قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الخامس و ثلاثمائة في معرفة منزل ترادف الأحوال على قلوب الرجال م

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
حقائق الحق بالأسماء و الحالتقلب الكون من حال إلى حال
و ليس يدري به إلا القلوب و ماللعقل فيه مجال دون إملال
يخالف العقل تقليب الوجود فماللعقل شيء سوى قيد و أغلال
فالعقل يشهد ذاتا لا انتقال لهاعنها و قلبك في تقليب أحوال
إن المظاهر تقليب الإله لنافي نفسه و هو عندي عين إضلال

اعلم وفقك الله أن هذا المنزل يحوي على علوم كثيرة منها علم القوة و هو الرمي بالقوس و الدخول فيه و عقد الأصابع علىالوتر و السهم و كيفية الإطلاق و سداد السهم و المناضلة فإن الله تعالى ما اعتنى بشيء من آلة الحرب ما اعتنى بعلم الرمي بالقوس و أقامه في هذا المنزل مرتب المنازل بالاسم القوي و أمرنا في القرآن بالاستعداد به فقال وَ أَعِدُّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ من قُوَّةٍ فقال رسول الله ص ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي و جعله في هذا المنزل على أربع مراتب و أشهدها أصحاب الأذواق لهذه المنازل لحكمة علمها أهلها ليعلم الإنسان كيف يصيب الفعل و يؤثر من غير مباشرة من الاسم البعيد عن هذا الوصف و من هذا العلم ينكشف لك سر القدر و كيف تحكم في الخلائق و لما ذا يرجع أصله و لا دليل عليه إلا الرمي بالقوس و هو روح كن للإيجاد و روح المشيئة للاعدام و يحوي هذا المنزل على علم الأرواح المدبرة للأجسام العلوية و السفلية و ما حكمها في الأجسام النورية و أن حكمها فيها تشكلها في الصور خاصة كما إن حكمها في الأجسام الحيوانية الإنسانية التشكل في القوة الخيالية مع غير هذا من الأحكام فإن الأجسام النورية لا خيال لها بل هي عين الخيال و الصور تقلباتها عن أرواحها المدبرة لها و هو علم شريف و كما لا يخلو خيال الإنسان عن صورة كذلك ذات الملك لا تخلو عن صورة و هو علم شريف يحوي على أسرار كثيرة و بيد هذه الأرواح تعيين الأمور التي يريدها الحق بهذه الأجسام كلها فالإنسان عالم بجميع الأمور الحقية فيه من حيث روحه المدبر و هو لا يعلم أنه يعلم فهو بمنزلة الساهي و الناسي و الأحوال تذكره و المقامات و المنازل و قد قالها الحكيم في التقسيم الرباعي و هو الرجل الذي يدري و لا يدري أنه يدري فذلك الناسي فذكروه و في هذا المنزل علم الصيحتين اللتين بالواحدة منهما يصعق العالم أصحاب السماع و بالأخرى يفيقون فيفزعون إلى ربهم تسمى نفخة البعث و نفخة الفزع و فيه علم القلوب و سرعة تقليبها و فيه علم البصيرة و البصر و ما يتجلى لكل واحد منهما و فيه علم الإعادة و كيفيته و ما ذا يرد منه و ما لا يرد و فيه علم الدور و الكور و هل يكون ذلك في الصور أو في الأعيان الحاملة للصور و فيه علم اختصاص القيومية بالتبديل و فيه علم الكلام الإلهي المسموع بالأذن لا المسموع بالقلب في المواد الثواني و فيه علم الكبرياء الموجود في الثقلين خاصة و لما اختص بهما دون سائر الموجودات و ما الحقيقة التي أعطتهما ذلك و هل هو في الجن كما هو في الإنس أو يختلف السبب فيكون سببه في الإنسان وجوده على الصورة الكاملة و يكون في الجن كونه من نار و على من تكبر الإنسان و على من تكبر الجان و فيه علم ما يزول به هذا الكبرياء من العالمين و فيه علم