قال الله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ فعين لمعين و زاد غير غير معين سألت بعض شيوخنا عن الزيادة فقال ما لم يخطر بالبال و قال ص إن في الجنة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر فلا بد أن يكون غير معلوم للبشر و لا بد أن يكون في البشر صفة غير معلومة و لا معينة منها يحصل له هذا الذي ذكر أنه ما خطر على قلب بشر موازنة مجهول لمجهول و قال تعالى فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ فنكر و نفى العلم ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ فعلمنا على الإجمال أنه أمر مشاهد لكونه قرنه بالأعين لم يقرنه بالأذن و لا بشيء من الإدراكات و لذلك علمنا أن قوله ص جعلت قرة عيني في الصلاة إنه ما أراد المناجاة و إنما أراد شهود من ناجاه فيها و لهذا أخبرنا أن الله في قبلة المصلي فقال اعبد الله كأنك تراه فإنه ص كان يراه في عبادته ما كان كأنه يراه و من أهل الله من تكون له هذه الرتبة و لو لا حصولها ما قرنها بالعبادة دون العمل فما قال اعمل لله كأنك تراه فإن العبادة من غير شهود صريح أو تخيل شهود صحيح لا تصح و في هذا الباب قوله تعالى وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله و فيه علم مفاتح الغيب لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ و كل ما هو علمه موقوف على الله لا يعلم إلا بإعلام الله أو بإشهاده و من هذا الباب قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و من هذا الباب فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ من غير تعيين أيام معينة أما صورة هذه المنازلة من العبد فهي كما قال أبو يزيد في الجلوس مع الله بلا حال و لا نعت و هو أن يكون العبد في قصده على ما يعلمه الله لا يعين على الله شيئا فإنه من عين في قصده على الله شيئا فلا فرق بينه في الصورة و بين من عبد الله على حرف فصاحب هذه المنازلة يعبد ربه بتعيين الأوقات لا بتعيينه فهو في حكم وقته و الوقت من الله لا منه فلا يدري بما ذا يفجأه وقته فغايته أن يكون مهيا لوارد مجهول إلهي يقيمه في أي عبادة شاء فتنتج له تلك العبادة من الحق في منازلته ما لا يناسب ذلك العمل في علمه إلا أنه مناسب لعبادته في ذلك العمل فهو زيادة بالنظر إلى العمل نتيجة بالنظر إلى العبادة فيه و هذا مقام ما وجدنا له ذائقا في علمنا من أهل الله لأن أكثرهم لا يفرقون بين العبادة و العمل و كل عمل لا يظهر له الشارع تعليلا من جهته فهو تعبد فتكون العبادة في كل عمل غير معلل أظهر منها في العمل المعلل فإن العمل إذا علل ربما أقامت العبد إليه حكمة تلك العلة و إذا لم يعلل لا يقيمه إلى ذلك العمل إلا العبادة المحضةو اعلم أن العبادة حال ذاتي للإنسان لا يصح أن يكون لها أجر مخلوق لأنها ليست بمخلوقة أصلا فالأعيان من كل ما سوى الله مخلوقة موجودة حادثة و العبادة فيها ليست بمخلوقة فإنها لهذه الأعيان أعني أعيان العالم في حال عدمه و في حال وجوده و بها صح له أن يقبل أمر الله بالتكوين من غير تثبط بل أخبر الله تعالى أنه يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فحكم العبادة للممكن في حال عدمه أمكن فيه منها في حال وجوده إذ لا بد له في حال وجوده و استحكام رأيه و نظره لنفسه و استقلاله من دعوى في سيادة بوجه ما و لو كان ما كان فينقص له من حكم عبادته بقدر ما ادعاه من السيادة فلذلك قلنا إن حكم العبادة للممكن أمكن منه في حال عدمه منها في حال وجوده فمن استصحبته فقد استصحبه الشهود دنيا و آخرة و نعته إذا كانت هذه حالته أنه لا يفرح بشيء و لا يحزن لشيء و لا يضحك و لا يبكي و لا يقيده وصف و لا يميزه نعت وجودي فلا رسم له و لا وصف قال أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه في هذا المقام ضحكت زمانا و بكيت زمانا و أنا اليوم لا أضحك و لا أبكي و قال في هذا المقام لما قيل له كيف أصبحت فقال لا صباح لي و لا مساء إنما الصباح و المساء لمن تقيد بالصفة و أنا لا صفة لي فوصف نفسه بالإطلاق و لا يصح الإطلاق إلا في العبادة خاصة لأن العبد مقيد بإرادة السيد الذي يملكه فيه و من كان له الإطلاق فلا يتقيد أجره و لا يتعين لأن العبد لا أجر له ما هو مثل الأجير و قد كان لشيخنا أبي العباس العريني من العليا من غرب الأندلس و هو أول شيخ خدمته و انتفعت به له قدم راسخة في هذا الباب باب العبودية و إنما صاحبها العبد في شأنه كما إن الحق في شأنه فجزاء الإطلاق الإطلاق سأل جبريل رسول الله ص عن الإحسان فقال إن تعبد الله كأنك تراه و ما ذكر العمل و إنما ذكر العبادة و قال الله تعالى هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فهو قولنا ما جزاء الإطلاق إلا الإطلاق و الأجور مقيدة من عشر إلى سبعمائة ضعف لأنها أجور أعمال معينة متناهية الزمان فلا بد أن يتقيد أجرها بالعدد و لو كان جزافا فإنه مقيد بالعدد عند الله كالصابر يوفى أجره بغير حساب معين علمه عندنا و عند الله مقيد بقدر معلوم لأن الصبر يعم جميع الأعمال لأنه حبس النفس على الأعمال المشروعة فلهذا لم يأخذه المقدار و الأعمال تأخذها لمقادير فعلى قدر ما يقام فيه المكلف من الأعمال إلى حين موته فهو يحبس نفسه عليها حتى يصح له حال الصبر و اسم الصابر فيكون أجره غير معلوم و لا مقدر عنده جملة واحدة و إن كان معلوما عند الله كالمجازفة في البيع من غير كيل في المكيل و لا وزن في الموزون و فارق الصبر العبادة بأن العبادة له في حال عدمه و عدم تكليفه و الصبر لا يكون له في حال عدمه و لا في حال عدم تكليفه فالعبادة لا تبرح معه دنياو لا آخرة فإذا كان مشهده عبادته في حال ارتقاؤه و نزل الحق إليه كما وصف الحق نفسه بالنزول فوقع الاجتماع و هو المنازلة فمن حيث إن العبد ذو عمل من الأعمال لأنه لا بد أن يكون في عمل مشروع صالح و هو الذي يصعد به فإنه براقه لأنه محمول فيتلقاه من الله من حيث ذلك العمل بالبر الذي عينه الله لمن جاء به و هو مقدر معلوم ثم أن الحق ينظر في هذا المكلف فيراه مع كونه في عمله غير مشهود له ذلك العمل لعلمه أن الله هو العامل به لا هو و أنه محل لخلق العمل به و كالآلة لوجود ذلك العمل فيكون الحق يعطي استحقاق ذلك العمل من حيث ما وعد به فيه و ينظر ما مشهد ذلك الشخص فيجده في عبادته التي لم يزل عليها في حال عدمه فما ثم جزاء في مقابلتها إلا أن لا يرزقها الغفلة عنها في زمان خلق الغفلات في المكلفين