قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثالث و الستون و ثلاثمائة في معرفة منزل إحالة العارف ما لم يعر

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
وضع الموازين للحسابجاء به ناطق الكتاب
كتاب ذات بلا يراعو لا مداد و لا اكتساب
و لا صفات و لا نعوتو لا ذهاب و لا إياب
فإن يتب للذي اعتراهقابلة قابل المتاب
طالبه الشكر في قدورو في جفان مثل الجوابي

هذا منزل التوحيد العقلي أعني توحيد الأفعال أي لا فاعل إلا الله و هو منزل شريف فاعلم إن العالم لم يزل في حال عدمه مشاهد الواجب الوجود لأنه لم يزل في عدم مرجح و هو ثابت العين و قد وصفه الحق في حال عدمه بالسمع و الطاعة له فلم يستحل عليه إضافة المشاهدة و لهذا لم ينكره أحد من الممكنات في حال وجوده إلا أن هذا الموجود الإنساني وحده من بين العالم أشرك بعضه به ممن غلب عليه حجاب الطبع و هو ما اعتاد أن يسمع و يطيع و يعبد بالأصالة إلا لرب يشهده و قد صير ذلك المعبود حجاب الطبع غيبا له فاتخذ ما اتخذ من الموجودات التي يشهدها و يراها إما من العالم السماوي كالكواكب و إما من العالم الأسفل كالعناصر أو ما تولد عنها ربا يعبده على المشاهدة التي اعتادها و سكنت نفسه بها إليه و توهم في نظره أن ذلك المتخذ إلها يشهد الحق و أنه أقرب إليه منه فعبد نفسه له خدمة ليقربه إلى الله عز و جل كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا ما نَعْبُدُهُمْ يعني الآلهة الذين اتخذوها للعبادة إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى فأكدوه بزلفى و كان هذا عن نظر و اجتهاد ثم رأوا أصحاب الشرائع المنزلة الإلهية قد قيدوا الناس بالسجود و وضع الوجوه على الأرض و الركوع و الاستقبال على طريق القربة إلى الله في جهة معينة و تقبيل حجر قالوا لنا إنه يمين الله و جاءوا بتعظيم شعائر و أعلام محدثات أضافوها إلى الله و جعلوا تعظيمنا إياها أي لتلك الشعائر و المناسك من تقوى القلوب و قرنوا بذلك التعظيم إذا ظهر منا سعادتنا فزادهم ذلك اعتمادا على ما قرروه و نصبوه من الآلهة و الشرائع و لم يفرقوا بين ما هو وضع لله في خلقه و بين ما وضعوه لأنفسهم من أنفسهم و كلامنا إنما هو مع الأئمة أصحاب النظر الأول الذين وضعوا هذه الأمور معبودة لهم على طريق القربة إلى الله عز و جل ثم إنهم مما اغتروا به ما رأوه و سمعوه في الشرائع الإلهية من سعادة المجتهد على الإطلاق سواء أخطأ أو أصاب فالأجر له محقق بعد استيفاء النظر في حقه و الاجتهاد في زعمه على قدر ما أعطاه اللهفي نفسه من الاستعداد فتخيلوا فيما ليس ببرهان أنه برهان على ما طلبوه فما اتخذوه إلها إلا عن برهان في زعمهم و هو قوله وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به يعني في زعمه فدل على أنه من قام له برهان في نظره إنه غير مؤاخذ و إن أخطأ فما كان الخطاء له مقصودا و إنما كان قصده إصابة الحق على ما هو عليه الأمر و أصل هذا كله أن لا يعبد غيبا لأنه بالأصالة ما تعوده و لهذا جاء جبريل ع ليعلم النبي ص و أصحابه ما هو الأمر عليه في صورة أعرابي فقال النبي ص أ تدرون من هذا أو قال ردوا على الرجل فالتمس فلم يجدوه فقال النبي ص لأصحابه لما أدبر هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم و كان فيما سأله إن قال له ما الإحسان فقال له النبي ص في الجواب أن تعبد الله كأنك تراه لما علم إن العبادة على الغيب تصعب على النفوس ثم تمم و قال فإن لم تكن تراه فإنه يراك أي