قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب التاسع و الثمانون و ثلاثمائة في معرفة منازلة إلى كونك و أ لك كو

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إلي منك الدنو وقتاو ثم وقتا إليك مني
أخذت عنك العلوم فضلاو أنت أيضا أخذت عني
إنيتي فيك يا حبيبيإذا يقول اللسان إني
ما أصعب القول منك عنديإذ يقول الفؤاد صلني
و لم أغب عنه إذ تجلىو لو دري لاشتهى التمني

قال الله تعالى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فهذه عين المنازلة لأن كل صورة منهما فارقت مكانها فكانت كل صورة من الأخرى أدنى من قاب قوسين لكل واحدة من الصورتين قوس أظهر التقويس و الفرقان بين الصورتين الخط الذي قسم الدائرة بنصفين فكان الأمر عينا واحدة ثم ظهر بالصورة أمران فلما صار الحكم أمرين كان من الأمر الواحد تدليا لأن العلو كان له و في عين هذا التدلي دنو من الأمر الآخر و كان من الآخر تدان إلى من تدلى إليه فكان دنوه عروجا لأن تدلى الأمر الآخر إليه أعلمنا أن السفل كان قسم هذا الآخر و ما تدانى كل واحد من الآخر إلا ليرجع الأمر كما كان دائرة واحدة لا فصل بين قطريها فكلاهما يسعيان في إزالة الخط الذي أوجب التقسيم في الدائرة فموضع التقسيم قوله قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين فنصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل و ما للعبد سؤال إلا إزالة هذه القسمة حتى يعود الأمر كما كان فأجابه الحق إلى سؤاله بقوله و لعبدي ما سأل فقال وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ

فتدليه دنوو تدانينا عروج
و افترقنا و اجتمعناإننا زوج بهيج
حدثت حين افترقنافي سمائها بروج
و لها من أجل كونيفي ذواتنا فروج
فنكاح مستمرو ولوج و خروج

«و من ذلك»

فكان منه التدليو كان مني التداني
حتى أراه بعينيكما يقول يراني

و لما التقينا عن حب و اشتياق خاطبني من أعلم في سرى

اجعل يديك على الكبدتجد الذي منكم أجد
و أبرح إلى طلب الوصالو قل له هبني و زد
لو لا وجود العلم فيهما تذكر من عبد
فإن أنكروا هذا فقلإن القرآن بذا ورد

قال الله عز و جل هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ فخص طائفة بالتعيين وَ لِيُنْذَرُوا به فعين طائفة أخرى وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فعين طائفة أخرى وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ فعيننا و هؤلاء هم الذين ذكرناه و هم العلماء بالله و بالأمر على ما هو عليه فلم يكن الخط الذي قسم الدائرة إلا عين تميزي عنه و تميزه عني من الوجه الذي كان به إلها و كنت به عبدا فلما تحقق التمييز و وقع الانفصال بالتكوين و أظهر الخط حكمه و وصفنا بالحجاب عنه و وصف نفسه بحجب الأنوار و الظلم عنا و شرع لنا ما شرع و أمرنا بالإنابة إليه و وصف نفسه بالنزول إلينا علمنا أنه يريد رجوع الأمر إلى ما كان عليه بعد علمنا بما قد علمنا و تحققنا بما به تحققنا قال عن نفسه إنه سمعنا الذي نسمع به و بصرنا الذي نبصر به و ذكر لنا جميع القوي التي نجدها من نفوسنا و أثبت في هذا الوصل أعياننا فلا يشبه ما رجع الأمر إليه ما كان عليه قبل الفصل لأن الذي أثبته الخط من الحكم ما يزول و إن زال الخط فأثره باق لأنا قد علمنا إن الدائرة قابلة للقسمة بلا شك و لم نكن نعلم ذلك قبل فإذا اتصلت الدائرة فلا يزول العلم منا أنها ذات قسمين من أي جزء فرضته فيها و إنما تقبلها من أي حد فرضته فيها لما ورد في الأخبار الإلهية من اتصاف الحق تعالى بصفات الخلق و اتصاف الخلق بصفات الحق كما قال تعالى قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فإن قلت الرحمن سميته بجميع الأسماء الحسنى و إن قلت الله سميته بجميع الأسماء الحسنى و كذلك تقول الخلق الذي هو العالم يقبل أسماء الحق و صفاته و كذلك الحق يقبل صفات الخلق لا أسماءه بالتفصيل و لكن يقبلها بالإجمال فقبوله بالإجمال مثل قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله و كونه لا يقبل أسماء العالم بالتفصيل فأعني بذلك الأسماء الإعلام و هو قوله قُلْ سَمُّوهُمْ يريد الأسماء الأعلام و ما عدا الأسماء الأعلام فيقبلها الحق على التفصيل فإن الحق ما له اسم علم لا يدل على معنى سوى ذاته فكل أسمائه مشتقة تنزلت له منزلة الأعلام و لهذا وقع الاشتراك بالتفصيل في أسماء الحق و لم يقع الاشتراك بالتفصيل في أسماء العالم فتحقق ما نبهنا عليه فأعظم ما أخذه من صفاتنا الذي يدل الدليل على إحالته وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ فما كان بعد هذا فهو أهون من تحوله في الصور و غير ذلك و على الحقيقة فكلها نعوته و أعظم من أخذنا نحن منه علمنا به الذي يحيله الدليل و هو قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و قول رسول الله ص من عرف نفسه عرف ربه فأخذنا عنه و أخذ عنا