الإعجاز و تفاضل الأمر المعجز و ما يبقى منه و ما لا يبقى و هل له حد ينتهي إليه أم لا و لما ذا يرجع هل إلى الصرف أم لغير الصرف فإن كان إلى الصرف فهل إذا انقضى زمان الدعوى في عين ذلك الفعل و انفصل المجلس هل يقدر المنازع على الإتيان بذلك و إذا أتى هل يقدح في الدعوى الأولى من المتحدي أم لا يقدح و فيه ما السبب المانع من الرجوع إلى الحق بعد العلم به و هل ذلك علم أو ليس بعلم و فيه علم ما يفر إليه الفار مما يهوله و إلى أين يفر مع علمه بأن الذي يفر إليه منه يفر فما ذا يحركه و يدعوه إلى الفرار مع هذا العلم و فيه علم الاعتبار و من أهله و لما ذا وضعه الله في العالم و أمر به و ما المطلوب منه و فيه علم الخلق و لما ذا خلق هل من أجل الإنسان أو من أجل الحيوان أو من أجلهما و فيه علم الآخرة و ما فيها في الموقف و علم الجنة و النار و علم الصفات التي تطلب كل واحدة منهما و فيه إباحة التشريع للإنسان بالأمر و النهي في نفسه لا في غيره و إنه إن خالف ما تأمر به نفسه أو تنهى عوقب أو غفر له مثل ما هو حكم الشارع و من أي حضرة صح له ذلك و هل لها ذوق في النبوة أو هي نبوة خاصة لا نبوة الأنبياء المحجورة و فيه علم منتهى القيامة و فيه علم طي الزمان فهذا جميع ما يتضمنه هذا المنزل من أجناس العلوم و تحت كل جنس من العلوم و أنواعها على حسب ما تعطيها تقاسيم كل جنس و نوع منها فلنذكر منها مسألة واحدة أو ما تيسر كما عملنا في كل منزل و الله المؤبد و العاصم لا رب غيره فمن الأحوال التي يتضمنها هذا المنزل حال الإنسان قبل أخذ الميثاق عليه و هو الحال الذي كان فيها ص حين عرف بنبوته قبل خلق آدم ع و قد ورد ذلك في الخبر عنه ص فقال كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين فكان له التعريف في تلك الحالة و ذلك أن هذه النشأة الإنسانية كانت مبثوثة في العناصر و مراتبها إلى حين موتها التي يكون عليها في وجود أعيان أجسامها معلومة معينة في الأمر المودع في السموات لكل حالة من أحواله التي تتقلب فيها في الدنيا صورة في الفلك على تلك الحالة قدأخذ الله بأبصار الملائكة عن شهودها مكتنفة عند الله في غيبة معينة له سبحانه لا تعلم السموات بها مع كونها فيها و قد جعل الله وجود عينها في عالم الدنيا في حركات تلك الأفلاك فمن الناس من أعطى في ذلك الموطن شهود نفسه و مرتبته إما على غاياتها بكمالها و إما يشهد صورة ما من صورة و هو عين تلك المرتبة له في الحياة الدنيا فيعلمها فيحكم على نفسه بها و هنا شاهد رسول الله ص نبوته و لا ندري هل شهد صورة جميع أحواله أم لا فالله أعلم قال تعالى وَ أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و هذا من أمرها و شأنها حفظ هذه الصورة إلى وصول وقتها فتعطيها مراتبها في الحياة الدنيا تلك الصورة الفلكية من غير أن تفقد منها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ و هذه الصور كلها موجودة في الأفلاك التسعة وجود الصورة الواحدة في المرايا الكثيرة المختلفة الأشكال من طول و عرض و استقامة و تعويج و استدارة و تربيع و تثليث و صغر و كبر فتختلف صور الأشكال باختلاف المجلى و العين واحدة فتلك صور المراتب حكمت على تلك العين كما حكمت أشكال المرايا على الصورة فالعارف من عرف ذاته لذاته من غير مجلى و إن كان بهذه المثابة لم تؤثر فيه المراتب إذا نالها كما