اعلم أيدنا الله و إياك بِرُوحٍ مِنْهُ أن الله ما أضاف الأفعال إلى الخلق إلا لكون من أضاف الفعل إليه هوية باطنه عين الحق فلا يكون الفعل إلا لله غير أنه من عباد الله من أشهده ذلك و منهم من لم يشهده ذلك فمن أشهده ذلك و قال ما يمكن أن يكون بالفعل و ما فعل فيعمل على القطع شهودا أنه ما امتنع وقوع الفعل إلا لخروجه عن الإمكان العقلي لأنه لم ير له صورة في الأعين الثابتة التي أعطت العلم لله فكيف يقع في الوجود ما لا عين له في الثبوت و لهذا أضاف المقت في ذلك لعند الله فإن هذا الاسم جامع المتقابلات من أحكام الأسماء فمن جملة ما يدل عليه إثبات الإمكان فيمقت من حيث إثبات الإمكان فالله هنا هو اسم خاص معين و هو المثبت الإمكان و يقابله نافي الإمكان فيقول ما ثم إلا وجوب غير أنه مقيد و مطلق فلا يصح إطلاق هذا الاسم الله فإذا قيل فالمراد به التقييد و يظهر بما يدل عليهالحال فيعلم عن أي شيء ناب من الأسماء فينظر في حكم ذلك الاسم فيوجد أثره فيه فتعلق المقت بمن قال خيرا يمكن له فعله فلا يفعله فانظر إلى ذلك القول الخير لا بد أن يجني ثمرته في الخير القائل به و لا سيما إن أعطى عملا في عامل من عباد الله إلا أنه محروم فما يكبر عند الله إلا لكون هذا القائل قال هذا القول و لم يفعل ما قاله إذا أطلع على ما حرم من الخير بترك الفعل فمقت نفسه أعظم المقت و لا سيما إذا رأى غيره قد انتفع به عملا فهو أكبر مقت عنده يمقت به نفسه عند الله في شهوده في الآخرة فهو أكبر مقت عند الله من مقت آخر لا أن الله مقته بل هو بمقت نفسه عند الله إذا صار إليه و للمقت درجات بعضها أكبر من بعض و هذا من أكبرها عنده فيكشف له هذا الهجير هذا العلم فإن الناس يأخذون في هذه الآية غير مأخذها فيقولون إن الله مقتهم و ما يتحققون قوله تعالى عِنْدَ الله أي تمقتون أنفسكم أكبر المقت عند الله إذا رجعتم إليه فإن قال ما نعتقد صحته و لم يقل ذلك إيمانا فذلك المنافق و إن قال ذلك إيمانا و لم يفعل فذلك المفرط و هو الذي يكبر مقته عند الله لأن إيمانه يعطيه الفعل فلم يفعل وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ به على ألسنتهم و ألسنة غيرهم لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً و آتاهم الله أجرا عظيما لأنه أضاف الفعل إلى القول فعظم بالاجتماع على ما تكون صورته إذا انفرد بقول دون فعل و بفعل دون قول و ما أيه الله بمن هذه صفته إلا بالاسم المذكر ليزيلهم به من حكم الاسم الخاذل فإن الله ما يؤبه إلا من الاسم الذي لا حكم له في الحال و التأيه على نوعين تأيه بالصفة مثل قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ و تأيه بالذات مثل قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فمتى سمعت التأيه فلتنظر ما يأيه به لا من أيه به فاعمل بحسب ما أيه به من اجتناب أو غير اجتناب فإنه قد يؤبه بأمر و قد يؤبه بنهي كما تقول في الأمر يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و كما يقول في النهي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ الله و كذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ فهذا تأيه إنكار كأنه يقول في الأمر فيه افعلوا ما تقولون و في النهي لا تقولوا على الله ما لا تعملون فإنكم تمقتون نفوسكم عند الله في ذلك أكبر المقت كما قررنا فإذا أتى مثل هذا كان له وجه للأمر و وجه للنهي و هذا هو الوجه فيأخذه السامع بحسب ما يقع له في الوقت و أي وجه أخذ به في أمر أو نهي أصاب و إن جمع بينهما جنى ثمرة ذلك فيكون له أجران و من الناس من يكشف له في هذا الهجير أنه القول الخاص و هو أن يقول بإضافة الفعل إلى نفسه في اعتقاده كالمعتزلي فيطلع في كشفه على إن الأفعال لله ليست له فيمقت نفسه حيث جهلت مثل هذا أكبر المقت عند الله و يكون عند الله هنا عندية الشهود حيث كان في الدنيا أو في الآخرة فمقته في الدنيا رجوع عن ذلك فيسعد و يلحق بالعلماء بخلاف مقته عند الله في الآخرة فكأنه يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ إن الفعل لكم و ما هو كذلك فأضفتم إليكم ما لا تَفْعَلُونَ و كَبُرَ مَقْتاً منكم عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ فإنه على صراط مستقيم هذا المنازع الذين نقول له إن الفعل للحق صَفًّا لا خلل فيه كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ لا خلل فيه فيضيف الأفعال كلها لله لا لمن ظهرت فيه فقد أفلح من كان هجيره هذه الآية لأنه لا فائدة للهجير إلا أن يفتح لصاحبه فيه فإذا رأيت ذا هجير لا يفتح له فيه فاعلم أنه صاحب هجير لسان ظاهره لا يوافقه لسان باطنه و من هو بهذه المثابة فما هو مقصودنا بأصحاب الهجيرات وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الموفي تسعين و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله كَبُرَ مَقْت
كبر المقت من الله لذاكبر المقت من الخلق فمن
قال قولا ثم لم يعمل بهمن جميل و هو القول الحسن
عمل الله به في خلقهو هو لا يدري به في كل فن
من فنون الخير فاستبصر بهفي وجود الكون من لفظة كن