أحضر في نفسك أنه يراك و هو نوع آخر من الشهود من خلف حجاب تعلم أن معبودك يراك من حيث لا تراه و يسمعك فما أتانا الشرع في هذا كله إلا بما كان فيه لهؤلاء اغترار و إليه استناد و لذلك قال تعالى يُضِلُّ به كَثِيراً وَ يَهْدِي به كَثِيراً و قال يُضِلُّ من يَشاءُ وَ يَهْدِي من يَشاءُ و هو الذي يرزق الإصابة في النظر و الذي يرزق الخطاء فخرج من مضمون هذا كله إن العبادة لا تتعلق من العابد إلا بمشهود أو كالمشهود لا سبيل إلى الغيب و هذا من رحمة الله الخفية و ألطافه و ما خرج عمن ذكرناه إلا المقلدة فبهم ألحق الشقاء فجعل لهم الحق في الشرع المنزل مستندا من رحمته فيهم يستندون إليه فيه فقال فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ و أهل الذكر هم أهل القرآن فإن الله تعالى يقول إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ و هو القرآن و هم أهل الاجتهاد و منهم المصيب و المخطئ فإذا سأل المقلد من أخطأ من أهل الاجتهاد في نفس الأمر و عمل بما أفتاه فإنه مأجور لأنه مأمور بالسؤال فاستند مقلد و النظار الذين أخطئوا في نظرهم في الأصول مع توفية ما أداهم إليه استعدادهم فيما أفتوهم به من اتخاذهم الآلهة دون الله و إن لم ينظروا فإن الله ما كلف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و هو ما جعل فيها فعمت رحمته الأئمة و المأمومين فما في العالم إلا موحد أي مستند إلى واحد و قد علمت من هذا المساق ما الشرك و ما صفة المشرك و قد أعذرهم الله من وجه فقال لهم لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً هذا إذا قصد العبد فعل الذنب معتقدا أنه ذنب فكيف حال من لم يتعمد إتيان الذنب و اتخذ ذلك قربة لشبهة قامت له فهو أحق بالمغفرة و أما مؤاخذته أهل الشرك على القطع بقوله إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به فهو ظاهر لقرينة الحال و أما من طريق اللسان فهو الواقع فإن الله ما ستر الشرك على أهل الشرك بل ظهروا به فهو إخبار بما وقع في الوجود من ظهور الشرك و ستر ما دون ذلك لمن يشاء أن يستر فإن ثم أمورا لم تظهر لعين و لا لعقل كما جاء في وصف الجنة فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و لكن قرائن الأحوال تدل على القطع بمؤاخذة المشركين ثم لم يذكر سبحانه ما هو الأمر عليه فيهم بعد المؤاخذة التي هي إقامة الحد عليهم في الآخرة يوم الدين الذي هو الجزاء فيدخلون النار مع بعض آلهتهم ليتحققوا مشاهدة أن تلك الآلهة لا تغني عنهم من الله شيئا لكونهم اتخذوها عن نظرهم لا عن وضع إلهي فانظر يا ولي في عدل الله و فضله فله الحمد على كل حال و هذا حمد نبوي صحيح فإن الثناء على كل حال من مشرك و غير مشرك فإن المشرك كما قلنا ما جعل العظمة و الكبرياء إلا لله و جعل الآلهة كالسدنة و الحجاب فما عبدوهم إلا من أجله و إن أخطئوا فيهم فما أخطئوا إلا في الأحدية فهم أيضا من الحامدين لله إذ كانوا أهل ثناء على الله بتوحيد عظمته و إيثاره على هؤلاء الحجبة فاجعل بالك لرحمة الله السابغة الواسعة التي بسطها الله على خلقه ترشد للحق إن شاء الله و أما اختلاف العقائد في الله في أصحاب الشرائع الإلهية و غيرهم فإن العالم لو آخذهم الله تعالى بالخطاء لآخذ كل صاحب عقيدة فيه فإنه قد قيد ربه بعقله و نظره و حصره و لا ينبغي لله إلا الإطلاق فإن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ فهو يقيد و لا يتقيد و لكن عفا الله عن الجميع فمن أراد إصابة الحق و إن