في معرفة أسرار الأنبياء أعني أنبياء الأولياء و أقطاب الأمم المكملين من آدم ع إلى محمد صلى الله عليه و سلم و أن القطب واحد منذ خلقه الله لم يمت و أين مسكنه
اعلم أيدك الله أن النبي هو الذي يأتيه الملك بالوحي من عند الله يتضمن ذلك الوحي شريعة يتعبده بها في نفسه فإن بعث بها إلى غيره كان رسولا و يأتيه الملك على حالتين إما ينزل بها على قلبه على اختلاف أحوال في ذلك التنزل و إما على صورة جسدية من خارج يلقى ما جاء به إليه على أذنه فيسمع أو يلقيها على بصره فيبصره فيحصل له من النظر مثل ما يحصل له من السمع سواء و كذلك سائر القوي الحساسة و هذا باب قد أغلق برسول الله صلى الله عليه و سلم فلا سبيل أن يتعبد الله أحدا بشريعة ناسخة لهذه الشريعة المحمدية و إن عيسى ع إذا نزل ما يحكم إلا بشريعة محمد صلى الله عليه و سلم و هو خاتم الأولياء فإنه من شرف محمد صلى الله عليه و سلم إن ختم الله ولاية أمته و الولاية مطلقة بنبي رسول مكرم ختم به مقام الولاية فله يوم القيامة حشر أن يحشر مع الرسل رسولا و يحشر معنا وليا تابعا محمدا صلى الله عليه و سلم كرمه الله تعالى و الياس بهذا المقام على سائر الأنبياء و أما حالة أنبياء الأولياء في هذه الأمة فهو كل شخص أقامه الحق في تجل من تجلياته و أقام له مظهر محمد صلى الله عليه و سلم و مظهر جبريل ع فأسمعه ذلك المظهر الروحاني خطاب الأحكام المشروعة لمظهر محمد صلى الله عليه و سلم حتى إذا فرغ من خطابه و فزع عن قلب هذا الولي عقل صاحب هذا المشهد جميع ما تضمنه ذلك الخطاب من الأحكام المشروعة الظاهرة في هذه الأمة المحمدية فيأخذها هذا الولي كما أخذها المظهر المحمدي للحضور الذي حصل له في هذه الحضرة مما أمر به ذلك المظهر المحمدي من التبليغ لهذه الأمة فيرد إلى نفسه و قد وعى ما خاطب الروح به مظهر محمد صلى الله عليه و سلم و علم صحته علم يقين بل عين يقين فأخذ حكم هذا النبي و عمل به على بينة من ربه فرب حديث ضعيف قد ترك العمل به لضعف طريقه من أجل وضاع كان في رواته يكون صحيحا في نفس الأمر و يكون هذا الواضع مما صدق في هذا الحديث و لم يضعه و إنما رده المحدث لعدم الثقة بقوله في نقله و ذلك إذا انفرد به ذلك الواضع أو كان مدار الحديث عليه و أما إذا شاركه فيه ثقة سمعه معه قبل ذلك الحديث من طريق ذلك الثقة و هذا ولي قد سمعه من الروح يلقيه على حقيقة محمد صلى الله عليه و سلم كما سمع الصحابة في حديث جبريل ع مع محمد صلى الله عليه و سلم في الإسلام و الايمان و الإحسان في تصديقه إياه و إذا سمعه من الروح الملقي فهو فيه مثل الصاحب الذي سمعه من فم رسول الله صلى الله عليه و سلم علما لا يشك فيه بخلاف التابع فإنه يقبله على طريق غلبة الظن لارتفاع التهمة المؤثرة في الصدق و رب حديث يكون صحيحا من طريق رواته يحصل لهذا المكاشف الذي قد عاين هذا المظهر فسأل النبي صلى الله عليه و سلم عن هذا الحديث الصحيح فأنكره و قال له لم أقله و لا حكمت به فيعلم ضعفه فيترك العمل به عن بينة من ربه و إن كان قد عمل به أهل النقل لصحة طريقه و هو في نفس الأمر ليس كذلك و قد ذكر