قال ص و هو في المرتبة العليا أنا سيد ولد آدم و لا فخر فلم تحكم فيه المرتبة و قال في كل وقت و هو في مرتبة الرسالة و الخلافة إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فلم تحجبه المرتبة عن معرفة نشأته و سبب ذلك أنه رأى لطيفته ناظرة إلى مركبها العنصري و هو متبدد فيها فشاهد ذاته العنصرية فعلم أنها تحت قوة الأفلاك العلوية و رأى المشاركة بينها و بين سائر الخلق الإنساني و الحيوان و النبات و المعادن فلم ير لنفسه من حيث نشأته العنصرية فضلا على كل من تولد منها و أنه مثل لهم و هم أمثال له فقال إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ثم رأى افتقاره إلى ما تقوم به نشأته من الغذاء الطبيعي كسائر المخلوقات الطبيعية فعرف نفسه فقال يا أبا بكر ما أخرجك قال الجوع قال و أنا أخرجني الجوع فكشف عن حجرين قد وضعهما على بطنه يشد بهما أمعاءه و كان يتعوذ من الجوع و يقول إنه بئس الضجيع ص فقد عرفت أن قوله ص كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين إنما كان هذا القول بلسان تلك الصورة التي فيها من جملة صور المراتب فترجم لنا في هذه الدار عن تلك الصورة فهذا من أحوال الخلق و لنا صور أيضا فوق هذا لم نذكرها لأنه ليس لنا استرواح من قول شارع و لا من دليل عقلي نركن إليه في تعريفنا إياك بها فسكتنا عنها و إلا فلنا صورة في الكرسي و صورة في العرش و صورة في الهيولى و صورة في الطبيعة و صورة في النفس و صورة في العقل و هو المعبر عنهما باللوح و القلم و صورة في العماء و صورة في العدم و كل ذلك معلوم مرئي مبصر لله تعالى و هو الذي يتوجه عليه خطاب الله إذا أراد إيجاد مجموعنا في الدنيا بكن فنبادر و نجيب إلى الخروج من حضرة العدم إلى حضرة الوجود فينصبغ بالوجود و هو قوله تعالى صِبْغَةَ الله وَ من أَحْسَنُ من الله صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ أي أذلاء خاضعون و نحن في كل ما ذكرنا لنا حال نتميز به في ذلك المقام و حالنا هو عين صورتنا فيه فما أوسع ملك الله و ما أعظمه و كل ما ذكرناه في جنب الله كلا شيء و من الأحوال أيضا التي ترد على قلوبنا حال كوننا في الميثاق الذي أخذه ربنا علينا قال تعالى وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى أنت ربنا فلولاك ما كان لنا وجود في صورة آدم العنصرية معينين مرئيين متميزين عند الله في علمه و رؤيته و عندنا ما قلنا بلى أنت ربنا فأخلصنا له التوجه و كيف لا نخلص و نحن في قبضته مشاهدة عين محصورين و الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ فاعلم إن آدم ع لما أوجده الله و سواه كما سوى الأفلاك و جميع الحضرات التي ذكرنا جعل لنا في صورته صورا مثل ما فعل فيما تقدم من المخلوقات ثم قبض على تلك الصور المعينة في ظهر آدم و آدم لا يعرف ما يحوي عليه كما أنه كل صورة لنا في كل فلك و مقام لا يعرف بها ذلك الفلك و لا ذلك المقام و إنه للحق في كل صورة لنا وجه خاص إليه من ذلك الوجه يخاطبنا و من ذلك الوجه نرد عليه و من ذلك الوجه نقر بربوبيته فلو أخذنا من بين يدي آدم لعلمنا فكان الأخذ من ظهره إذ كان ظهره غيبا له و أخذه أيضا معنا في هذا الميثاق من ظهره فإن له معنا صورة في صورته فشهد كما شهدنا و لا يعلم أنه أخذ منه أو ربما علم فإنه ما نحن على يقين من أنه لم يعلم بأنه أخذ منه