قال الله تعالى حكاية عن قوم يقولون وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ و صدقوا فإنه قد ثبت عن رسول الله ص أن الله هو الدهر
فما أهلكهم إلا الله كما هو في نفس الأمر اعلم أن الزمان نسبة لا وجود له في عينه و قد أطال الناس الكلام في ماهيته فخرج من مضمون كلامهم ما ذكرناه من أنه نسبة و أنه يحدث بحدوث السؤال بمتى فيحدث له أسماء بحدوث السؤال مثل حين و إذ و إذا و حروف الشرط كلها أسماء الزمان و المسمى أمر عدمي كلفظة العدم فإنها اسم مسماها لا عين له مع تعقل الحكم له فلنمثل ليفهم ما ذكرناه يقال متى جاء زيد الجواب حين طلعت الشمس مثلا و إذا طلعت الشمس و متى تطلع الشمس من مغربها حين يأذن الله لها في ذلك و إذا يأذن الله و مهما أذن الله لها طلعت في جواب هل تطلع الشمس من المغرب فيعود مشرقا فيكون هذا و أمثاله جوابه فيعقل منه الزمان إن جاء زيد أكرمتك المعنى حين يجيء زيد أكرمك المعنى زمان مجيء زيد زمان وجوب كرامتك على التي أوجبها على نفسي بمجيء زيد فهو للمحدثات زمان و للقديم أزل و معقوليته أمر متوهم ممتد لا طرفين له فنحكم عليه بالماضي لما مضى فيه و نحكم عليه بالمستقبل لما يأتي فيه و نحكم عليه بالحال لما هو فيه و هو مسمى الآن و الآن و إن كان زمانا فهو حد لما مضى في الزمان و لما استقبل في الزمان كالنقطة تفرض في محيط الدائرة فتعين لها البدء و الغاية حيث فرضتها منها فالأزل و الأبد عدم طرفي الزمان فلا أول له و لا آخر و الدوام له و هو زمان الحال و الحال له الدوام فلا يزال العالم في حكم زمان الحال و لا يزال حكم اللهفي العالم في حكم الزمان و لا يزال ما مضى منه و ما يستقبل في حكم زمان الحال أ لا ترى في كلام الله في إخباره إيانا بأمور قد انقضت عبر عنها بالزمان الماضي و بأمور تأتي عبر عنها بالزمان المستقبل و أمور كائنة عبر عنها بالحال فالحال كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و الماضي وَ قَدْ خَلَقْتُكَ من قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً و المستقبل إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ و سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ و نطلب عند هذا كله عينا وجودية يكون هذا كله فيها و هي له كالظرف فلا نجدها لا عقلا و لا حسا لكن وهما ظرفيا و ذاك الظرف مظروف لظرف متوهم لا يتناهى يحكم به الوهم لا غير فما ثم إن عقلت ما يعقل بالوهم و لا يعقل بالعقل و لا بالحس إلا الوجود الحق الذي نستند إليه في وجودنا فلهذه النسبة تسمى لنا بالدهر حتى لا يكون الحكم إلا له لا لما يتوهم من حكم الزمان إذ لا حاكم إلا الله ففيه ظهرت أعيان الأشياء بأحكامها فهو الوجود الدائم و أعيان الممكنات بأحكامها تظهر من خلف حجاب وجوده للطافته فنرى أعيان الممكنات و هي أعياننا من خلف حجاب وجوده و لا نراه كما نرى الكواكب من خلف حجب السموات و لا نرى السموات و إن كنا نعقل أن بيننا و بين الكواكب سماوات إلا أنها من اللطافة لا تحجب من يكون وراءها و الله لَطِيفٌ بِعِبادِهِ فمن لطفه أنه هو الذي يأتيهم بكل ما هم فيه و لا تقع أبصار العباد إلا على الأسباب التي يشهدونها فيضيفون ما هم فيه إليها فظهر الحق باحتجابه فهو الظاهر المحجوب فهو الباطن للحجاب لا لك و هو الظاهر