قال الله عز و جل لنبيه ص أن يقول لقومه حين ردوا دعوته فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله و هو من فاض و لا يفيض حتى يمتلئ فالفيض زيادة على ما يحمله المحل و ذلك أن المحل لا يحمل إلا ما في وسعه أن يحمله و هو القدر و الوجه الذي يحمله المخلوق و ما فاض من ذلك و هو الوجه الذي ليس في وسع المخلوق أن يحمله يحمله الله فما من أمر إلا و فيه للخلق نصيب و لله نصيب فنصيب الله أظهره التفويض فينزل الأمر جملة واحدة و عينا واحدة إلى الخلق فيقبل كل خلق منه بقدر وسعه و ما زاد على ذلك و فاض انقسم الخلق فيه على قسمين فمنهم من جعل الفائض من ذلك إلى الله تعالى فقال وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله و ينسب ذلك الأمر إلى نفسه لأنه لما جاءه ما تخيل أنه يفضل عنه و تخيل أنه يقبله كله فلما لم يسعه بذاته رده إلى ربه و منهم من لم يعرف ذلك فرجع الفائض إلى الله من غير علم من هذا الذي حصل منه ما حصل فهو إلى الله على كل وجه و ما بقي الفضل إلا فيمن يعلم ذلك فيفوض أمره إلى الله فيكون له بذلك عند الله يد و منهم من لا يعلم ذلك فليس له عند الله بذلك منزلة و لا حق بتوجه قال تعالى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِو اعلم أن العبد القابل أمر الله لا يقبله إلا باسم خاص إلهي و أن ذلك الاسم لا يتعدى حقيقته فهذا العبد ما قبل الأمر إلا بالله من حيث ذلك الاسم فما عجز العبد و لا ضاق عن حمله فإنه محل لظهور أثر كل اسم إلهي فعن الاسم الإلهي فاض لا عن العبد فلما فوضه بقوله وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهما عين اسما بعينه و إنما فوضه إلى الاسم الجامع فيتلقاه منه ما يناسب ذلك الأمر من الأسماء في خلق آخر فإنه ما لا يحمله زيد و ضاق عنه لكون الاسم الإلهي الذي قبله به ما أعطت حقيقته إلا ما قبل منه و قد يحمله عمر و لأنه أوسع من زيد بل لا أنه أوسع من زيد و لكن عمرو في حكم اسم أيضا إلهي قد يكون أوسع إحاطة من الاسم الإلهي الذي كان عند زيد فإن الأسماء الإلهية تتفاضل في العموم و الإحاطات فيحيط العالم و يحيط العليم فيكون إحاطة العليم أكثر من إحاطة العالم و إحاطة الخبير أكثر من إحاطة غيره و كذلك الاسم المريد مع العالم و الاسم القادر مع المريد و مع العالم تقل إحاطته عنهما و العبد لا بد أن يكون تحت حكم اسم إلهي فهو بحسب ذلك الاسم و ما تعطيه حقيقته من القبول فيرد ما فضل عنه إليه تعالى و ذلك التفويض لمن عقل عن الله قوله فإن اللسان الذي خاطبنا به الحق اقتضى ذلك فنحن معه بقوله لأنه ليس في وسع المخلوق أن يحكم على الخالق إلا من يكون شهوده ما هي الممكنات عليه في حال عدمها فيرى أنها أعطت العلم للعالم بنفسها فقد يشم من ذلك رائحة من الحكم لكن افتقارها من حيث إمكانها يغلب عليها و لهذا ترى النافين للإمكان بالدلالة العقلية يغفلون في أكثر الحالات عما أعطاهم الدليل من نفي الإمكان في نفس الأمر فيقولون بالإمكان حتى يراجعوا و ينبهوا فيتذكروا ذلك فلا بد من أمر يكون له سلطنة في هذا العبد حتى يتصف بالغفلة و الذهول عما اقتضاه دليله و ليس إلا الأمر