قال الله تعالى في افتتاح كلامه الجامع بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و أكد هذا العالم بأن نعته بأنه غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضَّالِّينَ و قال ص في الثابت عنه الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله و من قطعها قطعه الله و قال ص الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء و قال ص في حديث الشفاعة إن الله يقول شفعت الملائكة و شفع النبيون و المؤمنون و بقي أرحم الراحمين اعلم أن العالم لما أقام الله نشأته على التربيع و أعني بالعالم هنا الإنس و الجان الذين يعمرون الدارين الجنة و النار جعل في أم الكتاب الذي يقضي على جميع ما يتضمنه العالم أربع رحمات لكل ربع من كل شخص شخص رحمة فضمن الآية الأولى من أم الكتاب و هي البسملة رحمتان و هما قوله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و ضمن الآية الثالثة منها أيضا رحمتين و هما قوله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فهو رحمن بالرحمتين العامة و هي رحمة الامتنان و هو رحيم بالرحمة الخاصة و هي الواجبة في قوله فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الآيات و قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و أما رحمة الامتنان فهي التي تنال من غير استحقاق بعمل و برحمته الامتنان رحم الله من و فقه للعمل الصالح الذي أوجب له الرحمة الواجبة فبها ينال العاصي و أهل النار إزالة لعذاب عنهم و إن كانت مسكنهم و دارهم جهنم و هذه رحمة الامتنان قوله لنبيه ص فَبِما رَحْمَةٍ من الله لِنْتَ لَهُمْ و هذا معنى قوله صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي الطريق الذي أنعمت بها عليهم و هي الرحمة التي أعطتهم التوفيق و الهداية في دار التكليف و هي رحمة عناية فكانوا بذلك غير مغضوب عليهم و لا ضالين لما أعطاهم من الهداية فلم يحاروا يقول من غضب الله عليه امنن علينا بالرحمة التي مننت بها على أولئك ابتداء من غير استحقاق حتى وصفتهم بأنهم غير مغضوب عليهم إذ قد مننت عليهم بالهداية فأزالت الضلالة التي هي الحيرة عنهم فمن بالذي يزيل ما استحققناه من غضب الله فيرحمهم الله برحمة الامتنان و هي الرحمة التي في الآية الثالثة بالاسم الرحمن فيزيل عنهم العذاب و يعطيهم النعيم فيما هم فيه بالاسم الرحيم فليس في أم الكتاب آية غضب بل كلها رحمة و هي الحاكمة على كل آية في الكتاب لأنها الأم فسبقت رحمته غضبه و كيف لا يكون ذلك و النسب الذي بين العالم و بين الله إنما هو من الاسم الرحمن فجعل الرحم قطعة منه فلا تنتسب الرحم إلا إليه و ما في العالم إلا من عنده رحمة بأمر ما لا بد من ذلك و لا يتمكن أن تعم رحمة المحدث رحمة القديم في العموم لأن الحق يعم علمه كل معلوم و الحق لا يحيط أحد من علمه إلا بما شاء فيرحم الخلق على قدر علمهم كما رحم الله على قدر علمه فكل من غضب من العالم و انتقم فقد رحم نفسه بذلك الانتقام فإنه شفاء له مما يجده من ألم الغضب و صدقة الإنسان على نفسه أفضل الصدقات فإذا رحم نفسه و زال الغضب أعقبته الرحمة و هي الندم الذي يجده الإنسان إذا عاقب أحدا و يقول لو شاء الله كان العفو عنه أحسن لا بد أن يقول ذلك إما دنيا و إما آخرة في انتقامه لنفسه لئلا يتخيل أن إقامة الحدود من هذا القبيل فإن إقامة الحدود شرع من عند الله ما للإنسان فيها تعمل فقد وصل الإنسان بهذا الفعل رحمه و إليه وصول الرحمة فلا بد أن ينال الخلق كلهم رحمة الله فمنهم العاجل و الآجل لأنه ما ثم إلا من وصل رحمه فوصله الله من ذلك الوجه و من قطع رحمه أي بعض رحمه لأن القطع لا يتمكن له أن يعم فإن عين قطع رحم خاص وصل رحم آخر له ففي قطعه وصل و ما في وصله قطع فيشفع الموصول من الأرحام و الشفاعة مقبولة و يقيم الوزن على المقطوع بالتعريف فإنه لا بد أن يكون أيضا ذلك المقطوع قد قطع رحما له فإذا طلب ممن قطع صلة الرحم عنه يقول له