(وصية) إلهية يقول الله عز و جل إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة أحسن عبادة ربه و أطاعه في السر و العلانية و كان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع و كان رزقه كفافا فصبر على ذلك ثم نقر رسول الله ص عند ما قال هذا الحديث عن ربه بيديه ثم قال عجلت منيته و قلت بواكيه و قل تراثه
(وصية) في إصلاح ذات البينقال أنس بن مالك بينما رسول الله ص جالسا إذ رأيناه يضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت و أمي قال رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة تعالى فقال أحدهما يا رب خذ لي بمظلمتي من أخي فقال أعط أخاك مظلمته قال يا رب لم يبق من حسناتي شيء قال يا رب فليحمل عني من أوزاري و فاضت عينا رسول الله ص بالبكاء ثم قال إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس فيه إن يحمل من أوزارهم قال فيقول الله عز و جل للطالب ارفع رأسك فانظر إلى الجنان فرفع رأسه فقال يا رب أرى مدائن من فضة و قصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا لأي شهيد هذا قال هذا لمن أعطاني الثمن قال يا رب و من يملك ذلك قال أنت تملك قال بما ذا يا رب قال بعفوك عن أخيك قال يا رب قد عفوت عنه قال الله تعالى خذ بيد أخيك فادخله الجنة ثم قال رسول الله ص فَاتَّقُوا الله وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة (وصايا إلهية من التوراة) روينا من حديث كعب الأحبار أنه قال وجدت في التوراة اثنتي عشرة كلمة فكتبتها و علقتها في عنقي انظر فيها في كل يوم إعجابا بها يا ابن آدم إن رضيت بما قسمت لك أرحت قلبك و بدنك و أنت محمود و إن لم ترض بما قسمت لك سلطت عليك الدنيا حتى تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم و عزتي و جلالي لا تنال منها إلا ما قدرت لك و أنت مذموم يا ابن آدم كل يريدك له و أنا أريدك لك و أنت تفر مني يا ابن آدم ما تنصفني يا ابن آدم خلقتك من تراب ثم من نطفة و لم يعييني خلقك أ فيعييننى رغيف أسوقه إليك في حين يا ابن آدم أنى و حقي لك محب فبحقي عليك كن لي محبا يا ابن آدم خلقتك من أجلي و خلقت الأشياء من أجلك فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك يا ابن آدم كما لا أطالبك بعمل غد لا تطالبني برزق غد يا ابن آدم لي عليك فريضة و لك علي رزق إن خنتني في فريضتي لم أخنك في رزقك على ما كان منك يا ابن آدم لا تخافن قوت الرزق ما دامت خزانتي مملوءة و خزانتي مملوءة لا تنفد أبدا يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا و سلطاني باق لا ينفد أبدا يا ابن آدم لا تأمن مكري حتى تجوز على الصراط (وصية) خليلية في الوجل من الله تعالىلما قال الله تعالى لإبراهيم الخليل ع يا إبراهيم ما هذا الوجل الشديد الذي أراه منك قال فقال له إبراهيم يا رب و كيف لا أوجل و لا أكون على وجل و آدم أبي كان محله في القرب منك خلقته بيديك و نفخت فيه من روحك و أمرتالملائكة بالسجود له فبمعصية واحدة أخرجته من جوارك فأوحى إليه يا إبراهيم أ ما علمت أن معصية الحبيب على الحبيب شديدة (وصية)إلهية بما يحجب عن الله فعلهأوحى الله عز و جل إلى داود ع يا داود حذر بنى إسرائيل أكل الشهوات فإن القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عني (وصية) إلهية بذكر الله على كل حال قال موسى ع أي رب أ بعيد أنت فأناديك أم قريب فأناجيك فقال الله تعالى له أنا جليس من ذكرني من ذكرني فأنا معه قال فأي العمل أحب إليك يا رب قال تكثر ذكري على كل حال (وصية) إلهية بقيام الليليقول الله تعالى إذا نزل في الثلث الباقي من الليل إلى السماء الدنيا كذب من ادعى محبتي و نام عني أ ليس كل محب يطلب الخلوة بحبيبه أنا ذا مطلع على أحبابي و قد مثلوني بين أعينهم و خاطبوني على المشاهدة و كلموني بحضوري غدا أقر أعينهم في جناتي (وصايا) بما كلم الله عز و جل بها نبيه موسى ع و ذكري يا موسى ادن مني و اعرف قدري فإني أنا الله يا موسى أ تدري لم كلمتك من بين خلقي و اصطفيتك برسالتي و بكلامي دون بنى إسرائيل قال لا يا رب قال لأني اطلعت على أسرار عبيدي فلم أر قلبا أصفى لمودتي من قلبك قال موسى لم خلقتني يا رب و لم أك شيئا قال أردت بك خيرا قال رب من علي قال أسكنتك جنتي في جواري مع ملائكتي فتكون هناك منعما مخلدا ملتذا فرحا مسرورا أبد الآبدين فقال موسى يا رب فما الذي ينبغي لي أن أعمل قال لا يزال لسانك يكون رطبا من ذكري و قلبك وجلا من خشيتي و بدنك مشغولا بخدمتي و لا تأمن مكري و لو ترى رجلك في الجنة قال موسى يا رب فلم ابتليتني بفرعون قال إنما اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أخاطب بلسانك بنى إسرائيل فأسمعهم كلامي و أعلمهم شريعة التوراة و سنة الدين و طرائق الآخرة من اتبعك منهم و من غيرهم كائنا من كان يا موسى بلغ بنى إسرائيل و قل لهم إني لما خلقت السموات و الأرض خلقت لهما أهلا و سكانا فأهل سماواتي هم الملائكة و خالص عبادي الذين لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ يا موسى بلغ عني بنى إسرائيل و قل لهم من قبل وصيتي و أوفى بعهدي و لم يعصني رقيته إلى رتبة ملائكتي و أحللته جنتي معهم و جازيتهم بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يا موسى قل لبني إسرائيل عني إني لما خلقت الجن و الإنس و الحيوانات ألهمتهم مصالح الحياة الدنيا و عرفتهم كيفية التصرف فيها لطلب منافعها و الهرب من مضارها كل ذلك لما جعلت لهم من السمع و البصر و الفؤاد و التمييز و الشعور أجمع فهكذا ألهمت أنبيائي و رسلي و الخواص من عبادي و عرفتهم أمر المبدأ و المعاد و النشأة الأخرى و بينت لهم الطريق و كيفية الوصول إليها يا موسى قل لبني إسرائيل يقبلون من الأنبياء وصيتي و يعملون بها و اضمن عني لهم إني أكفيهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح الدنيا و الآخرة جميعا إذا أوفوا بعهدي أوف بعهدهم كائنا من كان من سائر بنى آدم و ألحقتهم بأنبيائي و ملائكتي في الدار الآخرة دار القرار فقال موسى يا رب لو خلقتنا في الجنة و كفيتنا محن الدنيا و مصائبها و بلاياها أ ليس كان خيرا لنا قال يا موسى قد فعلت بأبيكم آدم ما ذكرت و لكن لم يعرف حقها و لم يحفظ وصيتي و لم يوف بعهدي بل عصاني فأخرجته من الجنة فلما تاب و أتاب وعدته أن أرده إليها و آليت على نفسي أن لا يدخلها أحد من ذريته إلا من قبل وصيتي و أوفي بعهدي ف لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ و لا يدخل جنتي المتكبرين لأني جعلتها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ يا موسى ادع إلى عبادي و ذكرهم بآلائي فإنهم لا يذكرون شيئا من ذلك إلا كان خيرا لهم سالفا و آنفا عاجلا و آجلا يا موسى الويل لمن تفوته جنتي و يا حسرة عليه و ندامة حين لا ينفعانه يا موسى خلقت الجنة يوم خلقت السموات و الأرض و زينتها بألوان المحاسن و جعلت نعيم أهلها و سرورهم روحا و ريحانا فلو نظر أهل الدنيا إليها نظرة من بعيد لم تغنهم الحياة الدنيا بعدها يا موسى هي مذخورة لأوليائي و عبادي الصالحين تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ طُوبىلَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ (و من الوصايا) الإلهية يا ابن آدم صل أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره خرجه النسائيتوبيخ إلهي يتضمن وصيةيقول الله يا ابن آدم أنى تعجزني و قد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك و عدلتك مشيت بين يديك و للأرض منك وئيد يعني صوتا ثم جمعت و منعت حتى إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قلت أتصدق و أنى أوان الصدقة (وصية) إلهية بإشفاقيقول الله يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك و إن تمسكه شر لك و لا تلام على كفاف و ابدأ بمن تعول و اليدالعليا خير من اليد السفلي (وصية) إلهيةفيها لطفحدثني بها موسى بن محمد القرظي بمكة و الضياء عبد الوهاب ابن سكينة ببغداد عند اجتماعي به برباطه قال يقول الله إذا أحدث عبدي و لم يتوضأ فقد جفاني و إذا توضأ و لم يصل فقد جفاني و إذا صلى و لم يدعني فقد جفاني و إذا دعاني و لم أجبه فقد جفوته و لست برب جاف و لست برب جاف و لست برب جاف (وصية) إلهية نافعة في طهارة الجوارحيقول الله يا أخا المرسلين و يا أخا المنذرين يعني سيدنا محمدا ص وصية يبلغها إلينا عن ربه عز و جل أن لا تدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب سليمة و ألسن صادقة و أيد نقية و فروج طاهرة و لا تدخلوا بيتا من بيوتي و لأحد من عبادي عند أحد منهم ظلامة فأي العبيد ما دام قائما بين يدي يصلي فإني لا أقبل صلاته حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فإذا فعل فأكون سمعه الذي يسمع به و أكون بصره الذي يبصر به و يكون من أوليائي و أصفيائي و يكون جاري مع النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ في الجنة (وصية) إلهية في توبيخ الواثب على الدنيا
قال الله تعالى يا ابن آدم رهضتك الدنيا ثلاث رهضات الفقر و المرض و الموت و مع ذلك إنك لو ثاب (وصية) ملكية بالتواضعأوحى الله إلى محمد ص و عنده جبريل إن شئت نبيا عبدا و إن شئت نبيا ملكا فنظر إلى جبريل فأومأ إليه جبريل أن تواضع قال فقلت نبيا عبدا فلو قلت نبيا ملكا لسارت معي الجبال ذهبا و فضة (وصية) إلهية بتعظيم الأولياء يقول الله تعالى من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و في رواية فقد أذنته بحربوقال أحب عبادة عندي النصيحة و قال تعالى يا ابن آدم خيري إليك نازل و شرك إلى صاعد و أنا تحبب إليك بالنعم و أنت تتبغض إلي بالمعاصي في كل يوم يأتيني ملك كريم بقبيح فعلك يا ابن آدم ما تراقبني أ ما تعلم أنك بعيني يا ابن آدم في خلواتك و عند حضور شهواتك اذكرني و سلني أن أنزعها من قلبك و أعصمك عن معصيتي و أبغضها إليك و أيسر لك طاعتي و أحببها إليك و أزين ذلك في عينك يا ابن آدم إنما أمرتك و نهيتك لتستعين بي و تعتصم بحبلي لا أن تعصيني و تتولى عني و أعرض عنك أنا الغني عنك و أنت الفقير إلي إنما خلقت الدنيا و سخرتها لك لتستعد للقائي و تتزود منها لئلا تعرض عني و تخلد إلى الأرض اعلم بأن الدار الآخرة خير لك من الدنيا فلا تختر غير ما اخترت لك و لا تكره لقائي فإنه من كره لقائي كرهت لقاءه و من أحب لقائي أحببت لقاءه
(وصية) إلهية برغبة و رهبة رويناها من حديث محمد بن مسلمة ابن وضاح من أهل قرطبة رحمه الله قال قال الله لبني إسرائيل رغبناكم في الآخرة فلم ترغبوا و زهدناكم في الدنيا فلم تزهدوا و خوفناكم بالنار فلم تخافوا و شوقناكم إلى الجنة فلم تشتاقوا و نحنا عليكم فلم تبكوا بشر القتالين بأن لله سيفا لا ينام و هو دار جهنم (و من وصايا) العارفين بالله تعالىلا تبق بمودة من لا يحبك إلا معصوما من صحبك و وافقك على ما يحب و خالفك فيما يكره فإنما يصحب هواه و من صحب هواه فإنما هو طالب راحة الدنيا يا معشر المريدين من أراد منكم الطريق فليلق العلماء بالجهل و الزهاد بالرغبة و أهل المعرفة بالصمت و أوصاني شيخي رحمه الله أول ما دخلت عليه قبل أن أرى وجهه فقال لي و قد قلت له أوصني قبل إن تراني فاحفظ عنك وصيتك فلا تنظر إلي حتى ترى خلعتك علي فقال رضي الله عنه هذه همة شريفة عالية يا ولدي سد الباب و اقطع الأسباب و جالس الوهاب يكلمك من غير حجاب فعملت على هذه الوصية حتى رأيت بركتها و دخلت عليه بعد ذلك فرأى خلعتها علي فقال هكذا هكذا و إلا فلا لا ثم قال لي امح ما كتبت و آنس ما حفظت و أجهل ما علمت و كن هكذا معه على كل حال لا تتحدث معه بما قد علمته فإن في ذلك تضييع الوقت و اطلب المزيد كما أمرك في قوله لنبيه ص يأمره و أمته وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً اطلب الحاجة بلسان الفقر لا بلسان الحكم يقول الله لأبي يزيد البسطامي تقرب إلي بالذلة و الافتقار و قال له اترك نفسك و تعالىأوحى الله تعالى إلى موسى ع كن كالطير الوحداني يأكل من رءوس الأشجار و يشرب من الماء القراح إذا جنه الليل آوى إلى كهف من الكهوف استئناسا بي و استيحاشا ممن عصاني يا موسى آليت على نفسي إني لا أتم لمدبر من دوني عملا يا موسى لأقطعن أمل كل مؤمل أمل غيري و لأقصمن ظهر من استند إلي سواىو لأطيلن وحشة من استأنس بغيري و لأعرضن عمن أحب حبيبا سواى يا موسى إن لي عبادا إن ناجوني أصغيت إليهم و إن نادوني أقبلت عليهم و إن أقبلوا علي أدنيتهم و إن دنوا مني قربتهم و إن تقربوا مني اكتنفتهم و إن والونى واليتهم و إن صافوني صافيتهم و إن عملوا إلى جازيتهم هم في حماي و بي يفتخرون أنا مدبر أمورهم و أنا سائس قلوبهم و أنا متولي أحوالهم لم أجعل لقلوبهم راحة في شيء إلا في ذكري فذكري لاسقامهم شفاء و على قلوبهم ضياء لا يستأنسون إلا بي و لا يحطون رحال قلوبهم إلا عندي و لا يستقر بهم القرار في الإيواء إلا إلي (حكي) في زمان النبوة الأولى أن بعض من يوحى إليه من المتقدمين فكر في أمر التكليف و البلوى و لم يتجه له وجه الحكمة في ذلك و قد أمره الله بالتفكر في عبادته فأخذ يناجي ربه في خلوته بسره و لسانه فقال يا رب خلقتني و لم تستأمرني ثم تميتني و لا تستشيرني و أمرتني و نهيتني و لم تخيرني و سلطت على هوى مرديا و شيطانا مغويا و ركبت في نفسي شهوات مركوزة و جعلت بين عيني دنيا مزينة ثم خوفتني و زجرتني بوعيد و تهديد و قلت فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ و لا تَتَّبِعِ الْهَوىفيضلك عن سبيلي و احذر الشيطان أن يقربك و الدنيا لا تغرنك و تجنب شهواتك لا ترديك و آمالك و أمانيك لا تلهيك و أوصيك بأبناء جنسك فدارهم و معيشتك فاطلبها من وجه حلال فإنك مسئول عنها إن لم تطلبها و مسئول عنها إن طلبتها من غير وجهها و لا تنس الآخرة كما لم تَنْسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ و لا تبغ الفساد في الأرض و لا تعرض عن الآخرة فتخسر الدنيا و الآخرة و ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ فقد حصلت يا رب بين أمور متضادة و قوى متجاذبة و أحوال متقابلة فلا أدري كيف أعمل و لا أهتدى أي شيء أصنع و قد تحيرت في أموري و ضللت عن حيلتي فأدركني يا رب و خذ بيدي و دلني على سبيل نجاتي و إلا هلكت فأوحى الله عز و جل إليه يا عبدي ما أمرتك بشيء تعاونني فيه و لا نهيتك عن شيء كان يضرني إن فعلته بل إنما أمرتك لتعلم إن لك ربا و إلها هو خالقك و رازقك و معبودك و منشئك و حافظك و صاحبك و ناصرك و معينك و لتعلم بأنك محتاج في جميع ما أمرتك إلى معاونتي و توبتي و هدايتي و تيسيري و عنايتي و لتعلم أيضا بأنك محتاج في جميع ما نهيتك عنه إلى عصمتي و حفظي و رعايتى و إنك إلى محتاج في جميع تصرفاتك و أحوالك في جميع أوقاتك من أمور دنياك و آخرتك ليلا و نهارا و إنه لا يخفى علي من أمورك صغير و لا كبير سرا و علانية و ليتبين لك و تعرف أنك مفتقر و محتاج إلي و لا بد لك مني فعند ذلك لا تعرض عني و لا تتشاغل عني و لا تنساني و لا تشتغل بغيري بل تكون في دائم الأوقات في ذكري و في جميع أحوالك و جميع حوائجك تسألني و في جميع تصرفاتك تخاطبني و في جميع خلواتك تناجيني و تشاهدني و تراقبني و تكون منقطعا إلي من جميع خلقي و متصلا بى دونهم و تعلم أني معك حيث ما تكون أراك و إن لم ترني فإذا أردت هذه كلها و تيقنت و بان لك حقيقة ما قلت و صحة ما وصفت تركت كل شيء وراك و اتصلت إلي وحدك فعند ذلك أقربك مني و أوصلك لي و أرفعك عندي و تكون من أوليائي و أصفيائي و أهل جنتي في جواري مع ملائكتي مكرما مفضلا مسرورا فرحا منعما ملذذا آمنا مبقى سرمدا أبدا دائما فلا تظن بي يا عبدي ظن السوء و لا تتوهم على غير ما يقتضيه كرمي و جودي و اذكر سالف إنعامي عليك و قديم إحساني إليك و جميل آلائي لديك إذ خلقتك و لم تك شيئا مذكورا خلقا سويا و جعلت لك سمعا لطيفا و بصرا حادا و حواس دراكة و قلبا ذكيا و فهما ثاقبا و ذهنا صافيا و فكرا لطيفا و لسانا فصيحا و عقلا رصينا و بنية تامة و صورة حسنة و أعضاء صحيحة و أدوات كاملة و جوارح طائعة ثم ألهمتك الكلام و المقال و عرفتك المنافع و المضار و كيفية التصرف في الأفعال و الصنائع و الأعمال و كشفت الحجب عن بصرك و فتحت عينيك لتنظر إلى ملكوتي و ترى مجاري الليل و النهار و الأفلاك الدوارة و الكواكب السيارة و علمتك حساب الأوقات و الأزمان و الشهور و الأعوام و الأيام و سخرت لك ما في البر و البحر من المعادن و النبات و الحيوان تتصرف فيها تصرف الملاك