قال الله تعالى سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ قدر الأمر موازنته لمقداره و هذا لا يعلم من الأمر حتى يكون له ما يعادله في ذاته فيكون ذلك المعادل مقدارا له لأنه يزنه فأثبت هذا الذكر لله قدرا لكنه مجهول عند أصحاب هذا الضمير و لا يعرف قدر الحق إلا من عرف الإنسان الكامل الذي خلقه الله على صورته و هي الخلافة ثم وصف الحق في الصورة الظاهرة نفسه باليدين و الرجلين و الأعين و شبه ذلك مما وردت به الأخبار مما يقتضيه الدليل العقلي من تنزيه حكم الظاهر من ذلك في المحدثات عن جناب الله فحق قدره إضافة ما أضافه إلى نفسه مما ينكر الدليل إضافته إليه تعالى إذ لو انفرد دون الشرع لم يضف شيئا من ذلك إليه فمن أضاف مثل هذا إليه عقلا فذلك هو الذي ما قدر الله حق قدره و ما قال أخطأ المضيف و من أضافه شرعا و شهودا و كان عَلىبَيِّنَةٍ من رَبِّهِ فذلك الذي قدر الله حق قدره فالإنسان الكامل الذي هو الخليفة قدر الحق ظاهرا و باطنا صورة و منزلة و معنى فمن كل شيء في الوجود زوجان لأن الإنسان الكامل و العالم بالإنسان الكامل على صورة الحق و الزوجان الذكر و الأنثى ففاعل و منفعل فيه فالحق الفاعل و العالم منفعل فيه لأنه محل ظهور الانفعال بما يتناوب عليه من صور الأكوان من حركة و سكون و اجتماع و افتراق و من صور الألوان و الصفات و النسب فالعالم قدر الحق وجودا و أما في الثبوت فهو أظهر لحكم الأزل الذي هو للممكنات في ثبوتها لأن الإمكان للممكن نعت ذاتي نفسي و لم يزل الممكن ممكنا في حال عدمه و وجوده فبقاء ما بقي منه في العدم و ما بقي إلا بالمرجح فهو الذي أبقاه لما فيه من قبول الوجود كما هو ممكن مرجح في حال الوجود بالوجود لقبوله العدم بإمساك شرطه المصحح لبقائه فكما سبح الله نفسه عن التشبيه سبح الممكن نفسه عن التنزيه لما في التشبيه و التنزيه من الحد فهم بين مدخل و مخرج و ما ظفر بالأمر على ما هو عليه إلا من جمع بينهما فقال بالتنزيه من وجه عقلا و شرعا و قال بالتشبيه من وجه شرعا لا عقلا و الشهود يقضي بما جاءت به الرسل إلى أممها في الله فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ من شاءَ فَلْيَكْفُرْ فكل واصف فإنما هو واقف مع نعت مخصوص فينزه الله نفسه عن ذلك النعت من حيث تخصيصه لا من حيث إنه له فإن له أحدية المجموع لا أحدية كل واحد من المجموع و الواصف إنما يصفه بأحدية كل واحد من المجموع فهو المخاطب أعني من نعته بذلك بقوله سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و أما تسبيح الخلق له بقوله تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ من فِيهِنَّ و شبه ذلك مما ورد من الآيات و التعريف الإلهي فإنما يسبح الله عن عقد غيره فيه لأن نظر كل مسبح فيه نظر جزئي فالذي يثبت له واحد هو عين ما ينفيه عنه الآخر و كل واحد منهما مسبح بحمد الله فأثبت الله لهذا ما نفاه عن الله لا ما أثبته الآخر و أثبت الله الآخر عين ما نفاه الأول لا ما أثبته فما أثبت الله لأحد من أهل الثناء عليه إلا نفى ما نفاه عنه فذلك هو التسبيح بحمده فما يثنى عليه بالإثبات دون نفي و لا يوصف بالتسبيح و لا بنقيضه إلا العبد الجامع الكامل الظاهر بصورة الحق فإنه يشاهد الجمع و من شاهد الجمع فقد شاهد التفصيل لأنه شاهده جمعا فالعبد الكامل مجموع الحق و لا يقال الحق مجموع العبد الكامل و مع هذا فللحق خصوص نعت ليس للعالم أصلا و للعالمخصوص وصف ليس للحق أصلا كالذلة و الافتقار وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الباب السادس و التسعون و أربعمائة بانتهاء السفر الثلاثين وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
بسم الله الرحمن الرحيم