل من الصورة الإلهية ما يمكن أن يكون في الوجود فالإنسان الكامل مثل من حيث الصورة الإلهية ضد من حيث إنه لا يصح أن يكون في حال كونه عبدا ربا لمن هو له عبد خلاف من حيث إن الحق سمعه و بصره و قواه فأثبته و أثبت نفسه في عين واحدة فمن عرف نفسه عرف ربه معرفة مثل و ضد و خلاف فهو الولي العدو قال تعالى لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ يخاطب المؤمنين أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ لكونهم أمثالا لكم لما بين المثلين من الضدية فقال للمؤمن عامل العدو بضدية المثل لا بمودة المثل لأن حقيقتكما واحدة فافهم فإن العدو يريد إخراجك من الوجود كما قدمنا في معرفة الضد و لذلك قال تعالى في هذه الآية وَ قَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ من الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ فما عاملكم العدو و إن كان مثلكم إلا بضدية المثل لا بمودته و هذا عين ما ذكرناه من أن الضد يريد ذهاب عين ضده من الوجود فأمرنا إذا أرادوا ذلك بنا أن نقاتلهم فنذهب أعيانهم من الموضع الذي يكونون فيه فننقلهم إلى البرزخ بالقتل فانظر ما أعجب القرآن و ما أعطى ص من العلم بالأمور و إن لم تسر هذه الضدية في ذات المثل فليس بمؤمن و لا هو عند الله بمكان و لكن يحتاج إلى ميزان و كشف صحيح حتى يعرف العدو الذاتي الذي ينبغي أن يعامله بمثل هذه المعاملة من العدو العرضي الذي تعرض له هذه العداوة ثم تزول عنه لزوال ذلك العارض الذي أوجبها كما قال تعالى يخبر عن بعض العباد بما يقول يوم القيامة يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَ كانَ الشَّيْطانُ يعني شيطان الإنس لا شيطان الجن لِلْإِنْسانِ خَذُولًا فإنه قال ما أضلني عن الذكر إلا فلان و سمي إنسانا مثله حيث أصغى إليه و قلده في مقالته و حال بينه و بين اتباع ما أمره الله باتباعه و هو ما جاء به رسول الله ص و سبب ذلك ما جاءهم به عن الله من التحجير الجديد و إن كانوا في تحجير إذ لا بد منه لمصالح العالم و لكنهم كانوا قد ألفوه و نشئوا عليه و لم يعرفوا غيره فهم ما أنكروا التحجير و إنما أنكروا هذا التحجير الخاص و مفارقة المألوف بالطبع عسير و لهذا لا يألف الطبع الألم و إن تمادى به فإنه يسر بزواله لعدم ألفة الطبع به فلو ألفه لتالم بزواله و لما لم يتمكن أن يكون كل إنسان له مرتبة الكمال المطلوبة في الإنسانية و إن كان يفضل بعضهم بعضا فادناهم منزلة من هو إنسان حيواني و أعلاهم من هو ظل الله و هو الإنسان الكامل نائب الحق يكون الحق لسانه و جميع قواه و ما بين هذين المقامين مراتب ففي زمان الرسل يكون الكامل رسولا و في زمان انقطاع الرسالة يكون الكامل وارثا و لا ظهور للوارث مع وجود الرسول إذ الوارث لا يكون وارثا إلا بعد موت من يرثه فلم يتمكن للصاحب مع وجود الرسول أن تكون له هذه المرتبة فالأمر ينزل من الله على الدوام لا ينقطع فلا يقبله إلا الرسل خاصة على الكمال فإذا فقدوا حينئذ وجد ذلك الاستعداد في غير الرسل فقبلوا ذلك التنزل الإلهي في قلوبهم فسموا ورثة لم ينطلق عليهم اسم رسل مع كونهم يخبرون عن الله بالتنزل الإلهي فإن كان في ذلك التنزل الإلهي حكم