اعلم أن أمهات المطالب أربعة و هي هل سؤال عن الوجود و ما و هو سؤال عن الحقيقة التي يعبر عنها بالماهية و كيف و هو سؤال عن الحال و لم و هو سؤال عن العلة و السبب و اختلف الناس فيما يصح منها أن يسأل بها عن الحق و اتفقوا على كلمة هل فإنه يتصور أن يسأل بها عن الحق و اختلفوا فيما بقي فمنهم من منع و منهم من أجاز فالذي منع و هم الفلاسفة و جماعة من الطائفة منعوا ذلك عقلا و منهم من منع ذلك شرعا فأما صورة منعهم عقلا أنهم قالوا في مطلب ما إنه سؤال عن الماهية فهو سؤال عن الحد و الحق سبحانه لا حد له إذ كان الحد مركبا من جنس و فصل و هذا ممنوع في حق الحق لأن ذاته غير مركبة من أمر يقع فيه الاشتراك فيكون به في الجنس و أمر يقع به الامتياز و ما ثم إلا الله و الخلق و لا مناسبة بين الله و العالم و لا الصانع و المصنوع فلا مشاركة فلا جنس فلا فصل و الذي أجاز ذلك عقلا و منعه شرعا قال لا أقول إن الحد مركب من جنس و فصل بل أقول إن السؤال بما يطلب به العلم بحقيقة المسئول عنه و لا بد لكل معلوم أو مذكور من حقيقة يكون في نفسه عليها سواء كان على حقيقة يقع له فيها الاشتراك أو يكون على حقيقة لا يقع له فيها الاشتراك فالسؤال بما يتصور و لكن ما ورد به الشرع فمنعنا من السؤال به عن الحق لقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و أما منعهم الكيفية و هو السؤال بكيف فانقسموا أيضا قسمين فمن قائل بأنه سبحانه ما له كيفية لأن الحال أمر معقول زائد على كونه ذاتا و إذا قام بذاته أمر وجودي زائد على ذاته أدى إلى وجود واجبي الوجود لذاتهما أزلا و قد قام الدليل على إحالة ذلك و إنه لا واجب إلا هو لذاته فاستحالت الكيفية عقلا و من قائل إن له كيفية و لكن لا نعلم فهي ممنوعة شرعا لا عقلا لأنها خارجة عن الكيفيات المعقولة عندنا فلا تعلم و قد قال ليس كمثله شيء يعني في كل ما ينسب إليه مما نسبه إلى نفسه يقول هو على ما تنسبه إلى الحق و إن وقع الاشتراك في اللفظ فالمعنى مختلف و أما السؤال بلم فممنوع أيضا لأن أفعال الله تعالى لا تعلل لأن العلة موجبة للفعل فيكون الحق داخلا تحت موجب أوجب عليه هذا الفعل زائد على ذاته و أبطل غيره إطلاق لم على فعله شرعا بأن قال لا ينسب إليه ما لم ينسب إلى نفسه فهذا معنى قولي شرعا لا أنه ورد النهي من الله عن كل ما ذكرنا منعه شرعا و هذا كله كلام مدخول لا يقع التخليص منه بالصحة و الفساد إلا بعد طول عظيم هذا قد ذكرنا طريقة من منع و أما من أجاز السؤال عنه بهذه المطالب من العلماء فهم أهل الشرع منهم و سبب إجازتهم لذلك إن قالوا ما حجر الشرع علينا حجرناه و ما أوجب علينا أن نخوض فيه خضنا فيه طاعة أيضا و ما لم يرد فيه تحجير و لا وجوب فهو عافية إن شئنا تكلمنا فيه و إن شئنا سكتنا عنه و هو سبحانه ما نهى فرعون على لسان موسى عليه السلام عن سؤاله بقوله و ما رب العالمين بل أجاب بما يليق به الجواب عن ذاك الجناب العالي و إن كان وقع الجواب غير مطابق للسؤال فذلك راجع لاصطلاح من اصطلح على أنه لا يسأل بذلك إلا عن الماهية المركبة و اصطلح على إن الجواب بالأثر لا يكون جوابا لمن سأل بما و هذا الاصطلاح لا يلزم الخصم فلم يمنع إطلاق هذا السؤال بهذه الصيغة عليه إذ كانت الألفاظ لا تطلب لأنفسها و إنما تطلب لما تدل عليه من المعاني التي وضعت لها فإنها بحكم الوضع و ما كل طائفة وضعتها بإزاء ما