اعلم أيدنا الله و إياك بِرُوحٍ مِنْهُ أن الملائكة أرواح في أنوار و أنها أولو أجنحة فإذا تكلم الله بالوحي على صورة خاصة و تعلقت به أسماعهم كأنه سلسلة على صفوان ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لهذا التشبيه فتصعق حتى إذا فزع الله عن قلوبهم و هو إفاقتهم من صعقهم قالوا ما ذا يقول بعضهم لبعض فيقول بعضهم ربكم أعلاما بأن كلامه عين ذاته فيقول بعضهم لهذا القائل الحق أي الحق بقول وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ عن هذا التشبيه و لكن هكذا نسمع
و من علم أن للملائكة قلوبا أو علم القلوب ما هي علم إن الله تعالى ما أسمعهم في الوحي الذي أصعقهم إلا ما يناسب من الوحي كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و يُقَلِّبُ الله اللَّيْلَ وَ النَّهارَ فمن فزع الله عن قلبه رأى حقيقة انقلابه في الصور و تحوله فيها فعلم إن العالم كله في كل نفس في تحول و انقلاب فعلم من ذلك أن ذلك للشئون التي هو الحق فيها فهو المحول القلب في الليل و النهار بما يقلبها و في السماء بما يوحي فيها و في الأرض بما يقدر فيها و فيما بينهما بما ينزل فيه و فينا بما نكون عليه و هو معنا أينما كنا فنتحول لتحوله و نتقلب لتقلبه فإن من أسمائه الدهر و نستغني به لغناه و أما علمنا بتفاضل بعض الملائكة في العلم بالله على بعض فلما ورد في هذا الذكر من الاستفهام في قول من قال منهم ما ذا و هو قولهم وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في العلم بالله و أما رفع التهمة عنهم فيما بينهم و تصديق بعضهم بعضا و انصباغ بعضهم بما عند بعض مما يكون عليه ذلك البعض من صورة العلم بالله فيفيد بعضهم بعضا فمن قوله عنهم قالُوا الْحَقَّ ابتداء و لم ينازعوا عند ما قال لهم المسئول ربكم ثم أقيموا في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فلم يروه إلا في الهوية و هي ما غاب عنهم من الحق في عين ما تجلى و تلك الهوية هي روح صورة ما تجلى فنسبوا إليها أعني إلى الهوية من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ العلو عن التقييد و الكبرياء عن الحصر فقالوا بل قال عن نفسه و هو المعلوم عندنا الذي أعطاه الكشف عند قولهم ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ إلى هنا انتهى كلام الملائكة فقال الله وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ كما قال لنا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فقدم ما أخر في خطاب الملائكة وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فأخر عندنا ما قدم في خطاب الملائكة فنهاية ما خاطب به الملائكة بدايتنا و بداية ما خاطبنا به و عرفنا من قول الملائكة
فيه نهايتنا
فلما شرك الله بيننا و بين ملائكته في العجز عن معرفته زدنا عليهم بالصورة و لحقناهم في الظاهر بما يظهر به من الصور في النشأة الآخرة في ظواهرنا كما نظهر بها اليوم في بواطننا فنكون على نشأتهم في الآخرة و ليست للملائكة آخرة فإنهم لا يموتون فيبعثون و لكن صعق و إفاقة و هو حال لا يزال عليه الممكن في التجلي الإجمالي دنيا و آخرة و الإجمال هناك في الملائكة عين المتشابه عندنا و لهذا يسمعون الوحي كأنه سلسلة على صفوان فعند الإفاقة يقع التفصيل الذي هو نظير المحكم فينا فالأمر فينا و فيهم بين آيات متشابهات و آيات محكمات فعم الابتلاء و الفتنة بالإجمال و المتشابه الملأين الملإ الأعلى و الملإ الأنزل فمثل هذا العلم فمثل هذا العلم ينتجه هذا الذكر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