ما ثم إلا هذا و هو الذي قلنا في الممكن في حال وجوده أنه لا بد من حكم سيادة تظهر منه لأنه في زمان حكم الغفلات فالعناية بهذا العبد في هذه المنازلة رفع الغفلة عن العبادة في كل حال فهذه هي الزيادة في قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ للذين أحسنوا بالأعمال الحسنى بما لهم من الأجور بل بما للأعمال من الأجور فإنها بعينها للعامل و زيادة هي ما ذكرناه في حق صاحب العبادة فإنه لا يرزقه الغفلة في وقت العمل عمن هو العامل فيرى أن العامل هو الله و ليس يعود الأجر الذي يطلبه العمل إلا على العامل فالعامل عنده هو الله فأجرته لو كان ممن يقبل الأجور على قدره فيحصل للمكلف الذي هو الآلة القابلة للاجور أجر من لو قبل الله الأجير كيف يكون أجره هل يكون إلا على قدره و إن قيده العمل فأين أجر هذا المكلف بهذا الشهود من أجر من يرى في عمله إن المكلف هو العامل لا الحق فيكون أجره على قدر هذا المكلف فلا يحصل له سوى أجر العمل خاصة إلا على قدر أجر العامل لأن العامل عنده عينه و لا قدر له و لو لا ظهوره و اتصافه بطاعة ربه في عمله لم يكن له قدر من نفسه و لهذا ترى مال المخالف إلى ما يكون فلو كان له قدر في نفس الأمر لسعد بحكم قدره و إنما يسعد برحمة الله و لم تتفاضل سعادتهم لو كان لهم قدر يستحقون به السعادة و لا نشك أنهم في السعادة متفاضلون كما أنهم في الأعمال متفاضلون من حال و زمان و مكان و عين عمل و دوام و اجتماع و انفراد إلى غير ذلك فيما يقع به التفاضل فعلمنا أنه ما ثم جزاء القدر فعلمنا إن الإنسان من حيث عينه لا قدر له لا بطاعة ربه و قدر عمله ثم إن الحق بعد هذا النظر و تعيين الجزاء كما قررناه ينظر في شهود هذا المكلف فيراه ذا عبادة و العمل تابع لها فيه و هو لا يتصف بالإعراض عن الأعمال و لا بالإقبال عليه و أنه على الحال الذي كان عليه في حال عدمه لم يتغير فيبقيه على حاله و يحجب الغفلة عنه فلا يكون له أثر فيه بوجه من الوجوه و هذه هي العصمة العامة فإذا وقعت منه مخالفة فإنما تقع بحكم القضاء و القدر من تكوينهما فيه كما وقعت الطاعة فما ينقص له من حاله في عبادته لأن الغفلة محجوبة عنه و الحضور له دائم فإذا وقع منه ما وقع فهو من الله عين تكوين لذلك الواقع في هذا المحل ظاهره صورة معصية لحكم خطاب الشرع و هي في نفس الأمر أعني تلك الواقعة موجود أوجده الله في هذا المحل من الموجودات المسبحة بحمده فلا أثر لهذه المخالفة فيه كما لا أثر للطاعة فيه فتسعد النفس الحيوانية بذلك العمل كان العمل ما كان في الظاهر مما يجري عليه لسان ذنب أو لسان خير فإنه في نفس الأمر ليس بذنب و إنما حركته الحيوانية كحركات غير المكلف لا تتصف بالطاعة و لا بالمعصية و إنما ذلك إنشاء صور في هذا المحل ينظر إليها علماء الرسوم قد ظهرت من مؤمن عاقل بالغ فيحكمون عليه بحسب ما هي عندهم في حكم الشرع من طاعة أو معصية ما يلزمهم غير هذا ما لم يدخل لهم الاحتمال فيه فإن دخل لهم الاحتمال في ذلك لم يجز لهم أن يرجحوا جانب لسان الذنب على غير ذلك كرجل أبصرته في بلدة صحيحا سويا في رمضان يأكل نهارا مع معرفتك به أنه مؤمن فيدخل الاحتمال فيه أن يكون به مرض لا تعرفه أو يكون في حال