اعلم أيدك الله أن هذا الباب يتضمن ذكر عباد الله المسمين بالملامية و هم الرجال الذين حلوا من الولاية في أقصى درجاتها و ما فوقهم إلا درجة النبوة و هذا يسمى مقام القربة في الولاية و آيتهم من القرآن حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الْخِيامِ ينبه بنعوت نساء الجنة و حورها على نفوس رجال الله الذين اقتطعهم إليه و صانهم و حبسهم في خيام صون الغيرة الإلهية في زوايا الكون أن تمتد إليهم عين فتشغلهم لا و الله ما يشغلهم نظر الخلق إليهم لكنه ليس في وسع الخلق أن يقوموا بما لهذه الطائفة من الحق عليهم لعلو منصبها فتقف العباد في أمر لا يصلون إليه أبدا فحبس ظواهرهم في خيمات العادات و العبادات من الأعمال الظاهرة و المثابرة على الفرائض منها و النوافل فلا يعرفون بخرق عادة فلا يعظمون و لا يشار إليهم بالصلاح الذي في عرف العامة مع كونهم لا يكون منهم فساد فهم الأخفياء الأبرياء الأمناء في العالم الغامضون في الناس فيهم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ربه عز و جل إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة أحسن عبادة ربه و أطاعه في السر و العلانية و كان غامضا في الناس يريد أنهم لا يعرفون بين الناس بكبير عبادة و لا ينتهكون المحارم سرا و علنا قال بعض الرجال في صفتهم لما سئل عن العارف قال مسود الوجه في الدنيا و الآخرة فإن كان أراد ما ذكرناه من أحوال هذه الطائفة فإنه يريد باسوداد الوجه استفراغ أوقاته كلها في الدنيا و الآخرة في تجليات الحق له و لا يرى الإنسان عندنا في مرآة الحق إذا تجلى له غير نفسه و مقامه و هو كون من الأكوان و الكون في نور الحق ظلمة فلا يشهد إلا سواده فإن وجه الشيء حقيقته و ذاته و لا يدوم التجلي إلا لهذه الطائفة على الخصوص فهم مع الحق في الدنيا و الآخرة على ما ذكرناه من دوام التجلي و هم الأفراد و أما إن أراد بالتسويد من السيادة و أراد بالوجه حقيقة الإنسان أي له السيادة في الدنيا و الآخرة فيمكن و لا يكون ذلك إلا للرسل خاصة فإنه كما لهم و هو في الأولياء نقص لأن الرسل مضطرون في الظهور لأجل التشريع و الأولياء ليس لهم ذلك أ لا ترى الله سبحانه لم أكمل الدين كيف أمره في السورة التي نعى الله إليه فيها نفسه فأنزل عليه إِذا جاءَ نَصْرُ الله وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ الله أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ أي أشغل نفسك بتنزيه ربك و الثناء عليه بما هو أهله فاقتطعه بهذا الأمر من العالم لما كمل ما أريد منه من تبليغ الرسالة و طلب بالاستغفار أن يستره عن خلقه في حجاب صونه لينفرد به دون خلقه دائما فإنه كان في زمان التبليغ و الإرشاد و شغله بأداء الرسالة فإن له وقتا لا يسعه فيه غير ربه و سائر أوقاته فيما أمر به من النظر في أمور الخلق فرده إلى ذلك الوقت الواحد الذي كان يختلسه من أوقات شغله بالخلق و إن كان عن أمر الحق ثم قوله إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً أي يرجع الحق إليك رجوعا مستصحبا لا يكون للخلق عندك فيه دخول بوجه من الوجوه و لما تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه السورة بكى أبو بكر الصديق رضي الله عنه وحده دون من كان في ذلك المجلس و علم أن الله تعالى قد نعى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم نفسه و هو كان أعلم الناس به و أخذ الحاضرون يتعجبون من بكائه و لا يعرفون سبب ذلك و الأولياء الأكابر إذا تركوا و أنفسهم لم يختر أحد منهم الظهور أصلا لأنهم علموا أن الله ما خلقهم لهم و لا لأحد من خلقه بالتعلق من القصد الأول و إنما خلقهم له سبحانه فشغلوا أنفسهم بما خلقوا له فإن أظهرهم الحق عن غير اختيار منهم بأن يجعل في قلوب الخلق تعظيمهم فذلك إليه سبحانه ما لهم فيه تعمل و إن سترهم فلم يجعل لهم في قلوب الناس قدرا يعظمونهم من أجله فذلك إليه تعالى فهم لا اختيار لهم مع اختيار الحق فإن خيرهم و لا بد فيختارون الستر عن الخلق و الانقطاع إلى الله و لما كان حالهم ستر مرتبتهم عن نفوسهم فكيف عن غيرهم تعين علينا أن نبين منازل صونهم فمن منازل صونهم أداء الفرائض في الجماعات و الدخول مع الناس في كل بلد بزى ذلك البلد و لا يوطن مكانا في المسجد و تختلف أماكنه في المسجد الذي تقام فيه الجمعة حتى تضيع عينه في غمار الناس و إذا كلم الناس فيكلمهم و يرى الحق رقيبا عليه في كلامه و إذا سمع كلام الناس سمع كذلك و يقلل من مجالسة الناس إلا من جيرانه حتى لا يشعر به و يقضي حاجة الصغير و الأرملة و يلاعب أولاده و أهله بما يرضي الله تعالى و يمزح و لا يقول إلا حقا و إن عرف في موضع انتقل عنه إلى غيره فإن لم يتمكن له الانتقال استقضى من يعرفه و ألح عليهم في حوائج الناس حتى يرغبوا عنه و إن كان عنده مقام التحول في الصور تحول كما كان للروحاني التشكل في صور بنى آدم فلا يعرف أنه ملك و كذلك كان قضيب البان و هذا كله ما لم يرد الحق إظهاره و لا شهرته من حيث لا يشعر ثم إن هذه الطائفة إنما نالوا هذه المرتبة عند الله لأنهم صانوا قلوبهم أن يدخلها غير الله أو تتعلق بكون من الأكوان سوى الله فليس لهم جلوس إلا مع الله و لا حديث إلا مع الله فهم بالله قائمون و في الله ناظرون و إلى الله راحلون و منقلبون و عن الله ناطقون و من الله آخذون و على الله متوكلون و عند الله قاطنون فما لهم معروف سواه و لا مشهود إلا إياه صانوا نفوسهم عن نفوسهم فلا تعرفهم نفوسهم فهم في غيابات الغيب محجوبون هم ضنائن الحق المستخلصون يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق مشي ستر و أكل حجاب فهذه حالة هذه الطائفة المذكورة في هذا الباب (تتمة شريفة) لهذا الباب قلنا و من هذه الحضرة بعثت الرسل سلام الله عليهم أجمعين مشرعين و وجد معهم هؤلاء تابعين لهم قائمين بأمرهم من عين واحدة أخذ عنها الأنبياء و الرسل ما شرعوا و أخذ عنها الأولياء ما اتبعوهم فيه فهم التابعون على بصيرة العالمون بمن اتبعوه و فيما اتبعوه و هم العارفون بمنازل الرسل و مناهج السبل من الله و مقاديرهم عند الله تعالى وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء السادس عشر و الحمد لله
(بسم الله الرحمن الرحيم)