اعلم أن الله تعالى عرف أن نسبة القضاء إلى القاضي لا تصح حتى يقضي صلاحية و وجودا و لا يصح له هذا الاسم حتى يقضي و لا يعين القضاء إلا حال المقضي عليه فالقضاء أمر معقول لا وجود له إلا بالمقضي به و المقضي به يعينه حال المقضي عليه و بهذه الجملة يثبت اسم القاضي فلو ارتفعت هذه الجملة من الذهن ارتفع اسم القاضي و لو ارتفعت من الوجود ارتفع أيضا حقيقة فإن أطلق أطلق مجاز أو حقيقة المجاز أو التجوز أن ينسب الوقوع إلى ما ليس بواقع المثال في ذلك ادعى شخص على شخص دينا و أنكر المدعي عليه فعينت الدعوى إقامة البينة و هو المقضي به على صاحب الدعوى و عين الإنكار المقضي به على المنكر و هو اليمين إذا لم تقم البينة و حدث اسم القاضي حقيقة للحاكم باليمين على المدعي عليه إذا أنكر و طلب إقامة البينة من المدعي فالقضاء مجمل و المقضي به تفصيل ذلك المجمل و هو القدر لأن القدر توقيت فمن سأل فحاله أوجب عليه السؤال و السؤال طلب وقوع الإجابة فإنه قال أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ و الإجابة أثر في المجيب اقتضاه السؤال فمن سأل أثر و من أجاب تأثر فالحق آمر اقتضى له ذلك حال المأمور و الخلق داع اقتضاه حال المدعو لأن الداعي يرجو الإجابة لما تقرر عنده من حال المدعو و الآمر يرجو الامتثال من المأمور لما علمه من حال المأمور فحالالمأمور جعل للآمر أن يكون منه الأمر و حال المدعو جعل للداعي أن يكون منه الدعاء و كل واحد فحاله اقتضى أن يكون آمر أو داعيا فالدعاء و الأمر نتيجة بين مقدمتين هما حال الداعي و المدعو و الآمر و المأمور فزالت الوحدة و بان الاشتراك فالتوحيد الحق إنما هو لمن أعطى العلم للعالم و الحكم للحاكم و القضاء للقاضي و ليس إلا عين الممكن و هو الخلق في حال عدمه و وجوده كما قررناه في الباب قبل هذا و الأحوال نسب عدمية و هي الموجبة لوجود الأحكام من الحكام في المحكوم به و عليه فالممكن مرجح في حال عدمه و وجوده فالترجيح أثر المرجح فيه و حال الترجيح أوجب للممكن أن يسأل و أن لا يسأل بحسب ما تقتضيه حاله لأنا ما عينا حالا من حال فبالحال يسأل فيؤثر الإجابة في المرجح و المرجح أعطى الحال في ترجيحه الذي أوجب السؤال المؤثر في المرجح الإجابة فلا يجيب المرجح إلا عن سؤال و لا سؤال إلا عن حال و لا حال إلا عن ترجيح و لا ترجيح إلا من مرجح و لا مرجح إلا من قابل للترجيح و هو الممكن و الممكن أصل ظهور هذه الأحكام كلها فهو المعطي جميع الأسماء و الأحكام و قبول المحكوم عليه بذلك و المسمى فما ظهر أمر إلا نتيجة عن مقدمتين فللحق التوحيد في وجود العين و له الإيجاد بالاشتراك منه و من القابل فله من عينه وجوب الوجود لنفسه فهو واحد و له الإيجاد من حيث نفسه و قبول الممكن فليس بواحد في الإيجاد و لو صح توحيد الإيجاد لوجد المحال كما وجد الممكن و إيجاد المحال محال فإذا قلت على ما قد تقرر من وجود حق و خلق فقل بوجود مؤثر و مؤثر فيه مؤثر فيمن أثر فيه وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ أي إلى هذا الحكم لا إلى العين (تنبيه) ثم لتعلم أن الله تعالى قد أمرنا بالرضا قبل القضاء مطلقا فعلمنا أنه يريد الإجمال فإنه إذا فصله حال المقضي عليه بالمقضي به انقسم إلى ما يجوز الرضاء به و إلى ما لا يجوز فلما أطلق الرضاء به علمنا أنه أراد الإجمال و القدر توقيت الحكم فكل شيء بقضاء و قدر أي بحكم مؤقت فمن حيث التوقيت المطلق يجب الايمان بالقدر خيره و شره حلوه و مره و من حيث التعيين يجب الايمان به لا الرضاء ببعضه و إنما قلنا يجب الايمان به أنه شر كما يجب الايمان بالخير أنه خير فنقول إنه يجب على الايمان بالشر إنه شر و إنه ليس إلى الله من كونه شرا لا من كونه عين وجود إن كان الشر أمرا وجوديا فمن حيث وجوده أي وجود عينه هو إلى الله و من كونه شرا ليس إلى اللهقال ص في دعائه ربه و الشر ليس إليكفالمؤمن ينفي عن الحق ما نفاه عنه فإن قلت فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها قلنا ألهمها فعلمت أن الفجور فجور و أن التقوى تقوى لكي تسلك طريق التقوى و تجانب طريق الفجور فإن قلت فقوله كُلٌّ من عِنْدِ الله قلنا ليس ذلك في السيئة المحكوم بها في الشرع و ذلك هو الشر و إنما هو فيما يسوءك و الذي يسوءك إنما هو مخالفة غرضك و هو قولهم إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ فقال لهم الله قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله ما يسوءكم و ما يحسن عندكم و قد تقرر قبل هذا أن القابل له الأثر في التعيين ما هو للمعطي فهو تعالى معطي الخير و القابل يفصله إلى ما يحكم به عليه من خير و شر فخيريته إبقاؤه على الأصل فله حكم الأصل و لهذا قال و الخير كله بيديك و ما حكم به من الشر فمن القابل و هو قوله و الشر ليس إليكفإن قلت فهذا المخلوق على قبول الشر هو ممكن فلأي شيء لم يخلقه على قبول الخير فالكل منه قلنا قد قدمنا و بينا أن العلم تابع للمعلوم و ما وجد الممكن إلا على الحال الذي كان عليه في حال عدمه من ثبوت و تغيير كان ما كان و الحق ما علم إلا ما هو المعلوم عليه في حال عدمه الذي إذا ظهر في الوجود كان بتلك الحال فما طرأ على المعلوم شيء لم يتصف به في حال عدمه فما للعلم فيه أثر و ما قلنا بالقدر إنه توقيت إلا لأنه من المقدار وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فاعلم ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثالث عشر و أربعمائة في معرفة منازلة من سألني فما خرج من قضائي
كل شيء بقضاء و قدرو الذي ليس بشيء بقضا
فالذي يفهم ما أسردهحاز علم السر فيه و مضى
واحدا في عصره منفرداقد أنار القلب منه فاضا
فإذا عاينت من نورهإنما عاينت برقا ومضا
ما رأينا لمقام نالهفي وجود الكون منه عوضا
قلت لما قيل لي إن لهفي الذي يهواه منه غرضا
فالذي أخر عن تحصيلهلم يكن إلا لأمر عرضا