سفر و لا تعرف ذلك فليس لك أن تقدم على الإنكار عليه مع هذا الاحتمال و لا يلزمك سؤاله عن ذلك بل شغلك بنفسك أولى بك و أما قوله في هذا الباب ص إن في الجنة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر فاعلم أنه ما سميت الجنة جنة إلا لما نذكره و كذلك تسمية الملائكة جنة و كذلك الجن فكل ذلك راجع إلى الاستتار و الاستتار ما هو على نمط واحد بل حكمه مختلف و ذلك أن من هذا النوع كون الحق يتجلى في القيامة و يقول أنا ربكم و يرونه و مع هذا ينكرونه و لا يصدقون به أنه ربهم مع وجود الرؤية على رفع الحجاب فإذاتحول لهم في العلامة التي يعرفونه بها يقولون له أنت ربنا و هو كان الذي أنكروه و تعوذوا منه و هو الذي أقروا به و اعترفوا فما هو هذا الحجاب الذي حصل لهم مع الشهود هل هو أمر وجودي أو حكم عدمي فهو مشهود محجوب و لا حجاب وجودي و لا حكم للعدم في الموجود فانظر ما أخفى هذا و ليس في العالم في الدنيا واقع إلا هذا في جميع الأمور و الناس في غفلة عنه كما أنا نؤمن أن الملك معنا و الشيطان معنا و الحجب المحسوسة ما هي موجودة عندنا و أعيننا ناظرة و مع هذا فلا ندرك الملك و لا الجان و هو يرانا و قبيله من حيث لا نراه فهو و قبيله يرانا شهودا عينيا و نحن نراه إيمانا لا عينا فما هو هذا الستر الذي بيننا إذ لو كان بيننا لحجبهم عنا كما يحجبنا عنهم فلا بد من تعيين حكمة في ذلك و كذلك الحجب التي ذكر الله عن نفسه التي بيننا و بينه من نور و ظلمة فمن الظلمة وقع التنزيه فنفينا عنه صفات المحدثات فلم نره فنحن جعلنا الحجب على أعيننا بهذا النظر و النور كظهوره لنا حتى نشهده و ننكر أنه هو كما قدمنا في التجلي في القيامة و هو عند العارفين اليوم في الدنيا على هذا الحكم فيشهده العارفون في صور الممكنات المحدثات الوجود و ينكره المحجوبون من علماء الرسوم و لهذا يسمى بالظاهر في حق هؤلاء العارفين و الباطن في حق هؤلاء المحجوبين و ليس إلا هو سبحانه و تعالى فأهل الله الذين هم أهله لم يزالوا و لا يزالون دنيا و آخرة في مشاهدة عينية دائمة و إن اختلفت في الصور فلا يقدح ذلك عندهم فإن قال قائل فموسى أحق بهذا الصفة من الولي و قد سأل الرؤية قلنا له قد ثبت عندك إن كنت مؤمنا و إن لم تكن من أهل الكشف إن النبي ص قد أخبر أن الله يتجلى في صورة و يتحول إلى صورة و أنه يعرف و ينكر إن كنت مؤمنا لا تشك في هذا و أنه قد بين أن التجلي في الصور بحسب قدر المتجلي له فإذا علمت هذا تعلم أن موسى قد رأى الحق بما هو متجل للأولياء إذ علم أنه يتجلى للأولياء في صور مختلفة لأن موسى ولي الله و قد علم ذلك و مثل هذا فلا يخفى و إنما سأل التجلي في الصورة التي لا يدركها إلا الأنبياء و من الأنبياء من خصه الله بمقام لم ينله غيره كالكلام بارتفاع الوسائط لموسى ع فطلب موسى ع من ربه أن يراه في تلك الصورة التي يطلبها مقامه و أما رؤيته إياه في الصورة التي يراها الأولياء فذلك خبره و ديدنه و ما جعلك تقول مثل هذا على طريق الاعتراض إلا لكونك لست بولي عارف إذ لو كنت من العارفين لشهدته و لم يغب عنك علم ما انفصلنا به في جواب سؤالك فصح قوله إن في الجنة ما لا عين رأت أي في الستر اعتبارا لا تفسيرا إذ لو رأته