أخذه هذا المنزل عليه و حكم به و هو المعبر عنه بلسان علماء الرسوم بالمجتهد الذي يستنبط الحكم عندهم و هو العالم بقول الله لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ فهذا حظ الناس اليوم من التشريع بعد رسول الله ص و نحن نقول به و لكن لا نقول بأن الاجتهاد هو ما ذكره علماء الرسوم بل الاجتهاد عندنا بذل الوسع في تحصيل الاستعداد الباطن الذي به يقبل هذا التنزل الخاص الذي لا يقبله في زمان النبوة و الرسالة إلا نبي أو رسول إلا أنه لا سبيل إلى مخالفة حكم ثابت قد تقرر من الرسول صفي نفس الأمر فإن لم يكن ذلك في نفس الأمر فلا يلقى إلى هذا المجتهد الذي ذكرناه إلا ما هو الحكم عليه في نفس الأمر حتى أنه لو كان الرسول ص حيا لحكم به مع أنه قرر حكم المجتهد و إن أخطأ فما أخطأ المجتهد إلا في الاستعداد كما ذكرناه فلو أصاب في الاستعداد ما أخطأ مجتهد أبدا بل لا يكون مجتهدا في الحكم و إنما هو ناقل ما قبله من الحق النازل عليه في تجليه و هذا عزيز في الأمة ما يوجد إلا في أفراد و علامتهم أنهم ما يختلفون في الحكم أصلا لوحدانية الرسالة في هذا الزمان فإذا اختلفوا فما هم الذين ذكرناهم فيكون صاحب الحق إذا كانت الأحكام منحصرة القسمة واحدا منهم فإن بقي قسم لم يقع به حكم ربما كان الحق فيه و مع هذا تعبد كل واحد بما أعطاه دليله فإن أصاب فله أجران و إن أخطأ فله أجر فوقع الاجتهاد في الاجتهاد و إذا تقرر أن التنزل الإلهي لم ينقطع و إنه على ضروب و كلها علم سواء كان تنزل حكم شرعي أو غير ذلك بحسب المواطن أ لا ترى موطن الآخرة في الجنة التنزل فيه دائم و لكن ليس فيه حكم تحجير جملة واحدة بخلاف تنزله في الدنيا فهذا أعني بحكم المواطن و الكل تعريف إلهي و لما كان في الإنسان الكامل المثل و الضد و الخلاف كما هو في الأسماء الإلهية المثل كالرحمن الرحيم و الخلاف كالرحمن الصبور و الضد كالضار النافع قال النبي ص يرفع هممنا إلى الرتب العالية لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا لكن صاحبكم خليل الله! و الله يقول وَ اتَّخَذَ الله إِبْراهِيمَ خَلِيلًا و قال ص لربه أنت الصاحب في السفر فإذا علمت أن الله لا يستحيل عليه خلة عباده فاجهد أن تكون أنت ذلك الخليل بأن تنظر إلى ما يؤدي إلى تحصيل هذه الخلة الشريفة فإنك لا تجد لها سببا إلا الموافقة و لا علم لنا بموافقتنا الحق إلا موافقتنا شرعه فما حرم حرمناه و ما أحل حللناه و ما أباحه أبحناه و ما كرهه كرهناه و ما ندب إليه ندبنا إليه و ما أوجبه أوجبناه فإذا عمك هذا في نفسك و كانت هذه صفتك و قمت فيها مقام حق صحت لك الخلة لا بل المحبة التي هي أعظم و أخص من الخلة لأن الخليل يصحبك لك و المحب يصحبك لنفسه فشتان ما بين الخلة و المحبة و قد دللتك على تحصيل هذين المقامين فالخليل يعتضد بخليله و الحبيب يبطن في محبه فيقيه بنفسه فالحق مجن المحبوب و الخليل مجن خليله أ لا ترى إلى ما أجرى الله في نفوس العالم حيث يجعلون الخبز و الملح سببا موجبا لأن يكون كل واحد من الشخصين اللذين بينهما الممالحة فداء لصاحبه يقيه من كل مكروه و يحفظ عليه حفظه على نفسه و كذلك هو الأمر عليه في عينه و لما شهدناه مع الحق مشاهدة عين و وقعت الممالحة و رأيت أثرها بحمد الله برهانا قاطعا قلت في ذلك