مثل هذا مسلم في صدر كتابه الصحيح و قد يعرف هذا المكاشف من وضع ذلك الحديث الصحيح طريقه في زعمهم إما أن يسمى له أو تقام له صورة الشخص فهؤلاء هم أنبياء الأولياء و لا يتفردون قط بشريعة و لا يكون لهم خطاب بها إلا بتعريف إن هذا هو شرع محمد صلى الله عليه و سلم أو يشاهد المنزل عليه بذلك الحكم في حضرة التمثل الخارج عن ذاته و الداخل المعبر عنه بالمبشرات في حق النائم غير إن الولي يشترك مع النبي في إدراك ما تدركه العامة في النوم في حال اليقظة سواء و قد أثبت هذا المقام للأولياء أهل طريقنا و إتيان هذا و هو الفعل بالهمة و العلم من غير معلم من المخلوقين غير الله و هو علم الخضر فإن آتاه الله العلم بهذه الشريعة التي تعبده بها على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم بارتفاع الوسائط أعني الفقهاء و علماء الرسوم كان من العلم اللدني و لم يكن من أنبياء هذه الأمة فلا يكون من يكون من الأولياء وارث نبي إلا على هذه الحالة الخاصة من مشاهدة الملك عند الإلقاء على حقيقة الرسول فافهم فهؤلاء همأنبياء الأولياء و تستوي الجماعة كلها في الدعاء إلى الله على بصيرة كما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم أن يقول أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي و هم أهل هذا المقام فهم في هذه الأمة مثل الأنبياء في بنى إسرائيل على مرتبة تعبد هارون بشريعة موسى عليهما السلام مع كونه نبيا فإن الله قد شهد بنبوته و صرح بها في القرآن فمثل هؤلاء يحفظون الشريعة الصحيحة التي لا شك فيها على أنفسهم و على هذه الأمة ممن اتبعهم فهم أعلم الناس بالشرع غير أن الفقهاء لا يسلمون لهم ذلك و هؤلاء لا يلزمهم إقامة الدليل على صدقهم بل يجب عليهم الكتم لمقامهم و لا يردون على علماء الرسوم فيما ثبت عندهم مع علمهم بأن ذلك خطأ في نفس الأمر فحكمهم حكم المجتهد الذي ليس له أن يحكم في المسألة بغير ما أداه إليه اجتهاده و أعطاه دليله و ليس له أن يخطئ المخالف له في حكمه فإن الشارع قد قرر ذلك الحكم في حقه فالأدب يقتضي له أن لا يخطئ ما قرره الشارع حكما و دليله و كشفه يحكم عليه باتباع حكم ما ظهر له و شاهده و قد ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلم أن علماء هذه الأمة أنبياء بنى إسرائيل يعني المنزلة التي أشرنا إليها فإن أنبياء بنى إسرائيل كانت تحفظ عليهم شرائع رسلهم و تقوم بها فيهم و كذلك علماء هذه الأمة و أئمتها يحفظون عليها أحكام رسولها صلى الله عليه و سلم كعلماء الصحابة و من نزل عنهم من التابعين و أتباع التابعين كالثوري و ابن عيينة و ابن سيرين و الحسن و مالك و ابن أبي رباح و أبي حنيفة و من نزل عنهم كالشافعي و ابن حنبل و من جرى مجرى هؤلاء إلى هلم جرا في حفظ الأحكام (و طائفة أخرى) من علماء هذه الأمة يحفظون عليها أحوال الرسول صلى الله عليه و سلم و أسرار علومه كعلي و ابن عباس و سلمان و أبي هريرة و حذيفة و من التابعين كالحسن البصري و مالك بن دينار و بنان الحمال و أيوب السختياني و من نزل عنهم بالزمان كشيبان الراعي و فرج الأسود المعمر و