قرآن کریمبه زبان فارسی

(باب مس الجنب المصحف)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

اختلف علماء الشريعة في مس الجنب المصحف فذهب قوم إلى إجازة مس الجنب المصحف و منع قوم من ذلك‏ (وصل في اعتبار ذلك) العالم كله كلمات الله في الوجود قال الله تعالى في حق عيسى عليه السلام وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ و قال تعالى ما نَفِدَتْ كَلِماتُ الله و قال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ و الكلم جمع كلمة و يقول تعالى للشي‏ء إذا أراده كُنْ فيكسو ذلك الشي‏ء التكوين فَيَكُونُ فالوجود فيه رق منشور و العالم فيه كتاب مسطور بل هو مرقوم لأن له وجهين وجه يطلب العلو و الأسماء الإلهية و وجه يطلب السفل و هو الطبيعة فلهذا رجحنا اسم المرقوم على المسطور فكل وجه من المرقوم مسطور و في ذلك أقول‏

إن الكيان عجيب في تقلبهفيه لناظره نقش و تحبير
انظر إليه ترى ما فيه من بدعإذ كل وجه من المرقوم مسطور
أن الوجود لسر حار ناظرهالكون مرتقم و الرق منشور

فالأمر كما قلنا رق منشور و الأعيان فيه كتاب مسطور فهو كلمات الله التي لا تنفد فبيته معمور و سقفه مرفوع و حرمه ممنوع و أمره مسموع فأين يذهب هذا العبد و هو من جملة حروف هذا المصحف أَ غَيْرَ الله تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ هل تدعون الشريك لعينه لا و الله إلا لكونه في اعتقادكم إلها فالله دعوتم لا تلك الصورة و لهذا أجيب دعاؤكم و الصورة لا تضر و لا تنفع‏ انظر في قوله قُلْ سَمُّوهُمْ فإن سموهم بهم فهم عينهم فلا يقولون في معبودهم حجر و لا شجر و لا كوكب ينحته بيده ثم يعبده فما عبد جوهره و الصورة من عمله و إن سموهم بالإله عرفت أن الإله عبدوا هذا تحقيق الأمر في نفسه و قد أشارت الآية الواردة في القرآن إلى ما ذهبنا إليه بقوله تعالى وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فهو عندنا بمعنى حكم و عند من لا علم له من علماء الرسوم بالحقائق بمعنى أمر و بين المعنيين في التحقيق بون بعيد و في‏ قول محمد صلى الله عليه و سلم معلما لنا أعبد الله كأنك تراه‏ و في حديث جبريل معه صلى الله عليه و سلم حين سأله عن الإحسان بحضور جماعة من الصحابة ما هو فقال صلى الله عليه و سلم أن تعبد الله كأنك تراه‏ فجاء بكأن و قد علمت إن الخيال خزانة المحسوسات و أن الحق ليس بمحسوس لنا و ما نعقل منه إلا وجوده فجاء بكان لندخله تحت قوة البصر فنلحقه بالوهم بالمحسوسات فقربنا من هؤلاء الذين عبدوه فيما نحتوه‏ فتدبر ما أشرنا إليه فإن الأمر لا يكون إلا كما قرره الشارع فقرر في موضع ما أنكره في موضع آخر فالعالم منا أن يقرر ما قرره الحق في الموضع الذي قرره الحق و لينكر ما أنكره الحق في الموضع الذي أنكره الحق فما ثم إلا الايمان الصرف فلا تأخذ من سلطان عقلك إلا القبول فانظر ما أشرف حرف التمثيل الذي هو كان‏

كان سلطاننا فانظر له خبرافإنه خبر عنها مع الخبر
كان حرف له في الكون سلطنةإن كنت تعلم أن العلم في النظر
هو الإمام الذي فيه نصرفهو لا يقاومه خلق من البشر

و لا شك أن أهل الله جعلوا القلب كالمصحف الذي يحوي على كلام الله كما إن القلب قد وسع الحق جل جلاله حين ضاق عنه السماء و الأرض فكما أمرنا بتنزيه القلب عن إن يكون فيه دنس من دخول الأغيار فيه و رأينا أن المصحف قد حوى على كلام الله و هو صفته و الصفة لا تفارق الموصوف فمن نزه الصفة نزه الموصوف و من راعى الدليل على أمر ما فقد راعى المدلول الذي هو ذلك الأمر فعلى كلا المذهبين ينبغي أن ينزه المصحف أن يمسه جنب‏ و قد نهينا أن نسافر بالقرآن إلى أرض العدو فسمى المصحف قرآنا لظهوره فيه و ما نهى حملة القرآن عن السفر إلى أرض العدو و إن كان القرآن في أجوافهم محفوظا مثل ما هو في المصحف و ذلك لبطونه فيهم أ لا ترى النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يحجزه شي‏ء عن قراءة القرآن ليس الجنابة لظهور القرآن عند القراءة بالحروف التي ينطق بها التي أخبرنا الحق أنها كلامه تعالى فقال لنبيه صلى الله عليه و سلم فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله فتلاه عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم‏ فلا ينبغي للجنب و هو الغريب عما يستحقه الحق فإن البعد بالحقائق و الحدود ما يكون فيه قرب أبدا و بعد المسافة قد يقرب صاحبها من صاحبها الذي يريد قربه فكما لا يكون الرب عبدا كذلك لا يكون العبد ربا لأنه لنفسه هو عبد كما إن الرب‏لذاته هو رب فلا يتصف العبد بشي‏ء من صفات الحق بالمعنى الذي اتصف بها الحق و لا الحق يتصف بما هو حقيقة للعبد فالجنب لا يمس المصحف أبدا بهذا الاعتبار و لا ينبغي أن يقرأه في هذه الحال‏ و ينبغي للعبد أن لا تظهر عليه إلا العبادة المحضة فإنه جنب كله فلا يمس المصحف فإن تخلق فحينئذ تكون يد الحق تمس المصحف فإنه قال عن نفسه في العبد إذا أحبه أنه يده التي يبطش بها فانظر في هذا القرب المفرط و هذا الاتحاد أين هو من بعد الحقائق و الله ما عرف الله إلا الله فلا تتعب نفسك يا صاحب النظر و در مع الحق كيفما دار و خذ منه ما يعرفك به من نفسه و لا تقس فتفتلس لا بل تبتئس و تعلم أن يد الحق طاهرة على أصلها مقدسة كطهارة الماء المستعمل في العبادة فتنبه لما عرفتك به في هذا الفصل‏