قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السابع عشر و أربعمائة في معرفة منازلة من أَجْرُهُ عَلَى الله»

الفتوحات المكية — المجلد الرابع — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
أن الرسالة أجرها متحققلكن على الله الذي يستخدمه
هذا هو العدل الذي قامت بهأعيان كون لم يزل يستلزمه
العفو و الصلح الجميل يزيل ماقد كان من حق على من يحكمه
العفو إن خصصته نزر و عفوالله كنز عند من يستفهمه

قال الله تعالى فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله و قال عز و جل وَ من يَخْرُجْ من بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى الله وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله و أخبر الله في كتابه عن كل رسول من رسله ع أنه قال لأمته وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ من أَجْرٍ فيما بلغه عن الله إليهم إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله فإنه تعالى هو الذي استخدمه في التبليغ فاعلم إن الله تعالى له المنة على عباده بأن هداهم للإيمان برسله فوجب عليهم شكر الله و حلاوة الرسول فيضمنها الله عنهم بأن جعل أجر رسوله ص و ضم في ذلك الأجر ما يجب على المؤمنين من الحلاوة له لما هداهم الله به فأنزله ص منزلة من له تضاعف الأجر أجر التبليغ و أجر ما قام فيه الحق خليفة عن المؤمنين إذ هو الوكيل تعالى عن أمره إيانا بقوله فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا من غير أن ينقص مما هو للمؤمنين شيئا من نعيمهمفاعلم أن أجر التبليغ على قدر ما ناله في البلاغ من المشقة من المخالفين له من أمته التي بعث إليها و لما قاساه و لا يعلم قدر ذلك من كل رسول إلا الله و لا يتعين و أما الذي يعطيه مما كان ينبغي أن يقابله به المؤمنون فهو على نوعينالنوع الواحد على قدر معرفتهم بمنزلته ممن أرسله إليهم و هو اللهفإن الله تعالى فضل بعضهم على بعض و النوع الثاني على قدر ما جاء به في رسالته مما هو بشرى لصاحب تلك الصفة التي من قامت به كان سعيدا عند الله فما كان ينبغي أن يقابله به ذلك الرجل هو الذي يعطيه الحق فإن ساوى حال المؤمن قدر الرسالة كان و إن قصر حاله عما تقتضيه تلك الرسالة من التعظيم فإن الله بكرمه لا ينظر إلى جهل الجاهل بعظيم قدرها فيوفيه الحق تعالى على قدر علمه فيها و لا نشك أن الله قد جعل المفاضلة في كل شيء و العالي و الأعلى و إن كان الايمان بالله و برسوله و بما جاء به عاليا فإنه يتفاضل بتفاضل شعبه و أبوا به فإن الايمان بضع و سبعون شعبة و أدناها إماطة الأذى عن الطريق و أرفعها قول لا إله إلا الله و ما بينهما فمن جمع شعب الايمان كلها فجزاء الرسول من الله عن هذا الشخص الجامع على قدر منازلها عند الله العالم بالعالي منها و بالأعلى فانظر ما للرسول ع من الأجور فاجر التبليغ أجر استحقاقفإن رسول الله ص يقول إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللهو أما من سأل من الصحابة عن أمر ما من الأمور مما لم ينزل فيه قرآن فنزل فيه قرآن من أجل سؤاله فإن للرسول على ذلك السائل أجر استحقاق ينوب الله عنه فيه زائدا على الأجر الذي له من الله و أما من رد رسالته من أمته التي بعث إليها فإن له عند الله أيضا أجر المصيبة و للمصاب فيما يحب أجر فأجره على الله أيضا على عدد من رد ذلك من أمته بلغوا ما بلغوا و له من أجر المصاب أجر مصائب العصاة فإنه نوع من أنواع الرزايا في حقه فإنه ما جاء بأمر يطلب العمل به إلا و الذي يترك العمل به قد عصى فللرسول أجر المصيبة و الرزية و هذا كله على الله الوفاء به لكل رسول «النوع الثاني» ممن أجره على الله و هو المهاجر يموت قبل وصوله إلى المنزل الذي هاجر إليهفإن أجره على الله على قدر الباعث الذي بعثه على الهجرة و الناس في ذلك متفاضلون ثم إن الله ينوب عن رسوله فيما يعطيه من الأجر فإنه خرج مهاجرا إلى الله و رسوله ثم إن له أجر الفوت بالموت الذي أدركه و ذلك من الله فإنه الذي رزأه و حال بينه و بين الوصول إلى مهاجره فالدية عليه فإن كان هذا الذي يموت عالما عاقلا فأعظم من لقاء الله و رؤيته فما يكون و قد حصل له ذلك بالموت فهو أفضل في حقه من أنه يعيش حتى يصل فإنه لا يدري ما دام في الحياة الدنيا ما يتقلب عليه من الأحوال فإنه في محل خطر سريع التبديل و صح عن رسول الله ص في هذا الباب ما خرجه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صأنه قال إنما الأعمال بالنيات و إنما لامرئ ما نوىفمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله و من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ثم يضاف إلى هذه الأجور قدر كرم المعطي و غناه و هذا يدخل تحتقوله ص إن في الجنة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر يعني من المجزيين و تحت قوله و زيادة من قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنىوَ زِيادَةٌ و هذه الزيادة ما عينها الحق لاحد و أكد هذا الأجر على غيره ممن له أجر على الله بالوقوع و هو الوجوب فإن الأجر قد يقتضيه الكرم من غير وجوب و قد يقتضيه الوجوب و الذي يقتضيه الوجوب أعلى كما إن الفرائض أعلى و أحب إلى الله من النوافلصح في الخبر أن الله تعالى يقول ما نقرب إلى أحد بأحب إلي مما افترضته عليه فجعله أحب إليه ثم قال و لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه و بصرهفهذا نتيجة النوافل فما ظنك بنتيجة الفرائض و هي أن يكون العبد سمع الحق و بصره و قد بينا صورة ذلك فيما تقدم فيريد الحق بإرادة العبد و هذا المقام ذكرته العرب في حق محمد ص و في النوافل يريد العبد بإرادة الحق و يظهر معنى ما ذهبنا إليه في اتصاف الحق بنعوت المخلوق و في الوجه الآخر اتصاف العبد بصفات الحق و هذا في الشرع موجود «النوع الثالث» ممن أجره على الله و هو من عفا عمن أساء إليه و أصلحيعني حال من أساء إليه بالإحسان فأصلح منه ما كان أوجب الإساءة إليه منه فما أراد هنا بأصلح إلا هذا و لا يحصل في هذا المقام إلا من له همة عالية فإن الله قد أباح له أن يجازي المسيء بإساءته على وزنها فأنف على نفسه أن يكون محلا للاتصاف بما سماه الحق سيئة

