اعلم أيها الولي الحميم أيدك الله بروح القدس و فهمك إن الرموز و الألغاز ليست مرادة لأنفسها و إنما هي مرادة لما رمزت له و لما ألغز فيها و مواضعها من القرآن آيات الاعتبار كلها و التنبيه على ذلك قوله تعالى وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ فالأمثال ما جاءت مطلوبة لأنفسها و إنما جاءت ليعلم منها ما ضربت له و ما نصبت من أجله مثلا مثل قوله تعالى أَنْزَلَ من السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ الله الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً فجعله كالباطل كما قال وَ زَهَقَ الْباطِلُ ثم قال وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الْأَرْضِ ضربه مثلا للحق كَذلِكَ يَضْرِبُ الله الْأَمْثالَ و قال فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ أي تعجبوا و جوزوا و اعبروا إلى ما أردته بهذا التعريف و إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ من عبرت الوادي إذا جزته و كذلك الإشارة و الإيماء قال تعالى لنبيه زكريا أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً أي بالإشارة و كذلك فَأَشارَتْ إِلَيْهِ في قصة مريم لما نذرت للرحمن أن تمسك عن الكلام و لهذا العلم رجال كبير قدرهم من أسرارهم سر الأزل و الأبد و الحال و الخيال و الرؤيا و البرازخ و أمثال هذه من النسب الإلهية و من علومهم خواص العلم بالحروف و الأسماء و الخواص المركبة و المفردة من كل شيء من العالم الطبيعي و هي الطبيعة المجهولة فأما علم سر الأزل فاعلم إن الأزل عبارة عن نفي الأولية لمن يوصف به و هو وصف لله تعالى من كونه إلها و إذا انتفت الأولية عنه تعالى من كونه إلها فهو المسمى بكل اسم سمي به نفسه أزلا من كونه متكلما فهو العالم الحي المريد القادر السميع البصير المتكلم الخالق البارئ المصور الملك لم يزل مسمى بهذه الأسماء و انتفت عنه أولية التقييد فسمع المسموع و أبصر المبصر إلى غير ذلك و أعيان المسموعات منا و المبصرات معدومة غير موجودة و هو يراها أزلا كما يعلمها أزلا و يميزها و يفصلها أزلا و لا عين لها في الوجود النفسي العيني بل هي أعيان ثابتة في رتبة الإمكان فالإمكانية لها أزلا كما هي لها حالا و أبدا لم تكن قط واجبة لنفسها ثم عادت ممكنة و لا محالا ثم عادت ممكنة بل كان الوجوب الوجودي الذاتي لله تعالى أزلا كذلك وجوب الإمكان للعالم أزلا فالله في مرتبته بأسمائه الحسنى يسمى منعوتا موصوفاتها فعين نسبة الأول له نسبة الآخر و الظاهر و الباطن لا يقال هو أول بنسبة كذا و لا آخر بنسبة كذا فإن الممكن مرتبط بواجب الوجود في وجوده و عدمه ارتباط افتقار إليه في وجوده فإن أوجده لم يزل في إمكانه و إن عدم لم يزل عن إمكانه فكما لم يدخل على الممكن في وجود عينه بعد أن كان معدوما صفة تزيله عن إمكانه كذلك لم يدخل على الخالق الواجب الوجود في إيجاده العالم وصف يزيله عن وجوب وجوده لنفسه فلا يعقل الحق إلا هكذا و لا يعقل الممكن لا هكذا فإن فهمت علمت معنى الحدوث و معنى القدم فقل بعد ذلك ما شئت فأولية العالم و آخريته أمر إضافي إن كان له آخر أما في الوجود فله آخر في كل زمان فرد و انتهاء عند أرباب الكشف و وافقتهم الحسبانية على ذلك كما وافقتهم الأشاعرة على إن العرض لا يبقى زمانين فالأول من العالم بالنسبة إلى ما يخلق بعده و الآخر من العالم بالنسبة إلى ما خلق قبلة و ليس كذلك معقولية الاسم الله بالأول و الآخر و الظاهر و الباطن فإن العالم يتعدد و الحق واحد لا يتعدد و لا يصح أن يكون أولا لنا فإن رتبته لا تناسب رتبتنا و لا تقبل رتبتنا أوليته و لو قبلت رتبتنا أوليته لاستحال علينا اسم الأولية بل كان ينطلق علينا اسم الثاني لأوليته و لسنا بثان له تعالى عن ذلك فليس هو بأول لنا فلهذا كان عين أوليته عين آخريته و هذا المدرك عزيز المنال يتعذر تصوره على من لا أنسة له بالعلوم الإلهية التي يعطيها التجلي و النظر الصحيح