و لا بأنا أخذنا منه و لكن لما رأينا أن الحضرات التي تقدمته لا تعلم بصورنا فيها قلنا ربما يكون الأمر هنا كذلك فرحم الله عبدا وقف على علم ذلك أنه علم آدم أو لم يعلمفيلحق ذلك في هذا الموضع من هذا الكتاب فإن بعد عن فهمك ما ذكرناه من تعداد الصور فقد ورد في الخبر المشهور الحسن الغريب أن الله تجلى لآدم ع و يداه مقبوضتان فقال له يا آدم اختر أيتهما شئت فقال اخترت يمين ربي و كلتا يدي ربي يمين مباركة قال فبسطها فإذا آدم و ذريته فنظر إلى شخص من أضوئهم أو أضوئهم فقال من هذا يا رب فقال الله له هذا ابنك داود فقال يا رب كم كتبت له فقال أربعين سنة فقال يا رب و كم كتبت لي فقال الله ألف سنة فقال يا رب فقد أعطيته من عمري ستين سنة قال الله له أنت و ذاك فما زال يعد لنفسه حتى بلغ تسعمائة و أربعين سنة فجاءه ملك الموت ليقبض روحه فقال له آدم إنه بقي لي ستون سنة فأوحى الله إلى آدم أي يا آدم إنك وهبتها لابنك داود فجحد آدم فجحدت ذريته و نسي آدم فنسيت ذريته قال رسول الله ص فمن ذلك اليوم أمر بالكتاب و الشهود فهذا آدم و ذريته صور قائمة في يمين الحق و هذا آدم خارج عن تلك اليد و هو يبصر صورته و صور ذريته في يد الحق فما لك تقربه في هذا الموضع و تنكره علينا فلو كان هذا محالا لنفسه لم يكن واقعا و لا جائزا بالنسبة إذ الحقائق لا تتبدل فاعلم ذلك و أكثر من هذا التأنيس ما أقدر لك عليه فلا تكن ممن قال الله فيهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ و أخذ الله الصور من ظهر آدم و آدم فيهم و أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ بمحضر من الملإ الأعلى و الصور التي لهم في كل مجلى أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فشهد على نطقهم من حضر ممن ذكرنا بالإقرار بربوبيته عليهم و عبوديتهم له فلو كان له شريك فيهم لما أقروا بالملك له مطلقا فإن ذلك موضع حق من أجل الشهادة فنفس إطلاقهم بالملك له بأنه ربهم هو عين نفي الشريك و إنما قلنا ذلك لأنه لم يجر للتوحيد هنا لفظ أصلا و لكن المعنى يعطيه و لما كان الموت سببا لتفريق المجموع و فصل الاتصالات و شتات الشمل سمي التفريق الذي هو بهذه المثابة موتا فقال تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ أي كنتم متفرقين في كل جزء من عالم الطبيعة فجمعكم و أحياكم ثم يميتكم أي يردكم متفرقين أرواحكم مفارقة لصور أجسامكم ثم يحييكم الحياة الدنيا ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بعد مفارقة الدنيا و إن الله سيذكر عباده يوم القيامة بما شهدوا به على أنفسهم في أخذ الميثاق فيقولون رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ من سَبِيلٍ أي كما قبلنا حياة بعد موت و موتا بعد حياة مرتين فليس بمحال أن نقبل ذلك مرارا فطلبوا من الله أن يمن عليهم بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا ما يورثهم دار النعيم و حين قالوا هذا لم يكن الأمد المقدر لعذابهم قد انقضى و لما قدر الله أن يكونوا أهلا للنار و أنه ليس لهم في علم الله دار يعمرونها سوى النار قال تعالى وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ حتى يدخلوا النار باستحقاق المخالفة إلى أن يظهر سبق الرحمة الغضب فيمكثون في النار مخلدين لا يخرجون منها أبدا على الحالة التي قد شاءها الله أن يقيمهم