و تتحكم فيها تحكم الأرباب فلما رأيتك متعديا حائرا باغيا خائنا ظالما طاغيا متجاوزا الحد و المقدار عرفتك الحدود و الأحكام و القياس و المقدار و الإنصاف و الحق و الصواب و الخير و المعروفو السيرة العادلة ليدوم لك الفضل و النعم و يصرف عنك العذاب و النقم و عرضتك لما هو خير لك و أفضل و أشرف و أعز و أكرم و ألذ و أنعم ثم أنت تظن بي ظنون السوء و تتوهم على غير الحق يا عبدي إذا تعذر عليك فعل شيء مما أمرتك به فقل لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم كما قالت حملة العرش لما ثقل عليهم حمله و إذا أصابتك مصيبة فقل إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ كما يقول أهل صفوتي و مودتي و إذا زلت بك القدم في معصيتي فقل ما قال صفيي آدم و زوجته رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ من الْخاسِرِينَ و إذا أشكل عليك أمر و أهمك رأى أو أردت رشدا و قولا صوابا فقل كما قال خليلي إبراهيم الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الْآخِرِينَ وَ اجْعَلْنِي من وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ من الضَّالِّينَ وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا من أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ و إذا أصابتك مصيبة فقل كما أعلمتك فيما أنزله عليك من قول يعقوب إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى الله وَ أَعْلَمُ من الله ما لا تَعْلَمُونَ و إذا جرت منك خطيئة فقل كما قال موسى ع هذا من عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ و إذا صرفت عنك معصية فقل كما قال يوسف ع وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ و إذا ابتلاك الله ببلية فافعل ما ذكر الله عن داود ع فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ و إذا رأيت العصاة من خلق الله و الخاطئين من عباده و لم تدر ما حكم الله فيهم فقل كما قال عيسى ع إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ و إذا استغفرت الله و طلبت عفوه فقل كما قال و يقول محمد ص و أنصاره رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ من قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ و إذا خفت عواقب الأمور و لم تدر ما ذا يختم لك فقل كما يقولون رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا من لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ الله لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (وصية) في موعظة دخل محمد بن واسع على بلال ابن أبي بردة في يوم حار و بلال في جيشة و عنده الثلج فقال بلال يا أبا عبد الله كيف ترى بيتنا هذا قال إن بيتك لطيب و الجنة أطيب منه و ذكر النار يلهي عنه قال ما تقول في القدر قال جيرانك أهل القبور ففكر فيهم فإن فيهم شغلا عن القدر قال ادع لي قال و ما تصنع بدعائي و على بابك كذا و كذا كل يقول إنك ظلمته يرتفع دعاؤهم قبل دعائي لا تظلم و لا تحتاج إلى دعائي و من كلام الحسن البصري ما لي أرى رجالا و لا أرى عقولا أرى أناسا و لا أرى أنيسا دخلوا ثم خرجوا عرفوا ثم أنكروا و من كلامه أيضا رضي الله عنه عجبا لقوم أمروا بالزاد و نودي فيهم بالرحيل و حبس أولاهم على أخراهم و هم قعود يلعبون يا ابن آدم السكين تحد و التنور يسجر و الكبش يعلف كفى بالتجارب تأديبا و بتقلب الأيام عظة و بذكر الموت زاجرا عن المعصية ذهبت الدنيا بحال وبالها و بقيت الأيام قلائد في الأعناق إنكم تسوقون الناس و الناس تسوقكم و قد أسرع بخياركم فما ذا تنتظرون أ تنتظرون المعاينة فكان قد و من كلام عمر بن عبد العزيز أن لكل سفر زادا لا محالة فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التقوى و كونوا كمن عاين ما أعد الله من ثوابه و عقابه و ترغبوا و ترهبوا و لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم فو الله ما يبسط أملا من لا يدري لعله لا يصبح بعد مسائه و لا يمسي بعد صباحه و ربما كانت بين ذاك خطفات المنايا فكم رأيتم و رأينا من كان بالدنيا مغترا و إنما تقر عين من وثق بالنجاة من عذاب الله و إنما يفرح من آمن من الأهوال يوم القيامة فأما من لا يداوي كلما إلا أصابه جرح من ناحية أخرى نعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي لقد عنيتم بأمر لو عنت به النجوم لا نكدرت و لو عنيت به الجبال لذابت و لو عنيت به الأرض لتشققت أ ما تعلمون أنه ليس بين الجنة و النار منزلة و إنكم صائرون إلى إحداهما و من وصاياه في مواعظه رضي الله عنه إن الله عز و جل لم يخلقكم عبثا و لم يدع شيئا من أموركم سدى إن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم و القضاء بينكم فخاب و خسر من خرج من رحمة اللهعز و جل و حرم الجنة التي عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ فاشترى قليلا بكثير و فانيا بباق و خوفا بأمن أ لا تروا إنكم في أصلاب الهالكين و سيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين في كل يوم و ليلة تشيعون غاديا و رائحا إلى الله تعالى قد قضى نحبه و انقضى أجله حتى تقبره في صدع من الأرض في بطن صدع ثم تدعوه غير ممهد و لا موسد قد خلع الأسباب و فارق الأحباب و سكن التراب و واجه الحساب مرتهنا بعمله فقيرا إلى ما قدم غنيا عما ترك فاتقوا الله قبل نزول الموت و ايم الله أني لأقول لكم هذه المقالة و ما أعلم عند أحد من الذنوب ما أعلم عندي و ما يبلغني عن أحد منكم حاجة إلا أحببت أن أسد من حاجته ما قدرت عليه و ما يبلغني أن أحدا منكم لا يسعه ما عندي إلا وددت أنه يمكنني تغييره حتى يستوي عيشنا و عيشه و ايم الله لو أردت غير ذلك من الغضارة و العيش لكان اللسان مني به ذلولا عالما بأسبابه و لكن سبق من الله كتاب ناطق و سنة عادلة دل فيها على طاعته و نهى فيها عن معصيته ثم وضع طرف ردائه على وجهه و شهق و بكى الناس (وصية) و عليك بالاقتداء برسول الله ص في أحواله و أقواله و أفعاله إلا ما نص عليه أنه مختص به مما لا يجوز لنا أن نفعله أو خاطب به أحدا من الناس أن يفعله و نهى غيره عن ذلك بزق رجل في النيل بحضور ذي النون المصري فقال تعست يا بغيض تبزق على نعمة الله و كان ذو النون في ذلك الوقت في مشاهدة النعم الإلهية التي أحوجنا إليها فلذلك حكم عليه حاله فنطق بما نطق به كان شيخنا أبو مدين وقع بينه و بين أبي الحسن بن الدقاق و كان ابن الدقاق ممن يغشاه و يحضر مجلسه فانقطع عن حضور مجلسه لأجل ذلك فاستدعاه الشيخ أبو مدين و قال له يا أبا الحسن ما شأنك انقطعت إن شيطاني خاصم شيطانك و نحن على و دنا كما كنا ما تغيرنا و لا ندخل أنفسنا بينهما فتذكر أبو الحسن و قبل وصية الشيخ و استغفر الله و رجع إلى حضور مجلسه (وصية) بمكاتبة اعتل رجل من إخوان ذي النون فكتب إليه أن يدعو له فكتب إليه ذو النون سألتني أن أدعو الله لك أن يزيل عنك النعم و اعلم يا أخي أن العلة مجزاة يأنس بها أهل الصفاء و الهمم و الضياء في الحياة ذكرك للشفاء و من لم يعد البلاء نعمة فليس من الحكماء و من لم يأمن الشفيق على نفسه فقد أمن أهل التهمة على أمره فليكن معك يا أخي حياء يمنعك عن الشكوى و السلام و قال بعضهم كتبت إلي تسألني عن حالي فما عسيت إن أخبرك به من حال و أنا بين خلال موجعات أبكاني منهن أربع حب عيني للنظر و لساني للفضول و قلبي للرئاسة و إجابتي إبليس عدو الله فيما يكره الله و أقلني منها عين لا تبكي من الذنوب المنتنة و قلب لا يخشع عند نزول الموعظة و عقل وهن فهمه في محبة الدنيا و معرفة كلما قلبتها وجدتني بالله أجهل و أضناني منها إني عدمت خير خصال الايمان الحياء و عدمت خير زاد الآخرة التقوى و فنيت أيامي بمحبة الدنيا و تضييعي قلبا لا أقتني مثله أبدا و وادعه إنسان فقال له قل لأبي يزيد إلى متى النوم و الراحة و قد جازت القافلة فقال أبو يزيد قل لأخي ذي النون الرجل من ينام الليل كله ثم يصبح في المنزل قبل القافلة فقال ذو النون هنيئا له هذا كلام لا تبلغه أحوالنا و كان العلماء يكتب بعضهم إلى بعض بثلاث من أحسن سريرته أحسن الله علانيته و من أصلح آخرته أصلح الله له أمر دنياه و من أصلح ما بينه و بين الله أصلح الله ما بينه و بين الناس و كتب رجل إلى عالم ما الذي أكسبك علمك من ربك و ما أفادك في نفسك و دينك فكتب إليه العالم أثبت العلم الحجة و قطع عمود الشك و الشبهة و شغلت أيام عمري يطلبه و لم أدرك منه ما فاتني فكتب إليه الرجل العلم نور لصاحبه و دليل على حظه و وسيلة إلى درجات السعداء فكتب إليه العالم أبليت إليه في طلبه جد الشباب فأدركني حين علمت الضعف عن العمل به و لو اقتصرت منه على القليل كان لي فيه مرشد إلى السبيل كان شيخنا أبو عبد الله المجاهد و شيخنا تلميذه أبو عبد الله ابن قشوم نائبه في التدريس و الإمامة لا يبرح الورق و المداد و القلم معهما يكتبان كل يوم ما قدر لهما من العلم رغبة أن يحشرا غدا عند الله من طلاب العلم (وصية) دخل رجل على عبد الملك بن مروان ممن كان يوصف بالفضل و الأدب فقال له عبد الملك ابن مروان تكلم قال بما أتكلم و قد علمت إن كل كلام يتكلم به المتكلم وبال عليه إلا ما كان لله فبكى عبد الملك ثم قال يرحمك الله لم يزل الناس يتواعظون و يتواصون فقال الرجل يا أمير المؤمنين إن للناس في القيامة جولة لا ينجو من غصص مرارتها و معاينة الردي فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه قال فبكىعبد الملك ثم قال لا جرم و الله لأجعلن هذه الكلمات مثالا نصب عيني ما عشت أبدا (وصية)مشفق ناصح عند أمير صالح لما قدم عمر بن هبيرة العراق واليا أرسل إلى الحسن و الشعبي فأمر لهما ببيت فكانا فيه شهرا أو نحوه ثم إن الخصي غدا عليهما ذات يوم فقال إن الأمير داخل عليكما فجاء عمر متوكئا على عصى له فسلم ثم جلس معظما لهما فقال إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إلي كتبا أعرف أن في إنفاذها الهلك فإن أطعته عصيت و إن عصيته أطعت الله فهل تريا لي في متابعتي إياه فرجا فقال الحسن للشعبي يا أبا عمر و أجب الأمير فتكلم الشعبي بكلام يريد به إبقاء وجه عنده فقال ابن هبيرة ما تقول أنت يا أبا سعيد فقال أيها الأمير قد قال الشعبي ما قد سمعت قال ما تقول أنت قال أقول يا عمرو بن هبيرة يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ لا يعصي الله ما أمره فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك يا عمرو بن هبيرة إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك و لن يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله إن أطعته و عصيت الله يا عمرو بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك فيغلق باب المغفرة دونك يا عمرو بن هبيرة لقد أدركت ناسا من صدر هذه الأمة كانوا عن الدنيا و هي مقبلة أشد إدبارا من إقبالكم عليها و هي مدبرة يا عمرو بن هبيرة إني أخوفك مقاما خوفكه الله فقال ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَ خافَ وَعِيدِ يا عمرو بن هبيرة إن تكن مع الله في طاعته كفاك يزيد بن عبد الملك و إن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله وكلك الله إليه فبكى عمرو بن هبيرة و قام بعبرته فلما كان من الغد أرسل إليهما بإذنهما و جوائزهما فأكثر جائزة الحسن و أنقص جائزة الشعبي فخرج الشعبي إلى المسجد فقال أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه فليفعل فو الذي نفسي بيده ما علم الحسن منه شيئا فجهلته و لكني أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه قلت و كتبت إلى عز الدين كيكاوس سلطان بلاد الروم جواب كتاب كتب به إلي من أنطاكية و كنت مقيما بملطية
(وصية) بمراقبة الألفاظ المسموعة بلغني أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة أخذ إقطاع أمير كبير كان أقطعه إياها سليمان بن عبد الملك و الوليد بن عبد الملك فلما مات عمر بن عبد العزيز و ولي يزيد بن عبد الملك جاء الأمير إليه فقال له إن أخاك سليمان أمير المؤمنين و الوليد أقطعاني شيئا قطعه عني أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فأريد منك أن ترده علي فقال لا أفعل قال و لم قال لأن الحق في ما فعل عمر بن عبد العزيز قال و بم ذلك قال لأن أخوي أحسنا إليك و ذكرتهما و ما دعوت لهما و عمر بن عبد العزيز أساء إليك و ذكرته فترضيت عنه فعلمت إن عمر آثر الله على هواه فيك و أن سليمان بن عبد الملك و الوليد آثرا هواهما على حق الله فو الله لا رأيته مني أبدا و هذا من أحسن ما يحكى من التفاتات ولاة الأمور (وصية)في موعظة قال سعيد بن سليمان كنت بمكة و إلى جانبي عبد الله ابن عبد العزيز العمري و قد حج هارون الرشيد فقال له إنسان يا أبا عبد الله هو ذا أمير المؤمنين يسعى و قد أخلي له المسعى قال العمري للرجل لا جزاك الله عني خيرا كلفتني أمرا كنت عنه غنيا ثم قام فتبعته فاقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا فصاح به يا هارون فلما نظر إليه قال لبيك يا عمري قال ارق الصفا فلما رقيته قال ارم بطرفك إلى البيت قال هارون قد فعلت قال كم هم قال و من يحصيهم قال فكم في الناس مثلهم قال خلق لا يحصيهم إلا الله قال اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه و أنت وحدك تسأل عنهم كلهم فانظر كيف تكون قال فبكى هارون و جلس و جعل يعطونه منديلا منديلا للدموع فقال العمري و أخرى أقولها قال قل يا عمو الله إن الرجل ليسرع في ماله فيستحق الحجر عليه فكيف بمن أسرع في مال المسلمين ثم مضى و هارون يبكي قال البغوي فبلغني إن هارون الرشيد كان يقول إني لأحب أن أحج كل سنة ما يمنعني الأرجل من ولد عمر يسمعني ما أكره (وصية) نبوية في موعظة إلهية قال رسول الله ص يقول الله تعالى يا ابن آدم كل يوم ترزقك و أنت تحزن و ينقص كل يوم من عمرك و أنت تفرح أنت فيما يكفيك و تطلب ما يطغيك لا بقليل تقنع و لا بكثير تشبع (وصية) حج أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور فبينما هو يطوف بالبيت ليلا إذ سمع قائلا يقول اللهم إنا نشكوا إليك ظهور البغي و الفساد في الأرض و ما يحول بين الحق و أهله من الطمع فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد ثم أرسل إلى الرجل فصلى ركعتين ثم استلم الركن و أقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة فقال له المنصور ما الذي سمعتك تذكر قال إن أمنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها و إلا اقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل قال فأنت آمن على نفسك فقال يا أمير المؤمنين إن الله استرعاك أمر عباده و أموالهم فجعلت بينك و بيتهم حجابا من الجص و الآجر و أبوابا من الحديد و حراسا معهم سلاح ثم سجنت نفسك منهم و بعثت عمالك في جباية الأموال و جمعها و أمرت أن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان و فلان و لم تأمر بإيصال المظلوم و الملهوف إليك و لا أحد إلا و له في هذا المال حق فلما رآك النفر الذين استخلصتهم لنفسك و آثرتهم على رعيتك و أمرت أن لا يحجبوا دونك تجني الأموال و تجمعها قالوا هذا خان الله فما لنا لا نخونه فائتمروا ألا يصل إليك من علم أخبار الناس إلا ما أحبوه و لا يخرج لك عامل إلا خونوه عندك و عابوه حتى تسقط منزلته عندك فلما انتشر ذلك عنك و عنهم أعظمهم الناس و هابوهم و صانعوهم و كان أول من صانعهم عاملك بالهدايا و الأموال ليبقوا بذلك عمالك على ظلم رعيتك ثم فعل ذلك ذوو المقدرة و الأموال من رعيتك ليصلوا إلى ظلم من دونهم فامتلأت بلاد الله بغيا و فسادا و صار هؤلاء القوم شركاءك و أنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينك و بينه و إن أراد رفع قضيته إليك وجدك قد نهيت عن ذلك و وقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم فإن جاء ذلك المتظلم و بلغ بطانتك خبره سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك فلا يزال المظلوم يختلف إليه و يلوذ به و يشكو و يستغيث و يدفعه فإذا جهد و خرج ظهر لك و صرخ بين يديك فضرب ضربا مبرحا يكون نكالا لغيره و أنت تنظر فلا تنكر فما بقاء الإسلام على هذا قال فبكى المنصور بكاء شديدا و قال ويحك كيف أحتال لنفسي قال يا أمير المؤمنين إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم و يرضون بهم في دنياهم و هم العلماء و أهل الديانة فاجعلهم بطانتك يرشدوك و شاورهم يسدوك فقال قد بعثت إليهم فهربوا مني فقال خافوا إن تحملهم على طريقتك و لكن افتح بابك و سهل حجابك و انصر المظلوم و اقمع الظالم و خذ الفيء و الصدقات على وجوهها و أنا ضامن عنهم أنهم يأتونك و يسعدونك على صلاح الأمة ثم أذن بالصلاة فقام يصلي و عاد إلى مجلسه ثم طلب الرجل فلم يجده (وصايا نبوية) رويناها من حديث الهاشمي يبلغ بها النبي ص أنه قال أيها الناس أقبلوا على ما كلفتموه من إصلاح آخرتكم و أعرضوا عما ضمن لكم من أمر دنياكم و لا تستعملوا جوارح غذيت بنعمته في التعرض لسخطه بمعصيته و اجعلوا شغلكم التماس مغفرته و اصرفوا هممكم إلى التقرب إليه بطاعته إنه من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الآخرة و لا يدرك منها ما يريد و من بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا و أدرك من الآخرة ما يريد (وصية منظومة) من ذي علم في الاعتذار
