هذا المنزل يسمى منزل التمكين و إلى ما يؤول إليه أمر كل ما سوى الله و يسمى أيضا منزل العصمة اعلم أن الله تعالى لما خلق العالم جعل له ظاهرا و باطنا و جعل منه غيبا و شهادة لنفس العالم فما غاب من العالم عن العالم فهو الغيب و ما شاهد العالم من العالم فهو شهادة و كله لله شهادة و ظاهر فجعل القلب من عالم الغيب و جعل الوجه من عالم الشهادة و عين للوجه جهة يسجد لها سماها بيته و قبلته أي يستقبلها بوجهه إذا صلى و جعل استقبالها عبادة و جعل أفضل أفعال الصلاة السجود و أفضل أقوالها ذكر الله بالقرآن و عين للقلب نفسه سبحانه فلا يقصد غيره و أمره أن يسجد له فإن سجد عن كشف لم يرفع رأسه أبدا من سجدته دنيا و آخرة و من سجد من غير كشف رفع رأسه و رفعه المعبر عنه بالغفلة عن الله و نسيان الله في الأشياء فمن لم يرفع رأسه في سجود قلبه فهو الذي لا يزال يشهد الحق دائما في كل شيء فلا يرى شيئا إلا و يرى الله قبل ذلك الشيء و هذه حالة أبي بكر الصديق و لا تظن في العالم أنه لم يكن ساجدا ثم سجد بل لم يزل ساجدا فإن السجود له ذاتي و إنما بعض العالم كشف له عن سجوده فعلمه و بعض العالم لم يكشف له عن سجوده فجهله فتخيل أنه يرفع و يسجد و يتصرف كيف يشاء و اعلم أن السجود الظاهر لما كان نقلة من حال قيام أو ركوع أو قعود إلى تطأطؤ و وضع وجه على الأرض يسمى ذلك التطاطؤ سجودا علمنا أنه طرأ على الساجد حالة لم يكن عليها في الظاهر المرئي لأبصارنا فطلبنا من الله الوقوف على منقل هذا المنقول من حال إلى حال فمن الناس من جعل ذلك و أمثاله نسبا و هو الذي أعطاه الكشف الإلهي في العلم بالأكوان التي هي الحركة و السكون و الاجتماع و الافتراق فالحركة عبارة عن كون الجسم أو الجوهر قد شوهد في زمان في حيز أو في مكان ثم شوهد في الزمان الآخر في حيز آخر أو في مكان آخر فقيل قد تحرك و انتقل و السكون أن يشاهد الجوهر أو الجسم في حيز واحد زمانين فصاعدا فسمى إقامته في حيزه سكونا و الاجتماع عبارة عن جوهرين أو جسمين في حيزين متجاورين ليس بين الحيزين حيز ثالث و الافتراق عبارة عن جوهرين أو جسمين في حيزين غير متجاورين بينهما حيز ليس فيه أحدهما فليس الأمر سوى هذا و وافق بعض أهل الكلام أهل الكشف في هذا و بقي من المسألة من هو المحرك هل المتحرك أو أمر آخر فمن الناس من قال المحرك هي الحركة قامت بالجسم فأوجبت له التحرك و الانتقال و اختلفوا في الحركة التي أوجبت التحرك للجسم هل تعلقت بها مشيئة العبد فتسمى اختيارية أي حركة اختيار أو لم يتعلق بها مشيئة المتحرك فتسمى اضطرارية كحركة المرتعش و هذا كله إذا ثبت أن ثم حركة كما زعم بعضهم و لم يختلفوا في إن هذه الأكوان أعراض سواء كانت نسبا أو معاني قائمة بالمحال الموصوفة بها فإنا لا نشك أنه قد عرض لها حال لم تكن عليه و من المحال أن يكون واحد من تلك الأعراض ذاتيا لها و إنما الذاتي لها قبولها و اختلفوا فيمن أوجد تلك الحركة أو السكون إذا ثبت أن ذلك عين موجودة هل هو الله تعالى أو غير الله فمن قائل بهذا الوجه و من قائل بهذا الوجه و سواء في ذلك المرتعش و غير المرتعش و من قائل إن الأكوان لا وجود لها و إنما هي نسب فلمن تستند و نحن نقول في