الطبيعي و المزاج أ لا تراه إذا انتقل بالموت الأكبر أو بالموت الأصغر إلى البرزخ كيف يرى في الموت الأصغر أمورا كان يحيلها عقلا في حال اليقظة و هي له في البرزخ محسوسة كما هي له في حال اليقظة ما يتعلق به حسه فلا ينكره فيما كان يدل عليه عقله من إحالة وجود أمر ما يراه موجودا في البرزخ و لا شك أنه أمر وجودي تعلق الحس به في البرزخ فاختلف الموطن على الحس فاختلف الحكم فلو كان ذلك محالا لنفسه في قبول الوجود لما اتصف بالوجود في البرزخ و لما كان مدركا بالحس في البرزخ بل قد يتحقق بذلك أهل الله حتى يدركوا ذلك في حال يقظتهم و لكن في البرزخ فهم في حال يقظتهم كحال النائم و الميت في حال نومه و موته فإن تفطنت فقد رميت بك على طريق العلم بقصور النظر العقلي و إنه ما أحاط بمراتب الموجودات و لا علم الوجود كيف هو إذ لو كان كما حكم به العقل ما ظهر له وجود في مرتبة من المراتب و قد ظهر فليس لعاقل ثقة بما دله عليه عقله في كل شيء فإذا كان صحيح الدلالة سرى ذلك في كل صورة فيعلم في كل صورة يراها في البرزخ و تحصل في نفسه أنه الله فهو الله فما يختلف كونه و إن اختلفت صور تجليه و كذلك عند العارفين به هنا ما يختل عليهم شيء من ذلك و لا في البرزخ و لا في القيامة الكبرى فيشهدون ربهم في كل صورة من أدنى و أعلى و كما هم اليوم كذلك يكونون غدا و أما أبو يزيد فخرج عن مقام التفويض فعلمنا أنه كان تحت حكم الاسم الواسع فما فاض عنه شيء و ذلك أنه تحققبقوله و وسعني قلب عبديفلما وسع قلبه الحق و الأمور منه تخرج التي يقع فيها التفويض ممن وقع فهو كالبحر و سائر القلوب كالجداول و قال في هذا المقام لو أن العرش يريد به ما سوى الله و ما حواه مائة ألف ألف مرة يريد الكثرة بل يريد ما لا يتناهى في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به ما عين اسما بعينه و إنما فوضه إلى الاسم الجامع فيتلقاه منه ما يناسب ذلك الأمر من الأسماء في خلق آخر فإنه ما لا يحمله زيد و ضاق عنه لكون الاسم الإلهي الذي قبله به ما أعطت حقيقته إلا ما قبل منه و قد يحمله عمر و لأنه أوسع من زيد بل لا أنه أوسع من زيد و لكن عمرو في حكم اسم أيضا إلهي قد يكون أوسع إحاطة من الاسم الإلهي الذي كان عند زيد فإن الأسماء الإلهية تتفاضل في العموم و الإحاطات فيحيط العالم و يحيط العليم فيكون إحاطة العليم أكثر من إحاطة العالم و إحاطة الخبير أكثر من إحاطة غيره و كذلك الاسم المريد مع العالم و الاسم القادر مع المريد و مع العالم تقل إحاطته عنهما و العبد لا بد أن يكون تحت حكم اسم إلهي فهو بحسب ذلك الاسم و ما تعطيه حقيقته من القبول فيرد ما فضل عنه إليه تعالى و ذلك التفويض لمن عقل عن الله قوله فإن اللسان الذي خاطبنا به الحق اقتضى ذلك فنحن معه بقوله لأنه ليس في وسع المخلوق أن يحكم على الخالق إلا من يكون شهوده ما هي الممكنات عليه في حال عدمها فيرى أنها أعطت العلم للعالم بنفسها فقد يشم من ذلك رائحة من الحكم لكن افتقارها من حيث إمكانها يغلب عليها و لهذا ترى النافين للإمكان بالدلالة العقلية يغفلون في أكثر الحالات عما أعطاهم الدليل من نفي الإمكان في نفس