وضعتها الأخرى فيكون الخلاف في عبارة لا في حقيقة و لا يعتبر الخلاف إلا في المعاني و أما إجازتهم الكيفية فمثل إجازتهم السؤال بما و يحتجون في ذلك بقوله تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و قوله إن لله عينا و أعينا و يدا و إن بيده الميزان يخفض و يرفع و هذه كلها كيفيات و إن كانت مجهولة لعدم الشبه في ذلك و أما إجازتهم السؤال بلم و هو سؤال عن العلة فلقوله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فهذه لام العلة و السبب فإن ذلك في جواب من سأل لم خلق الله الجن و الإنس فقال الله لهذا السائل لِيَعْبُدُونِ أي لعبادتي فمن ادعى التحجير في إطلاق هذه العبارات فعليه بالدليل فيقال للجميع من المتشرعين المجوزين و المانعين كلكم قال و ما أصاب و ما من شيء قلتموه من منع و جواز إلا و عليكم فيه دخل و الأولى التوقف عن الحكم بالمنع أو بالجواز هذا مع المتشرعين و أما غير المتشرعين من الحكماء فالخوض معهم في ذلك لا يجوز إلا إن أباح الشرع ذلك أو أوجبه و أما إن لم يرد في الخوض فيه معهم نطق من الشارع فلا سبيل إلى الخوض فيه معهم فعلا و يتوقف في الحكم في ذلك فلا يحكم على من خاض فيه أنه مصيب و لا مخطئ و كذلك فيمن ترك الخوض إذ لا حكم إلا للشرع فيما يجوز أن يتلفظ به أو لا يتلفظ به يكون ذلك طاعة أو غير طاعة فهذا يا ولي قد فصلنا لك مآخذ الناس في هذه المطالب و أما العلم النافع في ذلك أن نقول كما أنه سبحانه لا يشبه شيئا كذلك لا تشبهه الأشياء و قد قام الدليل العقلي و الشرعي على نفي التشبيه و إثبات التنزيه من طريق المعنى و ما بقي الأمر إلا في إطلاق اللفظ عليه سبحانه الذي أباح لنا إطلاقه عليه في القرآن أو على لسان رسوله فأما إطلاقه عليه فلا يخلو إما أن يكون العبد مأمورا بذلك الإطلاق فيكون إطلاقه طاعة فرضا و يكون المتلفظ به مأجورا مطيعا مثل قوله في تكبيرة الإحرام الله أكبر و هي لفظة وزنها يقتضي المفاضلة و هو سبحانهلا يفاضل و إما أن يكون مخيرا فيكون بحسب ما يقصده المتلفظ و بحسب حكم الله فيه و إذا أطلقناه فلا يخلو الإنسان إما أن يطلقه و يصحب نفسه في ذاك الإطلاق المعنى المفهوم منه في الوضع بذلك اللسان أو لا يطلقه إلا تعبدا شرعيا على مراد الله فيه من غير أن يتصور المعنى الذي وضع له في ذلك اللسان كالفارسي الذي لا يعلم اللسان العربي و هو يتلو القرآن و لا يعقل معناه و له أجر التلاوة كذلك العربي فيما تشابه من القرآن و السنة يتلوه أو يذكر به ربه تعبدا شرعيا على مراد الله فيه من غير ميل إلى جانب بعينه مخصص فإن التنزيه و نفي التشبيه يطلبه أن وقف بوهمه عند التلاوة لهذه الآيات فالأسلم و الأولى في حق العبد أن يرد علم ذلك إلى الله في إرادته إطلاق تلك الألفاظ عليه إلا إن أطلعه الله على ذلك و ما المراد بتلك الألفاظ من نبي أو ولي محدث ملهم عَلى بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ فيما يلهم فيه أو يحدث فذلك مباح له بل واجب عليه أن يعتقد المفهوم منه الذي أخبر به في الهامة أو في حديثه و ليعلم أن الآيات المتشابهات إنما نزلت ابتلاء من الله لعباده ثم بالغ سبحانه في نصيحة عباده في ذلك و نهاهم أن يتبعوا المتشابه بالحكم أي لا يحكموا عليه بشيء فإن تأويله لا يعلمه إلا الله و أما الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ إن علموه فبإعلام الله