قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الخامس و العشرون)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

في معرفة وتد مخصوص معمر و أسرار الأقطاب المختصين بأربعة أصناف من العلوم و سر المنزل و المنازل و من دخله من العالم‏

إن الأمور لها حد و مطلعمن بعد ظهر و بطن فيه تجتمع‏
في الواحد العين سر ليس يعلمهإلا مراتب أعداد بها تقع‏
هو الذي أبرز الأعداد أجمعهاو هو الذي ما له في العد متسع‏
مجاله ضيق رحب فصورتهكناظر في مراء حين ينطبع‏
فما تكثر إذ أعطت مراتبهتكثرا فهو بالتنزيه يمتنع‏
كذلك الحق إن حققت صورتهبنفسه و بكم تعلو و تتضع‏

اعلم أيها الولي الحميم أيدك الله أن هذا الوتد هو خضر صاحب موسى عليه السلام أطال الله عمره إلى الآن و قد رأينا من رآه و اتفق لنا في شأنه أمر عجيب و ذلك أن شيخنا أبا العباس العريبي رحمه الله جرت بيني و بينه مسألة في حق شخص كان قد بشر بظهوره رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لي هو فلان ابن فلان و سمي لي شخصا أعرفه باسمه و ما رأيته و لكن رأيت ابن عمته فربما توقفت فيه و لم آخذ بالقبول أعني قوله فيه لكونى على بصيرة في أمره و لا شك أن الشيخ رجع سهمه عليه فتأذى في باطنه و لم أشعر بذلك فإني كنت في بداية أمري فانصرفت عنه إلى منزلي فكنت في الطريق فلقيني شخص لا أعرفه فسلم علي ابتداء سلام محب مشفق و قال لي يا محمد صدق الشيخ أبا العباس فيما ذكر لك عن فلان و سمي لنا الشخص الذي ذكره أبو العباس العريبي فقلت له نعم و علمت ما أراد و رجعت من حيني إلى الشيخ لأعرفه بما جرى فعند ما دخلت عليه قال لي يا أبا عبد الله أحتاج معك إذا ذكرت لك مسألة يقف خاطرك عن قبولها إلى الخضر يتعرض إليك يقول لك صدق فلانا فيما ذكره لك و من أين يتفق لك هذا في كل مسألة تسمعها مني فتتوقف فقلت إن باب التوبة مفتوح فقال و قبول التوبة واقع فعلمت إن ذلك الرجل كان الخضر و لا شك أني استفهمت الشيخ عنه أ هو هو قال نعم هو الخضر ثم اتفق لي مرة أخرى أني كنت بمرسى تونس بالحفرة في مركب في البحر فأخذني وجع في بطني و أهل المركب قد ناموا فقمت إلى جانب السفينة و تطلعت إلى البحر فرأيت شخصا على بعد في ضوء القمر و كانت ليلة البدر و هو يأتي على وجه الماء حتى وصل إلي فوقف معي و رفع قدمه الواحدة و اعتمد على الأخرى فرأيت باطنها و ما أصابها بلل ثم اعتمد عليها و رفع الأخرى فكانت كذلك ثم تكلم معي بكلام كان عنده ثم سلم و انصرف يطلب المنارة محرسا على شاطئ البحر على تل بيننا و بينه مسافة تزيد على ميلين فقطع تلك المسافة في خطوتين أو ثلاثة فسمعت صوته و هو على ظهر المنارة يسبح الله تعالى و ربما مشى إلى شيخنا جراح بن خميس الكتاني و كان من سادات القوم مرابطا بمرسى عيدون و كنت جئت من عنده بالأمس من ليلتي تلك فلما جئت المدينة لقيت رجلا صالحا فقال لي كيف كانت ليلتك البارحة في المركب مع الخضر ما قال لك و ما قلت له فلما كان بعد ذلك التأريخ خرجت إلى السياحة بساحل البحر المحيط و معي رجل ينكر خرق العوائد للصالحين فدخلت مسجدا خرابا منقطعا لأصلي فيه أنا و صاحبي صلاة الظهر فإذا بجماعة من السائحين المنقطعين دخلوا علينا يريدون ما نريده من الصلاة في ذلك المسجد و فيهم ذلك الرجل الذي كلمني على البحر الذي قيل لي إنه الخضر و فيهم رجل كبير القد أكبر منه منزلة و كان بيني و بين ذلك الرجل اجتماع قبل ذلك و مودة فقمت فسلمت عليه فسلم علي و فرح بي و تقدم بنا يصلي فلما فرغنا من الصلاة خرج الإمام و خرجت خلفه و هو يريد باب المسجد و كان الباب في الجانب الغربي يشرف على البحر المحيط بموضع يسمى بكة فقمت أ تحدث معه على باب المسجد و إذا بذلك الرجل الذي قلت إنه الخضر قد أخذ حصيرا صغيرا كان في محراب المسجد فبسطه في الهواء على قدر علو سبعة أذرع من الأرض و وقف على الحصير في الهواء ينتقل فقلت لصاحبي أما تنظر إلى هذا و ما فعل فقال لي سر إليه و سله فتركت صاحبي واقفا و جئت إليه فلما فرغ من صلاته سلمت عليه و أنشدته لنفسي‏