النسبة الاختيارية إن الله خلق للعبد مشيئة شاء بها حكم هذه النسبة و تلك المشيئة الحادثة عن مشيئة الله يقول الله عز و جل وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله فأثبت سبحانه المشيئة له و لنا و جعل مشيئتنا موقوفة على مشيئته هذا في الحركة الاختيارية و أما في الاضطرارية فالأمر عندنا واحد فالسبب الأول مشيئة الحق و السبب الثاني المشيئة التي وجدت عن مشيئة الحق غير إن هنا لطيفة أعطاها الكشف و أشار بها من خلف حجاب الكون و هي قوله وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله فالله هو المشيء بالكشف و إن وجد العبد في نفسه إرادة لذلك فالحق عين إرادته لا غيره كما ثبت أنه إذا أحبه كان سمعه و بصره و يده و جميع قواه فحكم المشيئة التي يجدها في نفسه ليست سوى الحق فإذا شاء الله كان ما شاءه فهو عين مشيئة كل مشيء كما يقول مثبت الحركة إن زيدا تحرك أو إنه حرك يده فإذا حققت قوله على مذهبه وجدت أن الذي حرك يده إنما هي الحركة القائمة بيده و إن كنت لا تراها فإنك تدرك أثرها و مع هذا تقول إن زيدا حرك يده كذلك تقول إن زيدا حرك يده و المحرك إنما هو الله تعالى و اعلم أنه ليسفي العالم سكون البتة و إنما هو متقلب أبدا دائما من حال إلى حال دنيا و آخرة ظاهرا و باطنا إلا إن ثم حركة خفية و حركة مشهودة فالأحوال تتردد و تذهب على الأعيان القابلة لها و الحركات تعطي في العالم آثارا مختلفة و لولاها لما تناهت المدد و لا وجد حكم للعدد و لا جرت الأشياء إلى أجل مسمى و لا كان انتقال من دار إلى دار و أصل وجود هذه الأحوال النعوت الإلهية من نزول الحق إلى السماء الدنيا كل ليلة و استواءه على عرش محدث و كونه و لا عرش في عماء و هذا الذي أوجب أن يكون الحق سمع العبد و بصره و عين مشيئته فبه يسمع و يبصر و يتحرك و يشاء فسبحان من خفي في ظهوره و ظهر في خفائه و وصف نفسه بما يقال فيه إنه صمد لا إله إلا هو يصورنا في الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ و يقلب الليل و النهار و هو معنا أينما كنا و هو أقرب إلينا منا فكثرناه بنا و وحدناه به ثم طلب منا أن نوحده بلا إله إلا الله فوحدناه بأمره و كثرناه بنا
و لما لم تكن الأكوان سوى هذه الأربعة الأحوال فبقي الكلام في الساكن إذا سكن فبمن و إذا تحرك فإلى من و إذا اجتمع فبمن و إذا افترق فعمن
فما ثم إلا الله ما ثم غيره و ما ثم إلا عينه و إرادته
فسكن في الله فهو حيزه إذ كان في علمه و لا عين له فهو هيولاه فتصور بصورة العبد فكان له حكم ما خلق و لَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ وَ النَّهارِ و من المحال أن يكون الأمر خلاف هذا فبه تلبس و عليه أسس بنيانه و ثبت
فما في الكون حركة معقولة كما أنه ما ثم سكون مشهود
فانظر إلى الضد كيف يخفى و ليس شيء سواه يبدو
فأعجب لحركة في عين سكون فإن الخلأ قد امتلأ فالعالم ساكن في خلائه و الحركة لا تكون إلا في خلاء هذه حركة الأجسام و الخلأ ملآن فلا يقبل الزيادة فإنه ما لها أين و كما سكن في الله تحرك إلى الله كما قال وَ تُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أي ارجعوا إلى ما منه خرجتم فإنهم خرجوا مقرين بربوبيته ثم فزعوا فيها فقيل لهم ارجعوا إلى ما منه خرجتم و ليس إلا الله و لا رجوع إليه إلا به إذ هو الصاحب في السفر فإن رجع رجعنا فإن الرجوع لا يكون إلا لمن له الحكم و لا حكم إلا لله ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
