اعلم أيها الولي الحميم تولاك الله بعنايته إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ فقدم محبته إياهم على محبتهم إياه و قال أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي فقدم إجابته لنا إذا دعوناه على إجابتنا له إذا دعانا و جعل الاستجابة من العبيد لأنها أبلغ من الإجابة فإنه لا مانع له من الإجابة سبحانه فلا فائدة للتأكيد و للإنسان موانع من الإجابة لما دعاه الله إليه و هي الهوى و النفس و الشيطان و الدنيا فلذلك أمر بالاستجابة فإن الاستفعال أشد في المبالغة من الأفعال و أين الاستخراج من الإخراج و لهذا يطلب الكون من الله العون في أفعاله و يستحيل على الله أن يستعين بمخلوق قال تعالى تعليما لنا أن نقول وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ من هذا الباب فلهذا قال في هذا الباب صل فقد نويت وصالك فقد قدم الإرادة منه لذلك فقال صل فإذا تعملت في الوصلة فذلك عين وصلته بك فلذلك جعلها نية لا عملا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول الله تعالى من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا و هذا قرب مخصوص يرجع إلى ما تتقرب إليه سبحانه به من الأعمال و الأحوال فإن القرب العام قوله تعالى وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ و نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ فضاعف القرب بالذراع فإن الذراع ضعف للبشر أي قوله صل هو قرب ثم تقريب إليه شبرا فتبدي لك إنك ما تقربت إليه إلا به لأنه لو لا ما دعاك و بين لك طريق القربة و أخذ بناصيتك فيها ما تمكن لك أن تعرف الطريق التي تقرب منه ما هي و لو عرفنها لم يكن لك حول و لا قوة إلا به و لما كان القرب بالسلوك و السفر إليه لذلك كان من صفته النور لنهتدي به في الطريق كما قال تعالى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ الْبَرِّ و هو السلوك الظاهر بالأعمال البدنية وَ الْبَحْرِ و هو السلوك الباطن المعنوي بالأعمال النفسية فأصحاب هذا الباب معارفهم مكتسبة لا موهوبة و أكلهم من تحت أقدامهم أي من كسبهم لها و اجتهادهم في تحصيلها و لو لا ما أرادهم الحق لذلك ما وفقهم و لا استعملهم حين طرد غيرهم بالمعنى و دعاهم بالأمر فحرمهم الوصول بحرمانه إياهم استعمال الأسباب التي جعلها طريقا إلى الوصول من حضرة القرب و لذلك بشرهم فقال صل فقد نويت وصالك فسبقت لهم العناية فسلكوا و هم الذين أمرهم الله بلباس النعلين في الصلاة إذ كان القاعد لا يلبس النعلين و إنما وضعت للماشي فيها فدل إن المصلي يمشي في صلاته و مناجاة ربه في الآيات التي يناجيه فيها منزلا منزلا كل آية منزل و حال فقال لهم يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ قال الصاحب لما نزلت هذه الآية أمرنا فيها بالصلاة في النعلين فكان ذلك تنبيها من الله تعالى للمصلي أنه يمشي على منازل ما يتلوه في صلاته من سور القرآن إذ كانت السور هي المنازل لغة قال النابغة
أ لم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
أراد منزلة و قيل لموسى ع فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي قد وصلت المنزل فإنه كلمة الله بغير واسطة بكلامه سبحانه بلا ترجمان و لذلك أكده في التعريف لنا بالمصدر فقال تعالى وَ كَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيماً و من وصل إلى المنزل خلع نعليه فبانت رتبة المصلي بالنعلين و ما معنى المناجاة في الصلاة و إنها ليست بمعنى الكلام الذي حصل لموسى ع فإنه قال في المصلي يناجي و المناجاة فعل فاعلين فلا بد من لباس النعلين إذ كان المصلي مترددا بين حقيقتين و التردد بين أمرين يعطي المشي بينهما بالمعنى دل عليه باللفظ لباس النعلين و دل عليه قول الله تعالى بترجمة النبي صلى الله عليه و سلم عنه قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين فنصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل ثم قال يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فوصفه إن العبد مع نفسه في قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يسمع خالقه و مناجيه ثم يرحل العبد من منزل