شغل المحب عن الهواء يسرهفي حب من خلق الهواء و سخره
العارفون عقولهم معقولةعن كل كون ترتضيه مطهره‏
فهمو لديه مكرمون و في الورىأحوالهم مجهولة و مسترة

فقال لي يا فلان ما فعلت ما رأيت إلا في حق هذا المنكر و أشار إلى صاحبي الذي كان ينكر خرق العوائد و هو قاعد في صحن المسجد ينظر إليه ليعلم أن الله يفعل ما يشاء مع من يشاء فرددت وجهي إلى المنكر و قلت له ما تقول فقال ما بعد العين ما يقال ثم رجعت إلى صاحبي و هو ينتظرني بباب المسجد فتحدثت معه ساعة و قلت له من هذا الرجل الذي صلى‏ في الهواء و ما ذكرت له ما اتفق لي معه قبل ذلك فقال لي هذا الخضر فسكت و انصرفت الجماعة و انصرفنا نريد روطة موضع مقصود يقصده الصلحاء من المنقطعين و هو بمقربة من بشكنصار على ساحل البحر المحيط فهذا ما جرى لنا مع هذا الوتد نفعنا الله برؤيته و له من العلم اللدني و من الرحمة بالعالم ما يليق بمن هو على رتبته و قد أثنى الله عليه‏ و اجتمع به‏رجل من شيوخنا و هو علي بن عبد الله بن جامع من أصحاب علي المتوكل و أبي عبد الله قضيب البان كان يسكن بالمقلى خارج الموصل في بستان له و كان الخضر قد ألبسه الخرقة بحضور قضيب البان و ألبسنيها الشيخ بالموضع الذي ألبسه فيه الخضر من بستانه و بصورة الحال التي جرت له معه في إلباسه إياها و قد كنت لبست خرقة الخضر بطريق أبعد من هذا من يد صاحبنا تقي الدين عبد الرحمن بن علي بن ميمون بن أب التوزري و لبسها هو من يد صدر الدين شيخ الشيوخ بالديار المصرية و هو ابن حمويه و كان جده قد لبسها من يد الخضر و من ذلك الوقت قلت بلباس الخرقة و ألبستها الناس لما رأيت الخضر قد اعتبرها و كنت قبل ذلك لا أقول بالخرقة المعروفة الآن فإن الخرقة عندنا إنما هي عبارة عن الصحبة و الأدب و التخلق و لهذا لا يوجد لباسها متصلا برسول الله صلى الله عليه و سلم و لكن توجد صحبة و أدبا و هو المعبر عنه بلباس التقوى فجرت عادة أصحاب الأحوال إذا رأوا أحدا من أصحابهم عنده نقص في أمر ما و أرادوا أن يكملوا له حاله يتحد به هذا الشيخ فإذا اتحد به أخذ ذلك الثوب الذي عليه في حال ذلك الحال و نزعه و أفرغه على الرجل الذي يريد تكملة حاله فيسري فيه ذلك الحال فيكمل له ذلك فذلك هو اللباس المعروف عندنا و المنقول عن المحققين من شيوخنا ‏ثم اعلم أن رجال الله على أربع مراتب رجال لهم الظاهر و رجال لهم الباطن و رجال لهم الحد و رجال لهم المطلع فإن الله سبحانه لما أغلق دون الخلق باب النبوة و الرسالة أبقى لهم باب الفهم عن الله فيما أوحى به إلى نبيه صلى الله عليه و سلم في كتابه العزيز و كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول إن الوحي قد انقطع بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما بقي بأيدينا إلا أن يرزق الله عبدا فهما في هذا القرآن‏ و قد أجمع أصحابنا أهل الكشف على صحة خبر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال في آي القرآن إنه ما من آية إلا و لها ظاهر و باطن و حد و مطلع‏ و لكل مرتبة من هذه المراتب رجال و لكل طائفة من هؤلاء الطوائف قطب و على ذلك القطب يدور فلك ذلك الكشف دخلت على شيخنا أبي محمد عبد الله الشكاز من أهل باغة بأغرناطة سنة خمس و تسعين و خمسمائة و هو من أكبر من لقيته في هذا الطريق لم أر في طريقه مثله في الاجتهاد فقال لي الرجال أربعة رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ و هم رجال الظاهر و رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله و هم رجال الباطن جلساء الحق تعالى و لهم المشورة و رجال الأعراف و هم رجال الحد قال الله تعالى وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ أهل الشم و التمييز و السراح عن الأوصاف فلا صفة لهم كان منهم أبو يزيد البسطامي و رجال إذا دعاهم