و إليه كان يشير أبو سعيد الخراز بقوله عرفت الله بجمعه بين الضدين ثم يتلو هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ فقد أبنت لك عن سر الأزل و إنه نعت سلبي و أما سر الأبد فهو نفي الآخرية فكما إن الممكن انتفت عنه الآخرية شرعا من حيث الجملة إذ الجنة و الإقامة فيها إلى غير نهاية كذلك الأولية بالنسبة إلى ترتيب الموجودات الزمانية معقولة موجودة فالعالم بذلك الاعتبار الإلهي لا يقال فيه أول و لا آخر و بالاعتبار الثاني هو أول و آخر بنسبتين مختلفتين بخلاف ذلك في إطلاقها على الحق عند العلماء بالله و أما سر الحال فهو الديمومة و ما لها أول و لا آخر و هو عين وجود كل موجود فقد عرفتك ببعض ما يعلمه رجال الرموز من الأسرار و سكت عن كثير فإن بابه واسع و علم الرؤيا و البرزخ و النسب الإلهية من هذا القبيل و الكلام فيها يطول و أما علومهم في الحروف و الأسماء فاعلم إن الحروف لها خواص و هي على ثلاثة أضرب منها حروف رقمية و لفظية و مستحضرة و أعني بالمستحضرة الحروف التي يستحضرها الإنسان في وهمه و خياله و يصورها فأما إن يستحضر الحروف الرقمية أو الحروف اللفظية و ما ثم للحروف رتبة أخرى فيفعل بالاستحضار كما يفعل بالكتاب أو التلفظ فأما حروف التلفظ فلا تكون إلا أسماء فذلك خواص الأسماء و أما المرقومة فقد لا تكون أسماء و اختلف أصحاب هذا العلم في الحرف الواحد هل يفعل أم لا فرأيت منهم من منع من ذلك جماعة و لا شك أني لما خضت معهم في مثل هذا أوقفتهم على غلطهم في ذلك الذي ذهبوا إليه و إصابتهم و ما نقصهم من العبارة عن ذلك و منهم من أثبت الفعل للحرف الواحد و هؤلاء أيضا مثل الذين منعوا مخطئون و مصيبون و رأيت منهم جماعة و أعلمتهم بموضع الغلط و الإصابة فاعترفوا كما اعترف الآخرون و قلت للطائفتين جربوا ما عرفتم من ذلك على ما بيناه لكم فجربوه فوجدوا الأمر كما ذكرناه ففرحوا بذلك و لو لا أني آليت عقدا أن لا يظهر مني أثر عن حرف لأريتهم من ذلك عجبا فاعلم إن الحرف الواحد سواء كان مرقوما أو متلفظا به إذا عرى القاصد للعمل به عن استحضاره في الرقم أو في اللفظ خيالا لم يعمل و إذا كان معه الاستحضار عمل فإنه مركب من استحضار و نطق أو رقم و غاب عن الطائفتين صورة الاستحضار مع الحرف الواحد فمن اتفق له الاستحضار مع الحرف الواحد و رأى العمل غفل عن الاستحضار و نسب العمل للحرف الواحد و من اتفق له التلفظ أو الرقم بالحرف الواحد دون استحضار فلم يعمل الحرف شيئا قال بمنع ذلك و ما واحد منهم تفطن لمعنى الاستحضار و هذه حروف الأمثال المركبة كالواوين و غيرهما فلما نبهناهم على مثل هذا جربوا ذلك فوجدوه صحيحا و هو علم ممقوت عقلا و شرعا فأما الحروف اللفظية فإن لها مراتب في العمل و بعض الحروف أعم عملا من بعض و أكثر فالواو أعم الحروف عملا لأن فيها قوة الحروف كلها و الهاء أقل الحروف عملا و ما بين هذين الحرفين من الحروف تعمل بحسب مراتبها على ما قررناه في كتاب المبادي و الغايات فيما تتضمنه حروف المعجم من العجائب و الآيات و هذا العلم يسمى علم الأولياء و به تظهر أعيان الكائنات أ لا ترى تنبيه الحق على ذلك بقوله كُنْ فَيَكُونُ فظهر الكون عن الحروف و من هنا جعله الترمذي علم الأولياء و من هنا منع من منع أن يعمل الحرف الواحد فإنه رأى مع الاقتدار الإلهي لم يأت في الإيجاد حرف واحد و إنما أتى بثلاثة أحرف حرف غيبي و حرفين ظاهرين إذا كان الكائن واحدا فإن زاد على واحد ظهرت ثلاثة أحرف فهذه علوم هؤلاء الرجال المذكورين في هذا الباب و عمل أكثر رجال هذا العلم لذلك جدولا و أخطئوا فيه و ما صح فلا أدري أ بالقصد عملوا ذلك حتى يتركوا الناس في عماية من هذا العلم أم جهلوا ذلك و جرى فيه المتأخر على سنن المتقدم و به قال تلميذ جعفر الصادق و غيره و هذا هو الجدول في طبائع الحروف