قوله إلى منزل سمعه ليسمع ما يجيبه الحق تعالى على قوله و هذا هو السفر فلهذا لبس نعليه ليسلك بهما الطريق الذي بين هذين المنزلين فإذا رحل إلى منزل سمعه سمع الحق يقول له حمدني عبدي فيرحل من منزل سمعه إلى منزل قوله فيقول الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإذا فرغ رحل إلى منزل سمعه فإذا نزل سمع الحق تعالى يقول له أثنى على عبدي فلا يزال مترددا في مناجاته قولا ثم له رحلة أخرى من حال قيامه في الصلاة إلى حال ركوعه فيرحل من صفة القيومية إلى صفة العظمة فيقول سبحان ربي العظيم و بحمده ثم يرفع و هو رحلته من مقام التعظيم إلى مقام النيابة فيقول سمع الله لمن حمده قال النبي صلى الله عليه و سلم إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد فلهذا جعلنا الرفع من الركوع نيابة عن الحق و رجوعا إلى القيومية فإذا سجد اندرجت العظمة في الرفعة الإلهية فيقول الساجد سبحان ربي الأعلى و بحمده فإن السجود يناقض العلو فإذا خلص العلو لله ثم رفع رأسه من السجود و استوى جالسا و هو قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فيقول رب اغفر لي و ارحمني و اهدني و ارزقني و اجبرني و عافني و اعف عني فهذه كلهامنازل و مناهل في الصلاة فعلا فهو مسافر من حال إلى حال فمن كان حاله السفر دائما كيف لا يقال له البس نعليك أي استعن في سيرك بالكتاب و السنة و هي زينة كل مسجد فإن أحوال الصلاة و ما يطرأ فيها من كلام الله و ما يتعرض في ذلك من الشبه في غوامض الآيات المتلوة و كون الإنسان في الصلاة يجعل الله في قبلته فيجده فهذه كلها بمنزلة لشوك و الوعر الذي يكون بالطريق و لا سيما طريق التكليف فأمر بلباس النعلين ليتقي بهما ما ذكرناه من الأذى لقدمي السالك اللتين هما عبارة عن ظاهره و باطنه فلهذا جعلناهما الكتاب و السنة و أما نعلا موسى ع فليستا هذه فإنه قال له ربه فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ فروينا أنهما كانتا من جلد حمار ميت فجمعت ثلاثة أشياء الشيء الواحد الجلد و هو ظاهر الأمر أي لا تقف مع الظاهر في كل الأحوال و الثاني البلادة فإنها منسوبة إلى الحمار و الثالث كونه ميتا غير مذكى و الموت الجهل و إذا كنت ميتا لا تعقل ما تقول و لا ما يقال لك و المناجي لا بد أن يكون بصفة من يعقل ما يقول و يقال له فيكون حي القلب فطنا بمواقع الكلام غواصا على المعاني التي يقصدها من يناجيه بها فإذا فرغ من صلاته سلم على من حضر سلام القادم من عند ربه إلى قومه بما أتحفه به فقد نبهتك على سر لباس النعلين في الصلاة في ظاهر الأمر و ما المراد بهما عند أهل طريق الله تعالى من العارفين قال صلى الله عليه و سلم الصلاة نور و النور يهتدى به و اسم الصلاة مأخوذة من المصلى و هو المتأخر الذي يلي السابق في الحلبة و لهذا ترجم هذا الباب بالوصلة و جعله من عالم النور و لأهل هذا المشهد نور خلع النعلين و نور لباس النعلين فهم المحمديون الموسويون المخاطبون من شجر الخلاف بلسان النور المشبه بالمصباح و هو نور ظاهر يمده نور باطن في زيت من شجرة زيتونة مباركة في خط الاعتدال منزهة عن تأثير الجهات كما كان الكلام لموسى ع من شجرة فهو نُورٌ عَلى نُورٍ أي نور من نور فأبدل حرف من بعلي لما يفهم به من قرينة الحال و قد تكون على على بابها فإن نور السراج الظاهر يعلو حسا على نور الزيت الباطن و هو الممد للمصباح فلو لا رطوبة الدهن تمد المصباح لم يكن للمصباح ذلك الدوام و كذلك إمداد التقوى للعلم العرفاني الحاصل منها في قوله تعالى وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله و قوله تعالى إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً لا يقطع ذلك العلم الإلهي فنور الزيت باطن في الزيت محمول فيه يسرى منه معنى لطيف في رقيقة من رقائق الغيب لبقاء نور المصباح و لا لأقطاب هذا المقام أسرار منها سر الإمداد و سر النكاح و سر الجوارح و سر الغيرة و سر العنين و هو الذي لا يقوم بالنكاح و سر دائرة الزمهرير و سر وجود الحق في السراب و سر الحجب الإلهية و سر نطق الطير و الحيوان و سر البلوغ و سر الصديقين وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