(وصايا إلهية) يقول الله تعالى يا ابن آدم إذا ذكرتني شكرتني و إذا نسيتني كفرتني أنفق أنفق عليك أنا مع عبدي إذا ذكرني و تحركت بي شفتاه لا أجمع على عبدي خوفين و لا أجمع له آمنين إن خافني في الدنيا لم يخف في الآخرة و إن أمنني في الدنيا لم يأمن في الآخرة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي أنا عند ظن عبدي بي و أنا معه إذا دعاني يقول الله لأهون أهل النار عذابا لو أن لك ما في الأرض من غني كنت تفتدي به قال نعم قال فقد سألتك ما هو أهونمن هذا و أنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا الشرك الكبرياء ردائي و العظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما أدخلته النار إن هذا دين ارتضيته لنفسي لا يصلحه إلا السخاء و حسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه يا موسى إنك لن تتقرب إلي بشيء أحب إلي من الرضي بقضائي و لن تعمل عملا أحفظ لحسناتك من النظر في أمورك يا موسى لا نتضرع إلى أهل الدنيا فأسخط عليك و لا تجد بدينك لدنيا فأغلق عليك أبواب رحمتي يا موسى قل للمؤمنين التائبين أبشروا و قل للمؤمنين المخبتين اجتنبوا و أحسنوا أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر من رجا غيري لم يعرفني و من لم يعرفني لم يعبدني و من لم يعبدني فقد استوجب سخطي و من خاف غيري حلت به نقمتي يا موسى خف ثلاثة خفني و خف نفسك و خف من لا يخافني يا ابن آدم إنك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان و لا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك و لا أبالي يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة إذا قال العبد بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الله ذكرني عبدي و إذا قال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول الله حمدني عبدي و إذا قال الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الله أثنى على عبدي و إذا قال مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله مجدني عبدي و فوض إلى عبدي و إذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله هذه بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل و إذا قال اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضَّالِّينَ يقول الله هؤلاء لعبدي و لعبدي ما سأل فإذا قال آمين يقول الله قد أجبت الإخلاص سر من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا يعني عينيه لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة قال رسول الله ص يخرج في آخر الزمان رجال يحملون الدنيا بالدين و يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من العسل و قلوبهم قلوب الذئاب يقول الله أ بي يفترون أم علي يجترءون فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيران قال رسول الله ص يجاء يوم القيامة بابن آدم كأنه بدج فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول الله أعطيتك و خولتك و أنعمت عليك فما ذا صنعت فيقول جمعته و ثمرته و تركته أكثر ما كان فارجعنى فيقول أرني ما قدمت فيقول يا رب جمعته و ثمرته و تركته أكثر ما كان فارجعنى آتك به فإذا عبد لم يقدم خيرا فيمضي به إلى النار يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى و أسد فقرك و إن لا تفعل أملأ يديك شغلا و لم أسد فقرك يا ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك و قصرت من حرصك و حيلك و ابتغيت الزيادة من عملك و إنما تلقى الندم لو قد زلت بك القدم و أسلمك الأهل و الحشم و انصرف عنك الحبيب و أسلمك القريب فلا أنت إلى أهلك عائد و لا في عملك زايد فاعمل ليوم القيامة يوم الحسرة و الندامة و قال الله إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي و لم يستطل على خلقي و لم يبت مصرا على معصيتي و قطع نهاره في ذكري و رحم المسكين و ابن السبيل و الأرملة و رحم المصاب ذلك نوره كنور الشمس أكلؤه بعزتي و استحفظه ملائكتي أجعل له في الظلمة نورا و في الجهالة علما و مثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة يا موسى إني أعلمك خمس كلمات هن عماد الدين ما لم تعلم أن قد زال ملكي فلا تترك طاعتي و ما لم تعلم أن خزائني نفدت فلا تهتم برزقك و ما لم تعلم أن عدوك قد مات فلا تأمن فاجئته و لا تدع محاربته و ما لم تعلم أني قد غفرت لك فلا تعب المذنبين و ما لم تدخل جنتي فلا تأمن مكري قال رسول الله ص قال موسى يا رب علمني شيئا أذكرك به و أدعك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله قال لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السموات السبع و عمارهن و الأرضين السبع في كفة و لا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله يقول الله لمحمد ص يا محمد أ ما يرضيك إنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشرا و لا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشرا و قال الله وجبت محبتي للمتحابين في و للمتجالسين في و المتباذلين في و المتزاورين في يقول الله عز و جل يا دنيا اخدمي من خدمني و أتعبي يا دنيا من خدمك و قال الله إن عبدا أصححت له جسمه و وسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أيام لا يفر إلي لمحرومو قال رسول الله ص إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة و تسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول له أ تنكر من هذا شيئا أ ظلمتك كتبتي الحافظون فيقوللا يا رب فيقول فلك عذر فيقول لا يا رب فيقول بلى إن لك عندي حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبده و رسوله فيقول احضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم قال فيوضع لسجلات في كفة و البطاقة في كفة فطاشت السجلات و ثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء و قال رسول الله ص يوقفون يعني الملائكة بين يدي الله و يشهدون يعني للعبد بالعمل الصالح المخلص لله فيقول الله لهم أنتم الحفظة على عمل عبدي و أنا الرقيب على ما في قلبه إنه لم يردني بهذا العمل و أراد به غيري فعليه لعنتيو قال رسول الله ص إن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم و كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً فأول من يدعى به رجل جمع القرآن و رجل قتل في سبيل الله و رجل كثير المال فيقول الله للقارئ أ لم أعلمك ما أنزلته على رسولي قال بلى يا رب قال فما ذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به آناء الليل و آناء النهار فيقول الله له كذبت و تقول الملائكة له كذبت و يقول الله إنما قرأت ليقال فلان قارئ فقد قيل ذلك و يؤتى بصاحب المال فيقول الله له أ لم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد قال بلى يا رب قال فما ذا عملت فيما آتيتك قال كنت أصل الرحم و أتصدق فيقول الله له كذبت و تقول له الملائكة كذبت و يقول الله له بل أردت أن يقال فلان جواد فقيل ذلك و يؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله فيم ذا قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله له كذبت و تقول له الملائكة كذبت و يقول الله له بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك ثم ضرب رسول الله ص على ركبة أبي هريرة و قال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول من تسعر بهم النار يوم القيامة فكان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث يغشى عليه
يقول الله تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
(وصية) اعتبار لأحد الأبرار بلغني أن عمر بن عبد العزيز شيع جنازة فلما انصرفوا تأخر عمر و أصحابه ناحية عن الجنازة فقال له بعض أصحابه يا أمير المؤمنين جنازة أنت وليها تأخرت عنها و تركها فقال نعم ناداني القبر من خلفي يا عمر بن عبد العزيز أ لا تسألني ما صنعت بالأحبة قلت بلى قال حرقت الأكفان و مزقت الأبدان و مصصت الدم و أكلت اللحم قال أ لا تسألني ما صنعت بالأوصال قلت بلى قال نزعت الكفين من الذراعين و الذراعين من العضدين و العضدين من الكتفين و الوركين و الفخذين و الفخذين من الركبتين و الركبتين من الساقين و الساقين من القدمين ثم بكى عمر ثم قال ألا إن الدنيا بقاؤها قليل و عزيزها ذليل و غنيها فقير و شابها يهرم و حيها يموت فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها فالمغرور من اغتر بها أين سكانها الذين بنوا مدائنها و شققوا أنهارها و غرسوا أشجارها و أقاموا فيها أياما يسيرة غرتهم بصحتهم فاغتروا و بنشاطهم فركبوا المعاصي أنهم كانوا و الله في الدنيا مغبوطين بالأموال على كثرة المنع عليه محسودين على جمعه ما ذا صنع التراب بأبدانهم و الرمل بأجسادهم و الديدان بعظامهم و أوصالهم كانوا في الدنيا على أسرة ممهدة و فرش منضودة بين خدم يخدمون و أهل يكرمون و جيرانيعضدون فإذا مررت فنادهم إن كنت مناديا و مر بعسكرهم و انظر إلى تقارب منازلهم و اسأل غنيهم ما بقي من غناه و اسأل فقيرهم ما بقي من فقره و أسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون و عن الأعين التي كانوا بها ينظرون و أسألهم عن الجلود الرقيقة و الوجوه الحسنة و الأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان محت الألوان و أكلت اللحمان و عفرت الوجوه و محت المحاسن و كسرت الفقار و أبانت الأعضاء و مزقت الأشلاء و أين حجابهم و قبابهم و أين خدمهم و عبيدهم و جمعهم و مكنونهم و الله ما فرشوا فراشا و لا وضعوا هناك متكأ و لا غرسوا لهم شجرا و لا أنزلوهم من اللحد قرارا أ ليسوا في منازل الخلوات و الفلوات أ ليس الليل و النهار عليهم سواء أ ليس هم في مدلهمة ظلماء قد حيل بينهم و بين العمل و فارقوا الأحبة فكم من ناعم و ناعمة أصبحوا و وجوههم بالية و أجساد لهم من أعناقهم نائية و أوصالهم متمزقة و قد سألت الحدقات على الوجنات و امتلأت الأفواه دما و صديدا و دبت دواب الأرض في أجسادهم ففرقت أعضاءهم ثم لم يلبثوا و الله إلا يسيرا حتى عادت العظام رميما قد فارقوا الحدائق و صاروا بعد السعة إلى المضايق قد تزوجت نساؤهم و ترددت في الطرق أبناؤهم و توزعت الورثة ديارهم و تراثهم فمنهم و الله الموسع له في قبره الغض الناضر فيه المتنعم بلذته يا ساكن القبر غدا ما الذي غرك من الدنيا هل تعلم أنك تبقي أو تبقي لك أين دارك الفيحاء و نهرك المطرد و أين ثمرتك الحاضرة ينعها و أين رقاق ثيابك و أين طيبك و أين بخورك و أين كسوتك لصيفك و شتائك أ ما رأيته قد نزل به الأمر فما يدفع عن نفسه دخلا و هو يرشح عرقا و يتلمظ عطشا يتقلب في سكرات الموت و غمراته جاء الأمر من السماء و جاء غالب القدر و القضاء جاء من الأمر الأجل ما لا يمتنع منه هيهات يا مغمض الوالد و الأخ و الولد و غاسله يا مكفن الميت و حامله يا مخليه في القبر و راجعا عنه ليت شعري كيف كنت على خشونة الثرى ليت شعري بأي خديك تبدي البلى و أي عينيك إذن سألا يا مجاور الهلكات صرت في محل الموتى ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا و ما يأتيني به من رسالة ربي ثم تمثل
ثم انصرف فما بقي بعد ذلك إلا جمعة و مات رضي الله عنه و من نظمنا في ذلك
و لنا في هذا المعنى أيضا
و رأيت على قبر أبياتا و هي على لسان صاحبه
و رأيت أيضا مكتوبا على قبر
و رأيت مكتوبا على قبر أم ابن البسيلي و كان ابنها من أصدقائي و قد علاه و شيده و أنفق على بنائه مالا كثيرا فكتب شخص من أصحابنا أبياتا عليه لبعضهم يخبر عن صورة الحال و هي
و كان على قبر مكتوبا بمدينة سلا منقطع التراب بيتان على لسان صاحب القبر
(وصية) سنية من ذي همة علية
و في هذا المعنى قال أبو حازم الأعرج لبعض الخلفاء و قد سأله الخليفة ما بالك يا أبا حازم فقال الرضي عن الله و الغني عن الناس
قال له خاله هشام بن عبد الملك لما ولي البحرين ما طعامك يا أبا حازم قال الخبز و الزيت قال أ فلا تسأمهما قال إذا سامتهما تركتهما حتى اشتهيتهما
(وصية) إلهية مذكرة
ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ
(وصية) من امرأة من ولد حسان بن ثابت
سل الخير أهل الخير قد ما و لا تسل فتى ذاق طعم العيش منذ قريب
(وصية) مجنون عاقل قالها عند خليفة غافل حج هارون الرشيد راجلا من أجل يمينه حين حنث فقعد يستريح في ظل ميل فمر به بهلول المجنون و كان في الركب فقال له يا أمير المؤمنين هب الدنيا تؤاتيكا أ ليس الموت يأتيكا
(وصية) حكيم في صفة الحميم قيل لخالد بن صفوان أي الإخوان أحب إليك قال الذي يغفر زلتى و سد خلتي و يقيل علتي و كتب رجل إلى صديق له إني وجدت المودة منقطعة ما كانت الحشمة منبسطة و ليس يزيل سلطان الحشمة إلا المؤانسة و لا تقع المؤانسة إلا بالبر و الملاطفة بتنا ليلة عند أبي الحسين بن أبي عمرو بن الطفيل بإشبيلية سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة و كان كثيرا ما يحتشمني و يلتزم الأدب بحضوري و بات معنا أبو القاسم الخطيب و أبو بكر ابن سام و أبو الحكم بن السراج و كلهم قد منعهم احترام جانبي الانبساط و لزموا الأدب و السكون فأردت أعمل الحيلة في مباسطتهم فسألني صاحب المنزل أن يقف على شيء من كلامنا فوجدت طريقا إلى ما كان في نفسي من مباسطتهم فقلت له عليك من تصانيفنا بكتاب سميناه الإرشاد في خرق الأدب المعتاد فإن شئت عرضت عليك فصلا من فصوله فقال لي أشتهي ذلك فمددت رجلي في حجره و قلت له كبسني ففهم عني ما قصدت و فهمت الجماعة فانبسطوا و زال ما كان بهم من الانقباض و الوحشة و بتنا بأنعم ليلة في مباسطة دينية إفصاح بغالب الأحوال ممن يعد من الأبدال قال الحسن البصري ما أعطى رجل شيئا من الدنيا إلا قيل له خذه و مثله من الحرص و قال أشد الناس صراخا يوم القيامة رجل سن ضلالة فاتبع عليها و رجل سيئ الملكة و رجل فارغ استعان بنعم الله على معاصيه (وصية) يا ولي راقب إيمانك و أضف إلى حسن صورته زينة العلم فإذا زينته به ظهر بصورة لم يكن عليها من الحسن فإذا أعجبك فأضف إليه زينة العمل بالعلم فتزيد حسنا إلى حسن فإذا تعشقت بصورة العمل لما ترى من حسنها ربما أداك ذلك إلى أن تحمل النفس فوق طاقتها فزين العمل بالرفق فإن المنبت لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى و قد قيل ما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم و إذا سبك إنسان فانظر فيما سبك به فإن كان ما سبك به صفة فيك فلا تلمه فما قال إلا حقا و لم نفسك و أزل عنها تلك الصفة المذمومة و اشكره على ما ظهر منه فلقد بالغ في نصحك و إن لم يقصده و لكن الله أنطقه فارع له ذلك و إن سبك بما ليس فيك فخذ ذلك منه تذكرة و تحذيرا يحذرك بما ذكره أن تذكره لئلا تتصف به فيما تستقبله من زمانك فقد نصحك على كل حال فإن صدق فيما قال فقل غفر الله لي و لك و للمسلمين و إن كذب فيما قال فقل غفر الله لك فلقد نبهتني على أمر ربما لو لا تنبيهك وقعت فيه و أنشده هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت كانت لي كلمة مسموعة عند بعض الملوك و هو الملك الظاهر صاحب مدينة حلب رحمه الله غازي ابن الملك الناصر لدين الله صلاح الدين يوسف بن أيوب فرفعت إليه من حوائج الناس في مجلس واحد مائة و ثمان عشرة حاجة فقضاها كلها و كان منها إني كلمته في رجل أظهر سره و قدح في ملكه و كان من جملة بطانته و عزم على قتله و أوصى به نائبه في القلعة بدر الدين أي دمور أن يخفى أمره حتى لا يصل إلى حديثه فوصلني حديثه فلما كلمته في شأنه طرق و قال حتى أعرف المولى ذنب هذا المذكور و أنه من الذنوب الذي لا تتجاوز الملوك عن مثله فقلت