عليها و فيها يرد الله الذرية إلى أصلاب الآباء إلى أن يخرجهم الله إلى الحياة الدنيا على تلك الفطرة فكانت الأصلاب قبورهم إلى يوم يبعثون من بطون أمهاتهم و من ضلع آبائهم في الحياة الدنيا ثم يموت منهم من شاء الله أن يموت ثم يبعث يوم القيامة كما وعد و اختلف أصحابنا في الإعادة هل تكون على صورة ما أوجدنا في الدنيا من التناسل شخصا عن شخص كما قال كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ بجماع و حمل و ولادة في آن واحد للجميع و هو مذهب أبي القاسم بن قسي أو يعودون روحا إلى جسم و هو مذهب الجماعة و الله أعلم و اعلم أن من الأحوال التي هي أمهات في هذا الباب فإن تفاصيل الأحوال لا تحصى كثرة و لكن نذكر منها الأحوال التي تجري مجرى الأمهات فمنها أحوال الفطرة التي فطر الله الخلق عليها و هو أن لا يعبدوا إلا الله فبقوا على تلك الفطرة في توحيد الله فما جعلوا مع الله مسمى آخر هو الله بل جعلوا آلهة على طريق القربة إلى الله و لهذا قال قُلْ سَمُّوهُمْ فإنهم إذا سموهم بان أنهم ما عبدوا إلا الله فما عبد كل عابد إلا الله في المحل الذي نسب الألوهية له فصح بقاء التوحيد لله الذي أقروا به في الميثاق و أن الفطرة مستصحبة و السبب في نسبة الألوهية لهذه الصور المعبودة هو أن الحق لما تجلى لهم في أخذ الميثاق تجلى لهم في مظهر من المظاهر الإلهية فذلك الذي أجرأهم على أن يعبدوه في الصور و من قوة بقائهم على الفطرة إنهم ما عبدوه على الحقيقة في الصور و إنما عبدوا الصور لما تخيلوا فيها من رتبة التقريب كالشفعاء و هاتان الحقيقتان إليهما مال الخلق في الدار الآخرةو هما الشفاعة و التجلي في الصور على طريق التحول فإذا تمكنت هذه الحالة في قلب الرجل و عرف من العلم الإلهي ما الذي دعا هؤلاء الذين صفتهم هذا و أنهم تحت قهر ما إليه يؤولون تضرعوا إلى الله في الدياجي و تملقوا له في حقهم و سألوه أن يدخلهم في رحمته إذا أخذت منهم النقمة حدها و إن كانوا عمار تلك الدار فليجعل لهم فيها نعيما به إذ كانوا من جملة الأشياء التي و سعتهم الرحمة العامة و حاشا الجناب الإلهي من التقييد و هو القائل بأن رحمته سبقت غضبه فلحق الغضب بالعدم و إن كان شيئا فهو تحت إحاطة الرحمة الإلهية الواسعة و قد قال ص إن الأنبياء ص تقول يوم القيامة إذا سألوا في الشفاعة إن الله قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله و لن يغضب بعده مثله و هذا من أرجى حديث يعتمد عليه في هذا الباب أيضا فإن اليوم الذي أشار إليه الأنبياء هو يوم القيامة و يوم القيامة هو يوم قيام الناس من قبورهم لرب العالمين قال تعالى يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ و في ذلك اليوم يكون الغضب من الله على أهل الغضب و أعطى حكم ذلك الغضب الأمر بدخول النار و حلول العذاب و الانتقام من المشركين و غيرهم من القوم الذين يخرجون بالشفاعة و الذين يخرجهم الرحمن كما ورد في الصحيح و يدخلهم الجنة إذ لم يكونوا من أهل النار الذين هم أهلها و لم يبق في النار إلا أهلها الذين هم أهلها فعم الأمر بدخول النار كل من دخلها من أهلها و من غير أهلها لذلك الغضب الإلهي الذي لن يغضب بعده مثله فلو سرمد عليهم العذاب لكان ذلك عن غضب أعظم من غضب الأمر بدخولها و قد قالت الأنبياء إن الله لا يغضب بعد ذلك مثل ذلك الغضب و لم يكن حكمه مع