عين ما كان مستورا و لو رأته لنطقت به و كان مسموعا و لو كان مسموعا لكان محدودا و لو كان محدودا لأخطرته فكان معلوما فهو أمر حجبنا عنه بحجاب لا يعرف فإنه في الستر المعبر عنه بالجنة فإذا كان عينه عين الستر فما حجبنا إلا جعلنا ما رأيناه سترا فتعلقت الهمة بما خلف الستر و هو المستور فأتى علينا منا و ما جعلنا في ذلك إلا التنزيه و لهذا جاءت الأنبياء ع مع التنزيه بنعوت التشبيه لتقرب الأمر على الناس و تنبيه الأقربين إلى الله الذين هم في عين القرب مع الحجاب الذي هو الأمر عليه فيكون في ذلك التنبيه بالتشبيه رفع الأغطية عن البصر فيتصف البصر بأنه حديد كما يتصف بصر المحتضر قال تعالى فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ فيرى المحتضر ما لا يراه جلساؤه و يخبر جلساءه ما يراه و يدركه و يخبر عن صدق و الحاضرون لا يرون شيئا كما لا يرون الملائكة و لا الروحانيين الذين هم معه في مجلس واحد و قد أخبرنا الله بأن الملائكة تحضر مجالس الذكر و هم السياحون في طلب هذه المجالس فإذا رأوا مجلس الذكر نادى بعضهم بعضا هلموا إلى بغيتكم و ليس أحد من البشر من أهل ذلك المجلس يدركهم إلا من رفع الله الغطاء عن بصره فأدركهم و هم أهل الكشف أ لم تستمع لقول النبي ص اللذين يمشون خلف الجنائز ركابا أ لا تستحيون أن الملائكة تمشي على أقدامها في الجنازة و أنتم تركبون فالمؤمن ينبغي أن يعامل المواطن بما يعامله به صاحب العيان و إلا فليس بمؤمن حقا فإن لكل حق حقيقة و ليست الحقيقة التي لكل حق إلا إنزاله منزلة المشهود المدرك للبصر و قد قال هذا رسول الله ص للرجل الذي سمعه يقول أنا مؤمن حقا فقال له رسول الله ص إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال الرجل كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا يعني يوم القيامة فقال له رسول الله ص عرفت فالزم ففسر الحقيقة بالنظر و الرؤية و جعله بكان لأن يوم القيامةما وقع حسا و لكن وقع في حقه ممثلا فأدركه في التمثيل كالواقع في الحس كالعابد الذي قال له اعبد الله كأنك تراه فما هذا مثل العرش البارز فإن الله هنا موجود في نفس الأمر في قبلة المصلي أو العابد في أي عمل كان و بروز العرش ليس كذلك فمن الناس من يعبد الله كأنه يراه للحجاب الذي منعه من أن يراه و من الناس من يعبده على رؤية و مشاهدة و ليس بين الذي يراه و الذي لا يراه إلا كون هذا الذي لا يراه لا يعرفه مع أنه مشهود له عز و جل و العارف يعرفه و لكن مثل هذه المعرفة لا ينبغي أن تقال فإنها لا تقبل فإذا شهدها الإنسان من نفسه لم يتمكن له أن يجهلها فيكون عند ذلك من الذين يرون الله في عبادتهم و يزول عنهم حكم كأنك تراه فاعلم ذلك و أما قوله تعالى فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ يعني للقوم الذين تقدم وصفهم جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فما هو جزاؤهم هنا إلا إخفاؤهم ذلك عن هذه النفس التي لا تعلم فيكون إخفاء حال هؤلاء و ما لهم عند الله عن هذه النفوس التي لا تعلم جزاء لهم أي جزاؤهم أن يجهل مقامهم عند الله فلا تقدر نفس قدرهم كما قال الحق عن نفسه وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ فأعطاهم نعته في خلقه فلم تعلم نفس ما أخفي لهؤلاء من قرة أعين مما تقر به أعينهم و كذلك قال ص و جعلت قرة عيني في الصلاة و إنما ذكر الأعين دون جميع الإدراكات لأن كل كلام إلهي و غير إلهي لا بد أن يكون عينه عن عين موجودة و ما ثم إلا كلام فما ثم إلا أعيان توجد و متعلق الرؤية إدراك عين المرئي و استعداد المرئي للرؤية سواء كان معدوما أو موجودا فإذا رآه قرت عينه بما رآه إذ كان غيره لا يرى ذلك و لهذا سئل موسى الرؤية لتقر عينه بما يراه فكان رسول الله ص في حال صلاته صاحب رؤية و شهود و لذلك كانت الصلاة محل قرة عينه لأنه مناج و الأعيان كما قلنا تتكون بالكلام فهو و الحق في أثناء صور ما دام مناجيا في صلاته فيرى ما يتكون عن تلاوته و ما يتكون عن قول الله له في مقابلة ما تكلم به كما ورد في الخبر الذي فيه تقسيم الصلاة من قول العبد فيقول الله و أما قوله في هذا الباب وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله فإن مال الشيء لا يصح أن يكون واقعا فيرى إلا إن مثل للرائي فهو كأنه يراه فإن المال يقابل الحال فالحال موجود و المال ليس بموجود و لهذا سمي مالا و التأويل هو ما يؤول إليه حكم هذا المتشابه فهو محكم غير متشابه عند من يعلم تأويله و ليس إلا الله و الراسخ في العلم يقول آمَنَّا به كُلٌّ من عِنْدِ رَبِّنا يعني متشابهه و محكمه فإذا أشهده الله ما له فهو عنده محكم و زال عنه في حق هذا العالم التشابه فهو عنده كما هو عند الله من ذلك الوجه و هو عنده أيضا متشابه لصلاحيته إلى الطرفين من غير تخليص كما هو في نفس الأمر بحكم الوضع المصطلح عليه فهو و إن عرف تأويله فلم يزل عن حكمه متشابها فغاية علم العالم الذي أعلمه الله بما يؤول إليه علمه بالوجه الواحد لا بالوجهين فهو على الحقيقة ما زال عن كونه متشابها لأن الوجه الآخر يطلبه بما يدل عليه و يتضمنه كما طلبه الوجه الذي اعلم الله به هذا الشخص فعلم الله على الحقيقة به أن يعلم تأويله أي ما يؤول إليه من الجانبين في حق كل واحد أو الجوانب إن كانوا كثيرين فيعلمه متشابها لأنه كذا هو إذ كل جانب يطلبه بنصيبه و دلالته منه فالمحكم محكم لا يزول و المتشابه متشابه لا يزول و إنما قلنا ذلك لئلا يتخيل أن علم العالم بما يؤول إليه ذلك اللفظ في حق كل من له فيه حكم إنه يخرجه عن كونه متشابها ليس الأمر كذلك بل هو متشابه على أصله مع العلم بما يؤول إليه في حق كل من له نصيب فيه فهذه الإحاطة مجهولة و لا تعلم إلا في هذه المنازلة فيعطي من هذا المتشابه كل ذي حق حقه كما أعطى الله كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ من الشبه و الاشتراك و أما مفاتح الغيب ف لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ و هو من هذا الباب فلا تعلم إلا بإعلام الله و إن كانت تعلم فلا تعلم أنها مفاتح الغيب فتنبه لهذا و اعلم أن الإعلام أظهر لنا أن الاستعدادات من القوابل هي مفاتح الغيب لأنه ما ثم إلا وهب مطلق عام و فيض جود ما ثم غيب في نفس الأمر و لا شهود بل معلومات لا نهاية لها و منها ما لها وجود و منها ما لا وجود لها و منها ما لها سببية و منها ما لا سببية لهما و منها ما لها قبول الوجود و