فخافوا الكتاب و لا تخافوني فإني و إياكم على السواء في مثل هذا قال تعالى ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ لحكم الكتاب على الجميع و عليهم أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ فما أصعب الأمر عند العاقل الخبير
قال رسول الله ص في الصحيح عنه إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يبقى بينه و بين الجنة إلا شبر فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار و كذلك قال في أهل الجنة ثم قال و إنما الأعمال بالخواتيم و هي على حكم السوابقفلا يقضي الله قضاء إلا بما سبق الكتاب به أن يقضي فعلمه في الأشياء عين قوله في تكوينه فما يبدل القول لديه فلا حكم لخالق و لا مخلوق إلا بما سبق به الكتاب الإلهي و لذا قال وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فما نجري عليهم إلا ما سبق به العلم و لا أحكم فيهم إلا بما سبق به فهذا موقف السواء الذي يوقف فيه العبد
بَلِ الْإِنْسانُ عَلىنَفْسِهِ بَصِيرَةٌ فانظر أيها الولي الحميم إلى ما يحوك في صدرك لا تنظر إلى العوارض فإنك بحسب ما يحوك فإن حاك الايمان فأنت مؤمن و إن حاك صرف ما وجب به الايمان إلى ما لا يقتضيه ظاهر الحكم فأنت بحسب ذلك و به يختم لك و لا تنظر إلى ما يبدو للناس منك و لا تعول إلا على ما يحوك فإنه لا يحوك في صدرك إلا ما سبق في الكتاب أن يختم به لك إلا إن الناس في غفلة عما نبهتهم عليه و لا راد لأمره و لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ و ذلك الذي يحوك في صدرك هو عين تجلى الأمر الذي لك و قسمك من الوجود الحق قال بعضهم في باب الورع ما رأيت شيئا أسهل علي من الورع كل ما حاك له شيء في نفسي تركته يؤيدهقول النبي ص دع ما يريبك إلى ما لا يريبكوقال استفت قلبك و إن أفتاك المفتونو اعلم أن الله تعالى ما كتب إلا ما علم و لا علم إلا ما شهد من صور المعلومات على ما هي عليه في أنفسها ما يتغير منها و ما لا يتغير فيشهدها كلها في حال عدمها على تنوعات تغييراتها إلى ما لا يتناهى فلا يوجدها إلا كما هي عليه في نفسها فمن هنا تعلم علم الله بالأشياء معدومها و موجودها و واجبها و ممكنها و محالها فما ثم على ما قررناه كتاب يسبق إلا بإضافة الكتاب إلى ما يظهر به ذلك الشيء في الوجود على ما شهده الحق في حال عدمه فهو سبق الكتاب على الحقيقة و الكتاب سبق وجود ذلك الشيء و يعلم ذوق ذلك من علم الكوائن قبل تكوينها فهي له مشهودة في حال عدمها و لا وجود لها فمن كان له ذلك علم معنى سبق الكتاب فلا يخف سبق الكتاب عليه و إنما يخاف نفسه فإنه ما سبق الكتاب عليه و لا العلم إلا بحسب ما كان هو عليه من الصورة التي ظهر في وجوده عليها فلم نفسك لا تعترض على الكتاب و من هنا إن عقلت وصف الحق نفسه بأن له الحجة البالغة لو نوزع فإنه من المحال أن يتعلق العلم إلا بما هو المعلوم عليه في نفسه فلو أحتج أحد على الله بأن يقول له علمك سبق في بأن أكون على كذا فلم تؤاخذني يقول له الحق هل علمتك إلا بما أنت عليه فلو كنت على غير ذلك لعلمتك على ما تكون عليه و لذلك قال حتى نعلم فارجع إلى نفسك و أنصف في كلامك فإذا رجع العبد على نفسه و نظر في الأمر كما ذكرناه علم أنه محجوج و أن الحجة لله تعالى عليه أ ما سمعته تعالى يقول وَ ما ظَلَمَهُمُ الله وَ ما ظَلَمْناهُمْ و قال وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ كما قال وَ لكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ يعني أنفسهم فإنهم ما ظهروا لنا حتى علمناهم و هم معدومون إلا بما ظهروا به في الوجود من الأحوال و العلم تابع للمعلوم ما هو المعلوم تابع للعلم فافهمه و هذه مسألة عظيمة دقيقة ما في علمي أن أحدا نبه عليها إلا إن كان و ما وصل إلينا و ما من أحد إذا تحققها يمكن له إنكارها و فرق يا أخي بين كون الشيء موجودا فيتقدم العلم وجوده و بين كونه على هذه الصور في حال عدمه الأزلي له فهو مساوق للعلم الإلهي به و متقدم عليه بالرتبة لأنه لذاته أعطاه العلم به فاعلم ما ذكرناه فإنه ينفعك و يقويك في باب التسليم و التفويض للقضاء و القدر الذي قصاه حالك و لو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذه المسألة لكانت كافية لكل صاحب نظر سديد و عقل سليم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