فأعطاه الخبز و الملح أن لا يتخذ عدوا لله محبوبا و لا محبا و لما علم الله ما هو عليه الإنسان في جبلته من حبه المحسن لإحسانه و من استجلابه الود من أشكاله بالتودد إليهم علم أنه تعالى إذا قال لهم لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي إنهم لما ذكرناه لا يقومون في هذا النهي في جانب الحق مقام ما يستحقه الحق فزاد في الخطاب فقال وَ عَدُوَّكُمْ و ذلك ليبغضهم إلينا لعلمه بأنا نحب أنفسنا و نؤثر أهواءنا عليه تعالى فليس في القرآن ذم في حقنا من الله أعظم من هذا فإنه لو علم منا إيثاره على أهوائنا لاكتفى بقوله عَدُوِّي ثم تمم على نسق واحد فقال يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ يعني من موطنه فإن مفارقة الأوطان منأشق ما يجري على الإنسان فلما علم الله أنكم لا يقوم عندكم إخراج الرسول مع بقائكم في أوطانكم ذلك مقام ما يستحقه الرسول منكم قال وَ إِيَّاكُمْ فشرككم في الإخراج مع الرسول كما شرككم في العداوة مع الله لتكونوا أحرص على أن لا تلقوا إليهم بالمودة و أن تتخذوهم أعداء و المؤمنون هنا كل ما سوى الرسول فإن الرسول إذا تبين له أن شخصا ما عدو لله تبرأ منه قال تعالى في حق إبراهيم و أبيه آزر بعد ما وعظه و أظهر الشفقة عليه لكونه كان عنده في حد الإمكان أن يرجع إلى الله و توحيده من شركه فلما بين الله له في وحيه و كشف له عن أمر أبيه و تبين إبراهيم أن أباه آزر عدو لله تبرأ منه مع كونه أباه فأثنى الله عليه فقال فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ و قد كان إبراهيم في حق أبيه أواها حليما لا الآن و قد ورد في الخبر أن إبراهيم يجد أباه بين رجليه في صورة ذيخ فيأخذه بيده فيرمي به في النار فانظر ما أثر عند الخليل إيثاره لجناب الحق من عداوة أبيه في الله تعالى فالله يجعلنا ممن آثر الحق على هواه و أن يجعل ذلك مناه فما أعظمها عندي من حسرة حيث لم نكن بهذه المثابة عند الله حتى نكتفي بذكر عداوتهم لله و إخراج الرسول فهنا ينبغي أن تسكب العبرات فالسعيد من وجد ذلك من نفسه فلم يدخل تحت هذا الخطاب و على قدر ما ينقصك من هذا الحال ينقصك من المعرفة بالله و من الوقت الذي فتح الله علي في هذا الطريق ما لقيت أحدا على هذا القدم فعرفته به و إن كان عليه في نفس الأمر و لكن ما عرفني الله به و ربما عرضت له به فلم أجد عنده إلا النقيض لكني أعلم أن في الأرض عبادا لهم هذا المقام فالحمد لله الذي فتح علي به و نرجو إن شاء الله البقاء عليه فإن أكثر أبواب المعرفة بالله تحول بين هذا المقام و بين المؤمنين و العلماء فهو مقام غامض صعب التصور تقدح فيه معارف إلهية كثيرة و متى لم يحصل لأحد هذا المقام ذوقا فاعلم أنه بينه و بين من هو عدو لله مناسبة و لتلك المناسبة لم يتبرأ منه إذا تبين له لأنه قبل التبيين يعذر قال تعالى ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى من بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ و قال ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ من حَوْلَهُمْ من الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ الله وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ فليس بأصحاب الجحيم إلا أعداء الله تعالى الذين هم أهل الجحيم