و إذا تحركت إليه فهو الهادي أو منه فمن اسمه المضل فحيرك ثم هداك فتاب عليك بالهدى فتحركت إليه بالتوبة فمن مضل إلى هاد و إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى و أما قولنا إذا اجتمع فبمن فنقول اجتمع بالله في عين كونه تولاه الله و هو قوله لعبده هل واليت في وليا فإنه عند وليه فمن والى وليا في الله فقد والى الله و ليس الاجتماع سوى ما ذكرناه ورد في الخبر أن الله يقول يا عبدي مرضت فلم تعدني فيقول يا رب كيف أعودك و أنت رب العالمين فقال يا عبدي أما علمت إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما أنك لو عدته لوجدتني عنده فإن المريض لا يزال ذاكر الله ذكر اضطرار و افتقار و هو الذكر الأصلي الذي أنبنى عليه وجود الممكن و الحق تعالى جليس الذاكر له فمن والى في الله وليا فقد اجتمع بالله فإن كنت أنت وليا فاعلم إن الله أيضا معك فإذا واليت وليا و الله معه فقد اجتمع الله بالله فجمعت بين الله و نفسه فحصل لك أجر ما يستحقه صاحب هذه الجمعية فرأيت الله برؤية وليه فإن كان في الولاية أكبر منك فالله عنده أعظم و أكبر مما هو عندك فإن الله عند أوليائهعلى قدر معرفتهم به فأكثرهم جهلا به و حيرة فيه أعظمهم علما به و إذا لم تحصل لك بولاية ولي الله نسبة الله إلى ذلك الولي الخاص حتى تفرق بين نسبته سبحانه إليك و نسبته تعالى إلى ذلك الولي فما واليته جملة واحدة فيكلمك الحق على لسان ذلك الولي بما يسمع ليفيدك علما لم يكن عندك أو يذكرك و تسمع أنت منه إن كنت وليا تشهد ولايتك فتسمع بالحق إذ هو سمعك ما يتكلم به الحق على لسان ذلك الولي فيكون الأمر كمن يحدث نفسه بنفسه فيكون المحدث عين السامع و هذا ذوق يجده كل أحد من نفسه و لا يعرف ما هو إلا من شهد الأمر على ما هو عليه و أما قولنا الافتراق فعمن فتمام الخبر و هو قوله أو عاديت في عدو أو من عاديته فقد فارقته فإن الهادي يفارق المضل و الضار يفارق النافع فمن أحكم الأسماء الإلهية انفتح له في العلم بالله باب عظيم لا يضيق عن شيء
فالمحقق إذا اعتبر ما يشاهده صاحب الكشف ربما عثر على الحق المطلوب فإنه في غاية الوضوح و الظهور لذي عينين
فالحال يلعب بالعقول و بالنهي كتلاعب الأسماء بالأكوان
فالعداوة و المعاداة من هناك ظهرت في الكون فالعالم المشاهد لا يتغير عليه الحال في عينه بقيام الأضداد به فإنه حق كله فإن فهمت ما أشرنا إليه علمت كيف توالي و كيف تعادي و من تعادي و من يعادي و من تولى و من يولي فسبحان من أوجدك منك و أشهدك إياك و امتن عليك بك ف من عرف نفسه عرف ربه فلم ينسب شيئا إلا إليه و الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و اعلم أن الله لما نسب الألوهة للهوى و جعله مقابلا له فقال لنبيه ع داود فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى و قال أَ فَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ و ليس الهوى سوى إرادة العبد إذا خالفت الميزان المشروع الذي وضع الله له في الدنيا و قد تقرر قوله وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله فقد علمت بمن حكم من حكم بهواه و لهذا قال وَ أَضَلَّهُ الله عَلى عِلْمٍ أي حيره فإن العلم بالله أوجب له الحيرة في الله إذ لا حاكم إلا الله