له يا هذا تخيلت أن لك همة الملوك و أنك سلطان و الله ما أعلم أن في العالم ذنبا يقاوم عفوي و أنا واحد من رعيتك و كيف يقاوم ذنب رجل عفوك في غير حد من حدود الله إنك لدني الهمة فحجل و سرحه و عفا عنه و قال لي جزاك الله خيرا من جليس مثلك من يجالس الملوك و بعد ذلك المجلس ما رفعت إليه حاجة إلا سارع في قضائها لفوره من غير توقف كانت ما كانت يا وليي احبس نفسك عن القليل من الذم تأمن كثيره فإن النفس فيها لجاجة إذا نوزعت صدعت و إذا سكت عنها انقمعت قال الأحنف ابن قيس في هذا المعنى من لم يصبر على كلمة أسمع كلمات و رب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه يا وليي و الله ما عاقبت أحدا يجب على أدبه في حال غضبي فإذا ذهبت عني حالة الغضب و الغيظ و رأيت المصلحة له في الأدب أدبته و أما ما يرجع إلي فأعفو عنه عن طيب نفس و عدم إقامة على دغل و حقد و ابذل جهدي في إيصال خير إليه و أسارع إلى قضاء حوائجه و ما أدري إني أقرضت أحدا قرضا و في نفسي إني أطلبه منه فلا أطلبه و إن جاء به و أرى حاجتي إليه آخذه منه و لا أعلمه و إن علمت أنه ضيق على نفسه فيه أنظرته إلى ميسرة هذا فيما يختص بنفسي و حكم العيال حكم الجار الأقرب له حق يطلبه أنا مأمور بإيصاله إليه إذا قدرت عليه يا وليي اعلم أن الحاكم لا بد إذا أرضى أحد الخصمين أنيسخط الآخر و أنت حاكم و الخصمان في مجلس قلبك الملك و الشيطان فارض الملك و أسخط الشيطان فإنه يقول للإنسان اكفر فإذا كفر قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ و اعلم أن الدين أقوى منه و أحصن و العدل أقوى عدة يتخذها الحاكم لقتال من يسخطه من الخصمين فإنه يقاتل هواه فيه و لا سيما إن كان المبطل حميمه و صاحبه و إذا أردت أن لا تخاف أحدا فلا تخف أحدا تأمن من كل شيء إذا أمن منك كل شيء مررت في سفري في زمان جاهليتي و معي والدي و أنا ما بين قرمونة و بلمة من بلاد الأندلس و إذا بقطيع حمر وحش ترعى و كنت مولعا بصيدها و كان غلماني على بعد مني ففكرت في نفسي و جعلت في قلبي إني لا أوذى واحدا منها بصيد و عند ما أبصرها الحصان الذي أنا راكبة هش إليها فمسكته عنها و رمحي بيدي إلى أن وصلت إليها و دخلت بينها و ربما مر سنان الرمح بأسنمة بعضها و هي في المرعى فو الله ما رفعت رءوسها حتى جزتها ثم أعقبني الغلمان ففرت الحمر أمامهم و ما علمت سبب ذلك إلى أن رجعت إلى هذا الطريق أعني طريق الله فحينئذ علمت من نظري في المعاملة ما كان السبب و هو ما ذكرناه فسرى الأمان في نفوسهم الذي كان في نفسي لهم فكف عن ظلمك و اعدل في حكمك ينصرك الحق و يطيعك الخلق و تصفو لك النعم و ترتفع عنك التهم فيطيب عيشك و يسكن جأشك و ملكت القلوب و أمنت محاربة الأعداء و أخفى ودك في نفسه من أظهر لك العداوة في حسه لحسد قام به فهو حبيب في صورة بغيض
(و من منشور الحكم و الوصايا) قال بعضهم العدل ميزان الباري و لذلك هو مبرأ من كل زيغ و ميل و قال بعضهم في ملك إذا حسنت سيرته و صلحت سريرته صير رعيته جندا و إن أول العدل أن يبدأ الرجل بنفسه فيلزمها كل خلة زكية و خصلة رضية في مذهب سديد و مكسب حميد ليسلم عاجلا و يسعد آجلا و إن أول الجور أن يعمد إليها فيجنبها الخير و يعودها الشر و يكسبها الآثام و يلبسها المذام ليعظم وزرها و يقبح ذكرها و قال بعضهم من بدأ بنفسه فساسها أدرك سياسة الناس أصلحوا أنفسكم تصلح لكم آخرتكم أصلح نفسك لنفسك تكن الناس تبعا لك أحسن العظات ما بدأت به نفسك و أجريت عليه أمرك من رضي عن نفسه سخط الناس عليه من ظلم نفسه كان لغيره أظلم و من هدم دينه كان لمجده أهدم خير الآداب ما حصل لك ثمره و ظهر عليك أثره من تعزز بالله لم يذله سلطان و من توكل عليه لم يضره شيطان ليكن مرجعك إلى الحق و منزعك إلى الصدق فالحق أقوى معين و الصدق أفضل قرين من لم يرحم الناس منعه الله من رحمته و من استطال بسلطانه سلبه الله من قدرته إن العدل ميزان الله وضعه للخلق و نصبه للحق فلا تخالفه في ميزانه و لا تعارضه في سلطانه استغن عن الناس بخلتين قلة الطمع و شدة الورع من طال كلامه سئم و من قل احترامه شتم و دخلت على بعض الصالحين يسبته على بحر الرقاق و كان قد جرى بيني و بين السلطان من الكلام ما يوجب و حر الصدر و يضع من القدر فوصل إليه الخبر فلما أبصرني قال لي يا أخي ذل من ليس له ظالم يعضده و ضل من ليس له عالم يرشده يا أخي الرفق الرفق فقلت له ما دام رأس المال محفوظا أعني الدين فقال صدقت و سكت عني لا تحاج من يذهلك خوفه و يملكك سيفه فرب حجة تأتي على مهجة و قرصة تؤدي إلى غصة و إياك و اللجاج فإنه يوغر القلوب و ينتج الحروب عي تسلم به خير من نطق تندم عليه و اقتصر من الكلام بما يقيم حجتك و يملك حاجتك و إياك و فضوله فإنه يزل القدم و يورث الندم عي يزري بك خير من براعة تأتي عليك (وصية نبوية) قال رسول الله ص لرجل يوصيه أقلل من الشهوات يسهل عليك الفقر و أقلل من الذنوب يسهل عليك الموت و قدم مالك أمامك يسرك اللحاق به و اقنع بما أوتيته يخف عليك الحساب و لا تتشاغل عما فرض عليك بما قد ضمن لك أنه ليس بفائتك ما قسم لك و لست بلاحق ما روى عنك و لأنك جاهدا فيما يصبح نافدا واسع لملك لا زوال له في منزل لا انتقال عنهو من الوصية النبوية أيضا قال رسول الله ص ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا التاط منها بثلاث شغل لا ينفك عناه و فقر لا يدرك غناه و أمل لا ينال منتهاه إن الدنيا و الآخرة طالبتان و مطلوبتان فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل رزقه و طالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذ الموت بعنقه ألا و إنالسعيد من اختار باقية يدوم نعيمها على فانية لا ينفد عذابها و قدم لما يقدم عليه فيما هو الآن في يديه قبل أن يخلفه لمن يسعد بإنفاقه و قد شقي هو بجمعه و احتكاره (و منها أيضا) قال رسول الله ص كان الموت على غيرنا كتب و كان الحق فيها على غيرنا وجب و كان الذين نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم و نأكل تراثهم كانا مخلدون بعدهم نسينا كل واعظة و أمنا كل جائحة طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس طوبى لمن أنفق مالا اكتسبه من غير معصية و جالس أهل الفقه و الحكمة و خالط أهل الذلة و المسنة طوبى لمن ذلت نفسه و حسنت خليقته و طابت سريرته و عزل عن الناس شره طوبى لمن أنفق الفضل من ماله و أمسك الفضل من قوله و وسعته السنة و لم تستهوه البدعة (و من مواعظه ص) قيس ابن عاصم المنقريروينا من حديث الهاشمي قال رسول الله ص يا قيس إن مع العز ذلا و إن مع الحياة موتا و إن مع الدنيا آخرة و إن لكل شيء حسيبا و على كل شيء رقيبا و إن لكل حسنة ثوابا و لكل سيئة عقابا و إن لكل أجل كتابا إنه لا بد يا قيس من قرين يدفن معك و هو حي و تدفن معه و أنت ميت فإن كان كريما أكرمك و إن كان لئيما أسلمك ثم لا يحشر إلا معك و لا تبعث إلا معه و لا تسأل إلا عنه فلا تجعله إلا صالحا فإنه إن كان صالحا لم تأنس إلا به و إن كان فاحشا لم تستوحش إلا منه و هو فعلك (و من وصاياه ص) قال رسول الله ص أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا و بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا و صلوا الذي بينكم و بين ربكم تسعدوا و أكثروا الصدقة ترزقوا و أمروا بالمعروف تخصبوا و انهوا عن المنكر تنصروا يا أيها الناس أن أكيسكم أكثركم للموت ذكرا و أحزمكم أحسنكم له استعدادا ألا و إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و التزود لسكنى القبور و التأهب ليوم النشور (و منها أيضا عنه ص) قال رسول الله ص أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم و إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم إن المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه و بين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه فليأخذ العبد لنفسه من نفسه و من دنياه لآخرته و من الشبيبة قبل الكبر و من الحياة قبل الموت فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب و لا بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار (و مما ورد عنه ص في خصال الايمان) ما حدثنا به أبو عبد الله محمد بن قاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الكريم التميمي بالمسجد الأزهر بعين الخيل من مدينة فاس سنة إحدى و تسعين و خمسمائة من لفظه و أنا أسمع و أسنده إلى رسول الله ص معنعنا قال قال رسول الله ص لا يكمل عبد الايمان حتى يكون فيه خمس خصال التوكل على الله و التفويض إلى الله و التسليم لأمر الله و الرضي بقضاء الله و الصبر على بلاء الله إنه من أحب و أبغض لله و أعطى لله و منع لله فقد استكمل الايمان و قد ثبت عنه ص أنه قال الايمان بضع و سبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق و أرفعها قول لا إله إلا الله (وصية نبوية محمدية) قال رسول الله ص لا خير في العيش إلا لعالم ناطق أو مستمع واع يا أيها الناس إنكم في زمان هدنة و إن السير بكم سريع و قد رأيتم الليل و النهار كيف يبليان كل جديد و يقربان كل بعيد و يأتيان بكل موعود فقال له المقداد و ما الهدنة يا رسول الله فقال ص دار بلاء و انقطاع فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع و شاهد مصدق فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة و من جعله خلفه ساقه إلى النار هو أوضح دليل إلى خير سبيل من قال به صدق و من عمل به أجر و من حكم به عدل و إن العبد عند خروج نفسه و حلول رمسه يرى جزاء ما أسلف و قلة غناء ما خلف و لعله من باطل جمعه و من حق منعه (وصية نبوية بتذكرة) قال رسول الله ص إن العبد لا يكتب في المسلمين حتى يسلم الناس من يده و لسانه و لا ينال درجة المؤمنين حتى يأمن جاره بوائقه و لا يعد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس أيها الناس إنه من خاف البيات أدلج و من أدلج في السيروصل و إنما تعرفون عواقب أعمالكم لو قد طويت صحائف آجالكم إن نية المؤمن خير من عمله و نية المنافق شر من عمله (وصية فيها بشرى للمنقطعين إلى الله) قال رسول الله ص من انقطع إلى الله كفاه كل مئونة فيها و من انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها و من حاول أمرا بمعصية الله كان أبعد له مما رجا و أقرب مما اتقى و من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده منهم ذاما و من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إليهم و من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله شرهم و من أحسن فيما بينه و بين الله كفاه الله ما بينه و بين الناس و من أصلح سريرته أصلح الله علانيته و من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه (وصية نبوية خبرية) قال رسول الله ص رحم الله عبدا تكلم فغنم أو سكت فسلم إن اللسان أملك شيء للإنسان ألا و إن كلام العبد كله عليه إلا ذكر الله أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو إصلاحا بين مؤمنين فقال له معاذ بن جبل يا رسول الله أ نؤاخذ بما نتكلم به قال و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم فمن أراد السلامة فليحفظ ما جرى به لسانه و ليحرس ما انطوى عليه جنانه و ليحسن عمله و ليقصر أمله (وصية نبوية أيضا) قال رسول الله ص لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير و بها ينجو من الشر إذا قال العبد لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربهقلنا من هنا قال قتادة رضي الله عنه ما أنصف أحد الدنيا ذمت بإساءة المسيء فيها و لم تحمد بإحسان المحسن فيها و في عكس هذا يقول بعضهم في الدنيا
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق
هذا إنما يريد الحياة الدنيا التي لا يقصد بها الآخرة و قد ذم الله ذلك (وصية نبوية) قال رسول الله ص أكثروا و ذكرها ذم اللذات فإنكم إن ذكرتموه في ضيق و سعة عليكم و رضيتم به فأجرتم و إن ذكرتموه في غنى بغضه إليكم فجدتم به فأثبتم إن المنايا قاطعات الآمال و الليالي مدنيات الآجال و إن المرء بين يومين يوم قد مضى أحصى فيه عمله فختم عليه و يوم قد بقي لا يدري لعله لا يصل إليه (وصية بتذكرة) قال رسول الله ص إن الرزق مقسوم لن يعدو امرؤ ما كتب له فأجملوا في الطلب و إن العمر محدود لن يجاوز أحد ما قدر له فبادر و اقبل نفاد الأجل و الأعمال محصاة لن يهمل منها صغيرة و لا كبيرة فأكثروا من صالح العمل أيها الناس إن في القنوع لسعة و إن في الاقتصاد لبلغة و إن في الزهد لراحة و لكل عمل جزاء و كل آت قريب (بذكرى لبيب و اعتبار) قال رسول الله ص أ ما رأيت المأخوذين على الغرة المزعجين بعد الطمأنينة الذين أقاموا على الشبهات و جنحوا إلى الشهوات حتى أتتهم رسل ربهم فلا ما كانوا أملوا أدركوا و لا إلى ما فاتهم رجعوا قدموا على ما عملوا و ندموا على ما خلفوا و لم يغن الندم و قد جف القلم فرحم الله امرأ قدم خيرا و أنفق قصدا و قال صدقا و ملك دواعي شهواته و لم تملكه و عصى أمره نفسه فلم تهلكه (وصية و بيان) قال رسول الله ص أيها الناس لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم و لا تعاقبوا ظالما فيبطل فضلكم و لا تراءوا الناس فيحبط عملكم و لا تمنعوا الموجود فيقل خيركم أيها الناس إن الأشياء ثلاثة أمر استبان رشده فاتبعوه و أمر استبان غيه فاجتنبوه و أمر اختلف عليكم فردوه إلى الله أيها الناس إلا أنبئكم بأمرين خفيف مئونتهما عظيم أجر هما لم يلق الله بمثلهما الصمت و حسن الخلق (وصية نبوية) قال رسول الله ص إنما يؤتى الناس يوم القيامة من إحدى ثلاث إما من شبهة في الدين ارتكبوها أو شهوة للذة آثروها أو غضبة لحمية أعملوها فإذا لاحت لكم شبهة فأجلوها باليقين و إذا عرضت لكم شهوة فاقمعوها بالزهد و إذا عنت لكم غضبة فادرءوها بالعفو إنه ينادي مناد يوم القيامة من له أجر على الله فليقم فيقوم العافون عن الناس أ لم تر إلى قوله عز جلاله فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله (وصية فيها تذكرة غافل) قال رسول الله ص يقول الله تعالى يا ابن آدم تؤتى كل يوم برزقك و أنت تحزن و ينقص كل يوم من عمرك و أنت تفرح أنت فيما يكفيك و أنت تطلب ما يطغيك لا بقليل تقنع و لا من كثير تشبع (وصية تحريض على الاتصاف بصفة يحمدها الله من عباده) قال رسول الله ص و قد قيل له يا رسول الله من أولياء الله الذين فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ فقال الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها و اهتموا بأجل الدنيا حين اهتم الناس بعاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم و تركوا منها ما علموا أن سيتركهم فما عرضهم من نائلها عارض إلا رفضوه و لا خادعهم من رفعتها خادع إلا وضعوه خلقت الدنيا عندهم فما يجددونها و خربت بيتهم فما يعمرونها و ماتت في صدورهم فما يحيونها بل يهدمونها فيبنون بها آخرتهم و يبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم و نظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فما يرون أما نادون ما يرجون و لا خوفا دون ما يحذرون (وصية أيضا نبوية) قال رسول الله ص إنما أنتم خلف ماضين و بقية متقدمين كانوا أكثر منكم بسطة و أعظم سطوة أزعجوا عنها أسكن ما كانوا إليها و غدرت بهم أوثق ما كانوا بها فلم تغن عنهم قوة عشيرة و لا قبل منهم بدل فدية فارحلوا أنفسكم بزاد مبلغ قبل أن تؤاخذوا على فجأة و قد غفلتم عن الاستعداد و لا يغني الندم و قد جف القلم (وصية بموعظة و ذكرى) قال رسول الله ص كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل و عد نفسك في الموتى و إذا أصبحت فلا تحدثها بالمساء و إذا أمسيت فلا تحدثها بالصباح و خذ من صحتك لسقمك و من شبابك لهرمك و من فراغك لشغلك و من حياتك لوفاتك فإنك لا تدري ما اسمك غدا (وصية نبوية نافعة) قال رسول الله ص لا يشغلنكم دنياكم عن آخرتكم و لا تؤثروا أهواءكم على طاعة ربكم و لا تجعلوا أيمانكم ذريعة لمعاصيكم و حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و مهدوا لها قبل أن تعذبوا و تزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا فإنما هو موقف عدل و اقتضاء حق و سؤال عن واجب و لقد بلغ في الإعذار من تقدم في الإنذار (وصية نبوية خبرية بما ينبغي أن يقبل عليه و يعرض عنه) قال رسول الله ص يا أيها الناس أقبلوا على ما كلفتموه من صلاح آخرتكم و أعرضوا عما ضمن لكم من أمر دنياكم و لا تستعملوا