قال الله تعالى يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا و الجامع للمقامات ما له مقام يقتضيهمن عرف نفسه عرف ربه
و قوله سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ يعني الدالة عليها في الآفاق وَ في أَنْفُسِهِمْ و هي مقيدة فلا بد أن يقيد مدلولها و إن دلت على إطلاقه فكونه مطلقا تقييد لأن التقييد تمييز فمعرفة العارفين به تعالى ليس من رؤية الآيات الخارجة و الداخلة فإنها تدل على مقيد في إطلاق أو إطلاق في مقيد و العارفون يرونه عين كل شيء المخلوق قال لمن أساء في حقه فقطع رحمه لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ فالحق أولى بهذه الصفة لمن أساء في حقه بقطع رحمه فإنا لا نشك أن قاطع الرحم ما قطعها إلا بجهله و ما انقطعت الرحم فالرحم موصولة في نفس الأمر فهي موصولة عند العالم فمن جانبه موصولة و من جانب الجاهل بها مقطوعة و لما رجع الأمر كله لله مما وقعت فيه الدعاوي الكاذبة لم يدل رجوعها إلى الله تعالى على أمر لم يكن عليه الله بل هويته هي هي في حال الدعاوي في المشاركة و في حال رجوع الأمر إليه و المقام ليس إلا للتمييز و ما ثم إلا واحد فعمن يتميز فلا مقام بل هوية أحدية فيها صور مختلفة فزيد أحدي العين لو لم يكن في الوجود إلا هو لم يتميز عن شيء لأنه ما ثمإلا هو و لم يتميز عنه شيء لأنك ما فرضت موجود إلا هو خاصة و لا مقام له يتميز به عن غيره إذ لا غير هناك فإن يده متميزة عن رجله و رأسه متميز عن صدره و أذنه عن عينه و كل جارحة متميزة عن غيرها من الجوارح و كل قوة منه في باطنه لها حكم ليس للأخرى و محل ليس للآخر فتميزت الصور في عين واحدة لا تميز فيها و لا مقام لها فنحن له كالأعضاء للواحد منا و القوي فما ثم عمن نتميز و لا يتميز عنا و لكن تميزنا بعضنا عن بعض كما قررنا و لا تنسب الأحكام و المقامات لأعضائنا و إنما ينسب ذلك كله إلينا فيقال بطش فلان بفلان و مشى فلان إلى فلان و سمع فلان كلام فلان و رأى فلان فلانا ما ينسب شيء من هذا كله إلى آلة و لا إلى قوة و لا إلى عضو ف إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ف لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَفاعلم أنه لا يخلص من المقامات إلا وارث محمد ص الذي آتاه الله جوامع الكلم و علم الأسماء كلها و علم الأولين و الآخرين فكل الصيد في جوف الفرا فما ثم عمن نتميز فإن العالم كله في وارث محمد ص كما هو في محمد ص فقد خلص من حكم المقامات عليه فهو يحكم بها بحسب ما تعطيه الأحوال فإنه العليم الحكيم فالأسماء الإلهية كلها هي تظهر المقامات و بها يحكم الحاكم و لا حاكم إلا الله و ما يبدل القول لديه فالقول له الحكم فبالقول يحكم الحق فتنبه لمن هو المحكوم عليه و المحكوم به و المحكوم فيه و الحاكم تعرف من هو المخلص من المقامات و الذي لا مقام له و أما المقام المحمود و هو المقام المثنى عليه الذي أثنى عليه الله الذي يقيم الحق فيه سبحانه محمدا ص فهو مقام شفاعة رسول الله ص في الشافعين أن يشفعوا يوم القيامة من ملك و رسول و نبي و ولي و مؤمن و أن يخرج الحق من النار أو يدخل الجنة من لم يعمل خيرا قط حتى لا يبقى في النار إلا أهلها الذين هم أهلها فيبقيهم الله فيها على صفة و مزاج لو أخرجهم الله بذلك المزاج إلى الجنة لتعذبوا و أضر بهم دخولها كما تضر رياح الورد بالجعل فيجيبه الله لما سأل فيه و إذا زاد سبب ظهور أمر على واحد فهو شفاعة سواء كان شفعا أو وترا لا بد أن يكون زائدا على واحد و أما الأحوال فلا سبيل إلى التخلص منها و هي فينا موهوبة و هي للحق ذاتية
من عرف الضلالة و الهدى لم يطل عليه المدى و علم إن الله لا يترك خلقه سدى كما لم يتركه ابتداء و إن لم ينزله منازل السعداء فإن الله برحمته التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ لا يسرمد عليه الرداء و كيف يسرمده و هو عين الرداء فهو في مقام الفداء و إشارة سهام العداء فله الرحمة آخرا خالدا مخلدا فيها أبدا و الله تعالى يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