فمن لم يشاهد هذا المشهد لم يشهد عظمة الله في الوجود و فاته علم كثير يفوت هذا المشهود و اعلم أن الأمر لما كان محصورا في أربع حقائق الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ و قامت نشأة العلم على التربيع لم يكن في طريق الله تعالى صاحب تمكين إلا من شاهد التربيع في نفسه و أفعاله فأقام الفرائض و هي الإقامة الأولى و أقام النوافل و هي الإقامة الأخرى في ظاهره و في باطنه فإن حكم ذلك في الظاهر و في الباطن فعم حكم الله نشأته فإذا شهد هذا ذوقا من نفسه علم ما يثمر له هذا الأمر فله في ظاهره ست جهات و الستة لها الكمال فإنها أول عدد كامل فإن سدسها إذا أضفته إلى ثلثها و نصفها كان كالكل و القلب له ستة وجوه لكل جهة وجه من القلب هو عين تلك الجهة بتلك العين يدرك الحق إذا تجلى له في الاسم الظاهر فإن عم التجلي الجهات كلها من كونه بكل شيء محيطا عم القلب بوجوهه ما بدا له من الحق في كل جهة فكان نورا كله و هناك يقول العبد فعلت يا رب و يخاطبه و يقول أنت كما قال العبد الصالح كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ فظهر الضمير مع كونه ضميرا و المضمر يخالف الظاهر و قد ظهر مع كونه مضمرا في حال ظهوره فيقول في الحق أنه الظاهر في حال بطونه و الباطن في حال ظهوره من وجه واحد فإن كلمة أنت ضمير مخاطب و ليس سوى عينك و أنت مشهود بالخطاب فأنت المضمر الظاهر بخلاف الاسم فأسماء المضمرات أعظم قوة و أمكن في العلم بالله من الأسماء (و حكي) عن بعض العارفين و رأيته منقولا عن أبي يزيد البسطامي أنه قال في بعض مشاهده مع الحق في حال من الأحوال أنانيتي أنانيتك أي كما ينطلق على الاسم المضمر بحقيقته كذلك ينطلق عليك ما هو مثل الاسم الظاهر و لا مثل الوصف الظاهر و هذا عين ما قلناهمن قوة المضمرات و لما وقع في الكون التشبيه و الاشتراك في الصور بحيث أن يغيب أحد الشخصين و يحضر الآخر فيتخيل الناظر إلى الحاضر أن الحاضر عين الغائب وضع الله في العالم الإشارات في الإخبارات و الضمائر لارتفاع هذا اللبس و الفصل بين ما هو و بين من يظهر بصورته و اعتمدوا عليه و لما أخبر الله تعالى أن الإنسان مخلوق على الصورة قال عيسى ع كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ففصل بين الحق و بين من هو على الصورة فكأنه قال كنت من حيث عينك لا من هو على صورتك الرقيب عليهم فناب أنت في هذا الموضع مناب العين المقصودة و لنا جزء في هذه الأسماء المضمرات سميناه كتاب الهو و هو جزء حسن بالغنا فيه في هذه الأسماء المضمرة و هي تقبل كل صورة قديمة و حديثة لتمكنها و علو مقامها و العالم و إن تكثر فهو راجع إلى عين واحدة