فيا حيرة أبدت حقائق كونهو يا خيبة للعبد حين تفوته
فمن كان أحياه يحير ذاتهو من لم يحر فيه فعنه يميته
إذا كان قوت الخلق كونا محققافإله الحق للعبد قوته

قيل لسهل بن عبد الله ما القوت قال الله و اعلم أن الإل بكسر الهمزة هو الله تعالى و الإل أيضا العهد بكسر الهمزة فقوله إلى كونك أي الوهتي ما ظهرت إلا بك فإن المألوه هو الذي جعل في نفسه وجود الإله و لهذاقال من عرف نفسه عرف ربه فمعرفتك بالله أنه أهلك أنتجته معرفتك بذاتك و لذلك ما أحالك الله في العلم به إلا عليك و على العالم فكل ما ثبت لله تعالى من الأحكام ما ثبت إلا بالعالم فعين الإل من حيث عينه هو الموصوف بهذه الأحكام فلو ارتفع العالم من الذهن ارتفعت الأحكام الإلهية كلها و بقي العين بلا حكم و إذا بقي بلا حكم و إن كان واجب الوجود لذاته لم يلزم أن يكون له حكم الألوهة فوجود أعياننا من وجوده و وجودنا أثبت العلم به في ذواتنا و لو لا إن ذاته أعطت وجودنا ما صح لنا وجود عين و هذا معنى قول العلماء إن العالم استفاد الوجود من الله و أما قوله أ لك كوني فهو عين قوله كنت سمعه و بصره فجعل هويته عين مسمى سمعنا و قوانا و ليس العالم إلا بهذا الحكم

فإن فنيت لم أكنو إن بقيت لم أكن
فكلنا لكناو كلنا من قول كن
منا و منه فاعتبرتجده فيك يستكن
فاستره لا تظهرهكما أتى في لم يكن
فيها بدت مشرقةشمس له ما قد سكن
فما لنا سواه منمستند و من سكن

فالحق مصرف العالم و العالم مصرف الحق أ لا تراه يقول أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ أ ليست الإجابة تصريفا هل يتصور إجابة من غير نداء و سؤال لا يصح أن يتصرف في نفسه فما له تصرف إلا فينا فتصرفه إيجاده إيانا دائما فأعيان تظهر و أحكام له تحدث و تعلقات لا تنكر

فإن قلت أنا واحد كنت صادقا و إن قلت لسنا واحدا لم تكذب

فيا ليت شعري من يجهل و ما ثم إلا الله فالكل عالم بما لا يعلمه ثم يعلمه وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ و قد ظهر بعض رشح من هذا المشهد على طائفة من أصحاب النظر لا يعرف من أين جاءهم ذلك فحكى عنهم أنهم يقولون إن الله لا يعلم نفسه لأن العلم بالشيء يقتضي الإحاطة بالمعلوم و هو لا يتناهى وجوده و وجوده عين ماهيته ليس غيرها و ما لا يتناهى لا يكون محاطا به إلا أنه لا يتناهى و أحاط علما به أنه لا يتناهى لا له و لا للعالم و هذا و إن كان قولا فاسدا فإن له وجها إلى الصحة و ذلك أنه لا يعلم نفسه على جهة الإحاطة بل يعلم نفسه أنها لا تقبل الإحاطة كما يعلم الممكنات و جميع المقدورات أنها لا تتناهى فانظر في هذا الرش من هذا البحر الغمر كيف أثر في العالم نحلة ظهرت في العين و بدت إلى عالم الكون حتى سطرت في الدفاتر و سارت بها الركبان و تسامر بها العلماء و ما ثم قائل إلا الله و لا منطق إلا الله و ما بقي إلا فتح عين الفهم لتنطق الله من حيث إنه لا ينطق إلا بالصواب فكل كلام في العالم فهو إما من الحكمة أو من فصل الخطاب فالكلام كله معصوم من الخطاء و الزلل إلا أن للكلام مواطن و محال و ميادين له فيها مجال رب تتسع ميادينه بحيث أن تنبو عن إدراك غايتها عيون البصائر

فينطق حين ينطق بالصوابعلى ما يقتضي فصل الخطاب
و ترجع حسرا أبصار قومعموا فيها عن الأمر العجاب