لا بفكرهم و اجتهادهم فإن الأمر أعظم أن تستقل العقول بإدراكه من غير إخبار إلهي فالتسليم أولى وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و أما قوله أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ و أطلق النظر على الكيفيات فإن المراد بذلك بالضرورة المكيفات لا التكييف فإن التكييف راجع إلى حالة معقولة لها نسبة إلى المكيف و هو الله تعالى و ما أحد شاهد تعلق القدرة الإلهية بالأشياء عند إيجادها قال تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فالكيفيات المذكورة التي أمرنا بالنظر إليها لا فيها إنما ذلك لنتخذها عبرة و دلالة على إن لها من كيفها أي صيرها ذات كيفيات و هي الهيئات التي تكون عليها المخلوقات المكيفات فقال أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ... وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ و غير ذلك و لا يصح أن تنظر إلا حتى تكون موجودة فننظر إليها و كيف اختلفت هيئاتها و لو أراد بالكيف حالة الإيجاد لم يقل انظر إليها فإنها ليست بموجودة فعلمنا إن الكيف المطلوب منا في رؤية الأشياء ما هو ما يتوهم من لا علم له بذلك أ لا تراه سبحانه لما أراد النظر الذي هو الفكر قرنه بحرف في و لم يصحبه لفظ كيف فقال تعالى أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ المعنى أن يفكروا في ذلك فيعلموا أنها لم تقم بأنفسها و إنما أقامها غيرها و هذا النظر لا يلزم منه وجود الأعيان مثل النظر الذي تقدم و إنما الإنسان كلف أن ينظر بفكره في ذلك لا بعينه و من الملكوت ما هو غيب و ما هو شهادة فما أمرنا قط بحرف في إلا في المخلوقات لا في الله لنستدل بذلك عليه أنه لا يشبهها إذ لو أشبهها لجاز عليه ما يجوز عليها من حيث ما أشبهها و كان يؤدي ذلك إلى أحد محظورين إما أن يشبهها من جميع الوجوه و هو محال لما ذكرناه أو يشبهها من بعض الوجوه و لا يشبهها من بعض الوجوه فتكون ذاته مركبة من أمرين و التركيب في ذات الحق محال فالتشبيه محال و الذي يليق بهذا الباب من الكلام يتعذر إيراده مجموعا في باب واحد لما يسبق إلى الأوهام الضعيفة من ذلك لما فيه من الغموض و لكن جعلناه مبددا في أبواب هذا الكتاب فاجعل بالك منه في أبواب الكتاب تعثر على مجموع هذا الباب و لا سيما حيثما وقع لك مسألة تجل إلهي فهناك قف و انظر تجد ما ذكرته لك مما يليق بهذا الباب و القرآن مشحون بالكيفية فإن الكيفيات أحوال و الأحوال منها ذاتية للمكيف و منها غير ذاتية و الذاتية حكمها حكم المكيف سواء كان المكيف يستدعي مكيفا في كيفيته أو كان لا يستدعي مكيفا لتكييفه بل كيفيته عين ذاته و ذاته لا تستدعي غيرها لأنها لنفسها هي فكيفيته كذلك لأنها عينه لا غيره و لا زائد عليه فافهم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب الثامن و العشرون في معرفة أقطاب أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ)
العلم بالكيف مجهول و معلوملكنه بوجود الحق موسوم
فظاهر الكون تكييف و باطنهعلم يشار إليه فهو مكتوم
من أعجب الأمر أن الجهل من صفتيبما لنا فهو في التحقيق معلوم
و كيف أدرك من بالعجز أدركهو كيف أجهله و الجهل معدوم
قد حرت فيه و في أمري و لست أناسواه فالخلق ظلام و مظلوم
إن قلت إني يقول الإن منه أناأو قلت إنك قال الإن مفهوم
فالحمد لله لا أبغي به بدلاو إنما الرزق بالتقدير مقسوم