قرآن کریمبه زبان فارسی

رسالة الطّيور

مکتوبات — احمد غزالی

اِجتَمَعَت أَصنافُ الطُّيورِ علي اختلافِ أنواعِها و تَبأيُنِ طِباعِها. و زَعَمَت أَنَّهُ لابُدَّ لَها مِن مَلِكٍ. وَاتَّفَقُوا أنَّهُ لايَصلَحُ لِهذَا الشَّأنِ اِلاَّالعَنقاءُ و قد وَجَدُوا الخبرَ عنِ استِيطانِها في مواطنِ العِزِّ و تَقَرُّرُها في بعضِ الجَزائرِ. فَجَمَعَتهُم داعيهُ الشّوقِ و همّهُ الطّلبِ. فَصَمُّوا العزمَ علَي النُّهوضِ اِلَيها والا ِستِظلالِ بِظِلِّها والمُشُول بِفنائِها الاستِعباد بخدمتها. فَتَناشَدُوا فَقالُوا:

قُومُوا اِلَي‌الدّارِ مِن ليلي نُحيَيِّها

نَعَم و نَسأَلَهُم عن بعضِ أَهلِيها

و اِذَا الا َشواقُ الكامِنَه قد بَرَزَت مِن كمينِ القلوبِ، و زَعَمَت بِلِسانِ الطّلبِ:

بأَيِّ نَواحِي‌ألاَرضِ أَبغِي وصالَكُم

و أنتُم مُلوكٌ ما لِمَقصَدِكُم نَحوُ

و اِذاهُم بِمُنادِي‌الغيب يُنادي مِن وَراءِ الحُجُبِ: «ولا تُلقُوا بِأَيدِيكُم اِلَي التُّهلُكَهِ». لازِمُوا أَماكِنَكُم، ولا تُفارِقُوا مَساكِنَكُم، فَاِنَّكُم اِن فارَقتُم أَوطانَكُم ضاعَفتُم أشجانَكُم، فدُونَكم والتَّعَرُّض لِلبلاءِ، والتَّحَلُّل بِالفَناءِ.

اِنَّ السّلامهَ مِن سُعدي وَ جارَتِها

أن لا تَحُلَّ علي حالٍ بِوادِيها

فَلَمّا سَمَعُوا نِداءَ التَّعَذُّرِ من جنابِ الجبروتِ، مَا ازدادُوا اِلاّ شوقآ و قَلِقآ، و تَحَيُّرآ و أَرِقآ، و قالُوا من عِندَ آخرهم:

ولَو داواكَ كلُّ طبيبِ اِنسٍ

بغَيرِ كلامِ ليلي، ما شَفاكا

و زَعَمُوا:

اِنَّ المُحِبَّ الَّذِي لا شيء يَقنَعُهُ

أَو يَستَقِرُّو مَن يَهوي بهِ الدّار

ثُمَّ نادي لَهُمُ الحَنين، و دَبَّ فيهِم‌الجنون، فَلَم يَتَلَعَّثُمُوا فِي‌الطّلبِ اهتِزازاً مِنهُم اِلي بُلوغِ الا َربِ. فقيلَ لَهُم: بَينَ أَيدِيكُمُ المَهامه القَيح، والجِبال الشّاهِقَه، والبِحار المُغَرَّقَه، و أماكِنِ القُرّ، و مساكن الحَرّ، فَيُوشَكَّ أن تَعجِزُوا دُونَ بلوغ الاَمنيّه، فَتَختَرِمكم المنيّه، فَالاحري بِكُم مساكنه أو كارالاوطار، قبلَ أن يَستَدرِجكم الطّمع. و اِذا هم لايَصغونَ اِلي هذَالقولِ و لايُبالونَ، بَل رَحَلُوا و هُم يَقُولونَ:

فَرِيدٌ عَنِ الخُلاّنِ في كلِّ بلدهٍ

اِذا عَظُمَ المَطلوُبُ قَلَّ المُساعِدُ

فَامتَطي كلُّ مِنهُم مَطيّهَ الهمّهِ، قد اَلجَمَها بِلِجامِ الشّوقِ، و قَوَّمَها بِقَوامِ العِشقِ، و هو يَقُولُ:

أُنظُر اِلَي ناقَتِي في ساحَهِ الـوادِي

شديدهٌ بِالسُّري مِن تحتِ مَيّادِ

اِذا اشتَكَت مِن كَلالِ البَينِ أو عَدَها

روحُ القُدومِ فَتَحيا عِندَ مِيعادِ

لَها بِـــوَجهِك نــورٌ تَستَضيِيءُ بِهِ

و في نَوالِكَ مِن أعقابِها حادِي

فَرَحَلُوا مِن مَحَجَّهِ الا ختيارِ، فَاستَدرَجتَهُم بحدِّ الا ِضطرارِ. فَهَلَكَ مَن كانَ مِن بِلادِ البحَرِّ في بلادِ البَردِ، و ماتَ مَن كانَ مِن بلادِالبَردِ في بلادِ الحَرٍّ. و تّصَرَّفَت فِيهِم الصَّواعِقُ، و تَحَكَّمَت عليهمِ العَواصِفُ. حتّي خَلَصَت مِنهُم شرّ ذِمَّه قليله اِلي جزيرهِ المَلِكِ. و نَزَلُوا بِفَنائِهِ، وَاستَظَلُّوا بِجنابِهِ. وَالتَمَسُوا مَن يُخبِرُ عَنهُم الملِكَ ـ و هو في أَمنَعِ حِصنٍ من حِمَي عِزَّهٍ. فَأَخبِرَ بِهِم. فَتَقَدَّمَ اِلي بعضِ سُكّانِ الحضرهِ أن يَسأَلَهُم: مَاالَّذِي حَمَلَهُم علَي الحضورِ؟ فقالُوا: حَضَرنا لِيَكونَ مَلِيكنا. فقيلَ لَهم: أَتعَبتُم أنفُسَكُم. فَنَحنُ المَلِك، شِئتُم أَوأبَيتُم، جِئتُم أو ذَهَبتُم، لا حاجهَ بِنا اِلَيكُم.

فَلَمّا أَحَسُّوا بِالاِستغناءِ والتَّعَذُّرِ، أَيسُوا و خَجِلُوا. و خابت ظُنُونُهُم، فَتَعَطَّلُوا. فَلَمّا شَمَلَتهُمُ الحيرهُ، و بَهَرَتهُمُ العِزَّهُ، قالُوا لاسبيلَ اِلَي‌الرّجوعِ. فقد تَحاذَلتِ القُوي، وأَضعَفَنا الجَوي، فَليتَنا تُرِكنا في هذِه الجزيرهِ لَنَموتُ عن آخرِنا. واَنشَأُوا يَقولونَ هذهِ الاَبيات:

أَسُكّانَ رامَهٍ هل مِن قِريً

فَقَد دَفَعَ اللَيلُ ضَيفآ قُنُوعآ

كَفاهُ مِنَ الزّادِ أن تَمَهَّدُوا

لَهُ نَظَراً و كلاماً وَسِيعاً

هذا و قد شَمَلَهُمُ الدّاءُ، و أَشرَفُوا علَي الفَنَاءِ، و لَجَأُوا اِلَي‌الدُّعاءِ:

ثَمَلٌ نُشاوِي بِكَأسِ الغَرامِ

فَكلٌّ غَدا لاِ َخِيهِ رَضِيعا

فَلَمّا عَمَّهُمُ اليَأسُ، و ضاقَت بِهِم الا َنفاسُ، تَدارَكتَهُم أنفاسُ الا ِيناسِ، و قيلَ لَهُم: هيهات! فلا سبيلَ اِلَي‌اليَأسِ ـ «لايَيأَسُ مِن رَوحِ اللّهِ اِلاَّ القَومُ الكافِرونَ». فَاِن كانَ كمال الغني يُوجَبُ التَّعَزُّزَ والرَّدَّ، فَجمالُ الكَرمِ أوجَبَ السَّماحهَ والقبولَ. فَبَعدُ أَن عَرَفتُم مِقدارَكُم في‌العجزِ عن معرفهِ قَدرِنا، فَحَقيقٌ بِنا اِيواؤُكُم فَهوَ دارُالكَرَمِ و منزل النِّعَمِ، فَاِنَّهُ يَطلُبُ المساكينَ الَّذينَ رَحَلُوا عَن مساكِنَهِ الحُسبان. و لَولاهُ لَما قالَ سَيّدُ كُلِّ و سابِقهم: «أَحيِنِي مِسكينآ و أَمِتنِي مِسكينآ». و مَنِ استَشعَرَ عدم استحقاقِهِ، فَحَقيقٌ بالمَلِكِ العَنقاء أَن يَتَّخِذَهُ قَرِينآ.

فَلَمّا استَأنَسُوا بعدَ انِ استَيأَسُوا، وانتَعَشُوا بعدَ أَن تَعَسُوا، وَ وثَقُوا بفيضِ الكرَمِ، و اطمأَنُّوا اِلي دُورِ النِّعمِ سَأَلُوا عن رُفقائِهِم، فقالُوا: مَاالخَبر عن أقوامٍ قُطِعَت بِهِم المَهامِهُ وَالاَ ودِيهُ، أمَطلُولٌ دِماؤُهُم أَم لَهُم دِيَهٌ؟

فقيلَ: هَيهات! هَيهات! «و مَن يَخرُج مِن بَيتِهِ مُهاجِراً اِلَي‌اللّهِ و رسولِهِ ثُمَّ يُدرِكهُ المَوتُ فقد وَقَعَ أجرُهُ علَي‌اللّهِ». اِجتَبَتهُم أَيادِي الا ِجتباءِ، بعدَ أَن اَبادَتهم سَطوَهُ الا ِبتلاءِ. «ولا تَقُولُوا لِمَن يُقتَلُ في سبيلِ اللّهِ أَمواتاً بَل أَحياءٌ».

قالوا: فَالَّذِينَ غَرَقُوا في لُجَجِ البِحارِ، و لَم يَصِلُوا اِلَي الدّارِ، ولا اِلَي‌الدَّيارِ، بلِ التَقَمتَهُم لَهَواتُ التَّيّارِ.

قيل: هيهات! «ولا تَحسَبَّن الَّذِينَ قُتِلوا فِي سَبيل ِاللّهِ أمواتآ بل أَحياءٌ». فَالَّذِي جاء بِكُم و أماتَهُم أَحياهُم، والَّذِي وَ كَّلَ بِكُم داعيهَ الشّوقِ حتّيَ استَقلَلتُمُ الفَناء وَالهلاكَ في أَريَحِيَّهِ الطّلبِ، دَعاهُم و حَمَلَهُم، و أَدناهُم و قَرَّبَهم، فَهُم في حُجُبِ العِزَّهِ و أستارِ القدرهِ. «فِي مَقعَدِ صِدقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقتَدِرٍ».

قالُوا: فَهَل لَنا اِلي مشاهَدَتِهِم سَبيلٌ؟

قيل: لا. فَاِنَّكُم في حجابِ العزّهِ و أستارِالبشريهِ، و أَسرِالا َجَلِ و قيّدِهِ فَاِذا قَضَيتُم أوطارَكُم، و فارَقتُم أوكارَكُم، فَعِندَ ذلكَ تَزاوَرتُم و تَلاقيتم.