فيا ولي لا تعطل زمانك في النظر في الحركات و تحقيقها فإن الوقت عزيز و انظر إلى ما نتجه فاعتمد عليه بما يعطيك من حقيقته فإنك إن كنت نافذ البصيرة عرفت من عين النتيجة عين الحركة و المحرك فإن الحركة حقيقة العين و المحرك من وراء حجاب الكون و النتيجة ظاهرة سافرة معربة عن شأنها فاعتمد عليها فهذه نصيحتي لك يا ولي و لهذا ما نسب الحق إلى نفسه انتقالا إلا و ذكر النتيجة ليعرفك ما هو عين الانتقال المنسوب إليه في نازلة ما مثل قوله ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الباقي من الليل ثم ذكر النتيجة فقال فيقول هل من تائب هل من داع هل من مستغفر و قال مثل هذا كثيرا ليريح عباده من تعب الفكر و الاعتذار فإن المقصود من الحركات ما تنتج لا أعينها و كذا كل شيء فالمبتدأ لو لا الخبر ما كان له فائدة و لكان عبثا الإتيان به و من هنا يعرف قوله أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً و قوله وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا و من هنا يقع التنبيه على معرفة الحكمة التي أوجد الله لها العالم و أن اسمه الحق تعالى حق و قوله فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ إن معناه غني عن وجوده لا عن ثبوته فإن العالم في حال ثبوته يقع به الاكتفاء و الاستغناء عن وجوده لأنه و في الألوهة حقها بإمكانه و لو لا طلب الممكنات و افتقارها إلى ذوق الحالات و أرادت أن تذوق حال الوجود كما ذاقت حال العدم فسألت بلسان ثبوتها واجب الوجود أن يوجد أعيانها ليكون العلم لها ذوقا فأوجدها لها لا له فهو الغني عن وجودها و عن إن يكون وجودها دليلا عليه و علامة على ثبوته بل عدمها في الدلالة عليه كوجودها فأي شيء رجح من عدم أو وجود حصل به المقصود من العلم بالله فلهذا علمنا إن غناه سبحانه عن العالم عين غناه عن وجود العالم و هذه مسألة غريبة لاتصاف الممكن بالعدم في الأزل و كون الأزل لا يقبل الترجيح و كيف قبله عدم الممكن مع أزليته و ذلك أنه من حيث ما هو ممكن لنفسه استوى في حقه القبول للحكمين فيما يفرض له حال عدم إلا و يفرض له حال وجود فما كان له الحكم فيه في حال الفرض فهو مرجح فالترجيح ينسحب على الممكن أزلا في حال عدمه و إنه منعوت بعدم مرجح و الترجيح من المرجح الذي هو اسم الفاعل لا يكون إلا بقصد لذلك و القصد حركة معنوية يظهر حكمها في كل واحد بحسب ما تعطيه حقيقته فإن كان محسوسا فرغ حيزا و شغل حيزا و إن كان معقولا أزال معنى و أثبت معنى و نقل من حال إلى حال و في هذا المنزل من العلوم علوم شتى منها علم الدعاء المقيد و الدعاء المطلق و ما ينبغي أن يقال لكل مدعو و يعامل به و منها علم الحركات و أسبابها و نتائجها و منها علم منزلة من تكلم فيما لا يعلم و يتخيل أنه يعلم هل ما تكلم به علم في نفس الأمر أم ليس بعلم أم يستحيل أن يكون إلا علما لكن لا يعلمه هذا المتكلم و هل ظهر مثل هذا في العالم و هو خلق لله لتمييز المراتب فيعلم به مرتبة الجهل من العلم و الجاهل من العالم أو ما ثم إلا علم و منها علم تعيين من جعل الله الحيرة في العالم على يديه و هل الحيرة تعطي سعادة على الإطلاق أو شقاوة أو فيها تفصيل منها ما يعطي سعادة و منها ما يعطي شقاوة و هل المتحير فيه هل كونه متحيرا فيه اسم مفعول لذاته أم يمكن أن لا يتحير فيه و فيه علم سبب الاحتراق الذي يجده صاحب الحيرة في