فإذا أردت السبيل إلى فهم هذه المعاني فتعمل في تكثير النوافل التي لها أصل في الفرائض و إن تمكن لك أن تكثر من نوافل النكاح فإنه أعظم فوائد نوافل الخيرات لما فيه من الازدواج و الإنتاج فتجمع بين المعقول و المحسوس فلا يفوتك شيء من العالم الصادر عن الاسم الظاهر و الباطن فيكون اشتغالك بمثل هذه النافلة أتم و أقرب لتحصيل ما ترومه من ذلك فإذا فعلت هذا أحبك الحق و إذا أحبك غار عليك أن تشهدك عين أو يقيدك كون فأدخلك في حمى حرمه و جعلك من جملة أحبابه و أهلك له فصرت له أهلا كما قال في الحديث في أهل القرآن إنهم أهل الله و خاصته خرج ذلك الترمذي في منصفه و إذا أتخذك أهلا جعلك محلا لإلقائه و عرشا لاستوائه و سماء لنزوله و كرسيا لقدميه فظهر لك فيك منه ما لم تره مع كونه فيك و هو قوله تعالى فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ لأن جنوبهم تجافت عن المضاجع الطبيعية و صاروا أهلا للموارد الإلهية و الشوارد الربانية فمياههم عذبة صافية و عروشهم عن كل ما سوى ما يلقي الله إليهم خاوية آبارهم معطلة و أبوابهم مقفلة و قصورهم مشيدة ضاعت مفاتح أقفالها و تقطعت حبال آبارها فتنظر إلى مياهها و لا تذاق فتستحسن على جهالة فإذا سردت أخبارها قرآنا ظهر إعجازها فلم يستطع أحد معارضتها فيستحليها فإذا سئل عن معانيها لا يدري ما يقول إذ لا ذوق له فيها إلا ما أعطاه الشهود فغايته أن يقول إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ لاختلاط ضوئه بظلمته تشبيها بسحر الليل و بالسحر الذي يخرج الهواء الحار و يسوق الهواء البارد لتبقى بذلك الحياة على هيكل الحيوان فلا يدري الناظر فيه أي وجه يستقبل به فإنه مهما أقبل على وجه أعرض عن الآخر إلا أن يكون نبيا فيرى من خلفه كما يرى من أمامه فيكون وجها كله و ذلك هو المعبر عنه بالذوق الذي يكون عنه حقيقة الاشتياق و الشوق فما ينطق عن هوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى علمه ذو القوة المتين في صورة شديد القوي ف ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ فإنه من عين القرب أخبر لأنه من دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ كما تقدم قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى و ما هو من مرجمات الظنون كما يقولون في أصحاب الكهف الفتية المعلومة ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ يقول ما هو علي تحقيق فيما يخبرون به من عددهم هذا رجم في العدد و أين أنت لو أخذوا في حقيقة المعدود لخاضوا و ما حصلوا على طائلأ لا ترى إلى قوله تعالى لنبيه ص الذي ليس من شأنه و لا من شأن الأنبياء ع إن ينهزم و لا إن يقتل في مصاف لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً فوصفه بالانهزام و قوله صدق أ لا ترى ذلك عن رؤيته أجسامهم أ ليسوا أناسا مثله فما ينهزم إلا من أمر يريد إعدامه و لا يملأ مع شجاعته و حماسته رعبا إلا من شيء يهوله فلو لم ير منهم ما هو أهول مما رآه ليلة إسرائه ما امتلأ رعبا مما رآه و قد رأيناهم و ما ملئنا رعبا لأنا ما شهدنا منهم إلا صور أجسامهم فرأيناهم أمثالنا فذلك الذي كان يملؤه رعبا و ما ذكر الله إلا رؤية عينهم لأنه قال لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ فوصفه بالاطلاع فهم أسفل منه بالمقام و مع هذا كان يولي منهم فرارا خوفا أن يلحق بهم فينزل عن مقامه و يملأ منهم رعبا لئلا يؤثروا فيه كما قلنا من تأثير الأدنى في الأعلى كقوله ص رب ضاحك ملء فيه لا يدري أرضى الله أم أسخطه قال ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ الله و من علم الأمر على هذا حقيق عليه أن يولي فرارا و يملأ رعبا هل رأيتم عاقلا يقف على جرف مهواة إلا و يفر خوفا من السقوط فانظر فيما تحت هذا النعت الذي وصف الله به نبيه لو اطلع على الفتية مع علو رتبتهم و شأنهم فعلوه أعلى و رتبته أسنى فعرفنا بذلك ينهنا على علو رتبة نبينا محمد ص فأعيان الفتية كانت المشهودة لنا و لم نول و لا ملئنا رعبا و أعيان الفتية لو اطلع عليهم نبينا لولى فرارا منهم و لملئ رعبا فانظر إلى ما ذا ترجع صور العالم هل لأنفسهم أو لرؤية الناظر و تدبر ما قلناه كما تعلم قطعا إن حبال السحرة و عصيهم في عينها حبال و عصى و في نظرنا حيات فهي عين الحيات و هي عين العصي و الحبال فانظر ما ترى

و اعلم ما تنظر و كن بحيث تعلم لا بحيث ترى فإن الله ينكر بالرؤية و لا ينكر بالعلم فإذا لم ينكر بالرؤية فبشاهد العلم لم ينكر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