قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السادس و ثلاثمائة في معرفة منزل اختصام الملإ الأعلى من الحضرة ا

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
تخاصم الملإ العلوي برهانمع اعتراض بدا منهم و نسيان
على تناسبنا في أصل خلقتنافي الطبع و هو كمال فيه نقصان
إن الطبيعة دون النفس موضعهافحكمها في الهباء الكل جثمان
و إن تولد عن روح و عن فلكعناصر هي في الأبيات أركان
فكل جسم له روح مدبرةمن طبعه فهو نوام و يقظان
و كل جسم فإن الطبع يحكمهفالجسم و الروح تنور و بركان
فانظر ترى عجبا إذ ليس يخرج عنحكم الطبيعة أملاك و إنسان
و ما أنا قلت هذا بل أتتك بهالأنبياء و توراة و قرآن

و أما ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم علم المقامات مقامات الملائكة من العالم و مرتبتهم و هل يعلم ذلك هنا أو في الدار الآخرة و علم المقام الذي ظهر منه في العالم علم الخلاف الواقع في العالم و الجدلي و ما له من أحوال الأسماء الإلهية المعارضة كالغفار و المنتقم إذا طلب كل واحد منهما حكمه في العاصي و علم الأرض و لأي سبب وجدت و علم الجبال و هل هي من الأرض أم لا و هل وجدت دفعة أو كما ذهبت إليه الحكماء و علم النكاح الساري في العالم العقلي و المعنوي و الحسي و الحيواني و علم النوم و هل هو في الجنة أم لا و هل له حكم في العالم الإلهي و علم الليل و النهار و اليوم و الزمان و علم السموات و علم الشمس و علم المولدات و علم الغيوب و علم الآخرة و ما يتعلق به من تفاصيله و علم الأسباب الأخروية و علم كلام الرحمن و هل ينسب إليه الكلام كما ينسب إلى الاسم الله أم لا و علم السكتة العامة و علم ما جاءت به الرسل من التعريفات لا من الأحكام فهذه أمهات المسائل من العلوم التي يتضمنها هذا المنزل فلنذكر منها ما يسر الله على لساني و الله المؤيد سبحانه و المعين و عليه أتوكل و به أستعين يقول الله تعالى مخبرا عن نبيه ص ما كانَ لِي من عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ و لما قال النبي ص في أن اختصام الملإ الأعلى في الكفارات و نقل الاقدام إلى الصلاة في الجماعات و إسباغ الوضوء في المكاره و التعقيب في المساجد أثر الصلوات فمعنى ذلك أي هذه الأعمال أفضل و معنى أفضل على وجهين الواحد أي الأعمال أحب إلى الله من هذه الأعمال و الوجه الآخر أي الأعمال أعظم درجة في الجنة للعامل بها و أما أسرار هذه الأعمال فهي التي يطلبها هذا المنزل فاعلم ابتداء أن الملائكة ع لو لم تكن الأنوار التي خلقت منها موجودة من الطبيعة مثل السموات التي عمرتها هؤلاء الملائكة فإنها كانت دخانا و الدخان و البخار من عالم الطبيعة فالبخار غايته دون دائرة الزمهرير و ذلك أن الأبخرة إنما تصعد بما فيها من الحرارة و تنزل عن الدخان بما فيها من الرطوبة فإن الأبخرة عن الحرارة التي في الأرض فإن هذه العناصر مركبة من الطبائع الأربع غير أنه ما هي في كل واحدة منها على الاعتدال فما غلب عليه برده و رطوبته سمي ماء و كذلك ما بقي فالبخار الخارج من الماء و الأرض إنما هو بما فيهما من الحرارة و إنما علا الدخان فوق كرة الأثير لغلبة الحرارة و اليبوسة عليه لأن كمية الحرارة و اليبس فيه أكثر من الرطوبة و لذلك كانت السموات أجساما شفافة و خلق الله عمار كل فلك من طبيعة فلكه فلذلك كانت الملائكة من عالم الطبيعة و نعتوا بأنهم يختصمون و الخصام لا يكون إلا فيمن ركب من الطبائع لما فيها من التضاد فلا بد فيمن يتكون عنها إن يكون على حكم الأصل فالنور الذي خلقت منه الملائكة نور طبيعي فكانت الملائكة فيها الموافقة من وجه و