باطنه في حال حيرته و هل إذا علم الحائر أن الذي تحير فيهلا يكون العلم به إلا عين التحير فيه فيزول عنه ألم الاحتراق و منها علم نصب الأدلة كيف رتبها الله للعقلاء أصحاب النظر و الإستبصار و منها علم غريب و هو هل يمكن أن يمر على القابل للعلوم زمان لا يستفيد فيه علما أم لا و منها علم الرتبة الإلهية هل تحجب عن الله أو تدل على الله و صفة من تحجبه و صفة من تكون له دلالة على خالقه و منها علم كون الله ما أوجد واحدا قط و لا يصح و إنما أوجد اثنين فصاعدا معا من غير تقدم في الوجود و لا تأخر و منها علم كون الحق لا تثبت له أحدية إلا في ألوهيته و أما في وجوده فلا بد من معقولين فصاعدا فاجعل ذلك ما شئت إما نسبا أو صفات بعد أن لا تعقل أحدية و منها علم تعلق الأسماء الإلهية بالكائنات و منها علم سعى الآخرة إلى أن تجيء و من أين جاءت و ما هذه الحركة المنسوبة إليها و منها علم معقول الدنيا و الآخرة ما هو و منها علم جهل من أعرض عن الله و أينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله فكيف يشقى من أقبل على وجه الله و إن لم يقصد الإقبال على وجه الله و هو في نفس الأمر مقبل على وجه الله معرض عن وجه الله و متى ينطلق على الإنسان الإقبال على الله بكل وجه و ذلك إذا كان الإنسان وجها كله و عينا كله لم يصح في حق من هذه صفته إعراض عن الله و منها علم غريب و هو أنه لا يرجع إلى الإنسان إلا ما خرج منه للأصل الذي يعضده و هو قوله وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و منه بدا الأمر كله و إليه يعود و هذا معنى قوله ص إنما هي أعمالكم ترد عليكم فاجهد إن لا يخرج عنك إلا ما تحمد رجوعه إليك و منها علم من يكون مع الله على آخر قدم ما يصنع و لا يكون ذلك إلا في حضرة التكليف إذ لا أجر إلا فيه فابحث على علم هذا و منها علم الربح و الخسران و ما يقع فيه الربح و الخسران و هل ثم موطن للإنسان يكون فيه لا يكون دنيا و لا آخرة و أعني بالآخرة الدار الآخرة التي جاءت الشرائع بها عن الله و منها علم ما انقسم بالحال في الدنيا انقسم بالدار في الأخرى ففي الآخرة منزلان جنة و جهنم و في الدنيا منزلتان عذاب و نعيم أو ألم و لذة فإذا كان الإنسان في حال يقال فيه إنه لا صفة له كدعوى أبي يزيد فهل صاحب هذه الدعوى هو الذي له الموطن الذي ليس بدنيا و لا آخرة و منها علم ما يؤول إليه حال من ترك الأخذ بالأهم فالأهم و فيه علم الأمور العوارض ما لها من الأثر في العالم و منها علم خزائن الأرزاق و قول بعض الصالحين و قد شكى إليه شخص كثرة العائلة فقال له أدخل إلى بيتك و انظر كل من ليس له رزق على الله فأخرجه فقال له كلهم رزقهم على الله فقال له فما تضرك كثرتهم أو قلتهم و منها علم الفصل بالشهود و الكشف بالحكم و فيه علم الفرق بين الإرادة و المشيئة و الهمة و العزم و القصد و النية و فيه علم ما للنائب من صفات من استنابه هل يقوم بها كلها أو ما يطلبه من استنيب فيه و منها علم مراتب القول و بما ذا ينسب السوء إليه من الحسن من الطيب و منها علم بيان الطرق الموصلة إلى الثناء على الله بطريق التنزيه و الإثبات و منها علم ما يقع به التساوي بين الأشقياء و السعداء في