فكن مع الحق لا تبغي به بدلا و أفرد الحق لا تضرب له مثلا
و الله ولي الإعانة و التوفيق و اعلم أن هذا المنزل يحوي على علم الزيادة من الخير و فيه علم ما يتميز به الحق من الباطل و الحدود التي تفصل بين الأشياء و تميز بعضها عن بعض و فيه علم عبيد الكنايات لا عبيد الأسماء و ما بينهما من المراتب في الرفعة و الشرف و من أشد وصلة في العبودية هل عبد الكناية أو عبد الاسم و فيه علم ما يتعلق بالعالم كله من العلوم و فيه علم ما يختص به الحق من الصفات دون خلقه و فيه علم التنزيه لما ذا يرجع هل لوجود أو لعدم و فيه علم الموازين و فيه علم ما أوجب اتخاذ الشريك في العالم و كل مولود فإنما يولد على الفطرة فمن أين كفر الأول و أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يشركانه أو يمجسانه و هل العقل ينزل هنا من حيث فكره منزلة الأبوين في كون هذا الشخص قد أخرجه نظره من فطرته إلى إثبات الشريك و فيه علم ما يملكه الإنسان بذاته مما لا يملكه و تصرفه فيما لا يملكه لما ذا تصرف فيه و فيه علم ما يؤول إليه قائل الزور و الشاهد به و كون الحاكم غير معصوم باتباع هواه و لما ذا أبقاه الله حاكما في ظاهر الأمر و إن كان معزولا في باطن الأمر فيما حكم فيه بهواه و قوله تعالى قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ و فيه علم العلامات التي يعرف بها الصادق من الكاذب و هي من العلامات التي لا تنقال بل يجدها الإنسان من نفسه إذا كان من أهل المراقبة لأحواله فلا يفوته علم ذلك و من لم تكن المراقبة حاله فإنه لا يعرف تلك العلامات أصلا و المؤمنون أحق بمعرفتها من أصحاب النظر و فيه علم ما يختص به الشيوخ في هذا الطريق يعرف به حال المريدين متى يستحقون أن يكونوا مريدين و أن يقبل عليهم الشيخ قبول إفادة و ليس للشيخ في هذا الطريق أن ينبه المريد على صورة ما يكون بحصول معناها في نفسه حصول الفتح له و نيل السعادة لئلا يظهر بالصورة في ذلك و الباطن معرى عن المعنى الموجب لتلك الصورة فإن قلت فهذا لا ينبغي للشيخ أن يستره عن المريد قلنا بل ينبغي أن يستره عن المريد و واجب عليه ذلك لعلمه أن المعنى الموجب لظهور تلك الصورة إذا قام بالمريد أوجب له ظهور تلك الصورة فيعلم الشيخ عند ذلك أن الله قد أهل ذلك المريدلأن يكون من أهل الحق و إذا أعلمه الشيخ بذلك المعنى الموجب لإظهار هذه الصورة و النفس مجبولة على الخيانة و عدم الصدق ظهر بالصورة مع عدم المعنى فيقع الغلط كما يظهر المنافق بصورة المؤمن في العمل الظاهر و الباطن معرى عن الموجب لذلك العمل و فيه علم الضيق في النار ما سببه مع ما فيه من السعة و فيه علم ما يقرن مع المؤمن في الجنة و ما يقرن مع المشرك في النار و الفرق بين الوجود و التوحيد فإن المشرك مؤمن بالوجود غير موحد و العذاب أوجبه في النار عدم التوحيد لا إثبات الوجود فمن هنا تعرف قرين المشرك من قرين المؤمن و فيه علم دخول جميع الممكنات في الوجود من حيث أجناسها و أنواعها لا من حيث أشخاصها و آحادها لا بل أشخاص بعضها لا كلها و هنا نظر دقيق يعطيه الكشف هل الخلق الجديد في الصور كلها في الوجود لحاملها التي بعض الناس في لبس منها أو لا فمن رأى التجديد قال لا تتناهى أشخاص كل نوع أبدا و من رأى أن لا تجديد قال في الآخرة إنه قد تناهت أشخاص هذا النوع الإنساني فلا يوجد إنسان بعد ذلك و هي مسألة دقيقة لا يتمكن لنا الكلام فيها جملة واحدة فإنها من جملة الأسرار التي لا تذاع إلا لأهلها فإنها من العلوم التي تنقال إلا لأهل الروائح و من لا شم له لا يقبل الأخبار عن حقيقتها و فيه علم ما يعطي مما لا يعطي و فيه علم ما هي السعادة في أن يجهل فإن العلم يعطي في العالم إذا علم أمرا ما فقد اكتفى به و صار يطلب علما آخر إذ الحاصل لا يبتغى فإذا قال علمت كذا فمن المحال أن تتشوق النفس إليه بعد حصوله فذلك لا يعلم أحد الله أبدا لأنه يؤدي إلى الاستغناء عنه من حيث علمه به فإن قلت بل علمه به جعله لا يستغني عنه قلنا لك ما هذا هو العلم به بل العلم الذي ذكرته هو العلم بكونه لا يستغني عنه و العلم به الذي أردناه أمر آخر فأنت عالم بالحكم لا به فلا تعارض بين ما اعترضت به علينا و بين ما قلنا فافهم و فيه علم ابتلاء العالم بعضه ببعض هل هو من باب الرحمة بالعالم أو من باب الشقاء و فيه علم الموانع التي منعت من قبول ما جاء من عند الله مع تشوق النفوس إلى رؤية الغريب إذا ورد و القبول عليه فإن رحمة الشريعة لا يدركها إلا العلماء خاصة و لهذا لا يردها عالم حيث يراها و لهذا أمرنا بالإيمان بها و إن كانت قد نسخت و ارتفع حكمها و صار العمل بها حراما علينا و فيه علم نفع العلم و فيه علم ما تراه شيئا و ليس بشيء و هو شيء لأنك رأيته شيئا مثاله السراب تراه ماء و الآل الذي هو شخص الإنسان في السراب يعظم فلا يشك في عظمه فإذا جئته لم تجده كما رأيته و لا تشك فيما رأيته و غيرك في ذلك الحين ممن هو على المسافة التي رأيته أنت فيها عظيما يراه عظيما و أنت تراه ليس بعظيم حين جئته و هو علم إلهي شريف و فيه علم المفاضلة بين الضدين كالمفاضلة بين السواد و البياض و ذلك لكون اللون جمعهما فوقعت المفاضلة فلا بد في كل مفاضلة في الوجود من جامع يجمع بينهما أي يجتمع فيه جميع من في الوجود و لهذا فرت الباطنية في الباري إذا قيل لها إنه موجودا لي ليس بمعدوم و ما علمت أنها وقعت في عين ما فرت منه فإنه أيضا كما ينطلق على الموجود الحادث لفظة موجود ينطلق عليه اسم ليس بمعدوم فقد وقعت الشركة في أنه ليس بمعدوم و كذا جميع ما يسأل عنه الباطني و لهذا كانوا أجهل الناس بالحقائق و فيه علم الغمام و هو من الغم و كون الحق يأتي فيه يوم القيامة أو الملائكة أو الحق و الملائكة فما يعطى من الغم و فيه علم متى ينفرد الحق بالملك أو لم يزل منفردا به و لكن جهل في موطن و عرف في موطن و هو هو ليس غيره فإنه تعالى ملك بالحقيقة و المخلوق ملك بالجعل قال تعالى وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً و من هنا تعلم من هو ملك الملك و فيه علم الظلم الذي أتت به الشرائع و ما أثره و علم الظلم الذي يعطيه العقل و ما أثره و علم الظلم المحمود و المذموم و فيه علم الفرق بين شياطين الإنس و بين شياطين الجن و ما ينبغي أن يصحب و من لا ينبغي أن يصحب