نفس الكريم كريمة في كل ماتجري به الأهواء و الأقدار
و الله يحكم في النفوس بقدرهاو هو الذي من حكمه يختار
فيجيء ذو اللب المجوز عقلهغير الذي حكمت به فيحار

يقول الله تعالى في هذا المقام ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني قوله و أصلح السَّيِّئَةَ ... فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقَّاها يعني هذه الصفة إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا حبسوا أنفسهم عن أن يجاز و المسيء بإساءته إساءة و لو علم الناس قدر ما نبهنا عليه في هذه المسألة ما جازى أحد من أساء إليه بإساءة فما كنت ترى في العالم إلا عفوا مصلحا لكن الحجب على أعين البصائر كثيفة و ليست سوى الأغراض و استعجال التشفي و المؤاخذة و لو نظر هذا الناظر لما أساء هو على الله في رد ما كلفه به و ركوبه الخطر في ذلك و إمهال الحق له و تجاوزه عنه في هذه الدار حتى يكون هو الذي يكشف نفسه حتى تقام عليه الحدود و يرمي نفسه في المهالك كما قال الصاحب لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه في المعترف بالزنى و إن الملائكة الكتاب لا يكتبون على العبد من أفعاله السيئة إلا ما تكلم بها و هو قوله ما يَلْفِظُ من قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ و هو الكاتب و إن كانوا يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ما قال يكتبون ثم إنه من كرم الله إن الكشف أعطى و قد ورد به خبر أن العبد إذا عمل السيئة قال الملك لصاحبه الذي أمره الحق أن يستأذنه في كتاب السيئة أ أكتب فيقول له لا تكتب و أنظره إلى ست ساعات من وقت عمله السيئة فإن تاب أو استغفر فلا تكتبها و إن مرت عليه ست ساعات و لم يستغفر فاكتبها سيئة واحدة و لا نكتبها إلا إذا تلفظ بها بأن يقول فعلت كذا أو تكون السيئة في القول فتكتب بعد مضى هذا القدر من الزمان و أي مؤمن تمضي عليه ست ساعات لا يستغفر الله فيها فلهذا النوع أجر على الله من وجهين أجر العفو و أجر العفو من الله كثير فإنه من الأضداد و أجر الإصلاح و هو الإحسان إليه المزيل لما قام به من الموجب للاساءة إليه و الله يحب المحسنين و لو لم يكن في إحسانه المعبر عنه بالإصلاح إلا حصول حب الله إياه الذي لا يعدله شيء لكان عظيما فيكون أجر من هذا صفته على الله أجر محب لمحبوب و كفى بما تعطيه منزلة الحب فما يقدر أحد أن يقدر أجر ما يعطيه المحب لمحبوبه فهذا قد أومأنا إلى من له أجر على الله بأوجز عبارة طلبا للاختصار فإن المقام عظيم و المنازلة كبيرة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