قال الله تعالى وَ قَضىرَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ و قضاؤه لا يرد علمنا إن نتيجة هذا الذكر شهود هذه الآية بلا شك فإن الحق هو الوجود و الأشياء صور الوجود فارتبط الأمر ارتباط المادة بالصورة و العبادة ذلة بلا شك في اللسان المنزل به هذا القرآن و الأمر إذا ارتبط بين أمرين لا يمكن لكل واحد منهما أن يكون عنه ذلك الأمر إلا بارتباطه بالأمر الآخر علمنا إن كل واحد من الأمرين المرتبطين للحب الذي قام لكل واحد منهما في ظهور الأمر الثالث و إنه طالب للأمر الثاني فصح الطلب من كل واحد و الحاصل لا يبتغى فلا بد أن يتصفا بالفقد لما يبغيان وجوده و الطلب لا يكون إلا بنوع من الإذلال وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فطلب الدعاء من عباده و طلب العباد الإجابة منه فالكل طالب و مطلوب و قد قام الدليل أن الحوادث لا تقوم به فلا يستقل بكل طلب في ذاته لأن الطلب من الحادث حادث و يستحيل أن يقوم به مثل هذا الطلب فلا بد من طلب وجود ما يقوم به هذا الطلب الحادث و هو قوله إذا أردناه و الطلب إرادة سواء طلبك لنفسه أو طلبك لك على كل حال الحاصل لا يبتغى من الوجه الذي يطلب فإنه من ذلك الوجه ليس بحاصل فلا يصح الوجود أصلا إلا من أصلين الأصل الواحد الاقتدار و هو الذي يلي جانب الحق و الأصل الثاني القبول و هو الذي يلي جانب الممكن فلا استقلال لواحد من الأصلين بالوجود و لا بالإيجاد فالأمر المستفيد الوجود ما استفاده إلا من نفسه بقبوله و ممن نفذ فيه اقتداره و هو الحق غير أنه لا يقول في نفسه إنه موجد نفسه بل يقول إن الله أوجده و الأمر على ما ذكرناه فما أنصف الممكن نفسه و آثر بهذا الوصف ربه فلما علم الله أنه آثر ربه على نفسه بنسبة الإيجاد إليه أعطاه الظهور بصورته جزاء فلا أكمل من العالم لأنه لا أكمل من الحق و ما كمل الوجود إلا بظهور الحادث و لما كان الأمر بهذه المثابة في التوقف و عدم الاستقلال من الطرفين نبه الحق على ذلكبقوله قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين فنصفها لي و نصفها لعبديو هو أيضا أعني التقسيم موجود في استخلاف العبد و في وكالة الحق فيما هو فيه العبد مستخلف فاستقل الوجود و كمل بالحادث و لما كان الحق غيورا أن يذكر معه سواه تجلى للعالم في صور المحدثات و علموه فيها أعلاما منه للعالم إنه غني عن العالمين بما رأيتموه في ذاته من ظهوره بالتجلي في صور المحدثات فسواء ظهوركم و عدمكم يقول للممكن فعند ذلك ذل الممكن بالفعل في نفسه فوقع منه ما خلقه الله له و زال عنه عز الاستعداد بالقبول في الإيجاد إذا رأى أعيان الصور التي تكون عن قبولها و اقتدار الحق قد ظهر الحق بها فلم تكن الحاجة إلى الممكنات في قبولها و الأمر قد حصل و صح قوله فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و لقد برقت لي بارقة إلهية عند تقييدي هذه المسألة رأيت فيها ما شاء الله من العلوم كما ضرب النبي ص بالمعول الحجر الذي تعرض لهم في الخندق فبرقت في الضربة منه بارقة رأى بها ما فتح الله على أمته حتى رأى قصور بصري كأنياب الفيلة رأى ذلك في ثلاث ضربات في كل ضربة بارقة تبدي له جهة مخصوصة هذا رأيته عند تقييدي هذا الباب وراثة نبوية بحمد الله و رأيت فيها و بها و إن ظهر بصور الممكنات و اتصف بالغنى فإن ذلك لا يخرجه عن عدم الاستقلال في وجود الحادث به إذ لا بد من قبوله و فيه وقع الكلام هذا مما أعطتنيه تلك البارقة و إنه تعالى لما خلقهم لعبادته كساهم صفته و هي التي بها طلبهم فعبدوه بها إذ لا يصح أن يعبدوه بأنفسهم على جهة الاستقلال و لهذا شرع لهم أن يقولوا بعد قولهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لعدم الاستقلال في العبادة فألقت عندهم الطلب في المعونة على عبادته كما كان القبول منهم إلا إلى الأسباب و كيف و قد قال وَ قَضىرَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ و يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله و لم يذكر قط افتقار مخلوق لغير الله و لا قضى أن يعبد غير الله فلا بد أن يكون هو عين كل شيء أي عين كل ما يفتقر إليه و عين ما يعبد كما أنه عين العابد من كل عابد بقوله أيضا كنت سمعه حين خاطبه بالتكليف و التعريف فما سمع كلامه إلا بسمعه و كذلك جميع قواه التي لا يكون عابد الله إلا بها فلم يظهر في العابد و المعبود إلا هويته فحكمته و سببه و علته لم تكن إلا هو و معلوله و مسببه لم يكن إلا هو فإياه عبد و عبد قال ص في خطبته لما أثنى على ربه فإنما نحن به و لهفخاطب و سمع و هذا أمر لا يندفع فإنه عين الأمر غير إن الفضل بين الناس هو بما شاهده بعضهم و حرمه بعضهم فيعلم العالم من غيره ما لا يعلمه الغير من نفسه مما هو عليه في نفسه فظهر التفاضل و مع هذا الظهور لا يخرج المخلوق عن أن يكون الحق هويته بدليل تفاضل الأسماء الإلهية و هي الصفات و ليست غيره
فلا يعلم الخلق إلا به و لا يعلم الحق إلا بها
و أما وصفه بالغنى عن العالم أنما هو لمن توهم إن الله تعالى ليس عين العالم و فرق بين الدليل و المدلول و لم يتحقق بالنظر إذا كان الدليل على الشيء نفسه فلا يضاد نفسه فالأمر واحد و إن اختلفت العبارات عليه فهو العالم و العلم و المعلوم فهو الدليل و الدال و المدلول فبالعلم يعلم العلم فالعلم معلوم للعلم فهو المعلوم و العلم و العلم ذاتي للعالم و هو قول المتكلم ما هو غيره فقط و أما قوله و ما هو هو بعد هذا فهو لما يرى من أنه معقول زائد على ما هو فبقي أن يكون هو و ما قدر على أن يثبت هو من غير علم يصفه به فقال ما هو غيره فحار فنطق بما أعطاه فهمه فقال إن صفة الحق ما هي هو و لا هي غيره و لكن إذا قلنا نحن مثل هذا القول ما نقوله على حد ما يقوله المتكلم فإنه يعقل الزائد و لا بد و نحن لا نقول بالزائد فما يزيد المتكلم على من يقول إِنَّ الله فَقِيرٌ إلا بحسن العبارة و نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين فهذا بعض نتائج هذا الهجير وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