يوفيه حقه و فقه لعلمه بسعته و اتساعه و أنه عند اعتقاد كل معتقد مشهود لا يصح أن يكون مفقودا عند اعتقاد المعتقد فإنه ربط اعتقاده به وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ فصاحب هذا العلم يرى الحق دائما و في كل صورة فلا ينكره إذا أنكره من قيده و مع هذا فالله قد عفا عمن قيده بتنزيه أو تشبيه من أئمة الدين ثم انظر في شهادة الله عز و جل عند نبيه ص في حقالمشركين وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ من خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله فهو تنبيه عجيب و لما قيل لهم اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ و ما رأوا له عينا و لا يعلمونه إلا مسمى الله و لم يعلموا أنه عين مسمى الرحمن فتخيلوا في الرحمن أنه شريك لله فأنكروا ذلك و لم ينكروا ذلك فيمن نصبوه إلها على ما قررناه لأنهم عالمون بأسماء من نصبوهم آلهة من دون الله فعلموا بأسمائهم أنهم ليسوا في الحقيقة في الألوهة مثله فإن له تعالى عندهم توحيد العظمة و الكبرياء و دلهم بالسجود للرحمن على عبادة غيب ف قالُوا وَ ما الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَ زادَهُمْ نُفُوراً لأنهم ما علموا في الغيب إلا إلها واحدا فقال الله لنبيه ص ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فتعجبوا من ذلك غاية العجب لأنهم تخيلوا أن مسمى الرحمن ليس هو مسمى الله و إن كان لكل واحد الأسماء الحسنى و ذلك لما أعمى الله بصائرهم و كثف أغطيتهم فلم يعقلوا عن الله ما أراد بما أنزله في حقهم و جعل الحق ذلك أيضا مستندا لهم حيث جاء إليهم باسم يطلب مسمى لا يعرفون هذه العلامة له حين علم ذلك أهل الله و خاصته

فالله و الرب و الرحمن و الملكحقائق كلها في الذات تشترك
فالعين واحدة و الحكم مشتركلذا بدا الجسم و الأرواح و الفلك
و كلها أدوات بين خالقناو بيننا و لهذا يضمن الدرك
جاءت بها رسل الرحمن قاطبةمع الكتاب الذي قد ساقه الملك

و اعلم أن العلم بالله له طريقان طريق يستقل العقل بإدراكه قبل ثبوت الشرع و هو يتعلق بأحديته في الوهته و أنه لا شريك له و ما يجب أن يكون عليه إلا له الواجب الوجود و ليس له تعرض إلى العلم بذاته تعالى و من تعرض بعقله إلى معرفة ذات الله فقد تعرض لأمر يعجز عنه و يسيء الأدب فيه و عرض نفسه لخطر عظيم و هذا الطريق هو الذي قال فيه الخليل إبراهيم ع لقومه أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ من دُونِ الله أَ فَلا تَعْقِلُونَ فنبههم على إن العلم بالله من كونه إلها واحدا في الوهته من مدركات العقول فما أحالهم إلا على أمر يصح منه أن ينظر فيعلم ينظره ما هو الأمر عليه و الطريق الآخر طريق للشرع بعد ثبوته فأتى بما أتى به العقل من جهة دليله و هو إثبات أحدية خالقه و ما يجب له عز و جل و المسلك الآخر من العلم بالله العلم بما هو عليه في ذاته فوصفه بعد أن حكم العقل بدليله بعصمته فيما ينقله عن ربه من الخبر عنه سبحانه مع لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و إن لا يضرب له مثل بل هو الذي يضرب الأمثال لأنه يعلم و نحن لا نعلم فنسب إليه تعالى أمورا لا يتمكن للعقل من حيث دليله أن ينسبها إليه و لا يتمكن له ردها على من قام الدليل العقلي عنده على عصمته فأورثه ذلك حيرة بين الطريقين و كلا الطريقين صحيحان لا يقدر على الطعن على أحدهما فمن العقلاء من تأول تأويل تنزيه و تأييد و عضد تأويله ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و بقوله وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ و من العقلاء من سلم علم ذلك إلى من جاء به أو إلى الله و من العقلاء من أهل اللسان من شبه و عذر الله كل طائفة و ما طلب من عباده في حقه إلا أن يعلموا أنه إله واحد لا شريك له في الوهته لا غير و أن لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى بما هي عليه من المعاني في اللسان و قرن النجاة و السعادة بمن وقف عند ما جاء من عنده عز و جل في كتبه و على ألسنة رسله ع

إذا أبان الحق عن نفسهبنفسه في كتبه فاعتقد
فما علينا من جناح بهو ذلك العلم به فاعتقد
فإن حظ العقل من علمهبه الذي ينفي وجود العدد
و إنه في شأنه واحدو إنه الله الذي لَمْ يَلِدْ
كذاك لَمْ يُولَدْ و لمن رامهبعقله عن فكره لا تزد

و برهان ذلك يا ولي اختلاف المقالات فيه من العقلاء النظار و اتفاق المقالات فيه من كل من جاء من عنده من رسول و نبي و ولي و كل مخبر عن الله و لو وقف العاقل من المؤمنين على معنى قوله في كتابه وَ لَمْ يُولَدْ و علم إن ما أنتجه العقل من فكره بتركيب مقدمتيه أن تلك النتيجة للعقل عليها ولادة و إنها مولودة عنه و هو قد نفى أن يولد فأين الايمان و ليس المولود إلا عينه بخلاف ما إذا أنتج العقل نسبة الأحدية له فما معقولية الأحدية للواحد عين من نسبت إليهالأحدية فللعقل على الأحدية ولادة و على الاستناد إليه ولادة و على كل لا يكون له على عينه ولادة فأما هويته و حقيقته فما لعقل عليها ولادة و قد نفى ذلك بقوله وَ لَمْ يُولَدْ و من هنا تعرف أن كل عاقل له في ذات الله مقالة إنما عبد ما ولده عقله فإن كان مؤمنا كان طعنا في إيمانه و إن لم يكن مؤمنا فيكفيه إنه ليس بمؤمن و لا سيما بعد بعثة محمد ص العامة و بلوغها إلى جميع الآفاق و إن لله عبادا عملوا على إيمانهم و صدقوا الله في أحوالهم ففتح الله أعين بصائرهم و تجلى لهم في سرائرهم فعرفوه على الشهود و كانوا في معرفتهم تلك على بصيرة و بينة بشاهد منهم و هو الرسول المبعوث إليهم فإن الله جعل الرسل شهداء على أممهم و لأممهم فمع كون هذا المؤمن على بينة من ربه حين تجلى له تلاه في تلك الحال شاهد منه و هو الرسول فأقامه له في الشهود مرآة فقال له هذا الذي جئتك من عنده فلما أبصره ما أنكره بعد ذلك مع اختلاف صور التجلي فربما كني عنه من هذه حالته من المؤمنين بما وصف نفسه في كتبه أو على ألسنة رسله أو وصفته به رسله فآمن العاقل المؤمن يذلك من كتاب الله و قول الرسول و كفر بذلك من قول صاحب هذه الحالة من المؤمنين المتبعين و أما غير المؤمنين فهم الذين يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ من النَّاسِ و هم الورثة الذين دعوا إلى الله على بصيرة كما دعوا الرسل قال تعالى عنه ص أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي و معنى البصيرة هنا ما ذكرناه أي على الكشف مثل كشف الرسل فكيف آمن بهذا المؤمن من الرسول و كفر به بعينه من التابع رسول الله ص أخيه المؤمن إذا جاء به فلا أقل من أن يأخذه منه حاكيا و ما رأينا و لا سمعنا عن صاحب كشف إلهي من المؤمنين خالف كشفه ما جاءت به الرسل جملة واحدة و لا تجده فقد علمت الفرق بين العقلاء في معرفة عينه و بين الرسل و الأولياء و ما جاءت به الكتب المنزلة في ذلك فالمؤمن عند ما أعطاه سبيله و العاقل عند ما أعطاه دليله

و أين حكم العقل من حكمهسبحانه جل على نفسه
هيهات لا يعرفه غيرهإلا به إذ ليس من جنسه
