اعلم أيدك الله أن أصحاب النجب في العرف هم الركبان قال الشاعر
فليت لي بهمو قوما إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانا و ركبانا
الفرسان ركاب الخيل و الركبان ركاب الإبل فالأفراس في المعروف تركبها جميع الطوائف من عجم و عرب و الهجن لا يستعملها إلا العرب و العرب أرباب الفصاحة و الحماسة و الكرم و لما كانت هذه الصفات غالبة على هذه الطائفة سميناهم بالركبان فمنهم من يركب نجب الهمم و منهم من يركب نجب الأعمال فلذلك جعلناهم طبقتين أولى و ثانية و هؤلاء أصحاب الركبان هم الأفراد في هذه الطريقة فإنهم رضي الله عنهم على طبقات فمنهم الأقطاب و منهم الأئمة و منهم الأوتاد و منهم الأبدال و منهم النقباء و منهم النجباء و منهم الرجبيون و منهم الأفراد و ما منهم طائفة إلا و قد رأيت منهم و عاشرتهم ببلاد المغرب و ببلاد الحجاز و الشرق فهذا الباب مختص بالإفراد و هي طائفة خارجة عن حكم القطب وحدها ليس للقطب فيهم تصرف و لهم من الأعداد من الثلاثة إلى ما فوقها من الأفراد ليس لهم و لا لغيرهم فيما دون الفرد الأول الذي هو الثلاثة قدم فإن الأحدية و هو الواحد لذات الحق و الاثنان للمرتبة و هو توحيد الألوهية و الثلاثة أول وجود الكون عن الله فالأفراد في الملائكة الملائكة المهيمون في جمال الله و جلاله الخارجون عن الأملاك المسخرة و المدبرة اللذين هما في عالم التدوين و التسطير و هم من القلم و العقل إلى ما دون ذلك و الأفراد من الإنس مثل المهيمة من الأملاك فأول الأفراد الثلاثة و قد قال صلى الله عليه و سلم الثلاثة ركب فأول الركب الثلاثة إلى ما فوق ذلك و لهم من الحضرات الإلهية الحضرة الفردانية و فيها يتميزون و من الأسماء الإلهية الفرد و المواد الواردة على قلوبهم من المقام الذي ترد منه على الأملاك المهيمة و لهذا يجهل مقامهم و ما يأتون به مثل ما أنكر موسى عليه السلام على خضر مع شهادة الله فيه لموسى عليه السلام و تعريفه بمنزلته و تزكية الله إياه و أخذه العهد عليه إذ أراد صحبته و لما علم الخضر أن موسى عليه السلام ليس له ذوق في المقام الذي هو الخضر عليه كما إن الخضر ليس له ذوق فيما هو موسى عليه من العلم الذي علمه الله إلا أن مقام الخضر لا يعطي الاعتراض على أحد من خلق الله لمشاهدة خاصة هو عليها و مقام موسى و الرسل يعطي الاعتراض من حيث هم رسل لا غير في كل ما يرونه خارجا عما أرسلوا به و دليل ما ذهبنا إليه في هذا قول الخضر لموسى عليه السلام وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً فلو كان الخضر نبيا لما قال له ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً فالذي فعله لم يكن من مقام النبوة و قال له في انفراد كل واحد منهما بمقامه الذي هو عليه قال الخضر لموسى عليه السلام يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت و أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا و افترقا و تميزا بالإنكار فالإنكار ليس من شأن الأفراد فإن لهم الأولية في الأمور فهم ينكر عليهم و لا ينكرون قال الجنيد لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق و ذلك لأنهم يعلمون من الله ما لا يعلمه غيرهم و هم أصحاب العلم الذي كان يقول فيه علي بن أبي طالب رضيالله عنه حين يضرب بيده إلى صدره و يتنهد إن هاهنا لعلوما جمة لو وجدت لها حملة فإنه كان من الأفراد و لم يسمع هذا من غيره في زمانه إلا أبي هريرة ذكر مثل هذا خرج البخاري في صحيحة عنه أنه قال حملت عن النبي صلى الله عليه و سلم جوابين أما الواحد فبثثته فيكم و أما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم البلعوم مجرى الطعام فأبو هريرة ذكر أنه حمله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان فيه ناقلا عن غير ذوق و لكنه علم لكونه سمعه من رسول الله صلى الله عليه و سلم و نحن إنما نتكلم فيمن أعطى عين الفهم في كلام الله تعالى في نفسه و ذلك علم الأفراد و كان من الأفراد عبد الله بن العباس البحر كان يلقب به لاتساع علمه فكان يقول في قوله عز و جل الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ من الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لو ذكرت تفسيره لرجمتموني و في رواية لقلتم إني كافر و إلى هذا العلم كان يشير على ابن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين عليهم الصلاة و السلام بقوله فلا أدري هل هما من قيله أو تمثل بهما
