اعلم أن الله تعالى لما شاء أن يجعل في أرضه خلفاء على من يعمرها من الإنس و الجان و جميع الحيوانات و قدمهم و رشحهم للامامة دون غيرهم من جنسهم جعل بينه و بينهم سفيرا و هو الروح الأمين و سخر لهم ما في السَّماواتِ من ملك و كوكب سابح في فلك وَ ما في الْأَرْضِ و ما بينهما من الخلق جَمِيعاً مِنْهُ و أباح لهم جميع ما في الأرض أن يتصرفوا فيه و أيد هؤلاء الخلفاء بالآيات البينات ليعلم المرسلون إليهم أن هؤلاء خلفاء الله عليهم و مكنهم من الحكم في رعيتهم بالأسماء الإلهية على وجه يسمى التعلق و شرع لهم في نفوسهم شرائع و حد لهم حدودا و رسم لهم مراسم يقفون عندها يختصون بها لا يجوز لأحد من رعاياهم أن يتخذوها لأنفسهم شرائع و لا يقتدون بهم فيها ثم نصب لهم شرائع يعملون بها هم و رعيتهم و كتب لهم كتبا بذلك نزلت بها السفراء عليهم ليسمعوها رعيتهم فيعلموا حدود ما أنزل الله الذي استخلف عليهم فيقفوا عندها و يعملوا بها سرا و جهرا فمنها ما كتبه بيده تعالى و هو التوراة و منها ما نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عليهم من الكتاب المكنون الذي نزل من الله من عرشه المنقول من الدفتر الأعظم و هو الإمام المبين فهو معه على عرشه و نقل منه في اللوح المحفوظ قدر ما يقع به التصريف في الدنيا إلى يوم القيامة يتضمن ما في العالم من حركة و سكون و اجتماع و افتراق و رزق و أجل و عمل ثم أنزل ذلك كله في كِتابٍ مَكْنُونٍ إلى السماء الدنيا و جعله بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ مطهرين أرواح قدس صحفا مكرمة مرفوعة مطهرة فيها توقيعات إلهية بما وعد الله المؤمنين بالله و ملائكته و كتبه و رسله و ما جاءت به رسله من اليوم الآخر و البعث الآخر و ما يكون في ذلك اليوم من حكم الله في خلقه و تولى الله ذلك كله بنفسه على صورة الحق الذي بعث به رسله ليصدقهم عند عبيده فعلا بحكمه ذلك فيهم كما صدقهم في حال احتجابه بما أيدهم به من الآيات فآمن من آمن و كفر من كفر فتوقف الأمر على ظهوره لعباده فيتولى الفصل بينهم بحكمه بنفسه وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ فإذا فصل و حكم و عدل و أفضل جعلهم في الفصل فريقين فَرِيقٌ في الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ في السَّعِيرِ و هو سجن الرحمن إنا جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً يريد سجنا يحصرهم فيه و ينزل الفريق السعيد في دار كرامته و قيم ذلك الدار رضوان فإنها دار الرضوان و متولي الدار الأخرى التي هي السجن مالك و معناه الشديد يقال ملكت العجين إذا شددت عجنه قال قيس ابن الخطيم يصف طعنة
ملكت بها كفي فانهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها
يقول شددت بها كفي فنزلت التوقيعات بما للمؤمنين من الخير عند الله العاملين الحافظين حدود الله من الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ ... وَ الْقانِتِينَ وَ الْقانِتاتِ وَ الصَّادِقِينَ وَ الصَّادِقاتِ وَ الصَّابِرِينَ وَ الصَّابِراتِ وَ الْخاشِعِينَ وَ الْخاشِعاتِ وَ الْمُتَصَدِّقِينَ وَ الْمُتَصَدِّقاتِ وَ الصَّائِمِينَ وَ الصَّائِماتِ وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ وَ الذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ و التائبين و التائبات و العابدين و العابدات و الحامدين و الحامدات و السائحين و السائحات و الراكعين و الراكعات و الساجدين و الساجدات و الآمرين بالمعروف و الآمرات و الناهين عن المنكر و الناهيات و المعرضين عن اللغو و المعرضات و الَّذِينَ هُمْ عَلىصَلاتِهِمْ دائِمُونَ و ما هم عنها بساهين إلى مثل هذا مما أوقع الله في توقيعاته من الصفات المرضية التييحمدها ثم بشرهم تعالى بأنهم الوارثون الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ و هو أوسط الجنات فقال هُمْ فِيها خالِدُونَ يبشرهم بالبقاء و الدوام في النعيم و أخبرهم في التوقيع أنه عنهم راض تعالى و تقدس جلاله ثم إنه ناب عنهم في الخطاب بأنهم عنه راضون فقال تعالى رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ و هنا نكتة لمن فهم ما تدل عليه ألفاظ القرآن من الرضي فقطع عليهم بذلك لعلمه بأنه واقع منهم ثم إنه أنزل في الكتب و الصحف و على السنة الخلفاء صلوات الله عليهم و سلامه من الوعيد و التهديد و أخذ من كفر بالله و نافق أو آمن ببعض و كفر ببعض مما أنزله الله و جحد و أشرك و كذب و ظلم و اعتدى و أساء و خالف و عصى و أعرض و فسق و تولى و أدبر و أخبر في التوقيع أنه من كان بهذه المثابة و قامت به هذه الصفات في الحياة الدنيا أو بعضها ثم تاب إلى الله منها في الدنيا و مات على توبة من ذلك كله فإنه يلقي ربه و هو راض عنه فإن فسح له و أنسا الله في أجله بعد توبته فعمل عملا صالحا بدل الله سيئاته حسنات أي ما كان يتصرف به من السوء عاد يتصرف فيه حسنا فبدل الله فعله بما و فقه إليه من طاعته و رحمه و غفر له جميع ما كان وقع منه قبل ذلك و لم يؤاخذه بشيء منه و ما زالت التوقيعات الإلهية تنزل من الله على خلفائه بما يعدهم الله به من آمن بالله و رسله من الخير و ما توعد به لمن كفر به من الشر مدة إقامة ذلك الخليفة المنزل عليه و هو الرسول إلى حين موته فمن زمان خلافته إلى انتهاء مدة عمره لا تزال التوقيعات الإلهية تنزل عليه فإذا مات و استخلف من شاء بوحي من الله له في ذلك أو ترك الأمر شورى بين أصحابه فيولون من يجمعون عليه إلى أن يبعث الله من عنده رسولا فيقيم فيهم خليفة آخر إلا إذا كان خاتم الخلفاء فإن الله يقيم نوابا عنه فيكونون خلفاء الخليفة من عند الله لا إنهم في منزلة الرسل خلفاء من عند الله و هم الأقطاب و أمراء المؤمنين إلى يوم القيامة فمن هؤلاء النواب من يكشف الله عنه الغطاء فيكون من أهل العين و الشهود فيدعو إلى الله على بصيرة كما دعا الرسول ع و لو لا إن الزمان قد اقتضى أن لا يكون مشرع بعد رسول الله ص لكان هؤلاء مشرعين و إن لم يأتوا إلا بشرع رسول الله ص فإنهم كانوا يكونون فيه كما كان رسول الله ص في شرع من قبله إذا حكم به في أمته فهو فيه بمنزلة الأول الذي كان قبله لا أنه خليفة عنه في ذلك و إن قرره فلما منع الله ذلك في هذه الأمة علمنا أنهم خلفاء رسول الله ص و إن دعوا إلى الله على بصيرة كما دعا رسول الله ص كما ورد في القرآن العزيز عنه في قوله أَدْعُوا إِلَى الله عَلىبَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي و سمانا ورثة و أخبر ص أنه ما ورثنا إلا العلمثمإن دعاءه ص في إن يمتعه الله بسمعه ليسمع كلام الله و بصره ليرى آيات الله في الآفاق و في نفسه ثم قال و اجعل ذلك الوارث منا يعني السمع و البصر فإن الله هو خير الوارثين وقد قال تعالى في الخبر الصحيح عنه كنت سمعه و بصرهفهوية الحق إذا كانت سمع العبد و بصره كان الحق الوارث منه الذي هو عين سمعه و بصره فدعا بهذه الصفة أن تكون له حتى يقبض عليها فكأنه يقول اللهم متعنا بك فأنت سمعنا و بصرنا و أنت ترثنا إذا متنا فإنك أخبرت إنك خير الوارثين و إنك ترث الْأَرْضَ وَ من عَلَيْها أي أنت الخير الذي يرثه الوارثون من خلفائهم و هم متبعو الرسل صلوات الله عليهم فهو تعالى الخير الذي يناله الوارثون