جوارحا غذيت بنعمته في التعرض لسخطه بمعصيته و اجعلوا شغلكم بالتماس مغفرته و اصرفوا هممكم إلى التقرب إليه بطاعته إنه من بدأ بنصيبه من الدنيا فإنه نصيبه من الآخرة و لا يدرك منها ما يريد و من بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا و أدرك من الآخرة ما يريد (وصية نبوية فيما ينبغي أن يترك من الفضول) قال رسول الله ص إياكم و فضول المطعم فإن فضول المطعم يسم القلب بالقساوة و يبطىء بالجوارح عن الطاعة و يصم الهمم عن سماع الموعظة و إياكم و فضول النظر فإنه يبذر الهوى و يولد الغفلة و إياك و استشعار الطمع فإنه يشرب القلب شدة الحرص و يختم على القلوب بطابع حب الدنيا فهو مفتاح كل سيئة و سبب إحباط كل حسنة (وصية نبوية بما يرجى و يتقى) قال رسول الله ص إنما هو خير يرجى أو شر يتقى و باطل عرف فاجتنب و حق تيقن فطلب و آخرة أظل إقبالها فسعى لها و دنيا أزف نفادها فأعرض عنها و كيف يعمل للآخرة من لا ينقطع عن الدنيا رغبته و لا تنقضي فيها شهوته إن العجب كل العجب لمن صدق بدار البقاء و هو يسعى لدار الفناء و عرف أن رضا الله في طاعته و هو يسعى في مخالفته (وصية نبوية) قال رسول الله ص حلوا أنفسكم بالطاعة و ألبسوها قناع المخافة و اجعلوا آخرتكم لأنفسكم و سعيكم لمستقركم و اعلموا أنكم عن قليل راحلون و إلى الله صائرون و لا يغني عنكم هنالك إلا صالح عمل قدمتموه أو حسن ثواب حزتموه إنكم إنما تقدمون على ما قدمتم و تجازون على ما أسلفتم و لا تخدعنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات علية فكان قد كشف القناع و ارتفع الارتياب و لاقى كل امرئ مستقره و عرف مثواه و مقيله (وصية نبوية في التحذير عن المكر و الخداع) قال رسول الله ص لا تكونوا ممن خدعته العاجلة و غرته الأمنية و استهوته الخدعة فركن إلى دار سريعة الزوال وشيكة الانتقال إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب أو صر حالب فعلام تعرجون و ما ذا تنتظرون فكأنكم و الله بما قد أصبحتم فيه من الدنيا كان لم يكن و ما تصيرون إليه من الآخرة كان لم يزل فخذوا الأهبة لأزوف النقلة و أعدوا الزاد لقرب الرحلة و اعلموا أن كل امرئ على ما قدم قادم و على ما خلف نادم (وصية نبوية في ذم انبساط الأمل و نسيان الأجل) قال رسول الله صأيها الناس بسيط الأمل متقدم حلول الأجل و المعاد مضمار العمل و مغتبط بما احتقب غانم و مبتئس بما فاته من العمل نادم أيها الناس إن الطمع فقر و الياس غنى و القناعة راحة و العزلة عبادة و العمل كنز و الدنيا معدن و الله ما يسرني ما مضى من دنياكم هذه بأهداب بردي هذا و لما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء و كل إلى نفاد وشيك و زوال قريب فبادروا أنتم في مهل الأنفاس و حدة الأحلاس قبل أن يؤخذ بالكظم و لا يغني الندم (وصية نبوية و تعريف) قال رسول الله ص تكون أمتي في الدنيا على ثلاثة أطباق أما الطبق الأول فلا يرغبون في جمع المال و ادخاره و لا يسعون في اقتنائه و احتكاره إنما رضاهم من الدنيا سد جوعة و ستر عورة و غناهم فيها ما بلغ الآخرة فأولئك الذين فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ و أما الطبق الثاني فيحبون جمع المال من أطيب سبيله و صرفه في أحسن وجوهه يصلون به أرحامهم و يبرون به إخوانهم و يواسون به فقراءهم و لعض أحدهم على الرصف أسهل عليه من أن يكسب درهما من غير حله و أن يضعه في غير وجهه و أن يمنعه من حقه أو أن يكون خازنا له إلى حين موته فأولئك الذين إن نوقشوا عذبوا و إن عفي عنهم سلموا و أما الطبق الثالث فيحبون جمع المال مما حل و حرم و منعه مما افترض أو وجب أن أنفقوه أنفقوه إِسْرافاً وَ بِداراً و إن أمسكوه أمسكوه بخلا و احتكارا أولئك الذين ملكت الدنيا أزمة قلوبهم حتى أوردتهم النار بذنوبهم (وصية نبوية في التحذير من ضعف اليقين و ما أشبه ذلك) قال رسول الله ص إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله و أن تحمدهم على رزق الله و أن تذمهم على ما لم يؤتك الله إن رزق الله لا يجره حرص حريص و لا يرده كراهية كاره إن الله تبارك اسمه جعل الروح و الفرح في الرضي و اليقين و جعل الهم و الحزن في الشك و السخط إنك لم تدع شيئا تقربا إلى الله إلا أجزل لك الثواب عليه فاجعل همك و سعيك لآخرة لا ينفذ فيها ثواب المرضى عنه و لا ينقطع فيها عقاب المسخوط عليه (وصية نبوية تحرض على أخلاق سنية مرضية) قال رسول الله ص ليس شيء يباعدكم من النار إلا و قد ذكرته لكم لا شيء يقربكم من الجنة إلا و قد دللتكم عليه إن روح القدس نفث في روعي إنه لن يموت عبد حتى يستكمل رزقه فأجملوا في الطلب و لا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوا شيئا من فضل الله بمعصيته فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته ألا و إن لكل امرئ رزقا هو يأتيه لا محالة فمن رضي به بورك له فيه فوسعه و من لم يرض به لم يبارك له فيه و لم يسعه إن الرزق ليطلب الرجل كما يطلبه أجله (وصية نبوية مفصلة) قال رسول الله ص إن الدنيا دار بلاء و منزل قلعة و عناء قد نزعت عنها نفوس السعداء و انتزعت بالكرة من أيدي الأشقياء و أسعد الناس بها أرغبهم عنها و أشقاهم بها أرغبهم فيها هي الغاشة لمن انتصحها و المغوية لمن أطاعها و الخائرة لمن انقاد لها و الفائز من أعرض عنها و الهالك من هوى فيها طوبى لعبد اتقى فيها ربه و ناصح نفسه و قدم توبته و آخر شهوته من قبل أن تلفظه الدنيا إلى الآخرة فيصبح في بطن موحشة غبرا مدلهمة ظلما لا يستطيع أن يزيد في حسنة و لا ينقص من سيئة ثم ينشر فيحشر إما إلى جنة يدوم نعيمها أو نار لا ينفك عذابها وصية نبوية في الأهبة للرحلة قال رسول الله ص شمروا فإن الأمر جد و تأهبوا فإن الرحيل قريب و تزودوا فإن السفر بعيد و خففوا أثقالكم فإن وراءكم عقبة كئود لا يقطعها إلا المخفون أيها الناس إن بين يدي الساعة أمورا شدادا و أهوالا عظاما و زمانا صعبا تتملك فيه الظلمة و تتصدر فيه الفسقة فيضطهد الآمرون بالمعروف و يضامون الناهون عن المنكر فأعدوا لذلك الايمان و عضوا عليه بالنواجذ و الجئوا إلى العمل الصالح و أكرهوا عليه النفوس و اصبروا على الضراء تفضوا إلى النعيم الدائم (وصية) نبوية و ترغيبقال رسول الله ص ارغب فيما عند الله يحبك الله و ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس إن الزاهد في الدنيا يريح قلبه و بدنه في الدنيا و الآخرة ليجيئن أقوام يوم القيامة لهم حسنات كأمثال الجبال فيؤمر بهم إلى النار فقيل يا نبي الله أ يصلون قال كانوا يصلون و يصومون و يأخذون و هنا من الليل لكنهم كانوا إذا ألاح لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه (وصية) نبوية تحرض على صفات سنية قال رسول الله ص أيها الناس إن هذه الدار دار التواء لا دار استواء و منزل ترحلا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء و لم يحزن لشقاء ألا و إن الله خلق الدنيا دار بلوى و الآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا و ثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا فيأخذ ليعطي و يبتلي ليجزي و إنها لسريعة الذهاب وشيكة الانقلاب فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها و اهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها و لا تسعوا في عمران دار قد قضى خرابها و لا تواصلوها و قد أراد الله منكم اجتنابها فتكونوا السخطة متعرضين و لعقوبته مستحقين (وصية) نبوية بما يرضي الله من الأخلاققال رسول الله ص أيها الناس اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ و اسعوا في مرضاته و أيقنوا من الدنيا بالفناء و من الآخرة بالبقاء و اعملوا لما بعد الموت فكان الدنيا لم تكن و كان الآخرة لم تزل أيها الناس إن من في الدنيا ضيف و ما في يده عارية و إن الضيف مرتحل و العارية مردودة ألا و إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر و الفاجر و الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر فرحم الله امرأ نظر لنفسه و مهد لرمسه ما دام رسنه مرخى و حبله على غاربة ملقى قبل أن ينفد أجله فينقطع عمله (وصية) أيضا نبوية قال رسول الله ص إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة و الآخرة قد تجملت مقبلة ألا و إنكم في يوم عمل ليس فيه حساب و يوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل و إن الله يعطي الدنيا من يحب و يبغض و لا يعطي الآخرة إلا من يحب و إن للدنيا أبناء و للآخرة أبناء فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدنيا إن شر ما أتخوف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل فاتباع الهوى يصرف بقلوبكم عن الحق و طول الأمل يصرف هممكم إلى الدنيا و ما بعدهما لأحد خير من دنيا و لا آخرة (وصية) نبوية بموعظة تذكر الموت و تؤذن بالرحيلقال رسول الله ص ما من بيت إلا و ملك الموت يقف على بابه في كل يوم خمس مرات فإذا وجد الإنسان قد نفد أكله و جاء أجله ألقى عليه غم الموت فغشيته كرباته و غمرته عكراته فمن أهل بيته الناشرة شعرها و الضاربة وجهها و الباكية لشجوها و الصارخة بويلها فيقول ملك الموت ع ويلكم مم الفزع و فيم الجزع ما أذهبت لواحد منكم رزقا و لا قربت له أجلا و لا أتيته حتى أمرت و لا قبضت روحه حتى استأمرت و إن لي فيكم عودة ثم عودة ثم عودة حتى لا أبقى منكم أحدا قال النبي ص فو الذي نفس محمد بيده لو يرون مكانه و يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم و لبكوا على نفوسهم حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش و هو ينادي يا أهلي و يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله و من غير حله ثم خلفته لغيري فالمهناة له و التبعة علي فاحذروا مثل ما حل بي (وصية) من زاهد تحوي على فوائد روينا عن الشبلي أنه قال في وصيته إن أردت أن تنظر إلى الدنيا بحذافيرها فانظر إلى مزبلة فهي الدنيا و إذا أردت أن تنظر إلى نفسك فخذ كفا من تراب فإنك منها خلقت و فيها تعود و متى ما أردت أن تنظر ما أنت فانظر إلى ما يخرج منك في دخولك الخلأ فمن كان حاله كذا فلا يجوز له أن يتطاول أو يتكبر على من هو مثله و قال بعضهم من كانت همته ما يدخله في جوفه فقيمته ما يخرج منه و كتب إبراهيم بن أدهم إلى أخ له بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله من لا تحل معصيته و لا يرجى غيره و لا يدرك الغني إلا به فإنه من استغنى عز و شبع و روى و انتقل عند ما أبصر قلبه عما أبصرت عيناه من زهرة الدنيا فتركها و جانب شبهها فارض بالحلال الصافي منها أي ما لا بد منه من كسرة يشد بها صلبه و ثوب يواري به عورته أغلظ ما يجده و أخشنه و السلام و قال رسول الله ص حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبهو روى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه جيء إليه قبل الخلافة بحلة بثلاثة ألف درهم فاستحسنها ثم جيء إليه في خلافته بثوب ليشتريه فيلبسه بثلاثة دراهم فقال عسى خشن من هذا فإن هذا رقيق فانظر يا أخي أين هذا من ذاك رضي الله عنه مثل هذا يلي أمور عباد الله و كتب ابن السماك إلى أخ له و قد سأله أن يصف له الدنيا أما بعد فإن الله حفها بالشهوات ثم ملأها آفات مزج حلالها بالرزيات و حرامها بالتبعات فحلالها حساب و حرامها عقاب (وصية) مختار بإجارة من استجار كتب إلينا أبو حفص عمر بن عبد المجيد من روايته أن الله تعالى نادى موسى بن عمران لا تخيب من قصدك و أجر مناستجار بك قال فبينما موسى ع في سياحته إذا بجارح يطرد حمامة فلما رآه الحمام نزل على كتفه مستجيرا به و نزل الجارح على الكتف الآخر فلما هم به الجارح نزل الحمام على كمه فناداه الجارح بلسان فصيح يا ابن عمران إني قاصدك فلا تخيبني و لا تحل بيني و بين رزقي و ناداه الحمام يا ابن عمران إني أنا مستجير بك فأجرني فقال موسى ما أسرع ما ابتليت به ثم مد يده ليقطع من فخذه قطعة للجارح وقاء لهما و حفظا لما عهد إليه فيهما فقال له يا ابن عمران أنا رسول ربك أرسلني إليك ليرى صحة ما عهد إليك
و كان ابن السماك يقول لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض و كن اليوم مشغولا بما أنت عليه مسئول غدا و إياك و الفضول فإن حسابها يطول
(وصية) تتضمن علامة باقتراب القيامة قال علي بن أبي طالب سئل رسول الله ص عن أشر ط الساعة فقال إذا رأيت الناس قد ضيعوا الحق و أماتوا الصلاة و أكثروا القذف و استحلوا الكذب و أخذوا الرشوة و شيدوا البنيان و أعظموا أرباب الأموال و استعملوا السفهاء و استحلوا الدماء فصار الجاهل عندهم ظريفا و العالم ضعيفا و الظلم فخرا و المساجد طرقا و تكثر الشرط و حليت المصاحف و طولت المارات و خربت القلوب من الدين و شربت الخمور و كثر الطلاق و موت الفجاة و فشا الفجور و قول البهتان و حلفوا بغير الله و ائتمن الخائن و خان الأمين و لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب فعندها قيام الساعة هذا حديث حسن (وصية) بالتأهب للموتبموعظة في رؤيا كان أمير المؤمنين المنصور ذات ليلة نائما فانتبه مرعوبا ثم عاود النوم فانتبه كذلك فزعا مرعوبا ثم راجع النوم فانتبه كذلك فقال يا ربيع قال الربيع قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال لقد رأيت في منامي عجبا قال ما رأيت جعلني الله فداك قال رأيت كان آتيا أتاني فهينم بشيء لم أفهمه فانتهت فزعا ثم عاودت النوم فعاودني يقول ذلك الشيء ثم عاودني يقوله حتى فهمته و حفظته و هو
و ما أحسبني يا ربيع إلا قد حانت وفاتي و حضر أجلي و مالي غير ربي قم فاجعل لي غسلا ففعلت فقام فاغتسل و صلى ركعتين و قال أنا عازم على الحج فهيئ لنا آلة الحج فخرجنا و خرج حتى إذا انتهى إلى الكوفة و نزل النجف فأقام أياما ثم أمر بالرحيل فتقدمت نوابه و جنده و بقيت أنا و هو بالقصر و شاكريته بالباب فقال لي يا ربيع جئني بفحمة من المطبخ و قال لي اخرج و كن مع دابتي إلى أن أخرج فلما خرج و ركب رجعت إلى المكان أطلب شيئا فوجدت قد كتب على الحائط بالفحمة
(وصية) باعتراف عارف في أشرف المواقف وقف مطرف و بكر بن عبد الله بعرفة و الفضيل بن عياض فقال مطرف اللهم لا تردهم اليوم من أجلي و قال بكر ما أشرقه من موقف و أرضاه لأهله لو لا إني فيهم و رفع الفضيل رأسه إلى السماء و قد قبض على لحيته و هو يبكي بكاء الثكلى و يقول وا سوأتاه منك و إن عفوت (تنبيه) على الحياء من اللهروينا عن الشيخ عبد الرحمن ابن الأستاذ في كتاب ابن باكويه الشيرازي عن أبي الأديان قال ما رأيتخائفا إلا رجلا واحدا كنت بالموقف فرأيت شابا مطرقا منذ وقف الناس إلى أن سقط القرص فقلت يا هذا ابسط يديك بالدعاء فقال لي ثم وحشة فقلت له هذا يوم العفو من الذنوب قال فبسط يده ففي بسطة يديه وقع ميتا (وصية) نبوية بالصدقةقال رسول الله ص أتى سائل امرأة في فمها لقمة فلفظتها فناولتها إياه فلم تلبث إن رزقت غلاما فلما ترعرع جاء ذئب فاحتمله فخرجت تعدوا في أثر الذئب و هي تقول ابني ابني فأمر الله ملكا الحق الذئب فخذ الصبي من فيه و قل لأمه إن الله يقرئك السلام و قل هذه لقمة بلقمة (وصية) بر بحضور مجالس الذكر قال عمار بن الراهب رأيت مسكينة الطفاوية في منامي بعد موتها فقلت مرحبا يا مسكينة مرحبا فقالت هيهات يا عمار ذهبت المسكنة و جاء الغني الأكبر قلت هيه قالت ما تسأل عمن أبيح لها الجنة بحذافيرها تظل فيها حيث تشاء قال قلت و بم ذاك قالت بمجالس الذكر و الصبر على الحق قال عمار و كانت تحضر معنا مجلس عيسى بن زادان بالأبلة ننحدر من البصرة حتى تأتيه قاصدة قال عمار قلت يا مسكينة فما فعل عيسى بن زادان رحمه الله قال فضحكت و قالت