الفضيل بن عياض و ذي النون المصري و من نزل عنهم كالجنيد و التستري و من جرى مجرى هؤلاء من السادة في حفظ الحال النبوي و العلم اللدني و السر الإلهي فأسرار حفظة الحكم موقوفة في الكرسي عند القدمين إذ لم يكن لهم حال نبوي يعطي سرا إلهيا و لا علما لدنيا و أسرار حفاظ الحال النبوي و العلم اللدني من علماء حفاظ الحكم و غيرهم موقوفة عند العرش و العماء و لا موقوفة و منها ما لها مقام و منها ما لا مقام لها و ذلك مقام لها تتميز به فإن ترك العلامة بين أصحاب العلامات علامة محققة غير محكوم عليها بتقييد و هي أسنى العلامات و لا يكون ذلك إلا للمتمكن الكامل في الورث المحمدي و أما أقطاب الأمم المكملين في غير هذه الأمة ممن تقدمنا بالزمان فجماعة ذكرت لي أسماؤهم باللسان العربي لما أشهدتهم و رأيتهم في حضرة برزخية و أنا بمدينة قرطبة في مشهد أقدس فكان منهم المفرق و مداوي الكلوم و البكاء و المرتفع و الشفاء و الماحق و العاقب و المنحور و شجر الماء و عنصر الحياة و الشريد و الراجع و الصانع و الطيار و السالم و الخليفة و المقسوم و الحي و الرامي و الواسع و البحر و الملصق و الهادي و المصلح و الباقي فهؤلاء المكملون الذين سموا لنا من آدم ع إلى زمان محمد صلى الله عليه و سلم و أما القطب الواحد فهو روح محمد صلى الله عليه و سلم و هو الممد لجميع الأنبياء و الرسل سلام الله عليهم أجمعين و الأقطاب من حين النشء الإنساني إلى يوم القيامة قيل له صلى الله عليه و سلم متى كنت نبيا فقال صلى الله عليه و سلم و آدم بين الماء و الطين و كان اسمه مداوي الكلوم فإنه بجراحات الهوى خبير و الرأي و الدنيا و الشيطان و النفس بكل لسان نبوي أو رسالي أو لسان الولاية و كان له نظر إلى موضع ولادة جسمه بمكة و إلى الشام ثم صرف الآن نظره إلى أرض كثيرة الحر و اليبس لا يصل إليها أحد من بنى آدم بجسده إلا أنه قد رآها بعض الناس من مكة في مكانه من غير نقلة زويت له الأرض فرآها و قد أخذنا نحن عنه علوما جمة بما خد مختلفة و لهذا الروح المحمدي مظاهر في العالم أكمل مظهره في قطب الزمان و في الأفراد و في ختم الولاية المحمدي و ختم الولاية العامة الذي هو عيسى ع و هو المعبر عنه بمسكنه و سأذكر فيما بعد هذا الباب إن شاء الله ما له من كونه مداوي الكلوم من الأسرار و ما انتشر عنه من العلوم ثم ظهر هذا السر بعد ظهور حال مداوي الكلوم في شخص آخر اسمه المستسلم للقضاء و القدر ثم انتقل الحكم منه إلى مظهر الحق ثم انتقل من مظهر الحق إلى الهائج ثم انتقل من الهائج إلى شخص يسمى واضع الحكم و أظنه لقمان و الله أعلم فإنه كان في زمان داود و ما أنا منهعلى يقين أنه لقمان ثم انتقل من واضع الحكم إلى الكاسب ثم انتقل من الكاسب إلى جامع الحكم و ما عرفت لمن انتقل الأمر من بعده و سأذكر في هذا الكتاب إذا جاءت أسماء هؤلاء ما اختصوا به من العلوم و نذكر لكل واحد منهم مسألة إن شاء الله و يجري ذلك على لساني فما أدري ما يفعل الله بي و يكفي هذا القدر من هذا الباب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الثالث عشر
بسم الله الرحمن الرحيم