الحق إليه يأتونه رجالا لسرعة الإجابة لا يركبون وَ أَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا و هم رجال المطلع فرجال الظاهر هم الذين لهم التصرف في عالم الملك و الشهادة و هم الذين كان يشير إليهم الشيخ محمد بن قائد الأواني و هو المقام الذي تركه الشيخ العاقل أبو السعود بن الشبل البغدادي أدبا مع الله أخبرني أبو البدر التماشكي البغدادي رحمه الله قال لما اجتمع محمد بن قائد الأواني و كان من الأفراد بأبي السعود هذا قال له يا أبا السعود إن الله قسم المملكة بيني و بينك فلم لا تتصرف فيها كما أتصرف أنا فقال له أبو السعود يا ابن قائد و هبتك سهمي نحن تركنا الحق يتصرف لنا و هو قوله تعالى فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا فامتثل أمر الله فقال لي أبو البدر قال لي أبو السعود إني أعطيت التصرف في العالم منذ خمس عشرة سنة من تاريخ قوله فتركته و ما ظهر علي منه شي‏ء و أما رجال الباطن فهم الذين لهم التصرف في عالم الغيب و الملكوت فيستنزلون الأرواح العلوية بهممهم فيما يريدونه و أعني أرواح الكواكب لا أرواح الملائكة و إنما كان ذلك لمانع إلهي قوي يقتضيه مقام الأملاك أخبر الله به في قول جبريل عليه السلام لمحمد صلى الله عليه و سلم فقال وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ و من كان تنزله بأمر ربه لا تؤثر فيه الخاصية و لا ينزل بها نعم أرواح الكواكب تستنزل بالأسماء و البخورات و أشباه ذلك لأنه تنزل معنوي و لمن يشاهد فيه صورا خيالي فإن ذات الكواكب لا تبرح من السماء مكانها و لكن قد جعل الله لمطارح شعاعاتها في عالم الكون و الفساد تأثيرات معتادة عند العارفين بذلك كالري عند شرب الماء و الشبع عند الأكل و نبات الحبة عند دخول الفصل بنزول المطر و الصحو حكمة أودعها العليم الحكيم جل و عز فيفتح لهؤلاء الرجال في باطن الكتب المنزلة و الصحف المطهرة و كلام العالم كله و نظم الحروف و الأسماء من جهة معانيها ما لا يكون لغيرهم اختصاصا إلهيا و أما رجال الحد فهم الذين لهم التصرف في عالم الأرواح النارية عالم البرزخ‏و الجبروت فإنه تحت الجبر أ لا تراه مقهورا تحت سلطان ذوات الأذناب و هم طائفة منهم من الشهب الثواقب فما قهرهم إلا بجنسهم فعند هؤلاء الرجال استنزال أرواحها و إحضارها و هم رجال الأعراف و الأعراف سور حاجز بين الجنة و النار برزخ باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فهو حد بين دار السعداء و دار الأشقياء دار أهل الرؤية و دار الحجاب و هؤلاء الرجال أسعد الناس بمعرفة هذا السور و لهم شهود الخطوط المتوهمة بين كل نقيضين مثل قوله بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فلا يتعدون الحدود و هم رجال الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فلهم في كل حضرة دخول و استشراف و هم العارفون بالصفات التي يقع بها الامتياز لكل موجود عن غيره من الموجودات العقلية و الحسية و أما رجال المطلع فهم الذين لهم التصرف في الأسماء الإلهية فيستنزلون بها منها ما شاء الله و هذا ليس لغيرهم و يستنزلون بها كل ما هو تحت تصريف الرجال الثلاثة رجال الحد و الباطن و الظاهر و هم أعظم الرجال و هم الملامية هذا في قوتهم و ما يظهر عليهم من ذلك شي‏ء منهم أبو السعود و غيره فهم و العامة في ظهور العجز و ظاهر العوائد سواء و كان لأبي السعود في هؤلاء الرجال تميز بل كان من أكبرهم و سمعه أبو البدر على ما حدثنا مشافهة يقول إن من رجال الله من يتكلم على الخاطر و ما هو مع الخاطر أي لا علم له بصاحبه و لا يقصد التعريف به و لما وصف لنا عمر البزاز و أبو البدر و غيرهما حال هذا الشيخ رأيناه يجري مع أحوال هذا الصنف العالي من رجال الله قال لي أبو البدر كان كثيرا ما ينشد بيتا لم نسمع منه غيره و هو

و أثبت في مستنقع الموت رجله و قال لها من دون أخمصك الحشر

و كان يقول ما هو إلا الصلوات الخمس و انتظار الموت و تحت هذا الكلام علم كبير و كان يقول الرجل مع الله تعالى كساعي الطير فم مشغول و قدم تسعى و هذا كله أكبر حالات الرجال مع الله إذ الكبير من الرجال من يعامل كل موطن بما يستحقه و موطن هذه الدنيا لا يمكن أن يعامله المحقق إلا بما ذكره هذا الشيخ فإذا ظهر في هذه الدار من رجل خلاف هذه المعاملة علم إن ثم نفسا و لا بد إلا أن يكون مأمورا بما ظهر منه و هم الرسل و الأنبياء عليهم السلام و قد يكون بعض الورثة لهم أمر في وقت بذلك و هو مكر خفي فإنه انفصال عن مقام العبودية التي خلق الإنسان لها و أما سر المنزل و المنازل فهو ظهور الحق بالتجلي في صور كل ما سواه فلو لا تجليه لكل شي‏ء ما ظهرت شيئية ذلك الشي‏ء قال تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فقوله إِذا أَرَدْناهُ هو التوجه الإلهي لإيجاد ذلك الشي‏ء ثم قال أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فنفس سماع ذلك الشي‏ء خطاب الحق تكون ذلك الشي‏ء فهو بمنزلة سريان الواحد في منازل العدد فتظهر الأعداد إلى ما لا يتناهى بوجود الواحد في هذه المنازل و لو لا وجود عينه فيها ما ظهرت أعيان الأعداد و لا كان لها اسم و لو ظهر الواحد باسمه في هذه المنزلة ما ظهر لذلك العدد عين فلا تجتمع عينه و اسمه معا أبدا فيقال اثنان ثلاثة أربعة خمسة إلى ما لا يتناهى و كل ما أسقطت واحدا من عدد معين زال اسم ذلك العدد و زالت حقيقته فالواحد بذاته يحفظ وجود أعيان الأعداد و باسمه يعدمها كذلك إذا قلت القديم فنى المحدث و إذا قلت الله فنى العالم و إذا أخليت العالم من حفظ الله لم يكن للعالم وجود و فنى و إذا سرى حفظ الله في العالم بقي العالم موجودا فبظهوره و تجليه يكون العالم باقيا و على هذه الطريقة أصحابنا و هي طريقة النبوة و المتكلمون من الأشاعرة أيضا عليها و هم القائلون بانعدام الأعراض لأنفسها و بهذا يصح افتقار العالم إلى الله في بقائه في كل نفس و لا يزال الله خلاقا على الدوام و غيرهم من أهل النظر لا يصح لهم هذا المقام و أخبرني جماعة من أهل النظر من علماء الرسوم أن طائفة من الحكماء عثروا على هذا و رأيته مذهبا لابن السيد البطليوسي في كتاب ألفه في هذا الفن وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