(وصية) و نصيحة كتبت بها إلى السلطان الغالب بأمر الله كيكاوس صاحب بلاد الروم بلاد يونان رحمه الله جواب كتاب كتب به إلينا سنة تسع و ستمائة بسم الله الرحمن الرحيم وصل الاهتمام السلطاني الغالب بأمر الله العزى أدام الله عدل سلطانه إلى والده الداعي له محمد بن العربي فتعين عليه الجواب بالوصية الدينية و النصيحة السياسية الإلهية على قدر ما يعطيه الوقت و يحتمله الكتاب إلى أن يقدر الاجتماع و يرتفع الحجاب فقد صح عن رسول الله ص أنه قال الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله فقال لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم و أنت يا هذا بلا شك من أئمة المسلمين و قد قلدك الله هذا الأمر و أقامك نائبا في بلاده و متحكما بما توفق إليه في عباده و وضع لك ميزانا مستقيما تقيمه فيهم و أوضح لك محجة بيضاء تمشي بهم عليها و تدعونهم إليها على هذا الشرط ولاك و عليه بايعناك فإن عدلت فلك و لهم و إن جرت فلهم و عليك فاحذر إن أراك غدا بين أئمة المسلمين من أخسر الناس أعمالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً و لا يكون شكرك لما أنعم الله به عليك من استواء ملكك بكفران النعم و إظهار المعاصي و تسليط التواب السوء بقوة سلطانك على الرعية الضعيفة فإن الله أقوى منك فيتحكمون فيهم بالجهالة و الأغراض و أنت المسئول عن ذلك فيا هذا قد أحسن الله إليك و خلع خلع النيابة عليك فأنت نائب الله في خلقه و ظله الممدود في أرضه فانصف المظلوم من الظالم و لا يغرنك إن الله وسع عليك سلطانك و سوى لك البلاد و مهدها مع إقامتك على المخالفة و الجور و تعدى الحدود فإن ذلك الاتساع مع بقائك على مثل هذه الصفات إمهال من الحق لا إهمال و ما بينك و بين أن تقف على أعمالك إلا بلوغ الأجل المسمى و تصل إلى الدار التي سافر إليها آباؤك و أجدادك و لا تكن من النادمين فإن الندم في ذلك الوقت غير نافع يا هذا و من أشد ما يمر على الإسلام و المسلمين وَ قَلِيلٌ ما هُمْ رفع النواقيس و التظاهر بالكفر و إعلاء كلمة الشرك ببلادك و رفع الشروط التي اشترطها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الذمة من أنهم لا يحدثون في مدينتهم و لا ما حولها كنيسة و لا ديرا و لا قلية و لا صومعة راهب و لا يجددون ما خرب منها و لا يمنعون كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم و لا يأوون جاسوسا و لا يكتمون غشا للمسلمين و لا يعلمون أولادهم القرآن و لا يظهرون شركا و لا يمنعون ذوي قرباتهم من الإسلام إن أرادوه و أن يوقروا المسلمين و أن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس و لا يتشبهون بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة و لا عمامة و لا نعلين و لا فرق شعر و لا يتسمون بأسماء المسلمين و لا يتكنون بكناهم و لا يركبون سرجا و لا يتقلدون سيفا و أن لا يتخذوا شيئا من سلاح و لا ينقشوا خواتيمهم بالعربية و لا يبيعوا الخمور و أن يجروا مقادم رءوسهم و أن يلزموا زيهم حيث ما كانوا و أن يشدوا الزنانير على أوساطهم و لا يظهروا صليبا و لا شيئا من كتبهم في طريق المسلمين و لا يجاوروا المسلمين بموتاهم و لا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيا و لا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهمفي شيء من حضرة المسلمين و لا يخرجوا سعايين و لا يرفعوا مع أمواتهم أصواتهم و لا يظهروا النيران معهم و لا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين فإن خالفوا شيئا مما شورطوا عليه فلا ذمة لهم و قد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة و الشقاق فهذا كتاب الإمام العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه و قد ثبت عن رسول الله ص أنه قال لا تبنى كنيسة في الإسلام و لا يجدد ما خرب منها فتدبر كتابي ترشد إن شاء الله ما لزمت العمل به و السلام ثم أوقعت له بشعر عملته في الوقت أخاطبه به و هو
و الله ينفعني بوصيتي و يجازيني على نيتي و السلام عليك و رحمة الله و بركاته (وصايا) من منثور الحكم و ميسور الكلم ينسب إلى جماعة من العلماء الصالحين من اكتفى باليسير استغنى عن الكثير من صح دينه صح يقينه من استغنى عن الناس أمن من عوارض الإفلاس الدين أقوى عصمة و الأمن أسنى نعمة الصبر عند المصائب من أعظم المواهب عش ما عشت في ظل يقيك و قوت يكفيك البخيل حارس نعمة و خازن ورثة من لزم الطمع عدم الورع الحسد شر عرض و الطمع أضر غرض الرضاء بالكفاف خير من السعي للاشراف أفضل الأعمال ما أوجب الشكر و أنفع الأموال ما أعقب الأجر لا تثق بالدولة فإنها ظل زائل و لا تعتمد على النعمة فإنها ضيف راحل مالك ما رجى يوميك و توفر أجره و ثوابه عليك الكريم من كف أذاه و القوي من غلب هواه من ركب الهوى أدرك العمي من غالب الحق لأن و من تهاون بالدين هان المؤمن غر كريم و المنافق خب لئيم إذا ذهب الحياء يحل البلاء كل إنسان طالب أمنية و مطلوب لمنية علم لا ينفع كدواء لا ينجع أحسن العلم ما كان مع العمل و أحسن الصمت ما كان عن الخطل اعص الجاهل تسلم و أطع العاقل تغنم من صبر على شهوته بالغ في مروته من كثر ابتهاجه بالمواهب اشتد انزعاجه للمصائب من تمسك بالدين عز نصره و من استظهر بالحق ظهر قهره من استقصر بقاءه و أجله قصر رجاؤه و أمله لا تبت على غير وصية و إن كنت من جسمك في صحة و من عمرك في فسحة فإن الدهر خائن و ما هو كائن كائن لا تخل نفسك من فكرة تزدك حكمةو تفيدك عصمة من جعل ملكه خادما لدينه انقاد له كل سلطان و من جعل دينه خادما لملكه طمع فيه كل إنسان من سلك سبيل الرشاد بلغ كنه المراد من لزم العافية سلم و من قبل النصيحة غنم قلب تأثر من صادق مؤثر حدثنا أحمد بن مسعود ابن شداد المقري الموصلي بالموصل سنة إحدى و ستمائة و كان ثقة قال حدثنا أبو جعفر بن القاص قال حدثنا يوسف ابن أبي القاسم الديار بكري حدثنا جمال الإسلام أبو الحسن علي بن أحمد القرشي الهكاري حدثنا أبو الحسن الكرخي حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الفضل النهاوندي قال سمعت شيخي جعفر بن محمد الخلدي يقول كنت مع الجنيد رحمه الله في طريق الحجاز حتى صرنا إلى جبل طور سيناء فصعده الجنيد و صعدنا معه فلما وقفنا في الموضع الذي وقف فيه موسى ع وقعت علينا هيبة المكان و كان معنا قوال فأشار إليه الجنيد أن يقول شيئا فقال
قال فتواجد الجنيد و تواجدنا فلم يدر أحد منا أ في السماء نحن أو في الأرض و كان بالقرب منا دير فيه راهب فنادى يا أمة محمد بالله أجيبوني فلم يلتفت إليه أحد لطيب الوقت فنادانا الثانية بدين الحنيفية إلا أجبتموني فلم يجبه أحد فنادانا الثالثة بمعبودكم إلا أجبتموني فلم يرد عليه أحد جوابا فلما فترنا من السماع و هم الجنيد بالنزول قلنا له إن هذا الراهب نادانا و أقسم علينا و لم نرد عليه فقال الجنيد ارجعوا بنا إليه لعل الله يهديه إلى الإسلام فناديناه فنزل إلينا و سلم علينا فقال أيما منكم الأستاذ فقال الجنيد هؤلاء كلهم سادات و أستاذون فقال لا بد أن يكون واحد هو أكبركم فأشاروا إلى الجنيد فقال أخبرني عن هذا الذي فعلتموه هو مخصوص في دينكم أو معموم فقال بل مخصوص فقال الراهب لأقوام مخصوصين أو معمومين فقال بل لأقوام مخصوصين فقال بأي نية يقومون فقال بنية الرجاء و الفرح بالله تعالى فقال بأي نية تسمعون فقال بنية السماع من الله تعالى فقال بأي نية تصيحون فقال بنية إجابة العبودية الربوبية لما قال الله تعالى للأرواح أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلىشَهِدْنا قال فما هذا الصوت قال نداء أزلي فقال بأي نية تقعدون قال بنية الخوف من الله تعالى قال صدقت ثم قال الراهب للجنيد مد يدك أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا ص عبده و رسوله و أسلم الراهب و حسن إسلامه فقال له الجنيد بم عرفت أني صادق قال لأني قرأت في الإنجيل المنزل على المسيح بن مريم خواص أمة محمد ص يلبسون الخرقة و يأكلون الكسرة و يرضون بالبلغة و يقومون في صفاء أوقاتهم بالله يفرحون و إليه يشتاقون و فيه يتواجدون و إليه يرغبون و منه يرهبون فبقي الراهب معنا ثلاثة أيام على الإسلام ثم مات رحمه الله (وصايا) في القولسمعت محمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الكريم التميمي الفاسى بمدينة فاس العدل أظن في سنة أربع و تسعين و خمسمائة يقول تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات كأنما رميت عن قوس واحدة قال كسرى أنا على رد ما لم أقل أقوى مني على رد ما قلت و قال ملك الهند إذا تكلمت بكلمة ملكتني و إن كنت أملكها و قال قيصر ملك الروم لا أندم على ما لم أقل و قد ندمت على ما قلت و قال ملك الصين عاقبة ما قد جرى به القول أشد من الندم على ترك القول قال بعض الشعراء
و قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها خلال المكارم عشر تكون في الرجل و لا تكون في ابنه و تكون في العبد و لا يكون في سيده صدق الحديث و صدق الناس و إعطاء السائل و المكافاة بالصنائع و التذمم للجار و مراعاة حق الصاحب و صلة الرحم و قرى الضيف و أداء الأمانة و رأسهن الحياء و قال بعضهم كتمانك سرك يعقبك السلامة و إفشاؤك سرك يعقبك الندامة و الصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه في الحكمةما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده اللصوص فيخفيه و يمكن عدوه من نفسه بإظهاره ما في قلبه من سر نفسه أو سر أخيه جاور معي بمكة أظن سنة تسع و تسعين و خمسمائة رجل من أهل تونس يقال له عبد السلام بن السعرية و كانت عنده جارية اشتراها بمصر في الشدة التي وقعت بمصر سنة سبع و تسعين و خمسمائة فقال لها يا جارية أوصيك بأمرين حفظ السر و الأمانة فقالت الجارية ما تحتاج فإني أعلم أن الشخص إذا كان أمينا شارك الناس في أموالهم و إذا كان حافظا للسر شاركهم في عقولهم فاستحسن هذا الجواب منها فسأل عنها فوجدها حرة قد بيعت في غلاء مصر فأعتقها و سرحها فرجعت إلى أمها و أخواتها و قال معاوية رضي الله عنه ما أفشيت سرى إلى أحد إلا أعقبني طول الندم و شدة الأسف و لا أودعته جوانح صدري إلا أكسبني مجدا و ذكرا و سنا و رفعة فقيل له و لا ابن العاص فقال و لا ابن العاص لأن عمرو بن العاص كان صاحب رأى معاوية و مشيره و وزيره و كان يقول ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك يريد و الله أعلم معاوية بهذا الكلام ما كان ينشدنا في أكثر مجالسه أبو بكر محمد بن خلف بن صاف اللخمي أستاذي في القراآت بمسجده بقوس الحنية من إشبيلية رحمه الله يوصينا بذلك
و كان عمي أخو والدي ينشدني كثيرا للسميسر
و من كلام النبوة في الوصية من كتم سره كانت الخيرة في يده و من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن و ضع أمر أخيك على أحسنه و لا تظنن بكلمة خرجت منه سواء و ما كافأت من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله عز و جل فيه و عليك بإخوان الصدق فإنهم زينة عند الرخاء و عصمة عند البلاء (حكاية) تتضمن وصية حدثني أبو القاسم البجائي بمراكش عن أبي عبد الله الغزال العارف الذي كان بالمرية من أقران أبي مدين و أبي عبد الله الهواري بتنس و أبي يعزى و أبي شعيب السارية و أبي الفضل اليشكري و أبي النجا و تلك الطبقة قال أبو عبد الله الغزال كان يحضر مجلس شيخنا أبي العباس بن العريف الصنهاجى رجل لا يتكلم و لا يسأل و لا يصحب واحدا من الجماعة فإذا فرغ الشيخ من الكلام خرج فلا نراه قط إلا في المجلس خاصة فوقع في نفسي منه شيء و وقعت منه على هيبة فأحببت أن أتعرف به و أعرف مكانه فتبعته عشية يوم بعد انفصالنا من مجلس الشيخ من حيث لا يشعر بي فلما كان في بعض سكك المدينة إذا بشخص قد انقض عليه من الهواء برغيف في يده فناوله إياه و انصرف فجذبته من خلفه فقلت السلام عليك فعرفني فرد علي السلام فسألته عن ذلك الشخص الذي ناوله الرغيف فتوقف فلما علم مني أني لا أبرح دون أن يعرفني قال لي هو ملك الأرزاق يأتي إلي من عند الله كل يوم بما قدر لي من الرزق حيث كنت من أرض ربي و لقد لطف الله بي في بدأ أمري و دخولي إلى هذا الطريق إذا فرغت نفقتي و بقيت بلا شيء سقط علي من الهواء و بين يدي قدر ما أشتري به ما أحتاج إليه من القوت فأنفق منه فإذا فرغ جاءني مثل ذلك من عند الله لكني ما كنت أرى شخصا قال تعالى في حق مريم ابنت عمران كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ من عِنْدِ الله (حكاية) حرمة في سلب نعمة مر زياد بن أمية بالحيرة فنظر إلى دير فقال لخادمه لمن هذا قال دير حرقة بنت النعمان بن المنذر فقال ميلوا بنا إليه نسمع كلامها فجاءت فوقفت خلف الباب فكلمها الخادم فقال لها كلمي الأمير قالت أوجز أم أطيل قال بل أوجزي قالت كنا أهل بيت طلعت الشمس علينا و ما على الأرض أحد أعز منا فما غربت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا قال فأمر لها بأوساق من شعير فقالت أطعمتك يد شبعاء جاعتو لا أطعمتك يد جوعا شبعت فسر زياد بكلامها فقال لشاعر معه قيد هذا الكلام لا يدرس يعني انظمه فقال
سل الخير أهل الخير قد ما و لا تسل فتى ذاق طعم الخير منذ قريب
و نظمنا نحن في هذا المعنى
في الحكمة ثواب الجود خلفة و محبة و مكافاة و ثواب البخل حرمان و إتلاف و مذمة و كتب حكيم إلى الإسكندر اعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلفه و تخلق آثاره و تميت الأفعال إلا ما رسخ في قلوب الناس فأودع قلوبهم محبة أبدية يبقى بها حسن ذكرك و كريم فعلك و شرف آثارك وفد علينا و نحن بإشبيلية شيخ شاعر يعرف بالسبيتي من قرطبة رحمه الله و كان صاحب الديوان عندنا زكريا بن سنان أديبا حاذقا فطنا و لم يكن للسبيتي موضع ينزل فيه فكتب إلى صاحب الديوان
فوقع له صاحب الديوان بيتا نزل فيه و اعتذر إليه و وصله بنفقة قيل لبزرجمهر عند ما قدم للقتل تكلم بكلام تذكر به فقال أي شيء أقول إن الكلام كثير و لكن إن أمكنك أن تكون حديثا حسنا فافعل و لنا
إنما الناس حديث كلهم فلتكن خير حديث يسمع
(خاتمة الباب) و هو خاتمة الكتاب تعويذات مذكورة و أدعية مشهورة فمن ذلك ما يقال عند الكرب (لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات و الأرض رب العرش الكريم و يقال عند دخول المسجد اللهم افتح لنا أبواب رحمتك) و يقال عند الخروج منه اللهم إنا نسألك من فضلك و يقال عند دخول الخلأ اللهم إني أعوذ بك من الخبث و الخبائث و قد روينا أيضا أنه يقال أعوذ بالله من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم و يقال عند الخروج من الخلأ غفرانك و يقال عند الجماع اللهم جنبنا الشيطان و جنب الشيطان ما رزقتنا و يقال عند انقضاء الطعام الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا غير مكف و لا مودع و لا مستغني عنه ربنا و يقال عند العطاس الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا و يرضى و يقال عند النوم إذا أخذ الإنسان مضجعه اللهم إني أسلمت نفسي إليك و وجهت وجهي إليك و فوضت أمري إليك و ألجأت ظهري إليك رهبة منك و رغبة إليك لا ملجأ و لا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت و بنبيك الذي أرسلت اللهم باسمك أحيا و باسمك أموت سبحانك ربي لك وضعت جنبي و بك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها و إن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين و يقال عند الاستيقاظ من النوم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا و إليه النشور و إذا أردت النوم فانو إن تلقى ربك و لتحب النوم لكون لقاء ربك فيه كما تحب الموت فإن فيه لقاء ربك فإنه من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه و الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضىعَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرىإِلىأَجَلٍ مُسَمًّى فالنوم موت أصغر و الذي ينتقل إليه بعد الموت هو الذي ينتقل إليه في النوم الحضرة واحدة و هي البرزخ و الصورة واحدة و اليقظة مثل البعث يوم القيامة و إنما جعل الله النوم في الدنيا لأهلها و ما نرى فيه من الرؤيا و جعل بعده اليقظة كل ذلك ضرب مثال للموت و ما يشاهد فيه للرؤيا و البعث لليقظةفالقيام من المضاجع كالبعث من القبور سواء و يقال عند الصباح أصبحنا و أصبح الملك لله و الحمد لله وحده لا إِلهَ إِلَّا الله وحده لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلىكُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللهم إني أسألك خير هذا اليوم و خير ما بعده و أعوذ بك من شر هذا اليوم و شر ما بعده و يقال عند المساء أمسينا و أمسى الملك لله و الحمد لله لا إِلهَ إِلَّا الله وحده لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلىكُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللهم إني أسألك خير هذه الليلة و خير ما بعدها و أعوذ بك من شر هذه الليلة و شر ما بعدها و يقال عند القيام من كل مجلس سبحانك اللهم و بحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك و يقال عند خاتمة المجالس اللهم أسمعنا خيرا و أطلعنا خيرا و رزقنا الله العافية و أدامها لنا و جمع الله قلوبنا على التقوى و وفقنا لما يحب و يرضى رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ من قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ هذا الدعاء سمعته من رسول الله ص في المنام يدعو به بعد فراغ القارئ عليه من كتاب صحيح البخاري و ذلك سنة تسع و تسعين و خمسمائة بمكة بين باب الحزورة و باب أجياد يقرأه الرجل الصالح محمد بن خالد الصدفي التلمساني و هو الذي كان يقرأ علينا كتاب الأحياء لأبي حامد الغزالي و سألت رسول الله ص في تلك الرؤيا عن المطلقة بالثلاث في لفظ واحد و هو أن يقول لها أنت طالق ثلاثا فقال لي ص هي ثلاث كما قال لا تحل له حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فكنت أقول له يا رسول الله ص فإن قوما من أهل العلم يجعلون ذلك طلقة واحدة فقال ص هؤلائك حكموا بما وصل إليهم و أصابوا ففهمت من هذا تقرير حكم كل مجتهد و أن كل مجتهد مصيب فكنت أقول له يا رسول الله فما أريد في هذه المسألة إلا ما نحكم به أنت إذا استفتيت و ما لو وقع منك ما كنت تصنع فقال هي ثلاث كما قال لا تحل له حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فرأيت شخصا قد قام من آخر الناس و رفع صوته و قال بسوء أدب يخاطب رسول الله ص يقول له يا هذا بهذا اللفظ لا نحكمك بإمضاء الثلاث و لا بتصويبك حكم أولئك الذين ردوها إلى واحدة فاحمر وجه رسول الله ص غضبا على ذلك المتكلم و رفع صوته يصيح هي ثلاث كما قال لا تحل له حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ تستحلون الفروج فما زال ص يصيح بهذه الكلمات حتى أسمع من كان في الطواف من الناس و ذلك المتكلم يذوب و يضمحل حتى ما بقي منه على الأرض شيء فكنت أسأل عنه من هو هذا الذي أغضب رسول الله ص فيقال لي هو إبليس لعنه الله و استيقظت و كنت أراه ص في تلك السنة في النوم أيضا فكنت أقول له يا رسول الله إن الله يقول في كتابه العزيز وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ و القرء عند العرب من الأضداد يطلقونه و يريدون به الحيض و يطلقونه و يريدون به الطهر و أنت أعرف بما أنزل الله عليك فما أراد الله به هنا الحيض أو الطهر فكان ص يقول لي في الجواب عن ذلك إذا أقرؤها فأفرغوا عليها الماء و كلوا مما رزقكم الله يكني فكنت أقول يا رسول الله فاذن هو الحيض فيقول لي إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء وَ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله يكني فكنت أقول له فاذن هو الحيض يا رسول الله فيقول لي إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء وَ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ثلاث مرات و استيقظت ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله من الدعاء اللهم اغفر لي خطاياي و جهلي و إسرافي في أمري و ما أنت أعلم به مني أنت المقدم و أنت المؤخر و أنت على كل شيء قدير اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي و أصلح لي آخرتي التي إليها معادي و اجعل الحياة زيادة لي من كل خير و اجعل الموت راحة لي من كل شر اللهم إني أسألك الهدى و التقى و العفاف و الغني و من العمل ما ترضى اللهم أبت نفسي تقواها و زكها أنت خير منزكاها أنت وليها و مولاها اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر و عذاب النار و من فتنة النار و عذاب القبر و من شر الغني و من شر فتنة الفقر و أعوذ بك من فتنة المسيح الدجال اللهم إني أعوذ بك من العجز و الكسل و الجبن و الفزع و البخل و أرذل العمر و من فتنة المحيا و الممات اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء و شماتة الأعداء و درك الشقاء اللهم إني أعوذ بك من اللهم و الحزن و ضلع الدين و غلبة الرجالاللهم إني أعوذ بك من الفقر و القلة اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك و فجأة نقمتك و من جميع سخطك اللهم إني أعوذ بك من الشقاق و النفاق و من سوء الأخلاق اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع و أعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة اللهم إني أعوذ بك من المرض و الجنون و الجذام و من سيئ الأسقام اللهم إني أعوذ بك من شر القرين ما ظهر منه و ما بطن اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك اللهم إني أعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك لا إله إلا أنت أستغفرك اللهم ربنا و أتوب إليك اللهم كل ما سألتك فيه و منه فإني أسألك ذلك كله لي و لوالدي و ارحمني و أهلي و قرابتي و جيراني و من حضرني من المسلمين و من عرفني أو سمع بذكري أو لم يعرفني و لوالديهم و أبنائهم و إخوانهم و أزواجهم و عشيرتهم و ذوي رحمهم و للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات و من ظن بي خيرا و من لم يظن بي خيرا إنك واهب الخيرات و دافع المضرات و أنت على كل شيء قدير اللهم إني قد تصدقت بعرضي و مالي و دمي على عبادك فلا أطالبهم بشيء من ذلك لا في الدنيا و لا في الآخرة و أنت الشاهد علي بذلك و صل و سلم على محمد و على آل محمد و بارك على محمد و على آل محمد كما صليت و سلمت و باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد و آته الوسيلة و الفضيلة و الدرجة الرفيعة و المقام المحمود الذي وعدته إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ و اجزه عنا و عن أمته خيرا فلقد بلغ و نصح و بذل جهده في ذلك و ما قصر ص رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ من الثَّمَراتِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ و تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ... رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ من ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا ربنا و ابعث فينا وارث رسولك منا يتلو علينا آياتك و يعلمنا الكتاب و الحكمة و يزكينا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَ في الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا من لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ... رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلىرُسُلِكَ وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ آتنا ما وعدتنا بيسر منك في عافية حَسْبُنَا الله وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ رَبَّنا إِنَّكَ من تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ من أَنْصارٍ فلا تجعلنا منهم رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا و صدقنا و سمعنا و أطعنا بتوفيقك ربنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ من الْخاسِرِينَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا و أدخلنا بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ربنا أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ و اكْتُبْ لَنا في هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ في الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ بالإيمان بما جاء به فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً من النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ من الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفىعَلَى الله من شَيْءٍ في الْأَرْضِ وَ لا في السَّماءِ الحمد لله رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ من ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ رب ارحم والدي كَما رَبَّيانِي صَغِيراً رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا رب اجعلني رضيا رب مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ من الظَّالِمِينَ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ اللهم خذ بأزمة قلوبنا إليك و اجعلنا ممن توكل في جميع أموره عليك و عمنا بالرحمة التي لديك و في يديك و اجعلنا هادين مهديين غير ضالين و لا مضلين انتهى الباب بحمد الله بانتهاء الكتاب على أمكن ما يكون من الإيجاز و الاختصار على يدي منشئه و هو النسخة الثانية من الكتاب بخط يدي و كان الفراغ من هذا الباب الذي هو خاتمة الكتاب بكرة يوم الأربعاء الرابع و العشرين من شهر ربيع الأول سنة ست و ثلاثين و ستمائة و كتب منشئه بخطه محمد بن علي بن محمد بن العربي الطائي الحاتمي و فقه اللههذه النسخة سبعة و ثلاثون مجلدا و فيها زيادات على النسخة الأولى التي وفقتها على ولدي محمد الكبير الذي أمه فاطمة بنت يونس بن يوسف أمير الحرمين و فقه الله و على عقبه و على المسلمين بعد ذلك شرقا و غربا برا و بحرا و صلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين و على آله و صحبه أجمعين (صورة ما وجدناه بالطبعة الأولى التي صار طبع تلك النسخة عليها و هي تحتوي على ترجمة المؤلف رضي الله عنه) (خاتمة نسأل الله تعالى حسنها) يقول راجي رحمة المنان محمد قطة العدوي ابن المرحوم الشيخ عبد الرحمن مصحح دار الطباعة المصرية لا زالت بنشر كتب العلوم و المعارف خليقة حرية بعد جميل الثناء على من أفاض بحار أسراره على من شاء من عباده و جزيل الصلاة و التحية على أفضل من شمر في إرشاد الخلق عن ساعد جده و اجتهاده و على جميع الآل و الصحابة و سائر أمة الإجابة قد تم طبع هذا الكتاب الذي هو من أعظم المآثر الجميلة و أكبر المفاخر الحميدة الجليلة في أيام من بزغت شمس مرحمته في أفق الديار المصرية و و كفت سحائب معدلته على من في حوزتها من كافة الرعية و لم شعثها و قوم أودها و أحيى معالمها و جددها و أفاض عليها نيل كرمه و جوده حتى قرت عينها بوجوده غرة جبهة عصره و وحيد دهره و عزيز مصره الخديوي الأعظم و الداور الأكرم حضرة أفندينا محمد سعيد باشا لا زالت جيوش الجور بسيف عدالته تتلاشى و لا برحت الحكومة بسنا طلعته باسمة الثغر و ببث محامده طيبة العرف و النشر آمين بجاه سيد كل أمين و بعد أن تم طبعه على هذا المنوال و بلغ تمثيله حد الكمال أشار على من لا تسعني مخالفته و تتأكد على طاعته صاحب المعارف التي لا تنكر و الآداب التي هي أشهر من أن تذكر من إذا أنشأ وشى بقلمه طراز الطروز و أبرز بيراعه من بنات فكره ما يزدري بكل خود عروس كيف لا و هو على الهمة و جودة رأيه تنير من المعضلات الليالي المدلهمة حضرة ناظر الوقائع و المطبعة أتحفه الله تعالى بالعز و الإقبال و متعة أن أذيل هذا الكتاب الذي تم طبعه و عم في سائر الآفاق خيره و نفعه بنبذة مختصرة تتضمن ترجمة صاحبه و ذكر شيء من مآثره و مناقبه لتتم بذلك الفائدة و تعود علينا من عوائد بركاته عائدة فبادرت إلى مقتضى إشارته و لم آل جهدا في إجابته ملخصا ذلك من كتاب نفح الطيب فأقول وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ إن مؤلف هذا الكتاب هو الشيخ الأكبر ذو المحاسن التي تبهر محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي من ولد عبد الله بن حاتم أخي عدي بن حاتم يكنى أبا بكر و يلقب بمحيي الدين و يعرف بالحاتمي و بابن عربي بدون ألف و لام حسبما اصطلح عليه أهل المشرق فرقا بينه و بين القاضي أبي بكر بن العربي و كان بالمغرب يعرف بابن العربي بالألف و اللام و كان أيضا يعرف في الأندلس بابن سراقة كما سيأتي إن شاء الله تعالى ولد يوم الإثنين أو ليلته سابع عشر رمضان سنة ۵۶۰ في مرسية (و هي بضم الميم و سكون الراء و كسر السين المهملتين ثم مثناة تحتية و في آخرها هاء مدينة محدثة إسلامية بنيت في أيام الأمويين الأندلسيين و هي في شرق الأندلس تشبه إشبيلية في غربه بكثرة المنازه و البساتين) و قرأ القرآن على أبي بكر بن خلف في إشبيلية بالسبع بكتاب الكافي و حدثه به عن ابن المؤلف أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني عن أبيه و قرأ أيضا السبع بالكتاب المذكور على أبي القاسم الشراط القرطبي و حدثه به عن ابن المؤلف (و إشبيلية من قواعد الأندلس و لها خمسة عشر بابا و هي من غرب الأندلس و جنوبه و بينها و بين قرطبة أربعة أيام و هي مدينة أولية و معنى اسمها المدينة المنبسطة) و سمع على أبي بكر محمد بن أبي جمرة كتاب التيسير للداني عن أبيه عن المؤلف و سمع على ابن زرقون و أبي محمد عبد الحق الإشبيلي الأزدي و غيرواحد من أهل المشرق و المغرب يطول تعدادهم و لقد أطال الإمام شمس الدين محمد بن مسدي في ترجمته فمن ذلك قوله إنه كان جميل الجملة و التفصيل محصلا لفنون العلم أخص تحصيل و له في الأدب الشأو الذي لا يلحق و التقدم الذي لا يسبق سمع ببلاده من ابن زرقون و الحافظ ابن الجد و أبي الوليد الحضرمي و بسبتة (بلدة بالمغرب) من أبي محمد ابن عبد الله و قدم عليه إشبيلية أبو محمد عبد المنعم بن محمد الخزرجي فسمع منه و أبو جعفر بن مصلى انتهى و لقي المؤلف أيضا عبد الحق الإشبيلي و سمع منه كما تقدم و إن قال ابن مسدي إن في ذلك عندي نظرا فإن المؤلف نفسه ذكر في إجازته للملك المظفر غازي ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ما معناه أو نصه و من شيوخنا الأندلسيين أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيلي رحمه الله حدثني بجميع مصنفاته في الحديث و عين لي من أسمائها تلقين المهتدين و الأحكام الكبرى و الوسطى و الصغرى و كتاب التهجد و كتاب العافية و نظمه و نثره و حدثني بكتب الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن خرم عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح عنه انتهى و من كلام ابن مسدي أيضا في ترجمته قوله إنه كان ظاهري المذهب في العبادات باطني النظر في الاعتقادات خاض بحار تلك العبارات و تحقق بمحيا تلك الإشارات و تصانيفه تشهد له عند أولي البصر بالتقدم و الإقدام و مواقف النهايات في مزالق الاقدام و لهذا ما ارتبت في أمره و الله تعالى أعلم بسره انتهى و سمع الحديث أيضا من أبي القاسم الخزستاني و غيره و سمع صحيح مسلم من الشيخ أبي الحسن بن أبي نصر في شوال سنة ۶۰۶ و كان يحدث بالإجازة العامة عن أبي طاهر السلفي و يقول بها و برع في علم التصوف و له في ذلك تأليف كثيرة منها الجمع و التفصيل في حقائق التنزيل و الجذوة المقتبسة و الخطرة المختلسة و كتاب كشف المعنى في تفسير الأسماء الحسنى و كتاب المعارف الإلهية و كتاب الأسرى إلى المقام الأسرى و كتاب مواقع النجوم و مطالع أهلة أسرار العلوم و كتاب عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء و شمس المغرب و كتاب في فضائل مشيخة عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدوي و الرسالة الملقبة بمشاهد الأسرار القدسية و مطالع الأنوار الإلهية و كتب أخرى عديدة كالفصوص و الفتوحات المدنية و هي مختصرة في قدر عشر ورقات و كهذا الكتاب أعني الفتوحات المكية الذي اختصره سيدي عبد الوهاب بن أحمد الشعراني المتوفى سنة ۹۷۳ و سمي ذلك المختصر لواقح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية ثم اختصر هذا المختصر و سماه الكبريت الأحمر من علوم الشيخ الأكبر و ذكر في مختصر الفتوحات ما نصه و قد توقفت حال الاختصار في مواضع كثيرة منه لم يظهر لي موافقتها لما عليه أهل السنة و الجماعة فحذفتها من هذا المختصر و ربما سهوت فتبعت ما في الكتاب كما وقع للبيضاوي مع الزمخشري ثم لم أزل كذلك أظن أن المواضع التي حذفت ثابتة عن الشيخ محيي الدين حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين السيد محمد بن السيد أبي الطيب المدني المتوفى سنة ۹۵۵ فذاكرته في ذلك فأخرج إلى نسخة من الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه بقونية فلم أر فيها شيئا مما توقفت فيه و حذفته فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السنة و الجماعة كما وقع له ذلك في كتاب الفصوص و غيره إلى آخر ما قال و من تأليفه أيضا كتاب الأحاديث القدسية ذكر فيه أنه لما وقف على الحديث المروي في فضائل الأربعين بمكة المكرمة سنة ۵۹۹ جمعها بشرط أن تكون من المسندة إلى الله تعالى ثم اتبعها أربعين عن الله تعالى مرفوعة إليه غير مسندة إلى رسول الله ص ثم أردفها بأحد و عشرين حديثا فجاءت واحدا و مائة حديث إلهية و له من التأليف المنطوية على الأسرار و اللطائف و فنون العلوم و المعارف ما تقف دون حصرها الأقلام و لا تفي من إحصائها بالمرام كما هو معلوم مشهور و في الكتب التأريخية مدون مسطور و كان انتقاله رضي الله تعالى عنه من مرسية إلى إشبيلية سنة ۵۶۸ فأقام بها إلى سنة ۵۹۸ ثم ارتحل إلى المشرق حاجا و لم يعد بعدها إلى الأندلس و أجازه جماعة منهم الحافظ السلفي و ابن عساكر و أبو الفرج بن الجوزي و دخل مصر و أقام بالحجاز مدة و دخل بغداد و الموصل و بلاد الروم و قال المنذري ذكر أنهسمع بقرطبة من أبي القاسم بن بشكوال و جماعة سواه و طاف البلاد و سكن بلاد الروم مدة و جمع مجاميع في الطريقة (و قرطبة من أعظم مدائن الأندلس و هي مدينة حصينة بسور ضخم من الحجر و دورها ثلاثون ألف ذراع و بلغت عدة مساجدها و حماماتها ألفا و ستمائة مسجد و تسعمائة حمام و بها سبعة أبواب كما في تقويم البلدان لأبي الفداء) و قال ابن الأبار أنه لقيه جماعة من العلماء و المتعبدين و أخذوا عنه و قال غيره إنه قدم بغداد سنة ۶۰۸ و كان يومأ إليه بالفضل و المعرفة و الغالب عليه طرق أهل الحقيقة و له قدم في الرياضة و المجاهدة و كلام على لسان أهل التصوف و وصفه غير واحد بالتقدم و المكانة من أهل هذا الشأن بالشام و الحجاز و له أصحاب و أتباع و من تأليفه مجموع ضمنه منامات رأى فيها النبي ص و ما سمع منه و منامات قد حدث بها عمن رآه ص و حكى سبط بن الجوزي عن الشيخ المؤلف أنه كان يقول إنه يحفظ الاسم الأعظم و يقول إنه يعرف السيمياء بطريق التنزل لا بطريق التكسب و قال ابن النجار في حقه و كان قد صحب الصوفية و أرباب القلوب و سلك طريق الفقراء و حج و جاور و كتب في علم القوم و في أخبار مشايخ المغرب و زهادها و له أشعار حسنة و كلام مليح اجتمعت به في دمشق في رحلتي إليها و كتبت عنه شيئا من شعره و نعم الشيخ هو ذكر لي أنه دخل بغداد سنة ۶۰۱ فأقام بها اثني عشر يوما ثم دخلها ثانيا حاجا مع الركب سنة ۶۰۸ و أنشدني لنفسه