كما أنه خير الوارثين من حيث إنه وارث و هكذا الإشارة في كل خير منسوب مضاف مثل خير الصابرين و الشاكرين و مثل هذا مما ورد عن الله في أي شرع ورد و من التوقيعات الإلهية أيضا المبشرات و هي جزء من أجزاء النبوة فأما أن تكون من الله إليه أو من الله على يدي بعض عباده إليه و هي الرؤيا يراها الرجل المسلم أو ترى له فإن جاءته من الله في رؤياه على يدي رسوله ص فإن كان حكما تعبد نفسه به و لا بد بشرط أن يرى الرسول ص على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا كما نقل إليه من الوجه الذي صح عنده حتى أنه إن رأى رسول الله ص يراه مكسور الثنية العليا فإن لم يره بهذا الأثر فما هو ذاك و إن تحقق أنه رسول الله ص و رآه شيخا أو شابا مغايرا للصورة التي كان عليها في الدنيا و مات عليها و رآه في حسن أزيد مما وصف له أو قبح صورة أو يرى الرائي إساءة أدب من نفسه معه فذلك كله الحق الذي جاء به رسول الله ص ما هو رسول الله فيكون ما رآه هذا الرائي عين الشرع إما في البقعة التي يراه فيها و إما أن يرجع ما يراهإلى حال الرائي أو إلى المجموع غير ذلك لا يكون فإن جاءه بحكم في هذه الصورة فلا يأخذ به إن اقتضى ذلك نسخ حكم ثابت بالخبر المنقول الصحيح المعمول به بخلاف حكمه لو رآه على صورته فيلزمه الأخذ به و لا يلزم غيره ذلك فإن الله يقول الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ هذا هو الفرقان عند أهل الله بين الأمرين فإنهم قد يرونه ص في كشفهم فيصحح لهم من الأخبار ما ضعف عندهم بالنقل و قد ينفون من الأخبار ما ثبت عندنا بالنقل كما ذكر مسلم في صدر كتابه عن شخص أنه رأى رسول الله ص في المنام فعرض عليه ألف حديث كان في حفظه فأثبت له ص من الألف ستة أحاديث و أنكر ص ما بقيفمن رآه ص في المنام فقد رآه في اليقظة ما لم تتغير عليه الصورة فإن الشيطان لا يتمثل على صورته أصلا فهو معصوم الصورة حيا و ميتا فمن رآه فقد رآه في أي صورة رآه فالمبشرات من التوقيعات الإلهية و ثم توقيعات أخر إلهية من الأسماء الإلهية تعرف إذا وردت على قلوب العارفين بالله في كشفهم و هو أن يكون التوقيع الذي يجيء إلى هذا الولي من اسم خاص إلهي من الأسماء الحسنى مما دون الاسم الله فإنه ما يخرج منه في توقيع أصلا من حيث دلالته و إنما يخرج منه إذا ذكر مقيدا بحال يستدعي اسما خاصا بذلك الحال كني عن ذلك الاسم بالاسم الله لتضمنه خاصة و أكثر ما تخرج التوقيعات لأولياء الله من الله و الرحمن و الرب و الملك لا غير هذا هو الغالب المستمر فإن خرج باسم غير ما ذكرنا فهو شاذ يحكم به على حد ما تعطيه حقيقة ذلك الاسم و هو دليل على مضمون ذلك التوقيع لهذا الولي فيتصرف فيه به بحسب ما يقتضيه و يحتاج هذا الولي إلى علم عظيم بالمواطن و صور الأحوال و مراتب العالم و علم المحو و الإثبات و الشئون الإلهية كل ذلك لا بد أن يعرفه العلماء بالله و إن لم يعرفوا ذلك و أمثاله فلا يتعدى قدره و ليدخل في عمار الناس و يلزم الجماعة فإن يد الله معهم و من شذ من الجماعة على غير بصيرة فقد شذ إلى النار بل صاحب البصيرة من المحال أن يشذ عن الجماعة فإنه لا يشذ عن يد الله و لكن يعلم و هو في الجماعة و معها ما لا يعلمه واحد و أحد من الجماعة إلا من كان مثله فهو مع من هو مثله جماعة ما هو ممن صلى وحده فالسعيد من وقف عند حدود الله و لم يتجاوزها و أنا و الله ما تجاوزنا منها حدا و لكن أعطانا الله من الفهم عنه تعالى فيها ما لم يعطه كثيرا من خلقه فدعونا إلى الله على بصيرة من أمره إذ كنا على بينة من ربنا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