منها ما لا قبول لها فثم مفتاح و فتح و مفتوح يظهر عند فتحه ما كان هذا المفتوح حجابا عنه فالمفتاح استعدادك للتعلم و قبول العلم و الفتح التعليم و المفتوح الباب الذي كنت واقفا معه فإذا لم تقف و سرت رأيت في كل قدم ما لم تره فعلمت ما لم تكن تعلم و كان فضل الله عليك عظيما فالاستعداد غير مكتسب بل هو منحة إلهية فلهذا لا يعلمه إلا الله فيعلم إن ثم مفاتح غيب لكن لا يعلم ما هو مفتاح غيب خاص في مفرد مفرد من الغيوب فإذا حصل الاستعداد من الله تعالى حصل المفتاح و بقي الفتح حتى يقعالتعليم كما قال الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فالتعليم هو عين الفتح و من هذا الباب فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله كالصلاة على الراحلة فالمستقبل لا يتقيد فهو بحسب ما تمشي به كذلك لا يعرف العارف أين يسلك به ربه في مناجاته فإنه بحسب ما يناجيه به من كلامه و كلامه سور القرآن فأي سورة أو أي آية شاء قرأ من غير تعيين لأن الشارع ما قيده بسورة بعينها فهو بحسب ما يلقى في خاطره و ذلك إلى الله فكما لا علم له بما يلقيه في نفسه مما يناجيه به إلا حتى يلقيه كذلك لا يعلم ما يقول له الحق في مناجاته في منازلته و من هذا الباب قوله فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ و أيام الله التي بقطعها العبد بعمرة لا يعين قدرها و لهذا نكرها فالذي يجب على المكلف في سفره عدة من أيام أخر له الاختيار في تعيينها و لكن لا يدري ما يعين منها إلا بإلقاء الله في نفسه ذلك و الصوم لا مثل له فلا يدري في أي صفة يقيمه مما لا مثل لها من جانب الحق و هي كل صفة إلهية لا يمكن للعبد الاتصاف بها و إن علمها كما يعلم أن الحق لا يماثله و لا يكون بهذا العلم إلها لأن الألوهة ليست صفته و هذا معنى قوله ص حين سأل ربه اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك فدخل في هذا كل اسم ممكن أن يتصف به و كل اسم لا يمكن أن يتصف به فما لا يتصف به من الأسماء لا مثل له فيكون معلوما لنا في صومنا غير قائم بنا بحيث أن نتصف به هذا فائدة عدم التعيين في الأيام التي نصومها إذا كنا مسافرين فأفطرنا فنقضي أيام رمضان أو نؤديه في أيام غير معينة فصاحب هذه المنازلة يقصد الله تعالى في عروجه فارغ القلب خالي النفس عريا عن قصد اسم معين إلهي بما أنت عبد و بما هو إله فعال لما يشاء لا يخطر لك أمر تطلبه منه إنما هو أن تكون معه في عروجك بحسب ما يكون منه مع حفظ أوقاتك فيما وقع عليك من التكليف لاقتضاء حق الوقت و مراعاة خطاب الشرع مع غيبتك عنك في ذلك بتوليه فيما أنت فيه و أنت محل لجريان مقاديره مع التحفظ و لزوم الأدب أن يجعلك محلا لما حجره عليك فإن أنت سلكت على هذا الأسلوب يبدو لك من الحق في منازلته ما لم يخطر لك بخاطر بل ما لا ينقال و لا تسعه العبارة
«الباب الثامن و الثمانون و ثلاثمائة في معرفة منازلة مجهولة و ذلك إذا ا
نكون على النقيض إذا اجتمعناو إن بنا تكون على السواء
و في التحقيق ما في الكون عينبلا شك سواه و لا مراء
فقل للمنكرين صحيح قوليعميتم عن مطالعة العماء
و عن نفس تكون فيه خلقكثير شكله شكل المرائي
فيقلب صورة الرائي إليهبحكم ثابت في كل رائي