الأمر فيقولون بالإمكان حتى يراجعوا و ينبهوا فيتذكروا ذلك فلا بد من أمر يكون له سلطنة في هذا العبد حتى يتصف بالغفلة و الذهول عما اقتضاه دليله و ليس إلا الأمر الطبيعي و المزاج أ لا تراه إذا انتقل بالموت الأكبر أو بالموت الأصغر إلى البرزخ كيف يرى في الموت الأصغر أمورا كان يحيلها عقلا في حال اليقظة و هي له في البرزخ محسوسة كما هي له في حال اليقظة ما يتعلق به حسه فلا ينكره فيما كان يدل عليه عقله من إحالة وجود أمر ما يراه موجودا في البرزخ و لا شك أنه أمر وجودي تعلق الحس به في البرزخ فاختلف الموطن على الحس فاختلف الحكم فلو كان ذلك محالا لنفسه في قبول الوجود لما اتصف بالوجود في البرزخ و لما كان مدركا بالحس في البرزخ بل قد يتحقق بذلك أهل الله حتى يدركوا ذلك في حال يقظتهم و لكن في البرزخ فهم في حال يقظتهم كحال النائم و الميت في حال نومه و موته فإن تفطنت فقد رميت بك على طريق العلم بقصور النظر العقلي و إنه ما أحاط بمراتب الموجودات و لا علم الوجود كيف هو إذ لو كان كما حكم به العقل ما ظهر له وجود في مرتبة من المراتب و قد ظهر فليس لعاقل ثقة بما دله عليه عقله في كل شيء فإذا كان صحيح الدلالة سرى ذلك في كل صورة فيعلم في كل صورة يراها في البرزخ و تحصل في نفسه أنه الله فهو الله فما يختلف كونه و إن اختلفت صور تجليه و كذلك عند العارفين به هنا ما يختل عليهم شيء من ذلك و لا في البرزخ و لا في القيامة الكبرى فيشهدون ربهم في كل صورة من أدنى و أعلى و كما هم اليوم كذلك يكونون غدا و أما أبو يزيد فخرج عن مقام التفويض فعلمنا أنه كان تحت حكم الاسم الواسع فما فاض عنه شيء و ذلك أنه تحققبقوله و وسعني قلب عبديفلما وسع قلبه الحق و الأمور منه تخرج التي يقع فيها التفويض ممن وقع فهو كالبحر و سائر القلوب كالجداول و قال في هذا المقام لو أن العرش يريد به ما سوى الله و ما حواه مائة ألف ألف مرة يريد الكثرة بل يريد ما لا يتناهى في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به يعني لاتساعه حيث وسع الحق و من هنا قلنا إن قلب العارف أوسع من رحمة الله لأن رحمة الله لا تنال الله و لا تسعه و قلب العبد قد وسعه إلا إن في الأمر نكتة أومئ إليها و لا أنص عليها و ذلك أن الله قد وصف نفسه بالغضب و البطش الشديد بالمغضوب عليه و البطش رحمة لما فيه من التنفيس و إزالة الغضب و هذا القدر من الإيماء كاف فيما نريد بيانه من ذلك فإن الرسل تقول و لن يغضب بعده مثله فالانتقام رحمة و شفاء و لو لا كونه رحمة ما وقع في الوجود و قد وقع و لكن ينبغي لك أن تعلم بمن هو وقوع الانتقام رحمة فبان لك من هنا رتبة أبي يزيد من غيره من العارفين لأنه و أمثاله لا يتكلمون إلا عن أحوالهم و ذوقهم فيها و من أسمائه تعالى الواسع كما ورد فباتساعه قبل الغضب فلو ضاق عنه ما ظهر للغضب حكم في الوجود لأنه لم يكن له حقيقة إلهية يستند إليها في وجوده و قد وجد فلا بد أن ينسب الغضب إلى الله كما يليق بجلاله و قد وسع القلب الحق و من صفاته الغضب فقد وسع الغضب فلا ينكر على العارف مع كونه ما يرى إلا الله أن يغضب و يرضى و يتصف بأنه يؤذي و إن لم يتأذ فما أذى من لا يتأذى غير أنه لا يقال ذلك في الجناب الإلهي إلا أنه تسمى بالصبور و أعلمنا بالصبر ما هو و على ما ذا يكون و لا نقول هو في حق الحق حلم فإن الحليمكما ورد كذلك ورد الصبور و لكل وارد معنى ما هو عين الآخر فتتغير الأحوال على العارفين تغير الصور على الحق و لو لا ذلك ما تغيرت الأحكام في العالم لأنها من الله تظهر في العالم و هو موجدها و خالقها فلا بد من قيام الصفة به و حينئذ يصح وجودها منه كان الموجد اسم فاعل ما كان و كان الموجد اسم مفعول ما كان فإن لم تعلم التفويض كما ذكرته لك و إلا وقعت في إشكال لا ننحل منه أعني في العلم بالتفويض ما هو فهذا نسبته إلى المخلوق و أما التفويض الإلهي و هو أن يكون هو المفوض أمره إلى عباده فيه فإنه كلفهم و أمرهم و نهاهم فهذا تفويض أمره إلى عباده فإنه فاض عما يجب للحق لأن التكليف لا يصح في حق الحق فلما فاض عنه لم يكن إفاضته إلا على الخلق و أراد منهم أن يقوموا به حين رده إليهم كما يقوم الحق به إذا فوض العبد أمره إلى الله فمنهم من تخلق بأخلاق الله فقبل أمره و نهيه و هو المعصوم و المحفوظ و منهم من رده و منهم من قبله في وقت و في حال و رده في وقت و في حال و كذلك فوض إليهم أمره في القول فيه فاختلفت مقالاتهم في الله ثم أبان لهم على ألسنة رسله ما هو عليه في نفسه لتقوم له الحجة على من خالف قوله فقال في الله ما يقابل ما قاله عن نفسه فلما اختلفت المقالات تجلى لأهل كل مقالة بحسب أو بصورة مقالته و سبب ذلك تفويضه أمره إليهم و إعطاؤه إياهم عقولا و أفكارا يتفكرون بها و أعطى لكل موف حقه في الاجتهاد بنظره نصيبا من الأجر أخطأ في اجتهاده أو أصاب فإنه ما أخطأ إلا المقالة الواردة في الله بلسان الشرع خاصة فحاد عنها بتأويل فيها أداه إليه نظره و ورد شرع أيضا يؤيده في ذلك فما ترك المقالة من حيث عليها و إنما استند فيما ذهب إليه لأمر مشروع و دليل عقل و كونه أصاب أو أخطأ ذلك أمر آخر زائد على كونه اجتهد فإنه ما يطلب باجتهاده إلا الدليل الذي يغلب على ظنه أنه يوصله إلى الحق و الإصابة لا غير
فتفويضه في قوله وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ و تفويضنا إذ أمرنا أن نتخذه وكيلا فيما استخلفنا فيه فَرَدَدْناهُ إِلىأُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها و لما كان العالم تحت حكم الأسماء الإلهية و هي أسماؤه فما تلقى تفويضه إلا هو لا نحن فإنه بأسمائه تلقيناه فهو الباطن من حيث تفويضه و هو الظاهر من حيث قبوله فكان الأمر بيننا كما تنزل الأمر بين السماء و هو العلى و بين الأرض و هي الذلول
و هو ما ذكرناه من أنه ما تلقى تفويض الحق إلا اسمه فهو المكلف و المكلف لأنه قال وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فهو عين الموجودات إذ هو الوجود وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و الكلام في هذا الباب يطول و يتداخل و ينعطف بعضه على بعض فيظهر و يخفى فإنه الله الذي لا إله إلا هو لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنىسبحانه و تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا