اعلم أيدك الله بروح منه أن الله عز و جل يقول لإبليس ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ على جهة التشريف و الاختصاص لآدم ع أَسْتَكْبَرْتَ في نظرك و كذلك كان فإن الله أخبر عنه أنه استكبر و قال لنا عز و جل في كتابه العزيز إن إبليس قال أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي من نارٍ وَ خَلَقْتَهُ من طِينٍ و قال لما قيل له اسجد أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً فهذا معنى قولنا في نظرك أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ في نفس الأمر أي إنك في نفس الأمر خير منه فهنا ظهر جهل إبليس و قد يريد بالعالين الملائكة المهيمة في جلال الله الذين لم يدخلوا تحت الأمر بالسجود و هم أرواح ما هم ملائكة فإن الملائكة هي الرسل من هذه الأرواح كجبريل ع و أمثاله فإن الألوكة هي الرسالة في لسان العرب فالملائكة هم الرسل من هذه الأرواح خاصة فما بقي ملك إلا سجد لأنهم الذين قال الله لهم اسْجُدُوا لِآدَمَ و لم تدخل الأرواح المهيمة فيمن خوطب بالسجود فإن الله ما ذكر أنه خاطب إلا الملائكة و لهذا قال فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ و نصب إبليس على الاستثناء المنقطع لا المتصل و هذه الأرواح المهيمة في جلال الله لا تعلم أن الله خلق آدم و لا شيئا لشغلهم بالله يقول الله لإبليس أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ أي من هؤلاء الذين ذكرناهم فلم تؤمر بالسجود و السجود التطأطؤ في اللسان لأن آدم خلق من تراب و هو أسفل الأركان لا أسفل منه و من هنا يعرف شرف نقطة الدائرة على محيطها فإن النقطة أصل وجود المحيط فالعالون ما أمروا بالسجود لأنهم ما جرى لهم ذكر في تعريف الله إيانا و لو لا ما ذكر الله إبليس بالإباءة ما عرفنا أنه أمر بالسجود فما أضاف آدم إلى يديه إلا على جهة التشريف على غيره و التنويه لتعلم منزلته عند الله ثم زاد في تشريفه بخلقه باليدين قوله معرفا الأناسي الحيوانيين بكمال الأناسي المكملين أو لم يروا الضمير في يروا يعود على الأناسي الحيوانيين أنا خلقنا لهم أي من أجلهم فالضمير في لهم يعود على الناس الكمل المقصودين من العالم بالخطاب الإلهي مما عملت أيدينا فأضاف عمل الخلق إلى الأيدي الإلهية و عم الأسماء الإلهية بالنون من أيدينا و ذلك لتمام التشريف الذي شرف به آدم ع في إضافة خلقه إلى يديه أنعاما و هي من إنعامه عليهمفهم لهم ما لكون فملكوها بتمليك الله بخلاف الإنسان الحيواني فإنه يملكها عند نفسه بنفسه غافلا عن إنعام الله عليه بذلك فيتصرف في المخلوقات الإنسان الحيوان بحكم التبعية و يتصرف الإنسان الكامل فيها بحكم التمليك الإلهي فتصرفه فيها بيد الله و بمال الله الذي آتاه كما قال تعالى آمرا في حق المماليك وَ آتُوهُمْ من مالِ الله الَّذِي آتاكُمْ فكل مخلوق في العالم فمضاف خلقه إلى يد إلهية لأنه قال مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا فجمع فكل يد خالقة في العالم فهي يده يد ملك و تصريف فالخلق كله لله أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ و قد ورد أن شجرة طوبى غرسها الله بيده و خلق جنة عدن بيده فوحد اليد و ثناها و جمعها و ما ثناها إلا في خلق آدم ع و هو الإنسان الكامل و لا شك أن التثنية برزخ بين الجمع و الإفراد بل هي أول الجمع و التثنية تقابل الطرفين بذاتها فلها درجة الكمال لأن المفرد لا يصل إلى الجمع إلا بها و الجمع لا ينظر إلى المفرد إلا بها فبالإنسان الكامل ظهر كمال الصورة فهو قلب لجسم العالم الذي هو عبارة عن كل ما سوى الله و هو البيت المعمور بالحق لما وسعه يقول تعالى في الحديث المروي ما وسعني أرض و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن فكانت مرتبة الإنسان الكامل من حيث هو قلب بين الله و العالم و سماه بالقلب لتقليبه في كل صورة كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و تصريفه و اتساعه في التقليب و التصريف و لذلك كانت له هذه السعة الإلهية لأنه وصف نفسه تعالى بأنه كل يوم في شأن و اليوم هنا الزمن الفرد في كل شيء فهو في شئون و ليست التصريفات و التقليبات كلها في العالم سوى هذه الشئون التي الحق فيها و لم يرد نص عن الله و لا عن رسوله في مخلوق أنه أعطى كن سوى الإنسان خاصة فظهر ذلك في وقت في النبي ص في غزوة تبوك فقال كن أبا ذر فكان أبا ذر و ورد الخبر في أهل الجنة أن الملك يأتي إليهم فيقول لهم بعد أن يستأذن في الدخول عليهم فإذا دخل ناولهم كتابا من عند الله بعد أن يسلم عليهم من الله فإذا في الكتاب لكل إنسان يخاطب به من الحي القيوم الذي لا يموت إلى الحي القيوم الذي لا يموت أما بعد فإني أقول للشيء كُنْ فَيَكُونُ و قد جعلتك تقول للشيء كن فيكون فقال ص فلا يقول أحد من أهل الجنة للشيء كن إلا و يكون فجاء بشيء و هو من أنكر النكرات فعم و غاية الطبيعة تكوين الأجسام و ما تحمله مما لا تخلو عنه و تطلبه بالطبع و لا شك أن الأجسام بعض العالم فليس لها العموم و غاية النفس تكوين الأرواح الجزئية في النشآت الطبيعية و الأرواح جزء من العالم فلم يعم فما أعطى العموم إلا الإنسان الكامل حامل السر الإلهي فكل ما سوى الله جزء من كل الإنسان فاعقل إن كنت تعقل و انظر في كل ما سوى الله و ما وصفه الحق به و هو قوله وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و وصف الكل بالسجود و ما جعل لواحد منهم أمرا في العالم و لا نهيا و لا خلافة و لا تكوينا عاما و جعل ذلك للإنسان الكامل فمن أراد أن يعرف كماله فلينظر في نفسه في أمره و نهيه و تكوينه بلا واسطة لسان و لا جارحة و لا مخلوق غيره فإن صح له المعنى في ذلك فهو عَلى بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ في كماله فإنه عنده شاهد منه أي من نفسه و هو ما ذكرناه فإن أمر أو نهى أو شرع في التكوين بوساطة جارحة من جوارحه فلم يقع شيء من ذلك أو وقع في شيء دون شيء و لم يعم مع عموم ذلك بترك الواسطة فقد كمل و لا يقدح في كماله ما لم يقع في الوجود عن أمره بالواسطة فإن الصورة الإلهية بهذا ظهرت في الوجود فإنه أمر تعالى عباده على السنة رسله ع و في كتبه فمنهم من أطاع و منهم من عصى و بارتفاع الوسائط لا سبيل إلا الطاعة خاصة لا يصح و لا تمكن إباية قال ص يد الله مع الجماعة و قدرته نافذة و لهذا إذا اجتمع الإنسان في نفسه حتى صار شيئا واحدا نفذت همته فيما يريد و هذا ذوق أجمع عليه أهل الله قاطبة فإن يد الله مع الجماعة فإنه بالمجموع ظهر العالم و الأعيان ليست إلا هو أنظر في قوله تعالى ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ثم قال وَ لا أَدْنى من ذلِكَ و هو ما دون الثلاثة وَ لا أَكْثَرَ و هو ما فوق الثلاثة إلى ما لا يتناهى من العدد إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا وجودا أو عدما حيثما فرضوا فهو سبحانه ثان للواحد فإن المعية لا تصح للواحد من نفسه لأنها تقتضي الصحبة و أقلها اثنان و هو ثالث للاثنين و رابع للثلاثة و خامس للأربعة بالغا ما بلغ و إذا أضيفت المعية للخلق دون الحق فمعية الثاني ثاني اثنين و معية الثالث للاثنين ثالث ثلاثة و معية الرابع للثلاثة رابع أربعة بالغا ما بلغ لأنه عين ما هو معه في المخلوقية فهو من جنسه و الحق ليس كذلك ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فليس بثالث ثلاثة و لا خامس خمسة فافهمفقد تبين الحق من الخلق من وجه و قد ظهر بصورته أيضا من وجه و اعلم أن الطبيعة ظل النفس الكلية الموصوفة بالقوتين المعبر عنها بلسان الشرع باللوح المحفوظ فما لم يمتد من ظل النفس و بقي فيها فهو الذي نزلت به عن العقل في درجة النورية و الإضاءة و ما امتد من ظل النفس سمي طبيعة و كان امتداد هذا الظل على ذات الهيولى الكل فظهر من جوهر الهيولى و الطبيعة الجسم الكل مظلما و لهذا شبهوه بالسبجة السوداء لهذه الظلمة الطبيعية و سموا النفس الزمردة الخضراء لما نزلت به عن العقل في النور و في الجسم الكل ظهرت صور عالم الأجسام و أشكاله فكان ذلك للجسم الكل كالأعضاء فلما استعد الجسم بما استعد به توجهت عليه النفس و أنارته فانتشرت الحياة في جميع أعضائه كلها فتلك أرواح عالم الأجسام العلوي و السفلي من فلك و عنصر ثم استحال بعضه إلى بعضه لتأثير حكم الحركة الزمانية التي عينها الاسم الدهر في الأفلاك فظهرت للعين صور المولدات الفلكية كالكواكب و الجنات و مرتبتها و ما فيها و العنصرية من معدن و نبات و حيوان و صور غريبة و أشكال عجيبة في عين وجودية فما خرج شيء من العدم إلا الصور و الأعراض من تركيب و تحليل و الجوهر ثابت العين قابل لهذه الصور كلها دنيا و آخرة و إذا علمت هذا و تقرر فاعلم إن قوله تعالى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ أن المعنى المراد من ذلك التقدير و الإيجاد فالتدبير للتقدير و التفصيل للإيجاد من فصلت الشيء عن الشيء إذا قطعته منه و فصلت بينه و بينه حتى تميز فإن كان الفصل عن تقدير فهو على صورته و شكله و إن كان عن غير تقدير فقد لا يكون على صورته و إن أشبهه في أمر ما فإنه يفارقه في أمر آخر كالبياض و السواد يشتركان في اللونية و إن كانا ضدين و كاللون و الحركة يشتركان في العرضية و إن كانا مختلفين قال الشاعر
و لأنت تفري ما خلقت و بعض الناس يخلق ثم لا يفري
و كالإسكاف و أمثاله من صائغ و خياط و حداد و أمثال ذلك يريد أن يقطع من جلد نعلا فيأخذ نعلا فيقدره على الجلد فإذا أخذ قدرة من الجلد قطع من الجلد ذلك المقدار و فصله منه و الظلالات أوجدها الله على مثال الأشخاص و لما أراد فصلها مدها فظهرت أعيانها على صورة من هي ظله حذوك النعل بالنعل فلما خلق الله العالم دون الإنسان أي دون مجموعه حذا صورته على صورة العالم كله فما في العالم جزء إلا و هو على صورة الإنسان و أريد بالعالم كل ما سوى الله ففصله عن العالم بعد ما دبره و هو عين الأمر المدبر ثم إنه تعالى حذاه حذوا معنويا على حضرة الأسماء الإلهية فظهرت فيه ظهور الصور في المرآة للرائي ثم فصله عن حضرة الأسماء الإلهية بعد ما حصلت فيه قواها فظهر بها في روحه و باطنه فظاهر الإنسان خلق و باطنه حق و هذا هو الإنسان الكامل المطلوب و ما عدا هذا فهو الإنسان الحيواني و رتبة الإنسان الحيواني من الإنسان الكامل رتبة خلق النسناس من الإنسان الحيواني هذا جملة الأمر في خلق الإنسان الكامل من غير تفصيل و أما تفصيل خلقه فاعلم إن الله لما خلق الأركان الأربعة دون الفلك و أدارها على شكل الفلك و الكل أشكال في الجسم الكل فأول حركة فلكية ظهر أثرها فيما يليها من الأركان و هو النار فأثر فيه اشتعالا بما في الهواء من الرطوبة فكان ذلك الاشتعال و اللهب من النار و الهواء و هو المارج أي المختلط و منه سمي المرج مرجا لأنه يحوي على أخلاط من الأزهار و النبات و منه وقع الناس في هرج أي قتل و مرج أي اختلاط ففتح الله في تلك الشعلة الجان ثم أفاضت الكواكب النيرة بأمر الله و إذنه فإنه أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فطرحت شعاعها على الأركان و الأركان مطارح الشعاعات فظهرت الأركان بالأنوار و أشرقت و أضاءت فأثرت و ولدت فيها المعدن و النبات و الحيوان و هي على الحقيقة التي أثرت في نفسها لأن الأفلاك أعني السموات إنما أوجدها الله عن الأركان ثم أثرت في الأركان بحركاتها و طرح شعاعات كواكبها ليتولد ما تولد فيها من المولدات فبضاعتها ردت إليها فما أثر فيها سواها و جعل ذلك من أشراط الساعة فإنه من أشراطها أن تلد المرأة بعلها فولدت الأركان الفلك ثم نكحها الفلك فولد فيها ما ولد فهو ابنها زوجها و لم يظهر في الأركان صورة للإنسان الذي هو المطلوب من وجود العالم فأخذ التراب اللزج و خلطه بالماء فصيره طينا بيديه تعالى كما يليق بجلاله إذ ليس كمثله شيء و تركه مدة يختمر بما يمر عليه من الهواء الحار الذي يتخلل أجزاء طينته فتخمر و تغيرت رائحته فكان حمأ مسنونا متغير الريح و من أراد أن يرى صدق ذلك إن كان في إيمانهخلل فليحك ذراعه بذراعه حكا قويا حتى يجد الحرارة من جلد ذراعه ثم يستنشقه فيجد فيه رائحة الحماة و هي أصله التي خلق الجسم منها قال الله تعالى خَلَقَ الْإِنْسانَ من صَلْصالٍ و من حَمَإٍ مَسْنُونٍ فلما طهرت فخارة الإنسان بطبخ ركن النار إياها و التأمت أجزاؤه و قويت و صلبت قصرها بالماء الذي هو عنصر الحياة فأعطاها الماء من رطوبته و ألان بذلك من صلابة الفخار ما ألان فسرت فيه الحياة و أمده الركن الهوائي بما فيه من الرطوبة و الحرارة ليقابل بحرارته برد الماء فامتنعا فتوفرت الرطوبة عليه فأحال جوهرة طينته إلى لحم و دم و عضلات و عروق و أعصاب و عظام و هذه كلها أمزجة مختلفة لاختلاف آثار طبيعة العناصر و استعدادات أجزاء هذه النشأة فلذلك اختلفت أعيان هذه النشأة الحيوانية فاختلفت أسماؤها لتتميز كل عين من غيرها و جعل غذاء هذه النشأة مما خلقت منه و الغذاء سبب في وجود النبات و به ينمو فعبر عن نموه و ظهور الزيادة فيه بقوله وَ الله أَنْبَتَكُمْ من الْأَرْضِ نَباتاً و معناه فنبتم نباتا فإن مصدر أنبت إنما هو إنبات فأضاف النبات إلى الشيء الذي ينمو يقول جعل غذاءكم منها أي مما تنبته فتنبتون به أي تنمي أجسامكم و تزيد فلما أكمل النشأة الجسمية النباتية الحيوانية و ظهر فيها جميع قوى الحيوان أعطاه الفكر من قوة النفس العملية و أعطاه ذلك من قوة النفس العلمية من الاسم الإلهي المدبر فإن الحيوان جميع ما يعمله من الصنائع و ما يعلمه ليس عن تدبير و لا روية بل هو مفطور على العلم بما يصدر عنه لا يعرف من أين حصل له ذلك الإتقان و الإحكام كالعناكب و النحل و الزنابير بخلاف الإنسان فإنه يعلم أنه ما استنبط أمرا من الأمور إلا عن فكر و روية و تدبير فيعرف من أين صدر هذا الأمر و سائر الحيوان يعلم الأمر و لا يعلم من أين صدر و بهذا القدر سمي إنسانا لا غير و هي حالة يشترك فيها جميع الناس إلا الإنسان الكامل فإنه زاد على الإنسان الحيواني في الدنيا بتصريفه الأسماء الإلهية التي أخذ قواها لما حذاه الحق عليها حين حذاه على العالم فجعل الإنسان الكامل خليفة عن الإنسان الكل الكبير الذي هو ظل الله في خلقه من خلقه فعن ذلك هو خليفة و لذلك هم خلفاء عن مستخلف واحد فهم ظلاله للأنوار الإلهية التي تقابل الإنسان الأصلي و تلك أنوار التجلي تختلف عليه من كل جانب فيظهر له ظلالات متعددة على قدر أعداد التجلي فلكل تجل فيه نور يعطي ظلا من صورة الإنسان في الوجود العنصري فيكون ذلك الظل خليفة فيوجد عنه الخلفاء خاصة و أما الإنسان الحيواني فليس ذلك أصله جملة واحدة و إنما حكمه حكم سائر الحيواني إلا أنه يتميز عن غيره من الحيوان بالفصل المقوم له كما يتميز الحيواني بعضه عن بعض بالفصول المقومة لكل واحد من الحيوان فإن الفرس ما هو الحمار من حيث فصله المقوم له و لا البغل و لا الطائر و لا السبع و لا الدودة فالإنسان الحيواني من جملة الحشرات فإذا كمل فهو الخليفة فاجتمعنا لمعان و افترقا لمعان ثم إن الله أعطاه حكم الخلافة و اسم الخليفة و هما لفظان مؤنثان لظهور التكوين عنهما فإن الأنثى محل التكوين فهو في الاسم تنبيه و لم يقل فيه نائب و إن كان المعنى عينه و لكن قال إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً و ما قال إنسانا و لا داعيا و إنما ذكره و سماه بما أوجده له و إنما فرقنا بين الإنسان الحيواني و الإنسان الكامل الخليفة لقوله تعالى يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فهذا كمال النشأة الإنسانية العنصرية الطبيعية ثم قال له بعد ذلك في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ إن شاء في صورة الكمال فيجعلك خليفة عنه في العالم أو في صورة الحيوان فتكون من جملة الحيوان بفصلك المقوم لذاتك الذي لا يكون إلا لمن ينطلق عليه اسم الإنسان و لم يذكر في غير نشأة الإنسان قط تسوية و لا تعديلا و إن كان قد جاء الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى فقد يعني به خلق الإنسان لأن التسوية و التعديل لا يكونان معا إلا للإنسان لأنه سواه على صورة العالم و عدله عليه و لم يكن ذلك لغيره من المخلوقين من العناصر ثم قال له بعد التسوية و التعديل كن و هو نفس إلهي فظهر الإنسان الكامل عن التسوية و التعديل و نفخ الروح و قول كن و هو قوله إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ من تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فشبه الكامل و هو عيسى ع بالكامل و هو آدم ع خليفة بخليفة و غير الخلفاء إنما سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ من رُوحِهِ و ما قال فيه إنه قال له كن إلا في الآية الجامعة في قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فاجعل بالك لما نبهتك عليه فنقص عن مرتبة الكمال التي أعطاهاالله للخلفاء من الناس و لما قسم الله الفلك الأطلس الذي هو فلك البروج و هو قوله وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ على اثني عشر قسما و أوحى الله تعالى في سماء البروج أمرها فلكل برج فيها أمر يتميز به عن غيره من البروج و جعل الله لهذه البروج أثرا من أمر الله الموحى به فيها فيما دون هذه السماء من عالم التركيب و الإنسان من حيث جسمه و طبيعته من عالم التركيب و هو زبدة مخض الطبيعة التي ظهرت بتحريك الأفلاك فهو المخضة التي ليس في اللبن ألطف منها بل هي روح اللبن إذا خرج منه بقي العالم مثل النخالة فهو فيه لا فيه فإنه متميز عنه بالقوة و هو منه فإن الإنسان ما خرج من العالم و إن كان زبد مخضة العالم إذ لو انفصل عنه ما بقي العالم يساوي شيئا مثل اللبن إذا خرج عنه الزبد استحال و قل ثمنه و زال خيره الذي كان المطلوب منه و من أجل تلك الزبدة كان يستعمل اللبن و يعظم قدره فلما قضى الله أن يكون لهذه البروج أثر في العالم الذي تحت حيطة سماء هذه البروج جعل الله في نشأة هذا الإنسان اثني عشر قابلا يقبل بها هذه الآثار فيظهر الإنسان الكامل بها و ليس ذلك للإنسان الحيوان و إن كان أتم في قبول هذه الآثار من سائر الحيوان و لكنه ناقص بالنظر إلى قبول الإنسان الكامل فمن الاثني عشر لصوقها بالعالم حين حذيت عليه و لصوقها بحضرة الأسماء الإلهية و به صح الكمال لهذه النفس و هذه المجاورة على ثلاث مراتب منها مرتبة الاختصاص و هي في الإنسان الحيوان بما هو محصل لحقائق العالم و هي في الكامل كذلك و بما اختص به من الأسماء الإلهية حين انطلقت عليه بحكم المطابقة للحذو الإلهي الاعتنائي و لكونه ظلا و لا شيء ألصق من الظل بمن هو عنه و المرتبة الثانية من المجاورة مرتبة الشيئية الرابطة بين الأمرين و هي الأدوات التي بها يظهر عن الإنسان ما يتكون عنه فيشترك الإنسان الحيوان مع الكامل في الأدوات الصناعية التي بها يتوصل إلى مصنوع ما مما يفعل بالأيدي و يزيد الكامل عليه بالفعل بالهمة فادواته همته و هي له بمنزلة الإرادة الإلهية إذا توجهت على إيجاد شيء فمن المحال أن لا يكون ذلك الشيء المراد و المرتبة الثالثة الاتصال بالحق فيفني عن نفسه بهذا الاتصال فيظهر الحق حتى يكون سمعه و بصره و هذا المسمى علم الذوق فإنه لا يكون الحق شيئا من هذه الأدوات حتى تحترق بوجوده فيكون هو لا هي و قد ذقنا ذلك و وجدت الحرق حسا في ذكري لله بالله فكان هو و لم أكن أنا فأحسست بالحرق في لساني و تألمت لذلك الحرق تألما حسيا حيوانيا لحرق حسي قام بالعضو فكنت ذاكرا الله بالله في تلك الحالة ست ساعات أو نحوها ثم أنبت الله لي لساني فذكرته بالحضور معه لا به و هكذا جميع القوي لا يكون الحق شيئا منها حتى يحرق تلك القوة وجوده فيكون هو أي قوة كانت و هو قوله كنت سمعه و بصره و لسانه و يده و من لم يشاهد الحرق في قواه و يحسه و إلا فلا ذوق له و إنما ذلك توهم منه و هذا معنى قوله في الحجب الإلهية لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه فأي قوة أراد الحق إحراقها من عبده حتى يحصل له العلم بالأمر من طريق الذوق برفع الحجاب الذي بين الإنسان من حيث تلك القوة و بين الحق فتحترق بنور الوجه فيسد بنفسه خلل تلك القوة فإن كان سمعه كان الحق سمعه في هذه الحالة و إن كان بصره فكذلك و إن كان لسانه فكذلك و لنا في هذا المعنى
و لذلك قال الحق في الحديث الصحيح كنت سمعه و بصره فجعل كينونته سمع عبد منعوت بوصف خاص و هذا أعظم اتصال يكون من الله بالعبد حيث يزيل قوة من قواه و يقوم بكينونته في العبد مقام ما أزال على ما يليق بجلاله من غير تشبيه و لا تكييف و لا حصر و لا إحاطة و لا حلول و لا بدلية و الأمر على ما قلناه وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ يعني الجماعة الَّتِي كُنَّا فِيها يعني أهل الله المنعوتين بهذه الطريقة من عباد الله الذين قاموا بنوافل الخيرات و داوموا عليها و أقبلوا إلى الله بها و الله يؤيدنا بالعصمة في الاعتقاد و القول و العمل إنه ولي الرحمة الأثر الثاني من الاثني عشر إن المثلين اللغويين لا يلزم من وصف كل واحد منهما بالمثلية لصاحبه المماثل له الاشتراك في صفات النفس لأن المثلية لغوية و عقلية فالعقلية هي التي يشترك بها في صفات النفس و اللغوية بأدنى شبه بأمر ما يكون مثلا له في ذلك الأمر فيكون للمثل حكم مثله من حيث ما هو مثله فيه و قابل له و ما ثم بين العبد الإنسانيالكامل و الحق في ليس كمثله شيء إلا قبوله لجميع الأسماء الإلهية التي بأيدينا و بها صحت خلافته و فضل على الملائكة فالخليفة إن لم يظهر فيمن هو خليفة عليه بأحكام من استخلفه و صورته في التصرف فيه و إلا فما هو خليفة له كما أن الخليفة قد استخلف من استخلفه في ماله و جميع أحواله لما اتخذه وكيلا فهو فيما استخلفه الحق فيه من التصرف في المستخلف عليه لا يتصرف إلا بنظر وكيله فهو المستخلف بالمستخلف فاستخلاف العبد ربه لما اتخذه وكيلا خلافة مطلقة و وكالة مفوضة دورية و استخلاف الرب عبده خلافة مقيدة بحسب ما تعطيه ذاته و نشأته يقول النبي ص لربه عز و جل لما سافر أنت الصاحب في السفر و الخليفة في الأهل فسماه خليفة و الله تعالى قد أقسم بكل معلوم من موجود و معدوم فقال فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَ ما لا تُبْصِرُونَ فأقسم بنفسه و بجميع المعلومات فهل لنا أن نقسم بما أقسم الله تعالى به أو محجور علينا ذلك فلا نكون إذا خلفاء فيما هو محجور علينا و المقسم به قد يقسم بالأمر مضافا أو مفردا فالمفرد و الله لأفعلن كذا و المضاف مثل قول عائشة رضي الله عنها في قسمها و رب محمد فدخل المضاف في المضاف إليه في الذكر بالقسم فعلى هذا الحد يقسم الإنسان الكامل يكل معلوم سواء ذكر الاسم أو لم يذكره و هو بعض تأويلات وجوه قسم الله بالأشياء في مثل قوله تعالى وَ الشَّمْسِ وَ الضُّحى وَ اللَّيْلِ وَ التِّينِ يريد و رب الشمس و رب الضحى و رب التين فما أقسم إلا بنفسه فلا قسم إلا بالله و ما عدا ذلك من الأقسام فهو ساقط ما ينعقد به يمين في المقسوم عليه و لهذا قال تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ و اللغو الساقط فمعناه لا يؤاخذكم الله بالإيمان التي أسقط الكفارة فيها إذا حنثتم وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فلما سقط العقد بالقلب عند اليمين سقطت الكفارة إذا وقع الحنث و لا خلاف بين العلماء أن الكفارة في الايمان المذكورة في القرآن أنها في اليمين بالله لا بغيره و جاء بالإيمان معرفة بالإضافة و الألف و اللام و قد صح عن النبي ص النهي عن اليمين بغير الله فالخليفة ينبغي له أن يكون مع إرادة من استخلفه فيما استخلفه فيه فإن الله يقول وَ الله غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ و الصورة قد تكون في اللسان الأمر و الشأن فقوله إن الله خلق آدم على صورته أي على أمره و شأنه فالله غالب على أمره أي على من أظهره بصورته أي بأمره فإن له حكم العزل فيه مع بقاء نشأته فيدلك ذلك على أنه ما أراد بالصورة النشأة و إنما أراد الأمر و الحكم فالعالم لا يعدل عن سنن العلم و مراد الله في الأشياء و هذا الأمر وحده على الاختصاص من آثار الجوزاء خاصة و هي برج هوائي فطابق الأمر قول النبي ص إن الرب كان في عماء بالمد و الهمزة و هو السحاب الرقيق ما فوقه هواء و ما تحته هواء فنفى عن هذا العماء إحاطة الهواء به و ما تعرض لنفي الهواء فالأمر لله فليست نسبة العماء إليه بأولى من نسبة الهواء فنفى الإحاطة الهوائية بهذا العماء لا بد فيه من نفي المجموع لا الجميع و قد بينا في النفس الرحماني حديث العماء و الجوزاء بين الماء و التراب لأنها بين الثور و السرطان كآدم بين الماء و الطين و لهذا كان حكم الهواء أعم من سائر الأركان لأنه يتخلل كل شيء و له في كل شيء سلطان فيزلزل الأرض و يموج الماء و يجريه و يوقد النار و به حياة كل نفس متنفس و له الإنتاج في الأشجار و هو الرياح اللواقح فهذا الأثر الثاني من الأقسام الاثني عشر و أما الأثر الثالث و هو ما يظهر في العالم مما يمكن أن يستغني عنه و إنما ظهر مع الاستغناء عنه لتظهر مرتبة قوة الاثنين لئلا يقال ما في الوجود إلا الله مع ظهور الممكنات و المخلوقين فيعلم فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ مع وجود العالمين و الاستغناء عنه معقول فجاء في العالم هذا الأمر الذي يمكن أن يستغني عنه مع وجوده لبيان غنى الحق عن العالم فما جعله الله في العالم عبثا فأعطى وجوده مع الاستغناء عنه هذا العلم و هو علم نافع و له نظم خاص يشبه نظم ما لا يستغني عنه مثل وجود الولد عن النكاح و هو مستغني عنه دليلنا نكاح أهل الجنة في الجنة و نكاح العقيم و أما الأثر الرابع فكقوله ص لا تقوم الساعة و على وجه الأرض من يقول الله الله فأتى به مرتين و لم يكتف بواحدة و أثبت بذلك أنه ذكر على الانفراد و لم ينعته بشيء و سكن الهاء من الاسم و هو تفسير لقوله تعالى اذْكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيراً و هو تكرار هذا الاسم و قوله وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ و لم يذكر إلا الاسم الله خاصة و هو مأمور من الله أن يبين للناس ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فلو لا إن قول الإنسان الله الله له حفظ العالم الذي يكون فيه هذا الذكر لميقرن بزواله زوال الكون الذي زال منه و هو الدنيا و هذا الاسم كان ذكرنا و ذكر شيخنا الذي دخلنا عليه و ما في فوائد الأذكار أعظم من فائدته فلما قال الحق وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ و لم يذكر صورة ذكر آخر مع كثرة الأذكار بالأسماء الإلهية فاتخذه أهل الله ذكرا وحده فانتج لهم في قلوبهم أمرا عظيما لم ينتجه غيره من الأذكار فإن بعض العلماء بالرسوم لم ير هذا الذكر لارتفاع الفائدة عنده فيه إذ كل مبتدأ لا بد له من خبر فيقال له لا يلزم ذلك في اللفظ بل لا بد له من فائدة و قد ظهرت في الذاكر به حين ذكره بهذه الكلمة خاصة فنتج له في باطنه من نور الكشف ما لا ينتجه غيره بل له خبر ظاهر لا في اللفظ كإضافة إلى تنزيه أو ثناء بفعل و معلوم أنه إذا ذكر أمر ما ثم ذكر أمر ما و كرر على طريق التأكيد له أنه يعطي من الفائدة ما لا يعطيه من ليس له هذا الحكم و لا قصد به فهو أسرع و أنجح في طلب الأمور فلا عبث في العالم جملة واحدة و أما الأثر الخامس و هو يشبه الرابع كما أشبه قسم الحمل من البروج قسم الأسد و القوس و غيره و إن كان هذا ما هو عين هذا و ينفرد كل واحد منهما بأمر لا يكون لغيره من مماثلة مع كونه على مثله فلهذا وقع الشبه في الآثار كما وقع في الأصل و هو كل ما وقع في العالم و يعطي معنى صحيحا غير ظهوره و لو سقط من العالم لم يختل ذلك الأمر الذي أعطى فيه هذا المعنى و لكنه لا بد أن ينقص عن الأمر الذي يعطيه وجوده و هذه تسمى عوارض الأعطيات التي لا يخل سقوطها و عدم وقوعها بحقيقة ما عدمت منه و إن كان لها معنى كوجود لذة الجماع من غير جماع فحصلت الفائدة التي كان لها الجماع و لكن لحصولها بالجماع معنى لا يحصل إلا بالجماع لأن المقصود بالنكاح الالتذاذ و وجود اللذة و قد وجدت فما أخل سقوط الجماع باللذة و لهذا زوجنا الله بالحور العين و أما الأثر السادس فهو ما يتعلق بصاحب الهمة إذا أراد أن يتكون عنه ما لا يقع بالعادة إلا بآلة فيفعله بهمته لا بآلة و في وقت بآلة فإن الله قادر أن يكون آدم ابتداء من غير تخمير و لا توجه يدين و لا تسوية و لا تعديل لنفخ روح بل يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و مع هذا فخمر طينته بيديه و سواه و عدله ثم نفخ فيه الروح و علمه الأسماء و أوجد الأشياء على ترتيب كما أنه لو شاء جعلنا نكتفي بالعلم به عن أسمائه و لكن تسمى بكذا في كل لسان وضعه في العالم فيسمى بالله في العرب و بخداي في الفرس و بواق في الحبش و في كل لسان له أسماء مع العلم بوجوده و أظهر فائدة ذلك مع الاستغناء عما ظهر و الاكتفاء و من هذا الباب ما يظهر عنا من الأفعال مع أنه يجوز أن يفعلها الله لا بأيدينا و لكن ما وصل إلى هذا الفعل في الشاهد إلا بأيدينا فأراد تحريك الجسم من مكان إلى مكان فجعل فينا إرادة طلب الانتقال فقمنا بحركة اختيارية نعقلها من نفوسنا و انتقلنا و الانتقال خلق الله بالأصل و لكنه وجد عن إرادة حادثة اختيارية بخلاف حركة المرتعش فإنها اضطرارية فالإنسان المختار مجبور في اختياره عند السليم العقل ثم ما من حقيقة لا يظهر حكمها إلا بالمحل فلا تظهر إلا بالمحل فيفرق بين ما يجوز و بين ما لا يجوز فالتحرك محال وجوده إلا في متحرك و من هذا الباب نزوله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الباقي من الليل مع كونه معنا أينما كنا فهذا حكم نزول قد ظهر بفعل ما يمكن حصول ذلك المراد من غير هذا النزول لكن إذا أضفته إلى قوله تعالى فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ كان نزولا و لا بد عن مرتبة الغني لأنه لا يقبل هذا النزول إلا لنسبة إلهية تقتضيها ذاته فلم تكن إلا بنزول فافهم فإن الإضافات لها من الحكم الذاتي ما ليس لغير المضاف و الحقائق لا تتبدل و الشأن إنما هو ظهور حكم في محكوم فهو من وجه تطلبه ذاته و من وجه لا تطلبه ذاته تعالى كالخالق يطلب الخلق و العالم يطلب المعلوم و أما الأثر السابع فوجود الظرفية في الكون هل هي أصل في الكون ثم حملناها على الحق حملا شرعيا أو هي في الحق بحسب ما يليق بجلاله و ظهرت في العالم بالفعل كقول رسول الله ص للسوداء أين الله فأشارت إلى السماء و كانت خرساء قال تعالى وَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و بنية فعيل ترد بمعنى الفاعل و بمعنى المفعول كقتيل و جريح فعليم بمعنى عالم و بمعنى معلوم و كلا الوجهين سائغ في هذه الآية إذا كانت الباء من قوله بكل بمعنى الفاء فهو في كل شيء معلوم و بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ أي له في كل شيء إحاطة بما هو ذلك المعلوم عليه و ليس ذلك إلا لله أو لمن أعلمه الله و أما الأثر الثامن فقوله تعالى فَسْئَلْ به خَبِيراً أي إذا أردت أن تسأل عن حقيقة أمر فاسأل عنه من له فيه ذوق و من لا ذوق له في الأشياء فلا تسأله فإنه لا يخبرك إلا باسم ما سألت عنه لا بحقيقته فلا يسأل العبد عن اللهفإنه لا ذوق له في الألوهة و لا خبرة له بها فما عنده منها إلا الأسماء خاصة فاسأل الله عن الله و اسئل العبد عن العبودة فنسبة العبودة للعبد نسبة الألوهة لله فإخبار الحق عن العبودة اخبارا له و إخبار العبد عن الألوهة إخبار عبد و لذلك ورد من عرف نفسه عرف ربه فيعرف نفسه معرفة ذوق فلا يجد في نفسه للالوهة مدخلا فيعلم بالضرورة أن الله لو أشبهه أو كان مثلا له لعرفه في نفسه و علم بافتقاره أن ثم من يفتقر إليه و لا يمكن أن يشبهه فعرف ربه أنه ليس مثله و إن كان الله قد أقامه خليفة و أوجده على الصورة فيخاف و يرجى و يطاع و يعصى فقد بينا معنى ذلك في هذه الآثار من هذا الباب و أما الأثر التاسع و هو قوله في خلق السموات و الأرض إنه ما خلقهما إلا بالحق أي ما خلقهما إلا له تعالى جده و تبارك اسمه لأنه قال وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فما خلق العالم إلا له تعالى و لذلك قال فيمن علم أنه جعل في نشأته عزة و هما الجن و الإنس وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي ليتذللوا إلي لما ظهر فيهما من العزة و دعوى الألوهة و الإعجاب بنفوسهم فمن لطف الله بهم أن ينبههم على ما أراد بهم في خلقه إياهم فمن تنبه كان من الكثير الذي يسجد لله و من لم يتنبه كان من الكثير الذي حق عليه العذاب و أما قوله في هذه الآية وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ قد يريد به الإنسان وحده من حيث ما له ظاهر و باطن فمن حيث ما له ظاهر هو أنس من آنست الشيء إذا أبصرته قال تعالى في حق موسى إخبارا عنه إِنِّي آنَسْتُ ناراً أي أبصرت و الجن باطن الإنسان فإنه مستور عنه فكأنه قال و ما خلقت ما ظهر من الإنسان و ما بطن إلا ليعبدون ظاهرا و باطنا فإن المنافق يعبده ظاهرا لا باطنا و المؤمن يعبده ظاهرا و باطنا و الكافر المعطل لا يعبده لا في الظاهر و لا في الباطن و بعض العصاة يعبده باطنا لا ظاهرا و ما ثم قسم خامس و ما أخرجنا الجن الذين خلقهم الله من نار من هذه الآية و جعلناها في الإنسان وحده من جهة ما ظهر منه و ما استتر إلا لقول الله لما ذكر السجود أنه ذكر جميع من يسجد له ممن في السموات و من في الأرض و قال في الناس وَ كَثِيرٌ من النَّاسِ فما عمهم و دخل الشياطين في قوله من في الْأَرْضِ و ذلك أن الشيطان و هو البعيد من الرحمة يقول للإنسان إذا أمره بالكفر فكفر إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ فأبان الله لنا عن معرفة الشيطان بربه و خوفه منه فلذلك كان صرف الجن في هذه الآية إلى ما استتر من الإنسان أولى من إطلاقه على الجان و الله أعلم و أما الأثر العاشر فهو ما ظهر في العالم من إبانة الرسل المترجمين عن الله ما أنزل الله على عباده مع إنزال كتبه فما اكتفى بنزول الكتب الإلهية حتى جعل الرسل تبين ما فيها لما في العبارة من الإجمال و ما تطلبه من التفصيل و لا تفصل العبارة إلا بالعبارة فنابت الرسل مناب الحق في التفصيل فيما لم يفصله و أجمله و هو قوله تعالى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ بعد تبليغه ما أنزل إلينا و هذه حقيقة سارية في العالم و لولاها ما شرحت الكتب و لا ترجمت من لسان إلى لسان و لا من حال إلى حال قال تعالى فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و هو ما أنزله خاصة و أما ما فصله الرسول و أبان عنه فهو تفصيل ما نزل لا عين ما نزل و يقع البيان بعبارة خاصة و يعقل بأي شيء كان و أما الأثر الحادي عشر و الثاني عشر فهما المرتبتان من المراتب الثلاثة التي ذكرناها في أول هذه لآثار و هما مرتبة الاتصال بالحق و مرتبة السبب الرابط بين الأمرين و قد تقدم فلنذكر ما في هذا المنزل من العلوم إن شاء الله فمن ذلك علم السبب الموجب لبقاء المؤمن في النعيم في دار النعيم و فيه علم أسباب الفوز و النجاة من الجهل الذي هو شر الشرور و فيه علم ما يستحقه الموطن من الأمور التي تكون بها السعادة للإنسان و قد تظهر في موطن آخر و لا تعطي سعادة و فيه علم كل ما