اختلف علماء الشريعة في ذلك فمن الناس من منع قراءة القرآن للجنب بحد و بغير حد و من الناس من أجاز ذلك و أما الوارث عندي فلا يقرأ القرآن جنبا اقتداء بمن ورثه لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و لم يكن يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة و لكن الغالب عندي من قرينة الحال أنه كره أن يذكر الله تاليا إلا على طهارة كاملة فإنه تيمم لرد السلام و قال إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر أو قال على طهارة و من الناس من أجاز للجنب قراءة القرآن بحد و بغير حد و به أقول بغير حد أيضا و لكن أكرهه اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم (وصل الاعتبار في ذلك) المقتدى بأفعال رسول الله صلى الله عليه و سلم يمنع من قراءة القرآن في الجنابة بغير حد و قد أعلمناك أن الجنابة هي الغربة و الغربة نزوح الشخص عن موطنه الذي ربي فيه و ولد فيه فمن اغترب عن موطنه حرم عليه الاتصاف بالأسماء الإلهية في حال غربته قال تعالى ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ كما كان عند نفسه في زعمه فإنه تغرب عن موطنه فهو صاحب دعوى و الذي أقول في هذه المسألة لأهل التحقيق أن القرآن ما سمي قرآنا إلا لحقيقة الجمعية التي فيه فإنه يجمع ما أخبر الحق به عن نفسه و ما أخبر به عن مخلوقاته و عباده مما حكاه عنهم فلا يخلو هذا الجنب في تلاوته إذا أراد أن يتلو إما أن ينظر و يحضر في أن الحق يترجم لنا بكلامه ما قال عباده أو ينظر فيه من حيث المترجم عنه فإن نظر من حيث المترجم عنه فيتلو و بالأول فلا يتلو حتى يتطهر في باطنه و صورة طهارة باطنه أن يكون الحق لسانه الذي يتكلم به كما كان الحق يده في مس المصحف فيكون الحق إذ ذاك هو يتلو كلامه لا العبد الجنب ثم إنه للعارف فيما يتلوه الحق عليه من صفات ذاته مما لا يخبر به عن أحد من خلقه و من كونه كلم عبده بهذا القرآن فليس المقصود من ذلك التعريف إلا قبوله و قبوله لا يكون إلا بالقلب فإذا قبله الايمان لم يمتنع من التلفظ به فإن القرآن في حقنا نزل و لهذا هو محدث الإتيان و النزول قديم من كونه صفة المتكلم به و هو الله و إنما قول من قال عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة فما هو قول رسول الله صلى الله عليه و سلم و إنما هو قول الراوي و ما هو معه في كل أحيانه فالحاصل منه أن يقول ما سمعته يقرأ القرآن في حال جنابته أي ما جهر به و لا يلزم قارئ القرآن الجهر به إلا فيما شرع الجهر به كتلقين المتعلم و كصلاة الجهر و النهي ما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك و ما ورد و الخير لا يمنع منه