الحق كما آخذ لك آخذ منك و يعلمه بأنه أيضا قد قطع رحما له فيسأل الله العفو و التجاوز فيقول الله له فاعف أنت عن قاطع رحمه فيك حتى أعفو عنك فبالضرورة يقول قد عفوت لأن ذلك الموطن يطلب من الخائف طلب العفو فيعفو فيعفو الله عنه فتناله رحمة الله بعفو هذا و يوصل رحم آخر له فيشفع فيه و هذا معنى قول الله عز و جل يوم القيامة شفعت الملائكة و شفع النبيون و المؤمنون و بقي أرحم الراحمين فيكون منه في عباده ما ذكرناه و أمثاله من كل ما يستدعي الرحمة فإن رحمة الله سبقت غضبه فهي إمام الغضب فلا يزال غضب الله يجري في شأوه بالانتقام من العباد حتى ينتهي إلى آخر مداه فيجد الرحمة قد سبقته فتتناول منه العبيد المغضوب عليهم فتنبسط عليهم و يرجع الحكم لها فيهم و المدى الذي يعطيه الغضب هو ما بين الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الذي في البسملة و بين الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الذي بعد قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فالحمد لله رب العالمين هو المدى فأوله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و انتهاؤه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و إنما كان الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ عين المدى فإن في هذا المدى تظهر السراء و الضراء و لهذا كان فيه الحمد و هو الثناء و لم يقيد بضراء و لا سراء في هذا المدى لأنه يعم السراء و الضراء فكان رسول الله ص يقول في السراء الحمد لله المنعم المفضل و في الضراء الحمد لله على كل حال فحمد الله قد جاء في السراء و الضراء فلهذا كان عين المدى و ما من أحد في الدار الآخرة إلا و هو يحمد الله و يرجو رحمته و يخاف عذابه و استمراره عليه فجعل الله عقيب قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قوله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فالعالم بين هذه الرحمة و رحمة البسملة بما هو عليه من محمود و مذموم و هذا شبيه بما جاء في سورة أ لم نشرح قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ثم إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً و لقد أنشد بعضهم في هذا
لأنه سبحانه نكر اليسر و أدخل الألف و اللام اللتين للعهد و التعريف على العسر أي هذا العسر الثاني هو عين الأول و ليس ذلك في اليسر و هو تنبيه عجيب من الله لعباده ليقوى عندهم الرجاء و الطمع في رحمة الله فإنه أرحم الراحمين فإنه إن لم يزد على عبيده في الرحمة بحكم ليس لهم فما يكون أرحم الراحمين و هو أرحم الراحمين بلا شك فو الله لا خاب منأحاطت به رحمة الله من جميع جهاته فاعلم ذلك و إذا صحت الحقائق فليقل الأخرق ما شاء فإن جماعة نازعونا في ذلك و لو لا إن رحمة الله بهذه المثابة من الشمول لكان القائلون بمثل هذا لا ينالهم رحمة الله أبدا فالله أسأله أن لا يلحقنا بالجاهلين فإنه ما ثم صفة و لا عتوبة أقبح من الجهل فإن الجهل مفتاح كل شر و لهذا قال لمحمد ص فَلا تَكُونَنَّ من الْجاهِلِينَ خاطبه بمثل هذا الخطاب لحداثة سنه و قوة شبابه فقابله بخطاب قوي في النهي عن ذلك و قال تعالى لنوح ع لما لم يكن له قوة الشباب و كان قد شاخ و حصل في العمر الذي لا يزال فيه محترما مرفوقا به في العرف و العادة إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ من الْجاهِلِينَ فرفق به في الخطاب حين وعظه فإنه لا بد من الفرق بين خطاب الشباب و خطاب الشيوخ كما أنه لا بد من الفرق في الخطاب بين الأحوال كما نفرق نحن في الثناء على الله بالأحوال فنقول في خطاب السراء الحمد لله المنعم المفضل و نقول في الضراء الحمد لله على كل حال لاختلاف الباعث على الحمد علمنا ذلك رسول الله ص بفعله فأما الرحماء من عباد الله بعباد الله بل بخلق الله مطلقا فإن الله يسرع إليهم بالرحمة عند ما يلقونه إذا رحموا الخلق لرحمة تقوم بنفوسهم بعطفهم على خلق الله فيرحمهم الله فإنها أعمالهم ترد عليهم كما ورد في الخبرفبرحمتهم رحمهم الله سبحانه