قالُوا: وَالَّذينَ قَعَدَ بِهِم اللُؤمُ والعجزُ فَلَم يَخرُجُوا؟

قيلَ: هيهات! «و لَو أرادُوا الخروجَ لاَ عَدُّوا لَهُ عُدَّهَ، و لكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعاثَهُم فَثَبَّطَهُم». و لَوأَرَد ناهُم لَدَعَوناهُم، ولكِن كَرِهناهُم فَطَرَدناهُم. أنتُم بِأَنفُسِكُم جِئتُم أم نَحنُ دَعَوناكُم؟ أَنتُمُ اشتَقتُم أَم نَحنُ شَوَّقناكُم؟ نَحنُ أَقلَقناكُم فَحَمَلناكُم. «و حَمَلناهُم فِي‌البَرِّ والبَحرِ».

فَلَمّا سَمعُوا ذلكَ، وَ استَأنَسُوا بكمالٍ العنايهِ و ضَمانِ الكِفايهِ، كَمَل اهتِزازُهُم، و تََمَّ وُثُوقُهُم، فَاطمَأَنُّوا و سَكَنُوا. واستَقبَلُوا حقائقَ اليقينِ بدقائقِ التّمكينِ، و فارَقُوا بدوامِ الطّمأنيَنهِ اِمكان التَّلوينِ، «وَ لَتَعلَمُنَّ نَبأَهُ بَعدَ حِينِ».

فصل

أَتَري هل كانَ بينَ الرّاجع اِلي تِلكَ الجَزيرهِ و بينَ المُبتَديءِ مِن فرقٍ؟ انَّما قالَ: «جِئنا مَلِكنا». مَن كانَ مُبتدِئآ. امّا مَن كانَ راجعآ الي عيشهِ الا صليِّ: «يا أَيَّتُهَاالنَّفسُ المُطمَئِنَّهُ اِرجِعِي». فَرَجَعَ بسماعِ النّداءِ، كيفَ يُقالُ لَهُ: لِمَ جِئتَ؟ فيَقولُ: لِمَ دَعَيتَ؟ لابل فَيقولُ: لِمَ حَمَلتَ اِلي تِلكَ البِلادِ و هي بلادُ القربهِ؟ والجوابُ علي قدرِ السّؤالِ، والسّؤالُ علي قدرِالتَّفَقُّهِ، والهُمومُ بقدرِ الهِمَمِ.

فصل

مَن يَرتَاعُ لِمِثلِ هذهِ النُّكَتِ فَليُجَدِّدِ العَهدَ بطورِ الطَّيرِيَّهِ وأَريَحِيَّهِ الرّوحانيّهِ. فكلامُ الطُّيورِ لايَفهَمهُ اِلاّ مَن هو مِنَ الطّيورِ.

و تجديدُ العهدِ بِملازمهِ الوضوءِ، و مراقبهُ أوقاتُ الصّلاهِ، و خلوهُ ساعه الذِّكرِ، فهو تجديدُ العهدِ الحُلوِ في غفلهٍ. لابُدَّ مِن أَحَدِ الطَّريقَينِ: «فَاذكُرُونِي أَذكُركُم». أو ـ : «نَسَواللّهَ فَنَسِيَهُم». فمَن سَلَكَ سبيلَ الذِّكرِ: «أَنَا جليسُ مَن ذَكَرنِي». و مَن سَلَكَ سبيلَ النسيانِ: «و مَن يَعشُ عن ذِكرِالرّحمانِ نُقَيِّض لَهُ شيطانآ فهو لَهُ قَرينٌ».

وابن آدم في كلّ نَفَسٍ مُصَحِّحٍ أَحَدُ هاتَينِ النّسبتَينِ، ولابدَّ يَتلُوهُ يومَ القيامهِ أَحَدُ السِّيمائَينِ: أما «يُعرَفُ المُجرِمونَ بِسِيماهُم». أو: «سِيماهُم في وُجُوهِهِم مِن أَثرِ السُّجودِ».

أَنقَذَكَ اللّهُ بِالتّوفيقِ، و هَداكَ اِلَي‌التّحقيقِ، و طَوي لَكَ الطّريقَ، اِنَّهُ بذلكَ حَقيقٌ. والحمدُ لِلّهِ ربّ العالمينَ، و صلَّي‌اللّهُ عَلي سيّدِنا محمّد و علي آلهِ أجمعينَ.