قال الله تعالى في آية طالوت وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ من رَبِّكُمْ و أنزلها الله في قلوب المؤمنين من أمة محمد ص و بهذا و أمثاله كانت هذه الأمة المحمدية خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال الله عز و جل هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ فما كان شهادة في غير هذه الأمة نزل غيبا في هذه الأمة فوجده أهل الأذواق في قلوبهم فكانت صفة من صفاتهم و كانت فيمن تقدم هذه الأمة من الأمم أجنبية عنها فعلامة هذه الأمة في قلوبهم استفت قلبك و إن أفتاك المفتون و مع كونها منزلة في قلوبهمثم أشهدها الله تعالى بعض أصحاب محمد ص في تلاوته القرآن و كانت له فرس فجعلت تخبط فرفع رأسه فرأى غمامة فيها سرج كلما قرأ نزلت و دنت منه و إذا سكت ارتفعت فلما ذكر ذلك لرسول الله ص قال له رسول الله ص تلك السكينة نزلت للقرآنفرأى هذا الصاحب ممثلا خارجا عنه ببصره ما كان فيه فكان الحق له مرآة رأى صورة ما في قلبه فيها فإن القرآن ذكر الله و بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ كذا ذكر الله لنا في كتابه العزيز و الطمأنينة سكينة أنزلها القرآن في قلوب المؤمنين فكانت آيات بنى إسرائيل ظاهرة و آياتنا في قلوبنا و هذا الفرق بين الورثة المحمديين و سائر الأنبياء فورثة الأنبياء يعرفون في العموم بما يظهر عليهم من خرق العوائد و وارث محمد ص مجهول في العموم معلوم في الخصوص لأن خرق عادته إنما هو حال و علم في قلبه فهو في كل نفس يزداد علما بربه علم حال و ذوق لا يزال كذلك و قد نبه الجنيد على ذلك باختلاف أجوبته عن المسألة الواحدة من التوحيد في المجلس الواحد لاختلاف دقائق الزمان ذكر ذلك القشيري في صدر رسالته المنسوبة إليه و كلما ازداد المحمدي علما بربه ازداد قربا فهم المقربون و أحوالهم الظاهرة تجري بحكم العوائد فيعرفون و لا يعرفون و يأتون بما أعطاهم الله من العلم به في طريق النصح لهذه الأمة فلا تعرف العامة قدر ذلك لأنها اعتادت من علماء الرسوم مثل هذا إذا تكلموا في العلم بالله عز و جل من طريق الدليل و لم تفرق بين علم الدليل و بين علم الذوق و أما علماء الرسوم فيكفرونهم غالبا مع كونهم يسلمونه لرسول الله ص بعينه إذا نقل عنه في قرآن أو خبر إلهي و غير إلهي فانظر ما أشد هذا العمي و لو لا إن رسول الله ص بعثه رسولا ما ظهرت عليه آية ظاهرة في العموم كما ظهرت على من تقدم فما ظهر عنه ص من الآيات المنقولة في العموم إنما كان ذلك من كونه رسولا رفقا من الله تعالى بهذه الأمة و إقامة حجة على من كذبه و كذب ما جاء به أ لا ترى إلى رسول الله ص كيف أسرى به إلى المقام الذي قد عرف و جاء به القرآن و الخبر الصحيح فلما خرج إلى الناس بكرة تلك الليلة و ذكر للاصحاب ما ذكر مما جرى له في إسرائه بينه و بين ربه تعالى أنكر عليه بعض أصحابه لكونهم ما رأوا لذلك أثرا في الظاهر بل زادهم حكما في التكليف و موسى ع لما جاء من عند ربه كساه الله نورا على وجهه يعرف به صدق ما ادعاه فما رآه أحد الأعمى من شدة نوره فكان يتبرقع حتى لا يتأذى الناظر إلى وجهه عند رؤيته و