اعلم أيها الولي الحميم أن الله جعل من السماء إلى الأرض معارج على عدد الخلائق و ما في السموات موضع قدم إلا و هو معمور بملك يسبح الله و يذكره بما قد حد له من الذكر و لله تعالى في الأرض من الملائكة مثل ذلك لا يصعدون إلى السماء أبدا و أهل السموات لا ينزلون إلى الأرض أبدا كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ و أن لله تعالى أرواحا من الملائكة الكرام مسخرة قد ولاهم الله تعالى و جعل بأيديهم ما أوحى الله في السموات من الأمور التي قد شاء سبحانه أن يجريها في عالم العناصر و جعل سبحانه معارج الملائكة من الكرسي إلى السموات ينزلون بالأوامر الإلهية المخصوصة بأهل السموات و هي أمور فرقانية و جعل من العرش إلى الكرسي معارج لملائكة ينزلون إلى الكرسي بالكلمة الواحدة غير منقسمة إلى الكرسي فإذا أوصلت الكلمة واحدة العين إلى الكرسي انفرقت فرقا على قدر ما أراد الرحمن أن يجري منها في عالم الخلق و الأمر و من النفس رقائق ممتدة إلى العرش منقسمة إلى فرقتين للقوتين اللتين النفس عليهما و هو اللوح المحفوظ و هو ذو وجهين و تلك الرقائق التي بين اللوح و العرش بمنزلة المعارج للملائكة و المعاني النازلة في تلك الرقائق كالملائكة و من النفس التي هي اللوح إلى العقل الذي هو القلم توجهات استفادة و من العقل إليها توجهات إفادة ذاتية لا اختيار له فيها يحصل عن تلك التوجهات من العلوم للنفس بما يكون في الكون ما لا يحصى كثرة و منالعقل إلى الله افتقار ذاتي و من الله إلى العقل إمداد ذاتي عن تجل إرادي فيعلم من علوم التفصيل في ذلك التجلي الإجمالي ما يزيده فقرا إلى فقره و عجزا إلى عجزه لا ينفك و لا يبرح على هذه الحالة فينزل الأمر الإلهي في ذلك التجلي الإرادي بالإمداد الذاتي إلى العقل فيظهر في التوجهات العقلية إلى التوجهات النفسية ذلك الأمر الإلهي بصورة عقلية بعد ما كان في صورة أسمائية فاختلفت على ذلك الأمر الإلهي الصور بحسب الموطن الذي ينزل إليه فينصبغ في كل منزل صبغة ثم ينزل ذلك الأمر الإلهي في الرقائق النفسية بصورة نفسية لها ظاهر و باطن و غيب و شهادة فتتلقاه الرقائق الشوقية العرشية فتأخذه منها فينصبغ في العرش صورة عرشية فينزل في المعارج إلى الكرسي على أيدي الملائكة و هو واحد العين غير منقسم في عالم الخلق و قد كان نزل من النفس إلى العرش منقسما انقسام عالم الأمر فلما انصبغ بأول عالم الخلق و هو العرش ظهر في وحدانيته الخلق و هو أول وحدانية الخلق و هو أول وحدانية الخلق فهو من حيث الأمر منقسم و من حيث الخلق واحد العين كالصوت الخارج من الصدر إلى خارج الفم عين واحدة لا يظهر فيه كمية أصلا فتقسمه المخارج إلى حروف متعددة تزيد على السبعين و هو عين ذلك الصوت الواحد فينصبغ ذلك الأمر الإلهي في الكرسي بصورة غير الصورة التي كان عليها و ما من صورة ينصبغ فيها و يظهر بها إلا و الأخرى التي كان عليها مبطونة فيه لا تزول عنه و الأولى أبدا من كل صورة روح للصورة التي تظهر فيها من أول الأمر إلى آخر منزل تلك الروح تمد هذه الصورة الظاهرة فينزل الأمر الإلهي من الكرسي على معراجه إلى السدرة إن كان لعالم السموات القصد و إن كان لعالم الجنان لم ينزل من ذلك الموضع و ظهر سلطانه في الجنان بحسب ما نزل إليه إما في حورها أو في أشجارها أو في ولدانها أو حيث عين له من الجنان فإذا نزل إلى