مطلقا من هذا النوع الإنساني و فيه علم التجاء الدعاة إلى الله إذا لم تسمع دعوتهم سواء كان رسولا أو وارثا و فيه علم كون الحق جعل لكل شيء ضدا و فيه علم اختصاص أحد الضدين بالحب الإلهي و الآخر بالبغض الإلهي و الصدور من عين واحدة أو هو من يدين مختلفتين في الحكم و فيه علم حدوث الأحكام بحدوث النوازل و أن الشرع ما انقطع و لا ينقطع إلى أن يرث الله الأرض و من عليها و إن انقطعت النبوة فالشرع ما انقطع ما دام في العالم مجتهد و فيه علم المضاهاة الإلهية للاكوان فهل ذلك لعلو قدر الأكوان أو لأمر آخر مثل قوله تعالى وَ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَ أَحْسَنَ تَفْسِيراً و فيه علم من يمشي على بطنه من الأناسي و في أي صورة يحشر من هذا مشيه و فيه علم من حبس نفسه مع الأدنى مع معرفته بالأعلىو الأعلى يدعوه إليه و الأدنى لا يدعوه إليه فمن يدعوه إلى الأدنى حتى يحبس نفسه عليه و فيه علم ما يتعدى الإنسان أي إنسان كان في علمه بغيره علمه بنفسه و فيه علم شهود الكيفيات و من هو الموصوف عندنا بالكيفية و فيه علم إلحاق الإنسان الكامل بربه و الغيرة الإلهية على المقام إذا ظهر الإنسان بالفعل بصورة ربه و أن حكم الشيء بالفعل يعطي خلاف ما يعطيه بالقوة فإعطاؤه بالفعل أقوى و فيه علم الظهور و الخفاء و الراحة و فيه علم الأنفاس الظاهرة في العالم بالرحمة و ما سبب ذلك و عموم دخول الخلق في هذه الأنفاس و فيه علم ما يريد الحق ظهوره و يريد الإنسان المخالف ستره و هو الذي يرى المصلحة في غير الواقع في الوجود و يحتاج صاحب هذا المقام إلى بصر حديد من أجل الموازين الشرعية فإن الجهل بما يراه الحق من المصالح أكثر من العلم بالمصالح الظاهرة في الكون إنها ليست مصالح في النظر العقلي عند العقلاء و هو علم دقيق إذا عمل به الإنسان عن كشف و تحقيق لم يخطئ أبدا و إذا عمل به من ليست له هذه الصفة أخطأ و هو الذي يقول العامة فيه خطأ السعيد صواب و صواب من ليس بسعيد خطأ و رأيت هذا في حطلحة بملطية و شافهني بذلك و فيه علم الامتزاج الذي لا يمكن فيه فصل و هو كل ضدين بينهما واسطة كالفاتر بين الحار و البارد لا يقدر أحد على فصل الحرارة من البرودة في هذا الفاتر و فيه علم الفرق بين من هو لله و بين من هو على الله و فيه علم الطريق إلى الله بالنية و إن لم تكن مشروعة فهي نافعة بكل وجه فإنه ما قصد إلا الله و عموم التجلي الإلهي معلوم فللعبد المشيئة في ذلك و فيه علم ما يختص بالاسم الرحمن دون غيره من الأسماء الإلهية و ما ينبغي أن يعامل به الاسم الرحمن دون غيره من الأسماء الإلهية و فيه علم المسمى شيئا ما هو و فيه علم التناوب و أن المتناوبين لا يجتمعان و ما يحدث في عالم الإنسان منهما و فيه علم التؤدة و السكون و أين يحمدان و فيه علم صفات السعداء من غيرهم عقلا و شرعا و فيه علم ما يقبل التبديل من الصفات مما لا يقبل و ممن لا يقبله و فيه علم المحفوظين و المعصومين من العلماء العارفين بالله تعالى و فيه علم ما تنتج الذكرى من المؤمن و فيه علم من طلب الإمامة فأعين عليها و فيه علم عناية الدعاة إلى الله و شرف منزلتهم عند الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