فلا تحالف و لا تشاقق و كن صدوقا و لا تفارق
فمن رحم خلق الله فإنما رحم نفسه ثم إن لله رحمة أخرى بهم زائدة على ما رحمهم به من أجل رحمتهم بخلق الله التي هي من أعمالهم و صورتها إن الراحم منا إذا رحم خلقا من خلق الله فلا يخلو إما أن تكون رحمته به إزالة ما يؤلم ذلك الخلق المرحوم خاصة أو يزيده مع ذلك إحسانا مثل من يخرج شخصا من السجن استحق العذاب و حال بينه و بين نزول العذاب به بشفاعة منه أو يكون هو الآخذ له ثم يعقبه بعد هذا الأمان إحسانا إليه بتولية أو مال أو خلع أو تقريب فذلك أمر آخر فإذا رحم الله عبدا بعلمه الذي رحم العبد به حيوانا مثله إما بإزالة عذاب أو أضاف إلى ذلك زيادة إحسان فإن الله إذا وفاه رحمة جزاء عمله كان ما كان فإن الله يزيده على ذلك كما زاد هذا العبد على ما ذكرنا أو يزيد ابتداء منة منه تعالى لذلك قال الراحمون يرحمهم الرحمن و لم يقل يرحمهم الرحيم لأنه رحمن الدنيا و الآخرة و الرحيم اختصاص الرحمة بالآخرة و أماقوله ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماءلأنكم تشاهدون أصحاب البلايا و الزوايا و تتجاوزون عنهم فترحمونهم عن أمر الله بالرحمة التي تطلبها أحوالهم كل على حسب حاله يرحم و ليس في السماء إلا الملائكة فترحمنا بالاستغفار و هو قوله تعالى وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ في الْأَرْضِ ثم قال أَلا إِنَّ الله هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ و أما قوله في هذا الباب و نسيناه في هذه المنازلة فهو حد نسيان ذلك الإنسان الله في الأشياء فما عاد عليه إلا نسيانه و أضافه الحق إليه فقال نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ أي تركوا حق الله فترك الله الحق الذي يستحقونه بأجرامهم فلم يؤاخذهم و لا آخذهم أخذ الأبد فغفر لهم و رحمهم و هذا يخالف ما فهمه علماء الرسوم فإنه من باب الإشارة لا من باب التفسير لأن الناسي هنا إذا لم ينسب إلا حق الله الذي أمره الله بإتيانه شرعا فقد نسي الله فإنه ما شرعه له إلا الله فترك حق الله فأظهر الله كرمه فيه فترك حقه و لم يكن حق مثل هذا إلا ما يستحقه و هو العقاب فعفا عنه تركا بترك مقولا بلفظ النسيان و أما نهيه تعالى إيانا أن نكون كَالَّذِينَ نَسُوا الله فنسيهم فهو صحيح فإنها وصية إلهية نهانا أن ننسى الله مثل ما نسوة هؤلاء لنقوم بحق الله و نقيم حق الله في الأشياء على نية صالحة و حضور مع الله فيجازينا الله جزاء استحقاق استحققناه بأعمالنا التي وفقنا الله لها و الذين نسوا الله إنما ترك الله ما استحقوه من العقاب كما تركوا حق الله لا غير ثم إن أفضل عليهم أفضل عليهم منة منه ابتداء و إفضاله على العالمين المؤدين حقوق الله ليس منة فإذا زاد على ما يطلبه عملهم ذلك هو الامتنان كما نالوا ما استحقوا به هذا الثواب من طريق المنة فاعلم ذلك ألا ترى الله يقول في تمام هذه الآية لما قال و لا تكونوا كالذين نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ لم يقل إنهم هم الفاسقون بل قال إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ فابتدأ كلاما آخر ما فيه ضمير يعود على هؤلاء المذكورين و كل منافق فاسق لأنه خارج من كل باب له فيخرج للمؤمنين بصورة ما هم عليه و يخرج للكافرين بصورة ما هم عليه و قد تقدم في هذا الكتاب مرتبة المنافقين في المنازل فتنبه لما نبهتك عليه و كن من العالمين الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الله ... فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ و لا تقنع بعفو الله فتكون ممن نسي الله بل ارغب في إحسانه بأن يزيدك هنا عملا و مراقبة فيزيدك عنده جاها و حرمة و أما قوله تعالى ناهيا إيانا بقوله وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأعاد الضمير عليهم فهذا نمط آخر ذكرنا حقيقته في مسألة شرف النفاق