المخالفة من وجه فهذا سبب اختلاف الملإ الأعلى فيما يختصمون فيه فلو أن اللهيعلمهم بما هو الأفضل عنده من هذه الأعمال و الأحب إليه ما تنازعوا و لو أنهم يكشفون ارتباط درجات الجنان بهذه الأعمال لحكموا بالفضيلة للأعلى منها و إنما الله سبحانه غيب عنهم ذلك فهم في هذه المسألة بمنزلة علماء البشر إذا قعدوا في مجلس مناظرة فيما بينهم في مسألة من الحيض الذي لا نصيب لهم فيه بخلاف المسائل التي لهم فيها نصيب و إنما قلنا ذلك لأن الكفارات إنما هي لإحباط ما خالف فيه المكلف ربه من أوامره و نواهيه و الملائكة قد شهد الله لهم بالعصمة أنهم لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ به و ما بلغنا إن عندهم نهي و إذا لم يعصوا و كانوا مطيعين فليس لهم في أعمال الكفارات قدم فهم يختصمون فيما لا قدم لهم فيه و كذلك ما بقي من الأعمال التي لا قدم لهم فيها فهم مطهرون فلا يتطهرون فلا يتصفون في طهارتهم بالإسباغ و الإبلاغ في ذلك و غير الإسباغ و كذلك المشي إلى مساجد الجماعات لشهود الصلوات ليس لهم هذا العمل فإن قلت فإنهم يسعون إلى مجالس الذكر و يقول بعضهم لبعض هلموا إلى بغيتكم فاعلم إن الذكر ما هو عين الصلاة و نحن إنما نتكلم في عمل خاص في الجماعة ليس لهم فيه دخول مثل ما لبني آدم فإنهم ليسوا على صور بنى آدم بالذات و إنما لهم التشكل فيهم و قد علم جبريل ع رسول الله ص الصلوات بالفعل و تلك من جبريل حكاية يحكيها للتعليم و التعريف بالأوقات و أما التعقيب أثر الصلوات فإنما ذلك للمصلين على هذه الهيئة المخصوصة التي ليست للملائكة فما اختصموا في أمر هو صفتهم فلهذا ضربنا مسألة الحيض مثلا و سبب ذلك أن الملائكة تدعو بنى آدم في لماتها إلى العمل الصالح و ترغبهم في الأفضل فلهذا اختصمت في الأفضل حتى تأمرهم به و بعد أن نبهناك على سبب الخصام فلنبين لك ما اختصموا فيه فاعلم إن الكفارات إنما شرعت لتكون حجبا بين العبد و بين ما عرض إليه نفسه من حلول البلايا بالمخالفات التي عملها مأمورا كان بذلك العمل أو منهيا عنه فإذا جاء المنتقم بالبلاء المنزل الذي تطلبه هذه المخالفة وجدت هذه الأعمال قد سترته في ظل جناحها و اكتنفته و صارت عليه جنة و وقاية و الاسم الغفار حاكم هذه الكفارات فلم يجد البلاء منفذا فلم ينفذ فيه الوعيد لغلبة سلطان هذا العمل المسمى كفارة و الكفر الستر و منه سمي الزراع كافرا لأنه يستر البذر في الأرض و يغطيه بالتراب و قد أشار إلى ذلك ص حيث قال في الزاني إن الايمان يخرج منه حتى يصير عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الايمان و ذلك أن الزاني أو المخالف في حال الزنا يطلبه البلاء و العقوبة من الله إما في حال الزنا أو عقبه فإن كان في حال الزنا فله من البلاء على قدر ما مضى منه فإنه قد يطرأ عارض يمنعه من تمام الفعل و هو إنزال الماء أو خروج الذكر من الفرج فيجد الايمان على الزاني كالظلة و هو حجاب قوي فلا يستطيع النفوذ معه و لا الوصول إليه فإذا كان الزاني في حال الزنا محفوظا معصوما من البلاء لشرف الايمان في الدنيا فما ظنك به في الآخرة فإن صولته في الآخرة أتم من حكمه في الدنيا فالكفارات كلها جنن هذه مرتبتها لا تزيد عليها و ما زاد على ذلك من درجة في الجنة أو منزلة فهو ما خرج في ذلك العمل من حد كونه كفارة و الكفارة لا ترفع الدرجات و إنما هي عواصم من هذه القواصم و أما قوله كفارات جمع كفارة ببنية المبالغة أنباء بذلك على أنه لصورة العمل الواحد أنواع كثيرة من البلاء و ذلك لأن العمل يتضمن حركات مختلفة و لكل حركة بلاء خاص من عند الله فيكون هذا العمل المكفر له في كل