كان شيخنا أبو يعزى بالمغرب موسوي الورث فأعطاه الله هذهالكرامة فكان ما يرى أحد وجهه الأعمى فيمسح الرائي إليه وجهه بثوب مما هو عليه فيرد الله عليه بصره و ممن رآه فعمي شيخنا أبو مدين رحمة الله تعالى عليهما حين رحل إليه فمسح عينيه بالثوب الذي على أبي يعزى فرد الله عليه بصره و خرق عوائده بالمغرب مشهورة و كان في زماني و ما رأيته لما كنت عليه من الشغل و كان غيره من الأولياء المحمديين ممن هو أكبر منه في العلم و الحال و القرب الإلهي لا يعرفهم أبو يعزى و لا غيره فمن جعل الله آيته في قلبه و كانَ عَلىبَيِّنَةٍ من رَبِّهِ في قربه فقد ملأ يديه من الخير كله و اختصه و اصطنعه لنفسه و كساه الصفة الحجابية غيرة منه عليه فلم تشهد حاله الأبصار في الدنيا و هم الأخفياء و الأبرياء فمن تحققهم بالحق و ليسوا برسل مشرعين حجبهم الحق لاحتجابه إلى يوم القيامة فيظهرهم الله في الموطن الذي بتجلى الله فيه لأبصار عباده و يظهر بنفسه و عينه للخاص و العام فهناك يعرف قدر المحمدي في القرب الإلهي بمقامه في تلاوته كلام ربه عز و جل و هو سكونه لما يتلوه من كشفه و اطلاعه على معانيه فهو في حال تلاوته يستذكر ما عنده فيطلع على نفسه و يسمعه الله نثر كلامه و نظمه بتأييد الروح القدسي لما جاء في النظم المسمى شعرا من نفخ الشيطان إلا مثل هذا النظم و قد صح في الخبر أن حسان بن ثابت لما أراد أن يهجو قريشا ينافح بذلك عن رسول الله ص قال له رسول الله ص قل يا حسان فإن روح القدس يؤيدك ما دمت تنافح عن عرض رسول اللهفلم يجعل للشيطان عليه سبيلا و إذا كان هذا لمن ينافح فما ظنك بحال من ينطق عن الله بالله فيكون القائل منه عند قوله ربه عز و جل كما ورد في الصحيح أن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده في الصلاة و الحاضرون ما سمعوا إلا صوت المصليو كلامه بهذا المتكلم به ما ينسبه الحق تعالى جلاله إلا إلى نفسه لا إلى المصلي فاعلم أيها الولي الحميم ذلك تسعد إن شاء الله
فكل من تلا و سكن لما تلا بصدق بصورة ظاهر و حكمة باطن فذلك تال و صاحب سكينة فإن هو تلا و سكن ظاهرا و لم يسكن باطنا و السكون الباطن فهم المعنى الساري في الوجود من تلك الآية المتلوة لا يقتصر بها على ما تدل عليه في الظاهر خاصة فمن تلا هكذا فليس بصاحب سكينة أصلا و لا هو وارث محمدي و إن كان من أمة محمد ص فإن تلا و سكن باطنا و لم يسكن ظاهرا و تعدى الظاهر المشروع فذلك ليس بوارث و لا محمدي و لا بمؤمن و هو أبعد الناس من الله فإن الروح القدسي أول من يرميه و يرمى به و النبي محمد ص يقول لربه فيه يوم القيامة سحقا سحقا و الله عند ذلك لا يسعده و لا يساعده و أعظم حسرة تقوم به إذا عاين يوم القيامة من سكن إليه إذا تلاه ظاهرا و باطنا فيرى ما سكن إليه باطنا قد سعد به هذا الآخر و شقي هو به و ما شقي إلا بعدم سكون الظاهر فيفوته خير كثير حين فاته الايمان به فإنه أتى البيت من ظهره لم يأته من بابه جعلنا الله و إياكم ممن تلا فسكن و في التلوين في تلاوته بحسب الآيات ثبت و تمكن أنه الملي بذلك و القادر عليه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