السموات على معراجه نزلت معه ملائكة ذلك المقام النازل منه و معه قوى أنوار الكواكب لا تفارقه فتتلقاه ملائكة السدرة فتأخذه من الملائكة النازلة به و ترجع تلك الملائكة بما تعطيها ملائكة السدرة من الأمور الصاعدة من الأرض فتأخذها و ترجع بها و تبقي أرواح الكواكب معه فإن كان فيه مما تحتاج الجنة إليه من جهة ما فيها من النبات أخذته من السدرة العلية و فروعها في كل دار في الجنة و هي شجرة النور و إليها تنتهي حقائق الأشجار العلوية الجنانية و السفلية الأرضية و أصولها شجرة الزقوم و فروع أصلها كل شجر مر و سموم في عالم العناصر كما إن كل نبات طيب حلو المذاق فمن ظاهر السدرة في الدنيا و الجنة فهذه السدرة عمرت الدنيا و الآخرة فهي أصل النبات و النمو في جميع الأجسام في الدنيا و الجنة و النار و عليها من النور و البهاء بحيث أن يعجز عن وصفها كل لسان من كل عالم ثم إن الأمر الإلهي يتفرع في السدرة كما تتفرع أغصان الشجرة و يظهر فيه صور الثمرات بحسب ما يمده من العالم الذي ينزل إليه و قد انصبغ بصورة السدرة فينزل على المعراج إلى السماء الأولى فيتلقاه أهلها بالترحيب و حسن القبول و الفرح و يتلقاه من أرواح الأنبياء و الخلق الذين قبضت أرواحهم بالموت و كان مقرها هنالك و تتلقاهم الملائكة المخلوقة من همم العارفين في الأرض و تجد هنالك نهر الحياة يمشي إلى الجنة فإن كان له عنده أمانة و لا بد منها في كل أمر إلهي فإن الأمر الإلهي يعم جميع الموجودات فيلقيه في ذلك النهر مثل ما أعطى السدرة فيجري به النهر إلى الجنان و في كل نهر يجده هنالك مما يمشي إلى الجنة و هنالك يجد النيل و الفرات فيلقي إليهما ما أودع الله عنده من الأمانة التي ينبغي أن تكون لهما فتنزل تلك البركة في النهرين إلى الأرض فإنهما من أنهار الأرض و يأخذ أرواح الأنبياء و ملائكة الهمم و عمار السماء الأولى منه ما بيده مما نزل به إليهم و يدخل البيت المعمور فيبتهج به و تسطع الأنوار في جوانبه و تأتي الملائكة السبعون ألفا الذين يدخلونه كل يوم و لا يعودون إليه أبدا و هم ملائكة قد خلقهم الله من قطرات ماء نهر الحياة فإن جبريل ع ينغمس في نهر الحياة كل يوم غمسته فيخرج فينتفض كما ينتفض الطائر فيقطر منه في ذلك الانتفاض سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكا كما يخلق الإنسان من الماء في الرحم فيخلق سبعين ألف ملك من تلك السبعين ألف قطرة بسبعين ألف ملك الذين يدخلون البيت المعمور كل يوم قال رسول الله ص في الحديث الصحيح في البيت المعمور إنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدافانظر ما أوسع ملك الله ثم ينصب المعراج من السماء الأولى إلى السماء الثانية فينزل فيه الأمر الإلهي و هو على صورة السماء الأولى فينصبغ بصورة المعراج الذي ينزل فيه و معه الملائكة الموكلون به من السماء الأولى و معه أرواح البروج و الكواكب الثابتة كلها و ينزل معه ملك من قوة كيوان لا بد من ذلك فإذا وصل إلى السماء الثانية تلقته ملائكتها و ما فيها من أرواح الخلائق المتوفين و ملائكة الهمم و قوة بهرام الذي في السماء الثانية فيعطيهم ما بيده لهم و ينزل إلى الثالثة و هو على صورة الثانية فينصبغ بصورة السلم الذي ينزل فيه و الحال الحال مثل ما ذكرنا إلى أن ينتهي إلى السماء السابعة و هي السماء الدنيا فإذا أدى إليهم ما بيده لهم و معه