عظم ذلك الغضب إلا الأمر بدخول النار فلا بد من حكم الرحمة على الجميع و يكفي من الشارع التعريف بقوله و أما أهل النار الذين هم أهلها و لم يقل أهل العذاب و لا يلزم من كان من أهل النار الذين يعمرونها أن يكونوا معذبين بها فإن أهلها و عمارها مالك و خزنتها و هم ملائكة و ما فيها من الحشرات و الحيات و غير ذلك من الحيوانات التي تبعث يوم القيامة و لا واحد منهم تكون النار عليه عذابا كذلك من يبقى فيها لا يموتون فيها و لا يحيون و كل من ألف موطنه كان به مسرورا و أشد العذاب مفارقة الوطن فلو فارق النار أهلها لتعذبوا باغترابهم عما أهلوا له و إن الله قد خلقهم على نشأة تألف ذلك الموطن فعمرت الداران و سبقت الرحمة الغضب و وسعت كل شيء جهنم و من فيها و الله أرحم الراحمين كما قال عن نفسه و قد وجدنا في نفوسنا ممن جبلهم الله على الرحمة أنهم يرحمون جميع عباد الله حتى لو حكمهم الله في خلقه لأزالوا صفة العذاب من العالم بما تمكن حكم الرحمة من قلوبهم و صاحب هذه الصفة أنا و أمثالي و نحن مخلوقون أصحاب أهواء و أغراض و قد قال عن نفسه جل علاه أنه أرحم الراحمين فلا نشك أنه أرحم منا بخلقه و نحن قد عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة فكيف يتسرمد عليهم العذاب و هو بهذه الصفة العامة من الرحمة إن الله أكرم من ذلك و لا سيما و قد قام الدليل العقلي على إن الباري لا تنفعه الطاعات و لا تضره المخالفات و أن كل شيء جار بقضائه و قدره و حكمه و أن الخلق مجبورون في اختيارهم و قد قام الدليل السمعي إن الله يقول في الصحيح يا عبادي فأضافهم إلى نفسه و ما أضاف الله قط العباد لنفسه إلا من سبقت له الرحمة أن لا يؤيد عليهم الشقاء و إن دخلوا النار فقال يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم اجتمعوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا فقد أخبر بما دل عليه العقل أن الطاعات و المعاصي ملكه و أنه على ما هو عليه لا يتغير و لا يزيد و لا ينقص ملكه مما طرأ عليه و فيه فإن الكل ملكه و ملكه ثم قال من تمام هذا الخبر الصحيح يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد و سألوني فأعطيت كل واحد منكم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا الحديث و لا شك أنه ما من أحد إلا و هو يكره ما يؤلمه طبعا فما من أحد إلا و قد سأله أن لا يؤلمه و أن يعطيه اللذة في الأشياء و لا يقدح ما أومأنا إليه فيه قوله في الحديث إذا تعلق به المنازع في هذه المسألة إدخال لو في ذلك فإن السؤال من العالم في ذلك قد علم وقوعه بالضرورة من كل مخلوق فإن الطبع يقتضيه و السؤال قد يكون قولا و حالا كبكاء الصغير الرضيع و إن لم يعقل عند وجود الألم الحسي بالوجع أو الألم النفسي بمخالفة الغرض إذا منع من الثدي و قد أخذت المسألة حقها و الأحوال التي ترد على قلوب الرجال لا تحصى كثرة و قدأعطيناك منها في هذا الباب أنموذجا و على هذا الأسلوب تكون الأحوال المنسوبة إلى الرجال و أما الأحوال في نفوسها فلها الحكم العام في كل شيء و لها الوجود الدائم في كل شيء ففعل الحال يسمى الدائم و يتعلق بالقديم و المحدث قال تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فهذا من الحال إن كنت تعلم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى السفر العشرون من الفتوحات المكية