لك و للحجاب فسبحان من احتجب في ظهوره و ظهر في حجابه فلا تشهد عين سواه و لا ترتفع الحجب عنه و لم يزل ربا و لم نزل عبيدا في حال عدمنا و وجودنا فكل ما أمر سمعنا و أطعنا في حال عدمنا و وجودنا إذا لم يخاطبنا بفهوانية الأمثال و الأشكال فإذا خاطبنا بفهوانية الأمثال و الأشكال و السنة الإرسال فمن كان منا مشهوده ما وراء الحجاب و هو المثل و الرسول سمع فأطاع من حينه و من كان مشهوده المثل سمع ضرورة و لم يطلع للحسد الذي خلق عليه من تقدم أمثاله عليه فظهر المطيع و العاصي أي عصى على مثله لكونه ما نفذ فيه أمره بالطاعة ما عصى على الله و لهذا قال بعضهم إنما احتجب الله في الدنيا عن عباده لأنه سبق في علمه أنه يكلفهم و يأمرهم و ينهاهم و قد قدر عليهم بمخالفة أمره و بموافقته في أوقات فلا بد من ظهور المخالفة و الموافقة فخاطبهم على السنة الرسل ع و حجب ذاته سبحانه عنهم في صورة الرسول و ذلك لأنه قال من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله و قال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله فلو لا أن الرسول صورته الظاهرة المشهودة ما صح هذا القول فوقعت المخالفة من المخالف بالقدر السابق و الحكم القضائي و لا يتمكن أن يخالف أمره على الكشف فانحجب بالإرسال انحجابه بالأسباب فوقع الذم على الأسباب فهي وقاية الرحمن فما خالف أحد الله تعالى و ما خولف إلا الله تعالى فلا تزال الأسباب للمحجوبين مشهودة و لا يزال الحق للعارفين مشهودا مع عقلهم الحجب في حق من حجبته فكثف اللطيف عندهم و لطف الكثيف عند العارفين بالله
فيعلم العقل ما لا يشهد البصر و تشهد العين ما ترمي به الفكر
فجمع العارفون بين العقل و البصر فلهم قلوب يفقهون بها و لهم أعين يبصرون بها و لهم آذان يسمعون بها و المحجوبون على قسمين منهم من له قلب لا يفقه به و عين لا يبصر بها و منهم من له قلب يفقه به و له عين لا يبصر بها و هم المؤمنون فيعلمون و لا يشهدون و من عداهم لا يعلمون و لا يشهدون و أهل الله يعلمون و يشهدون و لهذا إذا خاطبهم يسمعون و يطيعون و يشهدون ذواتهم محلا لما يخلق الله فيها مما يحكم فيه أنه مخالفة و موافقة فهو مطيع مهيا لقبول ما يتكون فيه كالرحم من المرأة مهيأ لما يتكون فيه غير ممتنع فالعبد الذي بهذه المثابة شجنة موجدة فهو رحمان في العالم رحيم بالمؤمنين فالرب زمانه المربوب و المربوب زمانه الرب لأنه ما ثبت الحكم لكل واحد بما حكم عليه به إلا بالآخر فمن كون كل واحد ينطلق عليه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا يكون واحد منهما زمانا للآخر لارتفاع النسب و هذا لا يكون إلا بالنظر لعين كل واحد لا لحكمه فإذا انتقلت إلى النظر في الحكم الذي هو موقوف على العالم به و على الحق بالعالم صح أن يكون الحكم من كل واحد زمانا للآخر كالمتضايفين متى صحت الأبوة لزيد على عمرو قيل حين صحت البنوة لعمرو من زيد فزمان أبوة زيد بنوة عمرو و زمان بنوة عمر و أبوة زيد فالأب زمانه الابن و الابن زمانه الأبو كذلك الملك و الملك و الملك و المالك و القادر و المقدور و المريد و المراد و العالم و المعلوم غير أن العالم و المعلوم قد تكون العين واحدة لأنه قد يكون العالم يعلم نفسه فهو المعلوم لنفسه و هو العالم بنفسه فهو العالم المعلوم له بخلاف