و العقل قد أدخل معبودهبفكره القاصر في حبسه
و قال هذا ولدي صنتهفي خلدي فهو على قدسه
كلام حال فإذا حوقلواقالوا تعالى الله في نفسه
فخالقي المخلوق لي فاعتبرفي فرعه الأعلى و في رأسه

فعليك بعبادة الله التي جاء بها الشرع و ورد بها السمع و لا تكفر بما أعطاك دليلك المؤدي إلى تصديقه و قصارى الأمر إن تسلم له و لأمثاله مقالته في ربه لثبوت صدقه و ثبوت المؤمن على اتباعه فإذا أنصفت في الأمر و علمت ما نطقت به الرسل ع في حق الله جوزت أن تهب من تلك المعرفة نفحة على قلوب المتبعين من المؤمنين تؤديهم إلى الموافقة في النطق و إنه حيث كان لسان الحق فتسلمه في الفرع كما سلمته في الأصل بجامع الموافقة و إياك و الكفران فإنه غاية الحرمان فتكون من الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ف اعْبُدْ رَبَّكَ المنعوت في الشرع حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ فينكشف الغطاء و يحتد البصر فترى ما رأى و تسمع ما سمع فتلحق به في درجته من غير نبوة تشريع بل وراثة محققة لنفس مصدقة متبعة و هذا باب يتسع المجال فيه لاتساع الأفعال فإن توحيد الأفعال يتسع باتساعها فإن نسب الأفعال لا تنتهي بل هي في مزيد ما دام الفعل يظهر من الفاعل و منه طلب المزيد في قوله تعالى رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فإن له في كل فعل تجليا خاصا لا يكون إلا لعين ذلك الفعل و لهذا يتميز كل فعل عن غيره بما يخصه من التجلي

قد قلت في الحق الذي قلتهلا ترعوي فيه و لا تأتلي
فإنه الحق الذي جاءنيمن عنده و هو العليم الولي
فكيف لي برده و هو ليمؤيد بكشفه كيف لي

قال الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فأتى بكاف الصفة في نفي المماثلة عن المثل المفروض و لها عموم النفي حتى تقترن بها حال مخصصة إذ قصارى الناظر في ذلك التوقف حتى يرى ما تعطيه قرائن الأحوال فيها و هذه آية صاحب الدليل العقلي لكنه جاء هذا للنفي و الإثبات للمثلية باللسان العربي و المماثلة في اللسان على غير المماثلة التي اصطلح على إطلاقها العقلاء فيحتاج العاقل أن يتكلف دليلا على إن الحق أراد المماثلة العقلية و لا دليل يطلب من صاحب اللسان فيها فإنه بلسانه نزلت و على اصطلاحه و مثل هذا لا يدرك بالقياس و لا بالنظر فإنه يرجع إلى قصد المتكلم و لا يعرف ما في نفس المتكلم إلا بإفصاحه عما في نفسه و قد قال تعالى وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ و العربي لا يعرف المماثلة العقلية و لا ينكرها إذا سمعها و كل لفظ ورد في وصف الله تعالى معرى عن لفظة المثل و حرف كاف الصفة فقد تعرى عن أدوات التشبيه و لحق بالألفاظ المشتركة و اعلم أن كاف الصفة لا فرق بينها و بين لفظة المثل و إن كان لهذا الحرف مواطن من جملتها موطن الصفة فإذا وردت في موطن الصفة في اللسان و هو أن تقول زيد كعمرو فإن العرب لا تريد إلا الإفادة فمن المحال أن تجيء بمثل هذا و تريد به أنه يماثله في الإنسانية و هي المماثلة العقلية و إنما تريد أنه كعمرو في الكرم مثلا أو في الشجاعة أو في الفصاحة أو في العلم أو في الحسن و ما أشبه ذلك مما دل عليه الحال بقرينته عند السامع لتقع له الفائدة فإذا قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فلا بد أن يقول فيما ذا أو يدل عليه قرينة الحال في المجلس و لا سيما و قد أردف نفي المماثلة بقوله وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و هاتان صفتان محققتان في المخلوق فلا بد