الدنيا و منها علم الميل إلى الأكوان و الميل إلى جانب الحق و ما يحمد من ذلك و ما يذم و منها علم إقامة نشأة ما نسب الحق إلى نفسه مما لا يقوم إلا على أيدي عباده و منها علم الكور و الحور و اللازم و القائم و الخاضع و النازل و منها علم الإعلام بتكرار القصد إلى الحق في الأمور التي دعا الحق عباده إليها من العبادات و منها علم السبل القريبة و البعيدة و السالكين فيها و احتساب الآثار إذا كان السلوك فيها و عليها مشروعا و غير مشروع لكن يقتضيه العقل السليم و النظر الصحيح و تعيين القرب الإلهية في ذلك من غير توقيف و ما يصح من ذلك و ما لا يصح و منها علم الحمد لله على آلائه القريبة المناسبة من الإنسان و منها علم ما لكل موجود من المنافع في العالم و منها علم الموانع في العالم و ما منعت عقلا و شرعا و منها علم ظهور المعدوم في صورة الموجود و تميزه في الوجود من الوجود الحقيقي و منها علم النحل و الملل و منها علم ما لا ينتفع به إلا بعد إزالة ما ينتفع به منه و منها علم أحوال السائلين و ما يليق بكل سائل من الجواب و منها علم ما يقبل الحق من أعمال عباده مما لا يقبل مع كونه ليس بمحرم و لا مذموم و منها علم الفرق بين العظمة الإلهية و الكبرياء و منها علم الإحسان و معرفة ماهيته و منها علم صفة من ينوب الحق عنه في صرف ما يسوءه مع وجود ما يسوءه و منها علم المعارضة بالمثل و منها علم عواقب الأسماء الحسنى و منها علم العمارة و الخراب و حكمهما في الدنيا و الآخرة و منها علم الرجوع عن الحق ما يؤثر في الراجع و منها علم تقدير الواحد بالكثير كما قال بعضهم
و ما على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
و منها علم تقدير التخالج في الحديث و ما يرفع من ذلك و ما لا يرفع و منها علم عرض الفتن على القلوب و حكم من أنس بها من غيره و منها علم السبب المبقي للشاك على شكه مع التمكن من النظر المخرج عن الشك فلم يفعل و منها علم الفرق بين الايمان و العلم و ما بين العالم و المؤمن من المراتب و منها علم تتبع الحق مراضي عباده الذين تتبعوا مراضيه جزاء وفاقا و منها علم تأخير البيان مع التمكن من استعجال إيضاحه لأمر يراه العالم مع الحاجة إليه و منها علم صفة من يطلبه العفو الإلهي و منها علم ما ينبغي أن يكشف من العلوم و ما ينبغي أن يستر منها و منها علم تداخل عالم الغيب في الشهادة و عالم الشهادة في الغيب و منها علم الاستدراج و المكر و منها علم كل علم غايته العمل فلم تظهر غايته ما العلة في ذلك و منها علم كون السماء كالخيمة لا كالكرة المجوفة و أن هيأة السموات على خلاف ما ذكره أصحاب علم الهيئة و لما ذا يرجع سير الكواكب هل لأنفسها أو لفلك دائر بها و فيه علم ما لا ينبغي فيه تنازع لوجود الإمكان العقلي فيه و منها علم ما يؤثر العلم به في نفس العالم به و منها علم استحالة خلق العالم أعيان الجواهر و منها علم المصطفى المختار من كل نوع من العالم و من كل جنس و منها علم الآباء و الأبناء في المعاني و غير المعاني و منها علم التعلق بالأسباب و ترك التعلق بها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى السفر الرابع و العشرون
( (بسم الله الرحمن الرحيم))