ثبت عينه هل يسقط حكمه أو لا يسقط إلا حكم بعض ما ثبت عينه أو لا يسقط له حكم على الإطلاق بل يسقط عنه حكم خاص لا كل حكم فهل يشتغل بما سقط حكمه أو لا يشتغل به كلغو اليمين فإن الكفارة سقطت عنه في الحنث و فيه علم ما يظهر من الزيادة إذا أضيف الفعل إلى المخلوق بوجه شرعي يوجب ذلك أو كرم خلق عقلي و فيه علم الملإ و الخلأ و فيه علم فعل ما ينبغي و ترك ما لا ينبغي و فيه علم التعدي في حدود الأشياء و هل الحد داخل في المحدود فلا يكون تعديا و إذا دخل كيف صورة دخوله و الفرق بين قوله وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ و قوله أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ و هذا حد بكلمة معينة تقتضي في الواحد خروج الحد من المحدود و في الآخر دخول الحد في المحدود و ينبغي هذا على معرفة الحد في نفسه ما هو فإن للحد حدا و لا يتسلسل و فيه علم العهود و الأمانات و ما هي الأماناتو ما هي العهود و العقود التي أمرنا بها و العهد الإلهي هل له حكم عهد المخلوق أم لا و فيه علم الفضل بين المال الموروث و المكتسب و بأي المالين تقع اللذة أكثر لصاحبه و هو علم ذوق و يختلف باختلاف المزاج فإنه ثم من جبل على الكسل فمال الميراث عنده ألذ لأنه لا تعمل له فيه و منهم أهل الفتوح و من الناس من هو مجبول في نفسه على الرئاسة فيلتذ بالمال المكتسب ما لا يلتذ بالمال الموروث لما فيه من التعمل لإظهار قدرته فيه بجهة كسبه و فيه علم توقف المسببات على أسبابها هل هو توقف ذاتي أم اختياري من الله و فيه علم الاستحالات من حال إلى حال فهل تتبع الأعيان تلك الأحوال فتستحيل من عين إلى عين أم العين واحدة و الاستحالات تقع في الأحوال و المذاهب في ذلك مختلفة فأين الحق منها و فيه علم حفظ الصانع لصنعته هل حفظه لصنعته أو لعين المصنوع فإن الصنعة للصانع قد تكون مستفادة له كصنعة الخياطة و غير ذلك مما لا يحصل إلا بالتعلم و قد تكون الصنعة بالفطرة لا بالتفكر كصنعة الحيوانات كالنحل و العناكب و كلها بالجعل و قد تكون ذاتية كإضافة الصنعة إلى الله و ما معنى قوله مع هذا يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ فنسب التدبير إليه و فيه علم حكمة ما يثبت من الأمور في الكون و ما لا يثبت و ضرب مثل النبي ص بذلك فيما جاء به بالمطر و البقاع فيمن نفعه الله بما جاء به و من لم ينفعه و فيه علم وجود الأعلى من الأدنى فأما في المعاني كوجود علمنا بالله عن وجود علمنا بأنفسنا و فيه علم ما للنيابة في الأمر من الحكم للنائب و فيه علم معرفة الشيء بما يكون منه لا به و في هذا الباب تسمية الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورا له أو كان منه بسبب أو يتضمنه و فيه علم التوحيد المطلوب من العالم ما هو و فيه علم الفضائل حتى يقع الحسد فيها هل هي فضائل لأنفسها أو هي بحكم العرف و الوضع و فيه علم ما يبقى به كل شيء على التفصيل و الاختلاف فما كل واق من شيء يكون واقيا من شيء آخر و ما الأمر الجامع لكل وقاية و فيه علم فائدة وجود الأمثال مع الاكتفاء بالأول من الأمثال و فيه علم الحجب الحائلة بين الناس و بين العلم بالأشياء و فيه علم من اتخذ الجهل علما هل يجد في نفسه القطع به أو تكون نفسه تزلزله في ذلك حتى إذا حقق النظر في نفسه وجد الفرق بين ما يوافق العلم من ذلك و بين ما لا يوافقه و ليس ذلك إلا في الجهل خاصة و أما في الظن و الشك فليس حكمهما هذا الحكم فإن الظان يعلم بظنه و الشاك يعلم بشكه و قد لا يعلم الجاهل بجهله فإنه من علم بجهله فله علم يمكن أن يوصف به و فيه علم حكمة التأييد هل هو عناية أو إقامة حجة أو في موضع عناية و في موضع إقامة حجة بالنظر إلى حال شخصين و فيه علم ما ينسب إلى العالم بالشيء مما لا يستحقه علمه به و مع ذلك ينسبه إلى نفسه كالترجي من العالم بوقوع ما يترجاه أو عدم وقوعه فما يتعلق الرجاء مع العلم و فيه علم حكمة من يأتي الأحسن و هو لا يقطع بثمرته هل ذلك راجع إلى علمه بجهل من أحسن إليه بمرتبة الإحسان أو راجع إلى نفسه لكونه لا يعلم أنه وفى حق الإحسان فيه و فيه علم حكمة استمرار العذاب و الضر على المضرورين من أصحاب الآلام هل ذلك على جهة الرحمة بهم أم لا و فيه علم من استعمل الأمر في غير ما وضع له أو لم يستعمله إلا فيما وضع له إذا كان له وجوه كثيرة متضادة فما خرج عن حكم ما هو له كالمرض له وجه إلى الصبر و له وجه إلى الضجر و فيه علم تذكر الناسي هل ينفعه تذكره أم لا و فيه علم الصادق يسمى كاذبا و فيه علم الاستعاذة و ما يستعاذ به و منه و أين يحمد و في أي موضع يذم و فيه علم ما ينفع من الاعتراف مما لا ينفع فإن للمواطن حكما في الاعتراف و للأحوال فيه حكما أيضا فإن من الناس من يعترف بالخطإ مع بقائه عليه و من الناس من يزول عنه و فيه علم شرف الخطاب و وجود الالتذاذ به و فيه علم حكمة وجود الشك في العالم و فيه علم نجاة المجتهد أخطأ أم أصاب مع توفيته ما آتاه الله من ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