فكل حرف منها وقع في جدول الحرارة فهو حار و ما وقع منها في جدول البرودة فهو بارد و كذلك اليبوسة و الرطوبة و لم نر هذا الترتيب يصيب في كل عمل بل يعمل بالاتفاق كأعداد الوفق و اعلم أن هذه الحروف لم تكن لها هذه الخاصية من كونها حروفا و إنما كان لها من كونها أشكالا فلما كانت ذوات أشكال كانت الخاصية للشكل و لهذا يختلف عملها باختلاف الأقلام لأن الأشكال تختلف فأما الرقمية فأشكالها محسوسة بالبصر فإذا وجدت أعيانها و صحبتها أرواحها و حياتها الذاتية كانت الخاصية لذلك الحرف لشكله و تركيبه مع روحه و كذلك إن كان الشكل مركبا من حرفين أو ثلاثة أو أكثر كان للشكل روح آخر ليس الروح الذي كان للحرف على انفراده فإن ذلك الروح يذهب و تبقي حياة الحرف معه فإن الشكل لا يدبره سوى روح واحد و ينتقل روح ذلك الحرف الواحد إلى البرزخ مع الأرواح فإن موت الشكل زواله بالمحو و هذا الشكل الآخر المركب من حرفين أو ثلاثة أو ما كان ليس هو عين الحرف الأول الذي لم يكن مركبا إن عمرا ليس هو عين زيد و إن كان مثله و أما الحروف اللفظية فإنها تتشكل في الهواء و لهذا تتصل بالسمع على صورة ما نطق بها المتكلم فإذا تشكلت في الهواء قامت بها أرواحها و هذه الحروف لا يزال الهواء يمسك عليها شكلها و إن انقضى عملها فإن عملها إنما يكون في أول ما تتشكل في الهواء ثم بعد ذلك تلتحق بسائر الأمم فيكون شغلها تسبيح ربها و تصعد علوا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ و هو عين شكل الكلمة من حيث ما هي شكل مسبح لله تعالى و لو كانت كلمة كفر فإن ذلك يعود وباله على المتكلم بها لا عليها و لهذا قال الشارع إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما لا يظن أن تبلغ ما بلغت فيهوي بها في النار سبعين خريفا فجعل العقوبة للمتلفظ بها بسببها و ما تعرض إليها فهذا كلام الله سبحانه يعظم و يمجد و يقدس المكتوب في المصاحف و يقرأ على جهة القربة إلى الله و فيه جميع ما قالت اليهود و النصارى في حق الله من الكفر و السب و هي كلمات كفر عاد وبالها على قائلها و بقيت الكلمات على بابها تتولى يوم القيامة عذاب أصحابها أو نعيمهم و هذه الحروف الهوائية اللفظية لا يدركها موت بعد وجودها بخلاف الحروف الرقمية و ذلك لأن شكل الحرف الرقمي و الكلمة الرقمية تقبل التغيير و الزوال لأنه في محل يقبل ذلك و الأشكال اللفظية في محل لا يقبل ذلك و لهذا كان لها البقاء فالجو كله مملوء من كلام العالم يراه صاحب الكشف صورا قائمة و أما الحروف المستحضرة فإنها باقية إذ كان وجود أشكالها في البرزخ لا في الحس و فعلها أقوى من فعل سائر الحروف و لكن إذا استحكم سلطان استحضارها و اتحد المستحضر لها و لم يبق فيه متسع لغيرها و يعلم ما هي خاصيتها حتى يستحضرها من أجل ذلك فيرى أثرها فهذا شبيه الفعل بالهمة و إن لم يعلم ما تعطيه فإنه يقع الفعل في الوجود و لا علم له به و كذلك سائر أشكال الحروف في كل مرتبة و هذا الفعل بالحرف المستحضر يعبر عنه بعض من لا علم له بالهمة و بالصدق و ليس كذلك و إن كانت الهمة روحا للحرف المستحضر لا عين الشكل المستحضر و هذه الحضرة تعم الحروف كلها لفظيها و رقميها فإذا علمت خواص الأشكال وقع الفعل بها علما لكاتبها أو المتلفظ بها و إن لم يعين ما هي مرتبطة به من الانفعالات لا يعلم ذلك و قد أينا من قرأ آية من القرآن و ما عنده خبر فرأى أثرا غريبا حدث و كان ذا فطنة فرجع في تلاوته من قريب لينظر ذلك الأثر بأية آية يختص فجعل يقرأ و ينظر فمر بالآية التي لها ذلك الأثر فرأى الفعل فتعداها فلم ير ذلك الأثر فعاود ذلك مرارا حتى تحققه فاتخذها لذلك الانفعال و رجع كلما أراد أن يرى ذلك الانفعال تلا تلك الآية فظهر له ذلك الأثر و هو علم شريف في نفسه إلا أن السلامة منه عزيزة فالأولى ترك طلبه فإنه من العلم الذي اختص الله به أولياءه على الجملة و إن كان عند بعض الناس منه قليل و لكن من غير الطريق الذي يناله الصالحون و لهذا يشقى به من هو عنده و لا يسعد فالله يجعلنا من العلماء بالله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