و هو النفاق المحمود في المنازل فيما عبر من هذا الكتاب فلنذكر منه ما يليق بهذا الموضع من أجل النسيان و ذلك أن الله قال على لسان رسول الله ص من عرف نفسه عرف ربهلما جعلنا دليلا عليه و لا ينبغي أن ننظر في معرفة نفوسنا إلا حتى نريد أن نعرف ربنا فإذا نسينا هذه المعرف فقد نسينا معرفة نفوسنا و هو الباب الواحد الذي كان ينبغي لنا أن نخرج عليه إلى هذه المعرفة فخرجنا على الباب الآخر و هو الذي نخرج منه إلى جهلنا بنفوسنا و لما خلقنا الله على الصورة الإلهية كان في نسياننا الله إن إنسانا الله أنفسنا فنهينا عن ذلك فإنه من نسي نفسه بالضرورة نسي ما لله عليها من الحقوق و ما لها من الحقوق فتركوا الله إذا علموا أنهم لا يشهدون من الله ما هو الله عليه و إنما يشهدون من الله أعيانهم و أحوالهم لا غير فلما علم الله هذا من بعض عباده الذين لهم هذا الوصف أنساهم أنفسهم فلم يروا عند شهودهم أن أحوالهم عين ما رأوا فيقولون في ذلك الشهود قال لي الله و قلت له و أين هذا من مقام قولهم لا نرى من الحق إلا ما نحن عليه فلم يكن لهم ذلك إلا من كونه تعالى أنساهم أنفسهم ف أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن طريق ما كانوا تحققوا به من أن الله لا يشهده أحدا لا من حيث حاله و ما هو عليه و لما وصف نفسه تعالى بأنه خَيْرُ الرَّاحِمِينَ من باب المفاضلة فمعلوم أنه ما يرحم أحد من المخلوقين أحدا إلا بالرحمة التي أوجدها الرحمن فيه فهي تعالى رحمته لا رحمتهم ظهرت في صورة مخلوق كما قال في سمع الله لمن حمده إن ذلك القول هو قول الله على لسان عبده فقوله تعالى الذي سمعه موسى أتم في الشرف من قوله تعالى على لسان قائل فوقع التفاضل بالمحل الذي سمع منه القول المعلوم أنه قول الله و كذلك أيضا رحمته من حيث ظهورها من مخلوق أدنى من رحمته بعبده في غير صورة مخلوق فتعين التفاضل و الأفضلية بالمحال إلا إن رحمة الله بعبده في صورة المخلوق تكون عظيمة فإنه يرحم عن ذوق فيزيل برحمته ما يجده الراحم من الألم في نفسه من هذا المرحوم و الحق ليس كذلك فرحمته خالصة لا يعود عليه منها إزالة ألم فهو خير الراحمين فرحمة المخلوق عن شفقة و رحمة الله مطلقة بخلاف بطشه و انتقامه مع شدته و لكن لا يبطش بطشا لا يكون فيه رحمة لأن قصارى الرحمة فيه إيجاده البطش بعبده فوجود البطش رحمة رحم الله بها المبطوش إذ أخرجه من العدم إلى الوجود و من كان مخلوقا من صفة الرحمة فلا بد أن يكون في بطشه رحمة فجاء أبو يزيد في هذا المقام لما سمع القارئ يقرأ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ قال أبو يزيد بطشي أشد لأن بطش الإنسان إذا بطش لا يكون في بطشه شيء من الرحمة لأنه لا يتمكن له أن يبطش بأحد و عنده رحمة به جملة واحدة فما يكون ذلك البطش إلا بحسب ما أعطاه محل الباطش و إن كان ذلك البطش خلقا لله و لكن ما خلقه إلا في هذا المحل فظهر بصورة المحل و المحل لا يطلب الانتقام من أحد و في قلبه رحمة ثم إن الله إذا بطش بعبده ففي بطشه نوع رحمة لأنه عبده بلا شك كما إن المخلوق إذا أراد أن يبطش بعبده لا بد أن يشوب بطشه نوع رحمة للمناسبة التي بينه و بين عبده و مملوكه لأنه المبقي عليه اسم المالك و السيادة فلا يمكن أن يستقصي في بطشه ما يذهب عينه فيكون عند ذلك قد بطش بنفسه و المخلوق ليس كذلك في الأجنبي الذي ليس بينه و بين الباطش نسبة عبودية و لا اكتسب من وجوده صفة سيادة فإذا بطش من هذه صفته بطش ببطش لا تشوبه رحمة فهو سبحانه خَيْرُ الرَّاحِمِينَ و ما جاء قط عنه تعالى أنه خير الآخذين و لا الباطشين و لا المنتقمين و لا المعذبين كما جاء خَيْرُ الْفاصِلِينَ و خَيْرُ الْغافِرِينَ و خَيْرُ الرَّاحِمِينَ و خير الشاكرين و أمثال هذا مع كونه يبطش و ينتقم و يأخذ و يهلك و يعذب لا بطريق الأفضلية فتحقق هذا الفاصل بين وصفه بالأخذ و الانتقام و بين وصفه بالرحمة و المغفرة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