قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السابع و الثمانون و ثلاثمائة في معرفة منازل التواضع الكبريائي»

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
من هاله ما هو من جنسهفهو جهول ضل عن نفسه
لو أنه يعرف أوصافهما هاله ما هو من جنسه
و كل ما في الجود فيه فمندجى الليالي و سنا شمسه
و كل ما في الكون فيه فمننزوله الأدنى و من قدسه
و انظر فأنت الأمر فأثبت علىعلم و لا تنظر إلى حدسه

قال تبارك و تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و قال وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ و قال تعالى سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و قال وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ و قال فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و مع هذا كله فهو القائل في الصحيح من الأخبار عنه مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني و ظمأت فلم تسقني يقول مثل هذا القول لعبده فأنزل نفسه هنا منز ة عباده و أين ذلك الكبرياء من هذا النزول و ثبت في الصحيح أن الله يعجب من الشاب ليست له صبوة و ثبت أن الله أفرح بتوبة عبده من فرح صاحب الناقة التي عليها طعامه و شرابه إذا وجدها بعد ما ضلت و هو في فلاة من الأرض منقطعة و أيقن بالموت ففرح بها فالله أفرح بتوبة عبده من هذا بناقتهو ثبت عنه أنه تعالى يتبشبش للذي يأتي المسجد كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا ورد عليهمو أين هذا كله من قوله تعالى سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ فأين هذا النزول من هذه الرفعة فهذا هو التواضع الكبريائي و كل حق و قول صدق و حكم صحيح لمن كشف الله عن بصيرته من علماء عباده فأراه الحق حقا و أراه الباطل باطلا و هنا تعلقت الرؤية بالمعدوم فإن الباطل عدم و إذا كان العبد يتصف برؤية المعدوم فالحق أولى بهذه الصفة أنه يرانا في حال عدمنا رؤية عين و بصر لا رؤية علم و أما قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فهو على الصحيح من الفهم معنىقوله ص إن الله خلق آدم على صورته في بعض وجوه محتملات هذا الخبر و قوله تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فما ذاك إلا لخلقه على صورة الحق و إنما رده إلى أسفل سافلين ليجمع له كمال الصورة بالأوصاف كما ذكر عن نفسه أنه عليه فإن اتصافه بنفي المثل عن نفسه من اتصافه بالحد و المقدارمن استواء و نزول و استعطاف و تلطف في خطاب و غضب و رضاء و كلها نعوت المخلوق فلو لم يصف نفسه بنعوتنا ما عرفناه و لو لم ينزه نفسه عن نعوتنا ما عرفناه فهو المعروف في الحالين و الموصوف بالصفتين و لهذا خلق من كل شيء زوجين ليكون لأحد الزوجين العلو و هو الذكر و لأحد الزوجين السفل و هو الأنثى ليظهر من بينهما إذا اجتمعا بقاء أعيان ذلك النوع و جعل ذلك في كل نوع نوع ليعلمنا أن الأمر في وجودنا على هذا النحو فنحن بينه و بين معقولية الطبيعة التي أنشأ منها الأجسام الطبيعية و أنشأ من نسبة توجهه عليها الأرواح المدبرة و كل ما سوى الله لا بد أن يكون مركبا من راكب و مركوب ليصح افتقار الراكب إلى المركوب و افتقار المركوب إلى الراكب لينفرد سبحانه بالغنى كما وصف نفسه فهو غني لنفسه و نحن أغنياء به في عين افتقارنا إليه فما لا نستغني عنه فكل ما سوى الله مدبر و مدبر لهذا المدبر فالمدبر اسم فاعل بما هو مدبر يجد ذلك قوة في ذاته يفتقر إلى مدبر يظهر فيه تدبيره و لا مدبر اسم مفعول بما هو مدبر يجد ذلك حالة في ذاته يفتقر بها إلى من يدبر ذاته لصلاح عينه و بقائه ففقر كل واحد إلى الآخر فقر ذاتي و إنما يتصف بالغنى عنه لكونه لا يفتقر إلا إلى مدبر لا إلى هذا المدبر بعينه كما إن المدبر يتصف بالغنى لكونه لا يفتقر إلا إلى مدبر لا إلى هذا المدبر بعينه فكل واحد منهما غني عن الآخر عينه لا عن التدبير منه و فيه فغني كل واحد ليس على الإطلاق و غناء الحق مطلق بالنظر إلى ذاته و الخلق مفتقر على الإطلاق بالنظر أيضا إلى ذاته فتميز الحق من الخلق و لهذا كفر من قال إِنَّ الله فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ فهذا التمييز لا يرتفع أبدا لأنه تميز ذاتي في الموصوف به من حق و خلق فما ثم إلا شيئيتان شيئية حق و شيئية خلق فليس كمثل الخلق في افتقاره شيء لأنه ما ثم إلا الحق و الحق لا يوصف بالافتقار فما هو مثل الخلق فليس مثل الخلق شيء و ليس كمثل الحق في غناه شيء لأنه ما ثم إلا الخلق و الخلق لا يتصف بالغنى لذاته فما هو مثل الحق فليس مثل الحق شيء لأنه كما قلنا ما ثم شيء إلا الخلق و الحق فالخلق من حيث عينه ذات واحدة في كثير و الحق من حيث ذاته و عينه ذات واحدة لها أسماء كثيرة و نسب فمن لم يعلم قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ على ما قررناه فلا علم له بهذه الآية فإنه جاء بالكاف ثم نفى المثلية عن نفسه بزيادة الكاف للتأكيد في النفي ثم نفى المثلية عن العالم بجعل الكاف صفة فعلق النفي بالمماثل في النفي أي انتفت عن الخلق المثلية لأنه ما ثم إلا حق لا يماثل و انتفت عن الحق المثلية لأنه ما ثم إلا خلق لا يماثل

فهكذا تفهم المعانيإذا جاءنا النور بالبيان
فليس في أكون غير فردحق و إن شئتم اثنتان
و كل عين لها انفرادبذاتها لا ترى بثاني
و قد أتى في الصلاة حكممنه بتقسيمه المثاني
فميز الخلق عنه فيهالأجل ذا لاحت اثنتان
فقال بيني و بين عبديفمن رآه فقد رآني
فلست غير إله و لا هولوحدتي في الوجود ثاني
ترجم عنه لسان خلقبما ذكرنا من البيان

و أما قوله وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ و هو الذي أنطقهم بما نطقوا به فيه فإنه يقول عن المشهود عليهم إنهم قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ فما من شيء ينطق إلا و الله أنطقه و اختلف المنطوق به فثم نطق أي منطوق به يتعلق به مديح و ثم منطوق به يتعلق به دم و ثم منطوق به يتعلق به تجوز لتواطئ جعله الله في العالم و ثم منطوق به على ما هو المدلول عليه في نفسه فهو إخبار عن حقيقة و ما ثم إلا ما ذكرناه فنطق المدح شهادة أولي العلم بتوحيد الله و نطق الذم قول القائل إِنَّ الله فَقِيرٌ و يَدُ الله مَغْلُولَةٌ يريد البخل و نطق بالحقيقة وَ الله خَلَقَكُمْ و نطق بالتجوز للتواطئ وَ ما تَعْمَلُونَ و الآية واحدة فأما قوله وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ لكونهم ليسوا مثله فما عرفوه و من جهل أمره لا يقدر قدره فهم ليسوا له بمثل و لا هو مثل لهم فوصفوه بنفوسهم و بما هم عليه و لا يتمكن لهم إلا ذلك لأنهم يريدون الوصف الثبوتي و لا يكون إلا بالتشبيه و من جعل مثل لمن لا يقبل المثل فما قدره حق قدره أي ما أنزله المنزلة التي يستحقها فذمهم بالجهل حيث تعرضوا لما ليس لهم به علم من نفوسهم فلو قالوا فيه بما أنزله إليهم لم يتعلق بهم ذم من قبل الحق في ذلك لأن الحاكي لا ينسب إليه ما حكاه فلا يتعلق به ذم في ذلك و لا مدح فعلم الخلق بالله لا يدرك بقياس و إنما يدرك بالبقاء السمع لخطاب الحق إما بنفسه و إما بلسان المترجم عنه و هو الرسول مع الشهود الذي لا يسعه معه غير ما سمعه من الخطاب كما قال إِنَّ في ذلِكَ إشارة لما تقدم لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ فأحال على النظر الفكري بتقلب الأحوال عليه أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ و ما عدا هذين الصنفين فلا طريق لهم إلى العلم بما يستحقه الحق أن يضاف إليه و ما يستحقه الخلق أن يضاف إليهم فمن عرف نفسه فإنه لا يماثله الحق و من عرف ربه فإنه لا يماثله الخلق إذ معرفتكم بجزء واحد من العالم من كونه دليلا عين معرفتك بالعالم كله فلهذا أنزلنا العالم منزلة الواحد فنفينا عنه المثلية إذ ما ثم في الوجود إلا الحق و الحق ما هو مثل للعالم و إن كان العالم يماثل بعضه بعضا كما تحكم في الأسماء الإلهية في الغافر و الغفور و الغفار و أمثال هذا بأنها أمثال و إن تميزت بمراتب كالعالم فإن فيه أمثالا و إن تميزت بالأعيان و المراتب و لهذا ما نزلت هذه الآيات إلا في مقابلة قول كان منهم ورد ذلك في الخبر النبوي و أما في القرآن فقوله وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ الله عَلى بَشَرٍ من شَيْءٍ مع إقرارهم أن التوراة نزلت على موسى ع من عند الله فكذبوا على الله فاسودت وجوههم أي ذواتهم فلا نور لهم يكشفون به الأشياء بل هم عمي فهم لا يبصرون و أما قوله سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فهذه آية ما نزل عند العارفين أشكل منها لما فيها من التداخل فدخل تحت قوله تَعالى في تنزيه نفسه عَمَّا يَصِفُونَ ما يصفه به عباده مما تعطيهم أدلتهم في زعمهم بالنظر الفكري كل على حياله و كل واحد يدعي التنزيه لخالقه في ذلك فأما الفيلسوف فنفى عنه العلم بمفردات العالم الواقعة في الحس منهم فلا يعلم عندهم أن زيد بن عمرو حرك أصبعه عند الزوال مثلا و لا إن عليه في هذا الوقت ثوبا معينا لكن يعلم أن في العالم من هو بهذه الصفة مطلقا من غير تعيين لأن حصول هذا العلم على التعيين إنما هو للحس و الله منزه عن الحواس فقد اندرج عندهم هذا العلم بهذا الجزء في العلم الكل الذي هو أن في العالم من هو بهذه المثابة و قد حصل المقصود عندهم و فاتهم بذلك علم كبير فإن صاحب هذه الحركة المعينة من الشخص المعين يجوز أن تقوم بغيره فبأي شيء تقوم الحجة لله على تعيين هذا العبد حتى قرره عليها في الآخرة أو حرمه ما ينبغي له في الدنيا أو لم يتحرك بتلك الحركة و إن كان من أصل صاحب هذا النظر إنكار الآخرة المحسوسة و إنكار الوهب في الدنيا و الجزاء الصاحب هذه الحركة على التعيين و إن من مذهبه أن تلك الحركة هي المانعة لذاتها أن يحصل لهذا المتحرك بها ما تمنعها حقيقة تلك الحركة فهو بان على أصل فاسد و هو أن الله ما صدر عنه إلا ذلك الواحد الأول لأحديته ثم انفعل العالم بعضه عن بعض عن غير تعلق علم من الله تفصيلي بذلك بل بالعلم الكل الذي هو عليه و أما المتكلم مثل الأشعري فانتقل في تنزيهه عن التشبيه بالمحدث إلى التشبيه بالمحدث فقال مثلا في استواءه على العرش إنه يستحيل عليه أن يكون استواءه استواء الأجسام لأنه ليس بجسم لما في ذلك من الحد و المقدار و طلب المخصص المرجح للمقادير فيثبت له الافتقار بل استواءه كاستواء الملك على ملكه و أنشدوا في ذلك استشهادا على ما ذهبوا إليه من الاستواء

قد استوى بشر على العراق من غير سيف و دم مهراق

فشبهوا استواء الحق على العرش باستواء بشر على العراق و استواء بشر محدث فشبهوه بالمحدث و القديم لا يشبه المحدث فإن الله يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و النظر الصحيح يعطي خلاف ما قالوه فقال تعالى في حق كل ناظر سُبْحانَ رَبِّكَ لمحمد ص ضمير هذا الكاف أي ربك الذي أرسلك إليهم لتعرفهم بما أرسلك له إليهم و أنزله بوساطتك عليهم رَبِّ الْعِزَّةِ أي هو الممتنع لنفسه أن يقبل ما وصفوه به في نظرهم و حكموا عليه بعقولهم و أن الحق لا يحكم عليه خلق و العقل و العاقل خلق و إنما يعرف الحق من الحق بما أنزله إلينا أو أطلعنا عليه كشفا و شهودا بوحي إلهي أو برسالة رسول ثبت صدقه و عصمته فيما يبلغه عن الله إلينا عَمَّا يَصِفُونَ من حيث نظروا بفكرهم و استدلوا بعقولهم إذ العلم بالله لا يقبل التحول إلى الجهل و لا الدخول عليه بالشبه و ما من دليل عقلي إلا و يقبل الدخول و الشبهة و لهذا اختلف العقلاء فكل واحد من المخالفين عنده دليل مخالفه شبهة لمخالفه لكونه خالف دليل هذا الآخر فعين أدلتهم كلهم هي عين شبهاتهم فأين الحق و أين الثقة و أصل الفساد إنما وقع من حيث حكموا الخلق على الحق الذي أوجدهم ثم قال وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ و ما جاءت الرسل ع إلا بما أحالته هذه الأدلة النظرية و بما أثبتته فصدقهم في نظرهم و أكذبهم في نظرهم فوقعت الحيرة عند هؤلاء فإذا سلموا له ما قاله عن نفسه على ألسنة رسله و انقادوا إليهم فإن انقيادهم إليهم ينزلهم منزلتهم فإنهم ما انقاد و إليهم من حيث أعيانهم فإنهم أمثالهم و إنما انقادوا إلى الذي جاءوا من عنده و نقلوا عنه ما أخبر به عن نفسه على ما يعلم نفسه لا على تأويل من وصل إليه ذلك فلا يعلم مراد الله فيه إلا بإعلام الله فيقف الناظر موقف التسليم لما ورد مع فهمه فيه أنه على موضوع ما هو في ذلك اللسان الذي جاء به هذا الرسول لا بد من ذلك لأنه ما جاء به بهذا اللسان إلا لنعرف أنه على حقيقة ما وضع له ذلك اللفظ في ذلك اللسان و لكن تجهل النسبة فتسلم إليه علم النسبة مع عقلنا الدلالة بالوضع الاصطلاحي في ذلك اللحن الخاص فتنقاد إليه كما انقاد المرسلون و لهذا قال على المرسلين أي هو واجب عليهم الانقياد بقوله وَ سَلامٌ فنكون أمثالهم ثم قال وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي عواقب الثناء إذ كل ما جاءوا به إنما قصدوا به الثناء على الله فعواقب الثناء على الله بما نزه