المريد و المراد لأن المراد لا يكون أبدا إلا معدوما و لا يكون المريد إلا موجودا و كذلك القادر و المقدور لا يكون المقدور أبدا إلا معدوما فإذا وجد فلا معدم له بعد وجوده إلا بنفسه أو إمساك شرط بقائه أي بقاء الوجود عليه غير ذلك لا يكون فقوله إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يريد به مسك الشرط المصحح لبقاء الوجود عليكم فتنعدمون إذ لم يوجده سبحانه فإن له التخيير في إيجاد كل ممكن أو تركه على حاله من اتصافه بالعدم فإذ قد علمت بما ذكرناه ما هو الزمان فبعد ذلك أدخل مع الناس فيما دخلوا فيه من أن الزمان الليل و النهار و الأيام أو الزمان مدة متوهمة تقطعها حركات الأفلاك أو الزمان مقارنة حادث لحادث يسأل عنه بمتى و أمثال هذه الأقوال و لا يضرك القول بها فإنها قد استقرت و لها صحة في النسب الزماني وَ الله يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ بالإيلاج و الغشيان و التكوير لإيجاد ما سبق في علمه أن يظهر فيه من الأحكام و الأعيان في العالم العنصري فنحن أولاد الليل و النهار فما حدث في النهار فالنهار أمه و الليل أبوه لأن لهما عليه ولادة و ما ولد في الليل فالليل أمه و النهار أبوه فإن لهما عليه ولادة فلا يزال الحال في الدنيا ما دام الليل و النهار يغشى أحدهما الآخر فنحن أبناء أم و أب لمن ولد معنا في يومنا أو في ليلنا خاصة و ما ولد في الليلة الثانية و النهار الثاني فأمثالنا ما هم إخوتنا لأن الليل و النهار جديدان فأبوانا قد انعدما فهذان أمثالهما لا أعيانهما و إن تشابها فهو تشابه الأمثال فإذا كان في الآخرة كان الليل في دار جهنم و النهار في دار الجنة فلم يجتمعا مع الولادة التي توجد في النار و الجنان من حدوث التكوين فيهما فذلك مثل حواء من آدم و مثل عيسى من مريم فهذه هي ولادة الآخرة ضرب الله بعيسى و مريم و حواء و آدم مثلا لنا فيما يتكون في الآخرة فليس توليد الأكوان في الآخرة عن نكاح زماني بإيلاج ليل في نهار و نهار في ليل فإنهما مثلان في الزمان الذي هو اليوم الجامع لهما فقسمه الله في الآخرة بين الجنة و النار فأعطى ظلمة الليل للنار و أعطى نور النهار للجنة و من مجموعهما يكون اليوم و هو يوم الآخرة فإنه جامع للدارين و الزمان محصور في سنة و شهر و جمعة و يوم فيقسم الزمان على أربعة أقسام لأن الفصول الطبيعية أربعة لأن الأصل في وجود الزمان الطبيعة و رتبتها دون النفس و فوق الهباء الذي يسميه الحكماء الهيولى الكل و حكم التربيع فيها من حكم التربيع في الأحكام الإلهية من حياة و علم و قدرة و إرادة بهذه الأربعة ثبتت الألوهة للاله فظهر التربيع في الطبيعة ثم نزل الأمر فظهر التربيع في الزمان الأكبر و هو السنة فانقسمت السنة إلى أربعة فصول ربيع و صيف و خريف و شتاء أحدث هذا الحكم فيها نزول الشمس في البروج و البروج قسمتها الطبيعة تقسيمها العناصر التي هي الأركان إلى نارية و هوائية و مائية و ترابية كما قسمت العناصر إلى نار و هواء و ماء و تراب كما قسمت الأخلاط في الحيوان إلى صفراء و دم و بلغم و سوداء ثم اندرج الزمان الصغير الذي هو الشهر و الجمعة في الزمان الكبير و تعددت الشهود بتعداد البروج اثني عشر شهرا فقسمت عليها الأيام بحكم الرأي إلا أيام العرب أعني شهور العرب فإنها مقسمة بسير القمر