أن تحقق ما نفى و أن يعلم هل هي كاف الصفات أو غيرها مما يطلبه اللسان منها بما وضعها له فإن كانت كاف صفة هنا فما نفى إلا مماثلة المثل أن يماثل فأثبت المثل له بالهاء التي في مثله و هي ضمير يعود على الحق و معلوم أن المثل ليس عين مماثله و لو كان عين من هو مثل له ما كان مثلا له لا عقلا و لا شرعا فوجود المثل عين إثبات الغير بلا شك فإن عمت المماثلة فهي العقلية بلا شك و لا ينكرها اللسان و إن خصت فهي لما خصت له حقيقة لا مجازا مثل زيد كالبحر لاتساعه في العلم أو في الجود و من العلماء من جعل الكاف في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ زائدة فإن كانت جاءت لمعنى فما هي زائدة فإن ذلك المعنى الذي سيقت له لا يظهر و لا يحصل إلا بها في نفس المخاطب فانتفى إن تكون زائدة فإن الله ما خلق شيئا باطلا و لا عبثا و الزائد لغير معنى إنما هو عبث و العرب من المحال أن تجيء بزائد لغير معنى فإذا جاءت بهذا الحرف جاءت به لمعنى فهو لما جاءت به فإن المتكلم لا يجيء بالكلمة فيما يقوله النحوي زائدة إلا لقصد التوكيد فإذا زالت زال التوكيد فإذا ما هي زائدة فإن الكلام المؤكد ما استقل دونها و ما يقوم مقامها فإذا أكد تعالى نفي المثل فما هي زائدة فجعل تأكيد نفي المثل في مقابلة من أثبت المثل فرضا و وجودا في زعمه و الصحيح في هذه الكاف أنها كاف الصفة بقرائن الأحوال أي لو فرض له مثل لم يماثل ذلك المثل فأحرى إن لا يماثل فهو أبلغ في نفي المماثلة في اللسان ثم نقول في قولنا بقرائن الأحوال لكون الحق ما وصف الإنسان الكامل إلا بما وصف به نفسه فنفى مماثلة الإنسان الكامل أن يماثله شيء من العالم و يعضد هذا قوله إنه خلق آدم على صورته فهذا خبر يقع به الأنس للنفس فما في العالم زائد لغير معنى لأنه ما فيه عبث و لا باطل بل كل ما فيه مقصود لمعنى فإن قلت فأين المماثلة في الفعل قلنا بيان هذا من وجهين الوجه الواحد أن يفعل بآلة ظاهرة فإذا قمت في توحيده في الأفعال جعلنا آلة له فيفعل بنا ما ينسب في الشاهد لنا فعله فنحن له كالقدوم للنجار و الإبرة للخائط مثلا هذا إذا جعلناه مثلا لنا فإذا جعلنا أنفسنا مثلا له و هو الوجه الآخر من الوجهين في الجواب و هو الفعل بالإرادة و القصد و هي آلة باطنة فإنها نسبة فهو يفعل بالإرادة فإذا كان الإنسان صاحب همة نافذة فإنه يفعل بهمته كان مثلا له و لا يوجد ذلك في كل إنسان من هذا النوع فإنما نحن به و له فيفعلنا و يفعل بنا و يفعل فينا فلا يثبت التوحيد في الأعمال إلا أن نكون آلة لا بد من ذلك و الله العالم و المعلم الذي اطلع من شاء على ما شاء من علمه و في هذا المنزل من العلوم علم ما بقي من الزمان لقيام الساعة و فيه علم الفرق بين ما ينزل من العلم على قلوب العلماء من حضرة الربوبية و حضرة الرحمانية دون غيرهما من الحضرات الإلهية و فيه علم ما ينبغي أن يكون عليه صاحب هذا العلم من الصفة و هل يصح هذا العلم لمن لا يرفع به رأسا أم لا و فيه علم الأسرار التي لا تذاع و فيه علم الرد و القبول و فيه علم الفرق بين الرؤيا و المبشرات و أن الرؤيا أعم و المبشرات أخص فإن الإنسان قد يرى ما يحدث به نفسه و ما يلعب به الشيطان أو يحزنه و لو لم يكن لذلك أثرفيمن رويت له أو رآها لنفسه ما أثبت الشارع لذلك الخوف مزيلا و هو قوله أن يتفل صاحب الرؤيا المفزعة على يساره ثلاثا و يستعيذ بالله من شر ما رأى فإنها لا تضره و ليتحول من شقه الذي كان عليه نائما حين الرؤيا إلى شقه الآخر فإنها تتحول