بلاء تطلبه المخالفة سترا يستره به من الوصول إليه و التأثير فيه فهو و إن كان مفردا للفظ فهو متكثر في المعنى و كذلك عمل الكفارة فهو واحد من حيث الاسم و هو كثير من حيث أجزاؤه فإن كان العمل لا يتجزأ كالتوبة التي هي مكفرة فالبلاء الخاص الذي تدفعه هذه التوبة هو بلاء واحد لا تعداد فيه و لا كثرة فإن الأمور الإلهية تجري على موازين إلهية قد وضعها الله في العالم و لا سيما في العقوبات فلا تطفيف فيها أصلا و إذا كان الشيء الواحد و إن لم يكن معصية كفارات مختلفة مثل الحاج يحلق رأسه لأذى يجده أو المتمتع أو المظاهر أو من حلف على يمين فرأى خيرا منها فإن مثل هذا له كفارات مختلفة أي عمل مكفر فعل سقط عنه الآخر فقام هذا العمل الواحد مقام ما بقي مما سقط عنه فإن كانت اليمين غموسا فإن الكفارة فيه ككفارة سائر الخطايا فيتصور خطاب الملائكة أي كفارات التخيير أولى بأن يفعل أو لما ذا تكون كفارة و ما عمل شيئا تجب أو تتوجه فيه العقوبة حتى تكون هذه الكفارة تدفعه فعن أي شيء تستره فالملأ الأعلى يختصمون في مثل هذا أيضا فالعالم صاحبالميزان ينظر في الذي وقع عليه اليمين فيخرج من الكفارة المخير فيها ما يناسب ما حلف عليه ما لم يكن فيها فمن لم يجد و كذلك في الفداء و هذا كله مما يكون فيه النظر و يؤدي إلى التنازع فالظاهر من هذا الأمر أن الملائكة لهم نظر فكري يناسب خلقهم و لهذا من الحقائق الإلهية قوله تعالى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ ثم ختم الآية لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ أي تثبتون على موازين الحكم و مما يؤيد هذه الحالة قوله تعالى في الأخبار الإلهية ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي الحديث فوصف نفسه بالتردد الذي يوصف به المحدث من القوة المفكرة و هو في الملائكة اختصامهم فيما ذكرنا فإن كنت ذا فهم فانظر فيما دللنا به من الخبر الإلهي الصحيح و أما قوله في خصامهم في نقل الاقدام أو السعي إلى الجماعات له من الحقائق الإلهية من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا و من تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا و من أتاني يسعى أتيته هرولةو قوله تعالى و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم و قوله ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فافهم مناسبة هذه الصفة العملية من بنى آدم من الحقائق الإلهية فكلامهم في مثل هذه أي الحقائق الإلهية أقرب مناسبة لهذا الفعل فاختلفوا و كذلك قوله إسباغ الوضوء على المكاره له من الحقائق الإلهية قوله تعالى في الأخبار الإلهية في قبضه نسمة عبده المؤمن يكره الموت و أنا أكره مساءته فوصف نفسه بأنه يكره و كذلك من هذه الحقيقة يسبغ المؤمن الوضوء على كره منه من أجل شدة البرد فله الأجر أجر الكراهة من هذه الحقيقة الإلهية و كذلك قوله فيما يختصمون فيه التعقيب و هو الجلوس في المسجد بعد الفراغ من الصلاة له من الحقائق الإلهية قوله تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و ما تفرغ لنا إلا منا قال تعالى يَسْئَلُهُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ فالعبد إذا فرغ من الصلاة فقعد في المسجد يذكر ربه تعالى عقيب الصلاة فانتقل من مناجاته في حالة ما إلى مناجاته في حالة غيرها في بيت واحد فمن مقام سنفرغ لكم يكون له الميزان على هذا العمل فقد ارتبطت هذه الأعمال بالحقائق الإلهية التي وقعت فيها المناظرة بين الملإ الأعلى و فيها تفاصيل يطول ذكرها من المناسبات وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