فهي مقسمة بتقسيم الله لا بتقسيمنا فلما ظهرت السنة بقطع الشمس هذه البروج كذلك ظهر الشهر العربي بقطع القمر هذه البروج فالشهر الإلهي ثمانية و عشرون يوما و شهر الرؤية و التقدير بحسب الواقع ثم يقع التقدير في الزمان الممتد بأحد هذه الأربعة إما بالسنة أو بالشهر أو بالجمعة أو باليوم لا يقع التقدير إلا بهذا و أعني باليوم الصغير من طلوع الشمس إلى طلوع الشمس مثلا و هو الذي يحدث عنه انتهاء دورة الفلك المحيط الذي يدور بالكل و هو الذي يتعين بالعين كما قلنا بطلوع الشمس طلوع الشمس مثلا فيعلم إن الدورة المحيطة بالأفلاك قد انتهت في أعيننا و لا حد لها في نفسها في الفلك المحيط سوى دورة واحدة لا تتصف بالانتهاء فنحن فرضنا فيها البدء و الغاية و الإعادة و التكرار ما هي في نفسها بهذا الحكم و الأيام كثيرة و لكن لا تعد إلا بهذا اليوم الصغير المعلوم عندنا الجامع لليل و النهار فتعد الأيام به أو بالشهر أو بالسنة لا غير و قد ورد إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ بهذا اليوم الصغير و قد ورد في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وأيام الدجال يوم كسنة و يوم كشهر و يوم كجمعة و سائر أيامه كأيامنا المعهودة فاليوم الذي نعد به الأيام الكبار هو يوم الشمس و يوم القمر ثمانية و عشرونيوما من أيام الشمس و كذلك نأخذ أيام كل كوكب بهذا اليوم الحاكم على الكل إذ كان انتهاء دورة الفلك المحيط فنأخذ يوم كل كوكب بقدر قطعه الفلك الأقصى و هو الأطلس الذي لا كوكب فيه فأكبرها قطعا فيه فلك الكواكب الثابتة و إنما سميت ثابتة لأن الأعمار لا تدرك حركتها القصر الأعمار لأن كل كوكب منها يقطع الدرجة من الفلك الأقصى في مائة سنة إلى أن تنتهي إليها فما اجتمع من السنين فهو يوم ذلك الكواكب فيحسب ثلاثمائة و ستين درجة كل درجة مائة سنة و قد ذكر لنا في التأريخ المتقدم أن تاريخ أهرام مصر بنيت و النسر في الأسد و هو اليوم عندنا في الجدي فاعمل حساب ذلك تقرب من علم تاريخ الأهرام
فلم يدر بانيها و لم يدر أمرها على أن بانيها من الناس بالقطع
و لقد أراني الحق تعالى فيما يراه النائم و أنا طائف بالكعبة مع قوم من الناس لا أعرفهم بوجوههم فأنشدونا بيتين ثبت على البيت الواحد و مضى عني الآخر فكان الذي ثبت عليه من ذلك
لقد طفنا كما طفتم سنينا بهذا البيت طرا أجمعينا
و خرج عني البيت الآخر فتعجبت من ذلك فقال لي واحد منهم و تسمى لي باسم لا أعرف ذلك الاسم ثم قال لي أنا من أجدادك قلت له كم لك منذ مت فقال لي بضع و أربعون ألف سنة فقلت له فما لآدم هذا القدر من السنين فقال لي عن أي آدم تقول عن هذا الأقرب إليك أو عن غيره فتذكرت حديثا عن رسول الله ص إن الله خلق مائة ألف آدم فقلت قد يكون ذلك الجد الذي نسبني إليه من أولئك و التأريخ في ذلك مجهول مع حدوث العالم بلا شك فإن العالم لا تصح له رتبة القدم أي نفي الأولية لأنه مفعول لله أوجده عن عدم مرجح بوجود مرجح لأن الإمكان له من ذاته فالترجيح لا يزال له و كل ما زاد على الأعيان التي هي محل ظهور الأحكام فصورتها صورة الزمان نسب و إضافات لا أعيان لها من أكوان و ألوان و نعوت و صفات و لكل نسبة و إضافة و كون و لون و نعت و صفة اسم خاص أو أسماء هذا تحقيق الأمر في كل ما ذكرناه و قل بعد ذلك ما شئت