بتحوله كما يحول صاحب الاستسقاء رداءه عند الدعاء فيحول الله حالة الجدب بالخصب و يرمي شرها عمن اتخذه معاذا فلم يؤثر فيه إذ هو ليس بمحل للأثر و إن كان قد ورد و لكن على وجه خاص فقد ورد في الشرع أن العبد يفعل فعلا يسخط به ربه و يفعل فعلا يرضي به ربه و فيه علم في أي صورة يستعمل الدليل العقلي و في أي صورة لا يستعمل و فيه علم حقائق الأشياء التي بالعلم بها يصح أن تكون معلومات و فيه علم الحدود الإلهية الموضوعة في العالم في الدنيا و الآخرة و تنتهي أوقاتها و فيه علم العلم المولد من غير المولد علم ما ظهر عن الفكر و التدبر و الرؤية و فيه علم مقارعة الوجود العدم و في أي حضرة أو ميدان يجتمعان و ليس لهما ميدان مقارعة إلا الممكنات فالمرجح غالب و المرجوح مغلوب و فيه علم التوحيد الإلهي و أماكنه ستة و ثلاثون و فيه علم ما يعلل و ما لا يعلل و فيه علم ما ينبغي أن يتخذ عدة للشدائد من الأسباب و غيرها و ما ثم غير سبب تدفع به و فيه علم الفصل و الوصل و لهما بابان في هذا الكتاب و فيه علم الأصل الذي منه أو به ظهرت الأكوان و أعيان العالم و فيه علم من هو العالم و من يحفظ عليه صورته و من لا يحفظ عليه صورته و فيه علم نسبة الحركة إلى العالم العلوي و ما يطلب بتلك الحركة و فيه علم الانتقال من حال إلى حال و ما أصل ذلك و فيه علم نشأة الإنسان على الانفراد و أعني بالإنسان الإنسان الحيوان و فيه علم التثبت في الأمور و ما سبب و ما ينتج و فيه علم العجز و القصور و من هو أهله و فيه علم الحافظ و الحفظ و المحفوظ من حيث ما هو محفوظ و المحفوظ به و فيه علم الزيادة و النقص و أن الدنيا من حين خلقها الله ما زالت تنقص و أن الآخرة من حين شرع النقص في الدنيا ما زالت تزيد فيه في كل يوم في مزيد و الدنيا في كل يوم أيضا في نقص و فيه علم من علم أنه لا يكون منه كون كذا لما طولب بكون ذلك كمن يطلب القيام من المقعد الذي لا يصح منه القيام و لما ذا يريده مع علمه بأنه لا يستطيعه و فيه علم عناية الحق بعبده في حال لا يتصف فيه العبد بالعقل و لا بالوجود كأبي يزيد و أمثاله من الأولياء و كعيسى و يحيى من الأنبياء و فيه علم إقامة الحجج و فيه علم ما يستقل العقل بإدراكه مما لا يستقل بإدراكه و فيه علم طيب الخبيث عند الخبيث و فيه علم نسبة الإصابة لكل مجتهد و معنى نسبة الخطاء إلى المجتهد و أن ذلك الخطاء علم في نفس الأمر و حكم الله و فيه علم الصنائع العملية بالفطرة و الرؤية و التعليم فهذه ثلاثة أحوال فهي بالفطرة في الحيوان و بالتعليم في الضعيف العقل و الرؤية و بالرؤية و التدبير في القوي العقل الصحيح الفكر و النظر و فيه علم ما يتقى و من يتقي و بما ذا يتقى و أصناف المتقين و فيه علم الفرق بين البلاء و الابتلاء و فيه علم القرين الصالح هل الصلاح فيه بالجعل أو بالأصالة و فيه علم حكم الجزاء الوفاق المناسب بالاتفاق و فيه علم أحوال الندم و متى يتعين وقته و فيه علم التبديل و التحويل في الصور مع بقاء العين و هل ينتقل الاسم بانتقال الحال أم لا و فيه علم ترتيب الكتب الإلهية مع أن الكلام واحد في نفسه و كيف ينسب للمتأخر التقدم على من هو متأخر عنه و فيه علم ما تعطيه العبادة من العلوم و فيه علم عموم رحمة المخلوق و هو من أسنى العلوم و أخفاها و فيه علم ما يمكن أن يكون فيه التساوي بين المخلوقات و بين ما لا يكون و فيه علم التنزيه و مكانة الخلق من الحق و الحق من الخلق وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