نفسه عنه إن الثناء على الله في ذلك كونه تعالى أنطقهم به و أوجد ذلك في نفوسهم لأن الذي قالوه يكون حقا و لا بد و لهذا قال وَ الْحَمْدُ فإن الحمد العاقب فعواقب الثناء ترجع إلى الله و عاقب الأمر آخره و لا آخر لما قالوه إلا كونه موجودا عنه تعالى فيهم فإنه رب العالمين من حيث ثبوته في ربوبيته بما يستحقه الرب من النعوت المقدسة و هو سيد العالم و مربيهم و مغذيهم و مصلحهم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ و أما قوله وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِاعلم أن العالم محصور في علو و سفل و العلو و السفل له أمر إضافي نسبي فالعالي منه يسمى سماء و الأسفل منه يسمى أرضا و لا يكون له هاتان النسبتان إلا بأمر وسط يكون بينهما و يكون ذلك الأمر في نفسه ذا جهات فما أظله فهو سماء و ما أقله فهو أرض له و إن شئت قلت في الملإ الأعلى و الملإ الأسفل أنه كل ما تكون من الطبيعة فهو الملأ الأسفل و كل ما تولد من النور فهو الملأ الأعلى و أكمل العالم من جمع بينهما و هو البرزخ الذي بجهاته ميزهما أو بجمعيته ميزهما بالعلو و السفل من حيث المؤثر و المؤثر فيه اسم فاعل و اسم مفعول و الحق تعالى بالنظر إلى نفسه لا يتصف بشيء مما يتصف به وجود العالم فالعظمة و الكبرياء المنسوبان إليه في ألسنة الفهوانية أن الله لما نسب الكبرياء الذي له ما جعل محله إلا السموات و الأرض فقال وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ما قال في نفسه فالمحل هو الموصوف بالكبرياء الذي لله فالعالم إذا نظر إلى نفسه صغيرا و رأى موجدة منزها عما يليق به سمي ربه كبيرا و ذا كبرياء لما كبر عنده بما له فيه من التأثير و القهر فلو لم يكن العالم مؤثرا فيه لله تعالى ما علم أنه صغير و لا أن ربه كبير و كذلك رأى لما قامت الحاجة به و الفقر إلى غيره احتاج أن يعتقد و يعلم أن الذي استند إليه في فقره له الغني فهو الغني سبحانه في نفس عبده و هو بالنظر إلى ذاته معرى عن النظر إلى العالم لا يتصف بالغنى لأنه ما ثم عن من و كذلك إذا نظر إلى ذله علم أنه لا يذل لنفسه و إنما يذل تحت سلطان غيره عليه فسماه عزيزا فإنه عز الحق في نفس هذا العبد لذله فالعبد هو محل الكبرياء و الغني و العظمة و العزة التي لله فوصف العبد ربه بما قام به فأوجب المعنى حكمه لغير من قام به و من هنا برقت بارقة لمن قال من أهل النظر إن الباري مريد بإرادة حادثة لم تقم به لأنه ليس محلا للحوادث فخلق إرادة لا في محل فأراد بها فأوجبت الإرادة حكمها لمن لم تقم به هذا القدر و هو الذي لاح عندهم من روح هذا الأمر الذي ذكرناه في الكبرياء و ما تم لهم تحقيق النظر إلى آخره بل عبروا عن ذلك بعبارات سيئة مختلطة فإن أكثر العقلاء يرون أن المعاني لا توجب أحكامها إلا لمن قامت به و هذا غلط طرأ عليهم لكونهم أثبتوا الصفات أعيانا متعددة وجودية لا تقوم بنفسها بل تستدعي موصوفا بها تقوم به فيوصف بها فلو علموا أن ذلك كله نسب و إضافات في عين واحدة تكون تلك العين بالنسبة إلى كذا عالمة و إلى كذا قادرة و إلى كذا مريدة و إلى كذا كبيرة و إلى كذا غنية و إلى كذا عزيزة إلى سائر الصفات و الأسماء لأصابوا أ لا تراهم يقولون في الكبرياء و العظمة