قال الله تعالى يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا و قال تعالى وَ أَنَّ إِلىرَبِّكَ الْمُنْتَهىو قال ص ليس وراء الله مرمى و قال وَ الله من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ و ما ثم إلا الله و نحن و هو من ورائنا محيط فليس وراء الله مرمى إلا العدم المحض الذي ما فيه حق و لا خلق فهو تعالى المحيط بنا فالوراء منا له من كل وجهة فلا نراه أبدا من هذه الآية لأن وجوهنا إنما هي مقبلة مصروفة إلى نقطة المحيط لأنا منها خرجنا فلم يتمكن لنا أن نستقبل بوجوهنا إلا هي فهي قبلتنا و هي إمامنا و من كان هذا نعته و الأمر كرى فبالضرورة يكون الوراء منا للمحيط بنا فإذا نظرنا إلى قوله وَ أَنَّ إِلىرَبِّكَ الْمُنْتَهىفإنما يريد بظهورنا لا بوجوهنا فإن مشينا إلى المحيط القهقري فهو من ورائنا محيط لأنه الوجود فلو لم يكن من ورائنا لكان انتهاؤنا إلى العدم و لو وقعنا في العدم ما ظهر لنا عين فمن المحال وقوعنا في العدم لأن الله و هو الوجود المحض من ورائنا محيط بنا إليه ننتهي فيحول وجوده و إحاطته بيننا و بين العدم فليس بين قوله وَ أَنَّ إِلىرَبِّكَ الْمُنْتَهىو بين قوله وَ الله من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ تقابل لا يمكن معه الجمع بينهما بل الجمع بينهما معلوم فالعالم بين النقطة و المحيط فالنقطة الأول و المحيط الآخر فالحفظ الإلهي يصحبنا حيثما كنا فيصرفنا منه إليه و الأمر دائرة ما لها طرف يشهد فيوقف عنده فلهذا قيل للمحمدي الذي له مثل هذا الكشف لا مُقامَ لَكُمْ لكون الأمر دوريا فارجعوا فلا يزال العالم سابحا في فلك الوجود دائما إلى غير نهاية إذ لا نهاية هناك و لا يزال وجه العالم أبدا إلى الاسم الأول الذي أوجده ناظرا و لا يزال ظهر العالم إلى الاسم الآخر المحيط الذي ينتهي إليه بورائه ناظرا فإن العالم يرى من خلفه كما يرى من أمامه و لكن يختلف إدراكه باختلاف الحال عليه و لو لا الاختلاف ما تميز عين و لا كان فرقان
قيل لطائفة ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فقيل لهم حق لأن الله من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ و هو النور فلو لم يضرب بالسور بينه و بينهم لوجدوا النور الذي التمسوه حين قيل لهم فَالْتَمِسُوا نُوراً فإن الحياة الدنيا محل اكتساب الأنوار بالتكاليف و أنها دار عمل مشروع فهي دار ارتقاء و اكتساب فلما أقبلوا على الآخرة صارت الدنيا وراءهم فقيل لهم ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً أي لا يكون لأحد نور إلا من حياته الدنيا فحال سور المنع بينهم و بين الحياة الدنيا فالسور دائرة بين النقطة و المحيط فأهل الجنان بين السور و المحيط فالنور من ورائهم و باطن السور إليهم الذي فيه الرحمة و وجه السور الذي هو ظاهره ينظر إلى نقطة المحيط و أهل النار بين النقطة و ظاهر السور وَ ظاهِرُهُ من قِبَلِهِ الْعَذابُ إلى الأجل المسمى فهو حائل بين الدارين لا بين الصفتين فإن السور في نفسه رحمة و عينه عين الفصل بين الدارين لأن العذاب من قبله ما هو فيه و الرحمة فيه فلو كان فيه العذاب لتسرمد العذاب على أهل النار كما تتسرمد الرحمة على أهل الجنة فالسور لا يرتفع و كونه رحمة لا يرتفع و لا بد أن يظهر ما في الباطن على الظاهر فلا بد من شمول الرحمة لمن هو قبل ظاهر السور و لهذا قيل لهم فَالْتَمِسُوا نُوراً فلو قيل لهم التمسوا رحمة لوجدوها من حينهم بوجود السور فإذا أراد أهل الجنة أن يتنعموا برؤية أهل النار يصعدون على ذلك السور فينغمسون في الرحمة فيطلعون على أهل النار فيجدون من لذة النجاة منها ما لا يجدونه من نعيم الجنة لأن الأمن الوارد على الخائف أعظم لذة عنده من الأمن المستصحب له و ينظرن أهل النار إليهم بعد شمول الرحمة فيجدون من اللذة بما هم في النار و يحمدون الله تعالى حيث لم يكونوا في الجنة و ذلك لما يقتضيه مزاجهم في تلك الحالة فلو دخلوا الجنة بذلك المزاج لأدركهم الألمو لتضرروا فإذا عقلت فليس النعيم إلا الملائم و ليس العذاب إلا غير الملائم كان ما كان فكن حيث كنت إذا لم يصبك إلا ما يلائمك فأنت في نعيم و إذا لم يصبك إلا ما لا يلائم مزاجك فأنت في عذاب حببت المواطن إلى أهلها و أهل النار الذين هم أهلها هي موطنهم و منها خلقوا و إليها رجعوا و أهل الجنة الذين هم أهلها منها خلقوا و إليها رجعوا فلذة الموطن ذاتية لأهل الموطن غير أنهم محجوبون بأمر عارض عرض لهم من أعمالهم من إفراط و تفريط فتغير عليهم الحال فحجبهم عن لذة الموطن ما قام بهم من الأمراض التي أدخلوها على أنفسهم حتى إنهم لو لم يعملوا ما يوجب لهم وجود الآلام و الأسقام و حشروا من قبورهم على مزاج وطنهم و خيروا بين الجنة و النار لاختاروا النار كما يختار السمك الماء و يفر من الهواء الذي به حياة أهل البر فيموت أهل البر بما يحيا به أهل الماء و يموت أهل الماء بما يحيا به أهل البر فاعلم ذلك و أنت فلا يصح لك البقاء مع الحق على الدوام فإنه لا بد أن يقال ردوهم إلى قصورهم و لم يقل ردوهم إلى بيوتهم و لا إلى أزواجهم فما جاء بلفظ القصور إلا للمعنى المعقول منه فإذا ردوهم إلى قصورهم و أشرفوا على ملكهم فمن المحال أن يظهروا فيه عبيدا و إنما يظهرون فيه ملوكا فيعظمهم أهلهم و تقوم العزة عليهم في نفوسهم فتقول لهم الحقيقة ليكن عزكم الذي اقتضاه لكم الموطن بالله لا بنفوسكم فيعتزون في ملكهم بعز الله فتكون العزة لله بالأصالة وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ خلعة إلهية لا بالأصالة فيسعدون بهذا العلم عند الله و يجدونه في التجلي المستأنف مع أن العلماء بالله لا يزالون في تجل دائم لما علموا أن الحق عين كل صورة و مع هذا فلهم التجلي العام في الكثيب فإن ذلك يعطي ذوقا آخر خلاف هذا الذوق الذي يجدونه دائما وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى السفر الثامن و العشرون بانتهاء الباب العاشر و أربعمائة
بسم الله الرحمن الرحيم