و سألته عن مولده فقال ليلة الاثنين ۱۷ رمضان سنة ۵۶۰ بمرسية من بلاد الأندلس انتهى و من شعره أيضا
(و له)
(و من نظمه)
و قال الخولي قال الشيخ سيدي محيي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه رأيت بعض الفقهاء في النوم في رؤيا طويلة فسألني كيف حالك مع أهلك فأنشدته
فقال لي صدقت كلنا ذاك الرجل و ذكر الإمام صفي الدين حسين ابن الإمام العلامة جمال الدين أبي الحسن على ابن الإمام مفتي الأنام كمال الدين أبي المنصور ظافر الأزدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه في رسالته الفريدة المحتوية على من رأى من سادات مشايخ عصره بعد كلام ما صورته و رأيت بدمشق الشيخ الإمام العارف الوحيد محيي الدين بن العربي و كان من أكبر علماء الطريق جمع بين سائر العلوم الكسبية و ما وقر له من العلوم الوهبية و منزلته شهيرة و تصانيفه كثيرة و كان غلب عليه التوحيد علما و خلقا و حالا لا يكترث بالوجود مقبلا كان أو معرضا و له علماء أتباع أرباب مواجيد و تصانيف و كان بينه و بين سيدي الأستاذ الحزاز إخاء و رفقة في السياحات رضي الله تعالى عنهما في الآصال و البكرات أنشدني من نظمه رحمه الله تعالى بلفظه قوله
يا من يراني و لا أراه كم ذا أراه و لا يراني
قال رحمه الله تعالى قال لي بعض إخواني لما سمع هذا البيت كيف تقول إنه لا يراك و أنت تعلم أنه يراك فقلت له مرتجلا
قلت من هذا و شبهه تعلم أن كلام الشيخ رحمه الله تعالى مأول و أنه لا يقصد ظاهره و إنما له محامل تليق به و كفاك شاهدا هذه الجزئية الواحدة فأحسن الظن به و لا تنتقد بل اعتقد و للناس في هذا المعنى كلام كثير و التسليم أسلم و الله بكلام أوليائه أعلم إلى آخر ما قال و مما نسبه إليه رحمه الله تعالى غير واحد قوله
و ذكر بعض الثقات أن هذين البيتين يكتبان لمن به القولنج في كفه و يلحسهما فإنه يبرأ بإذن الله تعالى قال و هو من المجربات و قد تأول بعض العلماء قول الشيخ رحمه الله تعالى بإيمان فرعون أن مراده بفرعون النفس بدليل ما سبق و من نظم المؤلف أيضا نفعنا الله به
و قال أيضا
و قال أيضا
و بالجملة فنظمه البحر الذي لا ساحل له و النور الذي يجلو غياهب الأوهام و يكسو القلب من أسراره حلله و ما له من المناقب و الكرامات لا تحصره مجلدات و هو حجة الله الظاهرة و آيته الباهرة و لا يلتفت إلى كلام من تكلم فيه و أنكر عليه إذ قول المنكرين في حق مثله هباء لا يعبأ به و غثاء لا يركن إليه كيف لا و قد تصدى للانتصار له و الإذعان لفضله من فحول العلماء الجم الغفير و نسبوا المنكرين عليه إلى القصور أو التقصير فهذا شيخ الإسلام قاضي القضاة مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي الفيروزآبادي الصديقي صاحب القاموس قد ألف كتابه المسمى بالاغتباط بمعالجة ابن الخياط بسبب سؤال سئل فيه عن الشيخ المؤلف قدس الله سره العزيز في كتبه المنسوبة إليه و صورة السؤال المذكور ما تقول السادة العلماء شد الله تعالى بهم أزر الدين و لم بهم شعث المسلمين في الشيخ محيي الدين بن عربي و في كتبه المنسوبة إليه كالفتوحات المكية و الفصوص و المواقف هل تحل قراءتها و إقراؤها و مطالعتها و هل هي الكتب المسموعة المقروءة أم لا أفتونا مأجورين جوابا شافيا لتحوزوا جميل الثواب من الله الكريم الوهاب و الحمد لله وحده فأجاب عنه بما صورته الحمد لله اللهم أنطقنا بما فيه رضاك الذي أعتقده في حال المسئول عنه و أدين الله تعالى به أنه كان شيخ الطريقة حالا و علما و إمام الحقيقة حقيقة و رسما و محبي رسوم المعارف فعلا و اسما
إذا تغلغل فكر المرء في طرف من بحره غرقت فيه خواطره
عباب لا تكدره الدلاء و سحاب لا تتقاصر عنه الأنواء كانت دعواته تخترق السبع الطباق و تفترق بركاته فتملأ الآفاق و إني أصغيه و هو يقينا فوق ما وصفته و ناطق بما كتبته و غالب ظني أني ما أنصفته
و أما كتبه و مصنفاته فالبحور الزواخر التي لكثرتها و جواهرها لا يعرف لها أول و لا آخر ما وضع الواضعون مثلها و إنما خص الله بمعرفة قدرها أهلها و من خواص كتبه أن من واظب على مطالعتها و النظر فيها و تأمل ما في مبانيها انشرح صدره لحل المشكلات و فك المعضلات و هذا الشأن لا يكون إلا لأنفاس من خصه الله بالعلوم اللدنية الربانية و وقفت على إجازة كتبها للملك المعظم فقال في آخرها و أجزته أيضا أن يروي عني مصنفاتي و من جملتها كذا و كذا حتى عد نيفا و أربعمائة مصنف منها التفسير الكبير الذي بلغ فيه إلى سورة الكهف عند قوله تعالى و علمناه من لدنا علما و توفي و لم يكمله و هذا التفسير كتاب عظيم كل سفر بحر لا ساحل له و لا غرو فإنه صاحب الولاية العظمى و الصديقية الكبرى فيما نعتقد و ندين الله به و ثم طائفة في الغي حائفة يعظمون عليه النكير و ربما بلغ بهم الجهل إلى حد التكفير و ما ذاك إلا لقصور أفهامهم عن إدراك مقاصد أقواله و أفعاله و معانيها و لم تصل أيديهم لقصرها إلى اقتطاف مجانيها
على تحت القوافي من معادنها و ما علي إذا لم تفهم البقر
هذا الذي نعلم و نعتقد و ندين الله تعالى به في حقه و الله سبحانه و تعالى أعلم كتبه محمد الصديقي الملتجئ إلى حرم الله تعالى عفا الله عنه أهل قال و أما احتجاجه أي المنكر عليه بقول شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام شيخ مشايخ الشافعية حيث كان يطعن عليه و يقول هو زنديق فغير صحيح بل كذب و زور فقد روينا عن شيخ الإسلام صلاح الدين العلائي عن جماعة من المشايخ كلهم عن خادم الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال كنا في مجلس الدرس بين يدي الشيخ عز الدين بن عبد السلام فجاء في باب الردة ذكر لفظة الزنديق فقال بعضهم هل هي عربية أو عجمية فقال بعض الفضلاء إنما هي فارسية معربة أصلها زن دين أي على دين المرأة و هو الذي يضمر الكفر و يظهر الايمان فقال بعضهم مثل من فقال آخر إلى جانب الشيخ مثل ابن عربي بدمشق فلم ينطق الشيخ و لم يرد عليه قال الخادم و كنت صائما ذلك اليوم فاتفق أن الشيخ دعاني للإفطار معه فحضرت و وجدت منه إقبالا و لطفا فقلت له يا سيدي هل تعرف القطب الغوث الفرد في زماننا فقال مالك و لهذا كل فعرفت أنه يعرفه فتركت الأكل و قلت له لوجه الله تعالى عرفني به من هو فتبسم رحمه الله تعالى و قال الشيخ محيي الدين بن عربي فأطرقت ساكتا متحيرا فقال مالك فقلت يا سيدي قد حرت قال لم قلت أ ليس اليوم قال ذلك الرجل إلى جانبك ما قال في ابن عربي و أنت ساكت فقال أسكت ذلك مجلس الفقهاء هذا الذي روى لنا بالسند الصحيح عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام و ممن انتصر له أيضا الشيخ كمال الدين الزملكاني من أجل مشايخ الشام فإنه كان يقول ما أجهل هؤلاء ينكرون على الشيخ ابن عربي لأجل ألفاظ و كلمات وقعت في كتبه قد قصرت أفهامهم عن درك معانيها فليأتوني لأحل لهم مشكله و أبين لهم مقاصده بحيث يظهر لهم الحق و يزول عنهم الوهم و قد أذعن له القطب سعد الدين الحموي و شهد له بالفضل الوافر الذي تقصر عن الاحاطة به بطون الأوراق و الدفاتر و ذلك أنه سئل عنه حين رجع من الشام إلى بلاده كيف وجدت ابن عربي فقال وجدته بحرا زخارا لا ساحل له و ألف الشيخ صلاح الدين الصفدي كتابا جليلا في تاريخ علماء العالم و ترجم فيه المؤلف ترجمة عظيمة يعرف من اطلع عليها مذاهب أهل العلم الذين باب صدورهم مفتوح لقبول العلوم اللدنية و المواهب الربانية و كذلك الحافظ السيوطي ألف في شأنه كتابا سماه تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي و بالجملة فمقامه رضي الله تعالى عنه معلوم و فضله عند أرباب البصائر مفهوم و التعريف به يستدعي طولا و هو أظهر من نار على علم فلا تلتفت إلى من زلت به القدم فذم كيف لا و قد قال في شيء من الكتب المصنفة كالفصوص و غيره إنه صنفه بأمر من الحضرة الشريفة النبوية و أمره بإخراجه إلى الناس قال الشيخ محيي الدين الذهبي حافظ الشام ما أظن المحيي يتعمد الكذب أصلا و هو من أعظم المنكرين و أشدهم على طائفة الصوفية و قد كان مسكن المؤلف نفعنا الله به و مظهره بدمشق و أخرج هذه العلوم إليهم و لم ينكر عليه أحد شيئا منها و كان قاضي القضاة الشافعية في عصره شمس الدين أحمد الخولي يخدمه خدمة العبيد و قاضي القضاة المالكية زوجه بنته و ترك القضاء بنظرة وقعت عليه منه و قد حكى رضي الله تعالى عنه عن نفسه في كتبه ما يبهر الألباب و كفى بذلك دليلا على ما منحه الله سبحانه الذي يفتح لمن شاء الباب و قال صاحب عنوان الدراية إن الشيخ محيي الدين كان يعرف بالأندلس بابن سراقة و هو فصيح اللسان بارع فهم الجنان قوي على الإيراد كلما طلب الزيادة يزاد رحل إلى العدوة و دخل بجاية في رمضان سنة ۵۹۷ و بها لقي أبا عبد الله العربي و جماعة من الأفاضل و لما دخل بجاية في التأريخ المذكور قال رأيت ليلة أني نكحت نجوم السماء كلها فما بقي منها نجم إلا نكحته بلذة عظيمة روحانية ثم لما كملت نكاح النجوم أعطيت الحروف فنكحتها و عرضت رؤياى هذه على من عرضها على رجل عارف بالرؤيا بصير بها و قلت للذي عرضتها عليه لا تذكرني فلما ذكر له الرؤيا استعظمها و قال هذا هو البحر الذي لا يدرك قعره صاحب هذه الرؤيا يفتحله من العلوم العلوية و علوم الأسرار و خواصالكواكب ما لا يكون فيه أحد من أهل زمانه ثم سكت ساعة و قال إن كان صاحب هذه الرؤيا في هذه المدينة فهو ذاك الشاب الأندلسي الذي وصل إليها ثم قال في العنوان ما ملخصه أن الشيخ محيي الدين رحل إلى المشرق و استقرت به الدار و ألف التأليف و فيها ما فيها إن قيض الله من يسامح و يتأول سهل المرام و إن كان ممن ينظر بالظاهر فالأمر صعب و قد نقد عليه أهل الديار المصرية و سعوا في إراقة دمه فخلصه الله تعالى على يد الشيخ أبي الحسن البجائي فإنه سعى في خلاصه و تأول كلامه و لما وصل إليه بعد خلاصه قال له الشيخ رحمه الله تعالى كيف يحبس من حل منه اللاهوت في الناسوت فقال له يا سيدي تلك شطحات في محل سكر و لا عتب على سكران انتهى و ذكر الامام سيدي عبد الله بن سعد اليافعي اليمني في الإرشاد أن المؤلف نفعنا الله به اجتمع مع الأستاذ السهروردي فأطرق كل منهما ساعة ثم افترقا من غير كلام فقيل للشيخ ابن عربي ما تقول في الشيخ السهروردي فقال مملوء سنة من فرقه إلى قدمه و قيل للسهروردي ما تقول في الشيخ محيي الدين فقال بحر الحقائق ثم قال اليافعي ما ملخصه أن بعض العارفين كان يقرأ عليه كلام الشيخ و يشرحه فلما حضرته الوفاة نهى عن مطالعته و قال إنكم لا تفهمون معاني كلام الشيخ ثم قال أي اليافعي و قد مدحه أي المؤلف و عظمه طائفة كالنجم الأصبهاني و التاج بن عطاء الله و غيرهما و توقف فيه طائفة و طعن فيه آخرون و ليس الطاعن بأعلم من الخضر ع إذ هو أحد شيوخه و له معه اجتماع كثير ثم قال و ما نسب إلى المشايخ (أي كالمؤلف رضي الله تعالى عنه) له محامل الأول أنه لم تصح نسبته إليهم الثاني بعد الصحة يلتمس له تأويل موافق فإن لم يوجد له تأويل في الظاهر فله تأويل في الباطن لم نعلمه و إنما يعلمه العارفون الثالث أن يكون صدور ذلك منهم في حال السكر و الغيبة و السكران سكرا مباحا غير مؤاخذ و لا مكلف انتهى ملخصا (و العدوة اسم للبر الذي يعدي من فرضته إلى الأندلس و يسمى أيضا بر العدوة و هو المغرب الأوسط و الأقصى و بجاية بكسر الموحدة و فتح الجيم ثم ألف و ياء مثناة تحتية و هاء قاعدة الغرب الأوسط) و كان المؤلف رضي الله تعالى عنه يقول ينبغي للعبد أن يستعمل همته في الحضور في مناماته بحيث يكون حاكما على خياله يصرفه بعقله نوما كما يحكم عليه يقظة فإذا حصل للعبد هذا الحضور و صار خلقا له وجد ثمرة ذلك في البرزخ و انتفع به جدا فليهتم العبد بتحصيل هذا القدر فإنه عظيم الفائدة بإذن الله تعالى و قال إن الشيطان ليقنع من الإنسان بأن ينقله من طاعة إلى طاعة ليفسخ عزمه بذلك و قال ينبغي للسالك أنه متى حضر له أن يعقد على أمر و يعاهد الله تعالى عليه أن يترك ذلك الأمر إلى أن يجيء وقته فان يسر الله فعله فعله و إن لم ييسر الله فعله يكون مخلصا من نكث العهد و لا يكون متصفا بنقض الميثاق و حكى المقريزي في ترجمة سيدي عمر بن الفارض أفاض الله علينا من بركاته أن الشيخ محيي الدين بن العربي بعث إلى سيدي عمر في شرح التائية فقال كتابك المسمى بالفتوحات شرح لها و قال بعض من عرف به أنه لما صنف الفتوحات المكية كان يكتب كل يوم ثلاث كراريس حيث كان و حصلت له بدمشق دنيا كثيرة فما ادخر منها شيئا و قيل إن صاحب حمص رتب له كل يوم مائة درهم و ابن الزكي كل يوم ثلاثين درهما فكان يتصدق بالجميع و أمر له ملك الروم مرة بدار تساوى مائة ألف درهم فلما نزلها و أقام بها مر به في بعض الأيام سائل فقال له شيء لله فقال مالي غير هذه الدار خذها لك فتسلمها السائل و صارت له و اشتغل الناس بمصنفاته و له ببلاد اليمن و الروم صيت عظيم هو من عجائب الزمان و كان يقول أعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكسب و قد قال فيه الشيخ محمد بن سعد الكلشني
و قال رضي الله تعالى عنه إنه بلغني في مكة عن امرأة من أهل بغداد أنها تكلمت في بأمور عظيمة فقلت هذه قد جعلها الله سببا لخير وصلإلى فلأكافئنها و عقدت في نفسي أن أجعل جميع ما اعتمرت في رجب لها و عنهاففعلت ذلك فلما كان الموسم استدل على رجل غريب فسأله الجماعة عن قصده فقال رأيت بالينبع في الليلة التي بت فيها كان آلافا من الإبل أوقارها المسك و العنبر و الجوهر فعجبت من كثرته ثم سألت لمن هو فقيل لمحمد بن عربي يهديه إلى فلانة و سمي تلك المرأة ثم قيل و هذا بعض ما تستحق قال نفعنا الله به فلما سمعت الرؤيا و اسم المرأة و لم يكن أحد من خلق الله تعالى علم مني ذلك علمت أنه تعريف من جانب الحق و فهمت من قوله إن هذا بعض ما تستحق أنها مكذوب عليها فقصدت المرأة و قلت اصدقيني و ذكرت لها ما كان من ذلك فقالت كنت قاعدة قبالة البيت و أنت تطوف فشكرك الجماعة التي كنت فيهم فقلت في نفسي اللهم إني أشهدك إني وهبت له ثواب ما أعمله في يوم الإثنين و في يوم الخميس و كنت أصومهما و أتصدق فيهما قال فعلمت أن الذي وصل إليها مني بعض ما تستحقه فإنها سبقت بالجميل و الفضل للمتقدم توفي رضي الله تعالى عنه بدمشق ليلة الجمعة الثامن و العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ۶۳۸ و دفن بسفح قاسيون و قد أرخ موته الكلشني محمد بن سعد بقوله
و أعقب رحمه الله تعالى ولدين أحدهما سعد الدين محمد ولد بملطية في رمضان سنة ۶۱۸
و سمع الحديث و درس و قال الشعر الجيد و له ديوان شعر مشهور و توفي بدمشق
سنة ۶۵۶ و هي السنة التي دخل فيها هولاكو ملك التتار بغداد
و قتل الخليفة المستعصم و دفن المذكور عند والده بسفح قاسيون
و ثانيهما عماد الدين أبو عبد الله محمد توفي بالصالحية سنة ۶۶۷
و دفن أيضا بسفح قاسيون عند والده أفاض الله
علينا من أنواره و كسانا من حلل أسراره و سقانا
من حميا شرابه و حشرنا في زمرة أحبابه
بجاه سيد أصفيائه و خاتم أنبيائه
صلى الله عليه و عليهم و سلم
و شرف و كرم
و عظم