قوة صاحب كل سماء فتحت أبواب السماء لنزوله و نزلت معه قوى جميع الكواكب الثوابت و السيارة و قوى الأفلاك و قوى الحركات الفلكية كلها و كل صورة انتقل عنها مبطونة فيه فكل أمر إلهي ينزل فهو اسم إلهي عقلي نفسي عرشي كرسي فهو مجموع صور كل ما مر عليه في طريقه فيخترق الكور و يؤثر في كل كرة بحسب ما تقبله طبيعتها إلى أن ينتهي إلى الأرض فيتجلى لقلوب الخلق فتقبله بحسب استعداداتها و قبولها متنوع و ذلك هو الخواطر التي تجدها الناس في قلوبهم فبها يسعون و بها يشتهون و بها يتحركون طاعة كانت تلك الحركة أو معصية أو مباحة فجميع حركات العالم من معدن و نبات و حيوان و إنسان و ملك أرضي و سماوي فمن ذلك التجلي الذي يكون من هذا الأمر الإلهي النازل إلى الأرض فيجد الناس في قلوبهم خواطر لا يعرفون أصلها و هذا هو أصلها و رسله إلى جميع ما في العالم الذي نزل إليه ما نزل معه من قوى الكواكب و حركات الأفلاك فهؤلاء هم رسل هذا الأمر الإلهي إلى حقائق هؤلاء العالم فتنمو به الناميات و تحيي به أمور و يموت به أمور و يظهر التأثيرات العلوية و السفلية في كل عالم بتلك الرسل التي يرسلها في العالم هذا الأمر الإلهي فإنه كالملك فيهم و لا يزال يعقبه أمر آخر و يعقب الآخر آخر في كل نفس بتقدير العزيز العليم فإذا نفذ فيهم أمره و أراد الرجوع جاءته رسله من كل موجود بما ظهر من كل من بعثوا إليه صورا قائمة فيلبسها ذلك الأمر الإلهي من قبيح و حسن و يرجع على معراجه من حيث جاء إلى أن يقف بين يدي ربه اسما إلهيا ظاهرا بكل صورة فيقبل منها الحق ما شاء و يرد منها ما شاء على صاحبها في صور تناسبها فجعل مقر تلك الصور حيث شاء من علمه فلا يزال تتابع الرسل إلى الأرض على هذه المعارج كما ذكرنا فلنذكر من ذلك حال أهل الله مع هذا الأمر الإلهي إذا نزل إليهم و ذلك أن المحقق من أهل الله يعاين نزوله و تخلفه في الجو في الكور إذا فارق السماء الدنيا نازلا ثلاث سنين و حينئذ يظهر في الأرض فكل شيء يظهر في كل شيء في الأرض فعند انقضاء ثلاث سنين من نزوله من السماء في كل زمان فرد و من هنا ينطق أكثر أهل الكشف بالغيوب التي تظهر عنهم فإنهم يرونها قبل نزولها و يخبرون بما يكون منها في السنين المستقبلة و ما تعطيهم أرواح الكواكب و حركات الأفلاك النازلة في خدمة الأمر الإلهي فإذا عرف المنجم كيف يأخذ من هذه الحركات ما فيها من الآثار أصاب الحكم و كذلك الكاهن و العرافون إذا صدقوا و عرفوا ما يكون قبل كونه أي قبل ظهور أثر عينه في الأرض و إلا فمن أين يكون في قوة الإنسان أن يعلم ما يحدث من حركات الأفلاك في مجاريها و لكن التناسب الروحاني الذي بيننا و بين أرواح الأفلاك العالمين بما تجري به في الخلق ينزل بصورتها التي اكتسبته من تلك الحركات و الأنوار الكوكبية على أوزانها فإن لها مقادير ما تخطئ و همة هذا المنجم التعالي و همة هذا الكاهن قد انصبغت روحانيته بما توجهت إليه همته فوقعت المناسبة بينه و بين مطلوبه فأفاضت عليه روحانية المطلوب بما فيها في وقت نظره فحكم بالكوائن الطارئة في المستقبل و أما العارفون فإنهم عرفوا إن لله وجها خاصا في كل موجود فهم لا ينظرون أبدا إلى كل شيء من حيث أسبابه و إنما ينظرون فيه من الوجه الذي لهم من الحق فينظر بعين حق فلا يخطئ أبدا فإذا نزل الأمر الإلهي على قلب هذا العارف و قد لبس من الصور بحسب ما مر عليه