و الغني و العزة إنها صفات تنزيه أي هو منزه عندهم عن نقيضها و ليس الأمر عند المحققين كما قالوه و إنما هو منزه عن قيام الكبرياء به بحيث أن يكون محلا له بل الكبرياء محله الذي عينه الحق له و هو السموات و الأرض فقال وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و هو أي هوية الحق العزيز أي المنيع لذاته أن تكون محلا لما هي السموات و الأرض له محل و ليس إلا الكبرياء فما كبر إلا في نفس العالم و هو أجل من أن يقوم به أمر ليس هو بل هو الواحد من جميع الوجوه و هو الحكيم بما رتبه في الخلق و من جملة ما رتبه بعلمه و حكمته إنه جعل السموات و الأرض محلا لكبريائه فكأنه يقول وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ الذي خلقه في نفس السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ حتى يكبروا إلههم به و كذلك وقع فكبروه في نفوسهم فقالوا إنه ذو الجلال أي صاحب الجلال الذي نجده في نفوسنا له و الإكرام بنا فإن نظرت بعين الحقيقة ففتح الله منك عين الفهم علمت من سميت و من وصفت و من نعت و لمن هي هذه النعوت و بمن قامت و إلى أي عين نسبت و أما قوله فيما وصف به نفسه مما هو عند النظار صفة للخلق حقيقة و أخذوه في الله تجوزا من جوع و ظمأ و مرض و غضب و رضي و سخط و تعجب و فرح و تبشبش إلى قدم و يد و عين و ذراع و أمثال ذلك مما وردت به الأخبار عن الله على السنة الرسل و ما ورد من ذلك في الكلام المنسوب إلى الله المعبر عنه بصحيفة و قرآن و فرقان و توراة و إنجيل و زبور فالأمر عند المحققين أن هذه كلها صفات حق لا صفات خلق و أن الخلق اتصف بها مزاحمة للحق كما اتصف العالم أيضا بجميع الأسماء الإلهية الحسنى و أجمع النظار عليها و الكل أسماؤه من غير تخصيص هذا مذهب المحققين فيه فإنه صادق و لهذا نحن في ذلك على التوقيف فلا نصفه إلا بما وصف به نفسه و لا نسميه إلا بما سمي به نفسه لا نخترع له اسما و لا نحدث له حكما و لا نقيم به صفة فإنه قد قدمنا لك أنه لا يماثلنا و لا نماثله ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ منا و ليس كمثلنا شيء منه فهو لنفسه بنفسه و نحن لنا به لأنا لا نستقل بوجودنا كما استقل هو إلا أنه خلق العالم على صورته و لذلك قبل التسمي بأسمائه فانطلق على العالم ما انطلق على الحق من حيث ما أطلقه الحق على نفسه فعلمنا أنه في أسمائه الأصل لا نحن فما أخذ شيئا هو لنا و لا نستحقه بل كل ذلك له و من جملة ما خلق الله الخيال و ظهر لنا فيه بهذه الأسماء و الصفات ففصلنا و قسمنا و رفعنا و خططنا و لم يترك شيئا من صفات العالم عندنا إلا وصفنا بها خالقنا فكشف لنا فإذا ذلك كله صفاته لا صفاتنا فصفات العالم على الحقيقة هوية الحق و الاختلاف في التجليات الإلهية لحقائق الممكنات في عين الحق فإنه عين الصورة التي أدركناها إذ لا نشك فيما رأينا إنا رأينا الحق بالعلامة التي بيننا و بينه و هو من هويته بصرنا و سمعنا فما رأيناه إلا به لا ببصرنا و لا سمعنا كلامه إلا به لا بسمعنا فلا بد من عين هو مسمى العالم و لا بد من عين هو مسمى الحق ليس كمثل واحد شيء من الآخر فهذا بعض ما يحوي عليه التواضع الكبريائي وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