«الباب السابع عشر و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ من الله إِلَّا إِلَيْهِ و هذا ذكر الاضطرار و الفرج بعد الشدة»
قال الله تعالى وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فلو كان واحد ما ضاقت عليه الأرض لأن الضيق إنما يقع بالشريك و لهذا لا يغفر الله أَنْ يُشْرَكَ به فإنه يخرج عنه ما هو له و لذلك أغضب المشرك الحق غضبا أورثه ذلك الغضب مكانا ضيقا لما في الغضب من الضيق فحصل له مع أمثاله من المشركين كونهم مُقَرَّنِينَ في الْأَصْفادِ فليس اتساع الأرض إلا لمن انفرد بها فلما انقسمت بين ثلاثة قسمة مشاعة ضاق الفضاء الرحب و لو لا وجود الفردية في الثلاثة لهلكوا فما نجاهم إلا ما في الثلاثة من الأحدية الواردة على الاثنين و أما لو كانوا أربعة أو اثنين ما نجوا و لا تاب الله عليهم فإن الله وتر يحب الوتر و الثلاثة وتر فأبقى عليهم من المحبة ما تاب بها عليهم و إذا رحم الله الشفع إنما يرحمه بآحاده فيخلو به واحدا واحدا على انفراده حتى لا ينال رحمته إلا الواحد فما يرحم الله عباده شفعا و إنما يرحمهم إما في الفردية أو في الأحدية غير ذلك لا يكون و بعد ذلك يفعل ما يريد و إنما وقع الكلام على الواقع فما تكثر الأعداد و لا تظهر إلا بآحادها فلو زالت الآحاد منها لما كان في العالم شفع و لا عدد و لهذا لم يتكرر تجل قط على شخص و لا في شخصين فلو لا ما قال ثلاثة ما صح لهم ذوق الضيق في الاتساع لما في الثلاثة من الشفعية و لما صح لهم ذوق الاتساع بالرحمة بالتوبة لما في الثلاثة من الأحدية التي بها كانت فردا و هي أول الأفراد فلها الأولية فهي أقرب إلى الأحدية فأسرعت الرحمة إليهم فلو كانوا خمسة لكانوا أبعد من الأحدية و أكثر ضيقا لتضاعف الشفعية و هكذا الأمر طلعت الأفراد ما طلعت و هو الذي ينفي كثرة المدة في النار في العذاب لأهلها حتى يقطعوا كل شفع يكون في فرديتهم انتهوا إلى ما انتهوا إليه فغاية إقامتهم في العذاب ثمانية و تسعون دهرا ثم يتولاهم الاسم الرحمن بعد ذلك و هم نازلون في الشقاء من ثمانية و تسعين إلى اثنين بعدد كل شفع بينها و في كل فردية رحمة تكون لمن له حظ فيها في هذه الدار فيفتر عنه بقدر ذلك و أما أهل الشفع فلا يفتر عنهم العذاب و هم فيه مبلسون إلى الغاية التي ذكر الله من شفعية و هي الثمانية و التسعون فالوتر الذي يكون بعد الشفع هو الذي يأخذ بثار الوتر الذي قبله إذ شفعه من ظهر بين الوترين كالثالث بين الاثنين و الرابع فيأخذ بثار الواحد الذي شفعته الاثنان و كالخامس بين الأربعة و الستة يأخذ بثار الثالث الذي شفعته الأربعة لينتقم له فإن الوتر في اللسان الذي جاءت به هذه الشريعة المحمدية هو طلب الثأر و هكذا حكم كل فرد حتى تنتهي إلى تسعة و تسعين فإذا وقف الأمر هناك و انحصر في الاسم الرحمن تولاه الله بالاسم الأعظم لأن به تمام المائة فعم درجات الجنة و دركات النار و لم يتوله الاسم الأعظم المتمم إلا من الاسم الرحمن فهو حاجب الحجاب فليس له منازع بين يدي الاسم الأعظم فيئول الأمر إلى شمول الرحمة في الدارين لساكنيهما و ما قال من المشركين ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفىإلا من كان في مقام الفردية منهم فإذا قالها صاحب الشفعية فإنما ذلك لحصره بين الواحد الذي شفعه بوجود معبوده و الواحد الذي يفرد هذا الشفع في استقباله فمن أي وجهة رد إليها وجهه هذا الشفع لم ير إلا واحدا فنظر إلى نفسه فلم ير إلا أحديته فقال عند ذلك ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفىفصدرت هذه الكلمة من كل مشرك شفعا كان أو وترا للشريك الذي نصبه و أما من قال إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ أو قال ما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلهٍ غَيْرِي فليس في الظاهر بمشرك و إنما دخل عليه الشرك بالاسم و لذلك قال الله لنبيه ع قُلْ سَمُّوهُمْ فإنهم إذا سموهم عرفوا بالاسم من هو المسمى فقال هؤلاء إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ و ليس المسيح من أسمائه إذ كان له هذا الاسم قبل أن يدعي فيه أنه الله فأشركوا من حيث الاسم و أشرك فرعون من حيث خالف عقده قوله فبهذا كانوا مشركين ثم ينتج له هذا الذكر أمرا عجيبا على الأوج مخبوءا في الدرج مرقوما في طي الدرج إذ سماهم الله مخلفين فإن كل مفارق أهله فالله خليفته في ذلك الأهل سواء استخلفه أم لم يستخلفه فكل من يقوم في أهله بعده فإنما ذلك نائب الله لا نائبه فهؤلاء الثلاثة الذين خلفوا ما خلفهم الاسم الظاهر فإنالشرع دعاهم إلى الخروج و لكن الله ثبطهم فمنهم من كَرِهَ الله انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ و منهم من ثبطه لا عن كره فقاموا في أهليهم مقام حق فجعلهم الله خلفا في أهليهم عنه من الاسم الباطن على كره منهم فكان من أمرهم ما كان ف تابَ الله عَلَيْهِمْ فتفاضلت توبتهم فكان منهم الكاذب في عذره فقبله منهم الكرم الإلهي و كان منهم الصادق و هو فيالدار الدنيا فاذاقه الله مرارة الصدق هنا ليعلم من يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلىعَقِبَيْهِ فإن الدنيا دار بلاء و رحم الله الجميع و رجع عليهم بالرحمة و لكن على التفاضل فيها و ما فعل ذلك و أخبرنا به إلا لنكون بتلك الصفة الإلهية مع عباده في معاملتهم إيانا فمن صدقنا رأينا له منزلة صدقه و من كذب لنا لم نفضحه و تغاضينا عن كذبه و أظهرنا له قبول قوله لأن قوله وجود فقبلناه و مدلوله عدم فلم نجد من يقبل فبقينا على البراءة الأصلية فإن المعدوم ليس بمنازع فمن كان هذا ذكره و لم يكن له هذا الخلق فما ذكره هذا الذكر قط وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