من المنازل كما قررناه فأول صورة كان ظهر بها للعقل الأول صورة إلهية أسمائية و هي خلف هذه الصور كلها و هذا العارف همه أبدا مصروف إلى الوجه الخاص الإلهي الذي في كل موجود بعين الوجه الخاص الإلهي الذي لهذا العارف المحقق فينظر في ذلك الأمر من حيثالصورة الأولى الإلهية و يترك الوسائط و ينزل من تلك الصورة على جميع الصور من أعلى إلى أسفل و في كل صورة ما ينظر إليها إلا من حيث ذلك الوجه الخاص بها بوجهه الخاص به إلى أن ينتهي على جميع الصور فيعرف من ذلك الأمر الإلهي جميع ما في العالم من العقل الأول إلى الأرض من الأسرار الإلهية حين يعلم الكاهن أو العراف و أمثال هؤلاء ما يكون في العالم العنصري خاصة من الحوادث ثم إن العارف يكسو ذلك الأمر الإلهي من حلل الأدب و الحضور الإلهي في أخذه منه و النور و البهاء ما إذا صعد به الأمر الإلهي على معراجه تتعجب منه ملائكة السموات العلى فيباهي الله به ملائكته و يقول هذا عبد جعل في الحضيض و في أسفل سافلين بالنسبة إليكم فما أثر فيه منزله و لا حكم عليه موطنه و لا حجبته عني كثرة حجبه و خرق الكل و نظر إلي و أخذ عني فكيف به لو كان مثلكم بلا حجب ظلمانية كثيفة عنصرية فيقول السامعون المخاطبون سبحانك ذلك فضلك تختص به من تشاء من عبادك منة منك و رحمة و أنت ذو الفضل العظيم فلا يضاهي هذا العبد أحد من خلق الله إلا العقل الأول و الملائكة المقربون المهيمون و ما ثم قلب بهذه المثابة من هذا العالم إلا قلوب الأفراد من رجال الله كالخضر و أمثاله و هم على قدم محمد ص فهذا قد ذكرنا يسيرا من صورة تنزل الملائكة على قلب المحمدي الواقف و يتضمن هذا المنزل من العلوم علم الأرواح العلوية و الأرواح البرزخية و علم ما يفتح الله به على الصادق في طلب العلم النافع و علم التمييز و الترجيح و علم الإلقاء و اللقاء و الكتابة و علم القرآن و علم ما يكون و علم الغيب و علم المقادير و علم رد الأشياء إلى أصولها و علم الذهاب و علم الآخرة و علم إلحاق الثاني بالأول و علم نشء العالم و علم الاستقرار في المكان و المكانة و علم الحياة و علم طول العالم و عرضه و عمقه و من أين اكتسبه و علم حوادث الجو و ما سببها و هي الآثار العلوية و علم مواطن الصمت و الكلام و علم الجمع و التفرقة و هو من علم النسب و علم دقائق المكر و علم التقوى أي الذي تنتجه التقوى في قوله وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله و أين منه قوله إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و علم الإحسان أي ما ينتجه الإحسان و علم الإمهال من اسمه الحليم و علم الحقائق و علم الخشوع و علم منزلة كلام الله من كلام المخلوقين وَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فإنه أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً و أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السابع و ثلاثمائة في معرفة منزل تنزل الملائكة على الموقف المحمد
تنسمت أرواح العلى حين هبتو مرت سحبرا بالرياض فنمت
أ في عالم الأنفاس من هو مثلناو هل حبهم فيها كمثل محبتي
فقال لسان الحق إن مسيركمعلى السنة المثلى دليل تتمتي
فأظهرت عنكم سر جودي و نقمتيو أخفيت فيكم سر علمي و حكمتي
فمن كان ذا عين يرى ما جلوتهو من كان أعمى فهو من أصل حيرتي
فكل مقام فهو من عين جودهو كل كيان فهو من أصل نشأتي