فنبه بقوله يعبد الوثنا على مقصوده ينظر إليه تأويل قوله صلى الله عليه و سلم إن الله خلق آدم على صورته بإعادة الضمير على الله تعالى و هو من بعض محتملاته بالله يا أخي أنصفي فيما أقوله لك لا شك أنك قد أجمعت معي على أنه كل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من الأخبار في كل ما وصف به فيها ربه تعالى من الفرح و الضحك و التعجب و التبشبش و الغضب و التردد و الكراهة و المحبة و الشوق إن ذلك و أمثاله يجب الايمان به و التصديق فلو هبت نفحات من هذه الحضرة الإلهية كشفا و تجليا و تعريفا إلهيا على قلوب الأولياء بحيث أن يعلموا بإعلام الله و شاهدوا بإشهاد الله من هذه الأمور المعبر عنها بهذه الألفاظ على لسان الرسول و قد وقع الايمان مني و منك بهذا كله إذا أتى بمثله هذا الولي في حق الله تعالى أ لست تزندقه كما قال الجنيد أ لست تقول إن هذا مشبه هذا عابد وثن كيف وصف الحق بما وصف به المخلوق ما فعلت عبدة الأوثان أكثر من هذا كما قال علي بن الحسين أ لست كنت تقتله أو تفتي بقتله كما قال ابن عباس فبأي شيء آمنت و سلمت لما سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه و سلم في حق الله من الأمور التي تحيلها الأدلة العقلية و منعت من تأويلها و الأشعري تأولها على وجوه من التنزيه في زعمه فأين الإنصاف فهلا قلت القدرة واسعة أن تعطي لهذا الولي ما أعطت للنبي من علوم الأسرار فإن ذلك ليس من خصائص النبوة و لا حجر الشارع على أمته هذا الباب و لا تكلم فيه بشيء بل قال إن يكن في أمتي محدثون فعمر منهم فقد أثبت النبي صلى الله عليه و سلم أن ثم من يحدث ممن ليس بنبي و قد يحدث بمثل هذا فإنه خارج عن تشريع الأحكام من الحلال و الحرام فإن ذلك أعني التشريع من خصائص النبوة و ليس الاطلاع على غوامض العلوم الإلهية من خصائص نبوة التشريع بل هي سارية في عباد الله من رسول و ولي و تابع و متبوع يا ولي فأين الإنصاف منك أ ليس هذا موجودا في الفقهاء و أصحاب الأفكار الذين هم فراعنة الأولياء و دجاجة عباد الله الصالحين و الله يقول لمن عمل منا بما شرع الله له إن الله يعلمه و يتولى تعليمه بعلوم أنتجتها أعماله قال تعالى وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله وَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و قال إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و من أقطاب هذا المقام عمر بن الخطاب و أحمد بن حنبل و لهذا قال صلى الله عليه و سلم في عمر بن الخطاب يذكر ما أعطاه الله من القوة يا عمر ما لقيك الشيطان في فج إلا سلك فجا غير فجك! فدل على عصمته بشهادة المعصوم و قد علمنا إن الشيطان ما يسلك قط بنا إلا إلى الباطل و هو غير فج عمر بن الخطاب فما كان عمر يسلك إلا فجاج الحق بالنص فكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم في جميع مسالكه و للحق صولة و لما كان الحق صعب المرام قويا حمله على النفوس لا تحمله و لا تقبله بل تمجه و ترده لهذا قال صلى الله عليه و سلم ما ترك الحق لعمر من صديق و صدق صلى الله عليه و سلم يعني في الظاهر و الباطن أما في الظاهر فلعدم الإنصاف و حب الرئاسة و خروج الإنسان عن عبوديته و اشتغاله بما لا يعنيه و عدم تفرغه لما دعي إليه من شغله بنفسه و عيبه عن عيوب الناس و أما في الباطن فما ترك الحق لعمر في قلبه من صديق فما كان له تعلق إلا بالله ثم الطامة الكبرى أنك إذا قلت لواحد من هذه الطائفة المنكرة اشتغل بنفسك يقول لك إنما أقوم حماية لدينالله و غيرة له و الغيرة لله من الايمان و أمثال هذا و لا يسكن و لا ينظر هل ذلك من قبيل الإمكان أم لا أعني أن يكون الله قد عرف وليا من أوليائه بما يجريه في خلقه كالخضر و يعلمه علوما من لدنه تكون العبارة عنها بهذه الصيغ التي ينطق بها الرسول صلى الله عليه و سلم كما قال الخضر وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي و آمن هذا المنكر بها على زعمه إذ جاء بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فو الله لو كان مؤمنا بها ما أنكرها على هذا الولي لأن الشارع ما أنكر إطلاقها في جناب الحق من استواء و نزول و معية و ضحك و فرح و تبشبش و تعجب و أمثال ذلك و ما ورد عنه صلى الله عليه و سلم قط أنه حجرها على أحد من عباد الله بل أخبر عن الله أنه يقول لنا لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ففتح لنا و ندبنا إلى التأسي به صلى الله عليه و سلم و قال فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله و هذا من اتباعه و التأسي به فمن التأسي به إذا ورد علينا من الحق سبحانه وارد حق فعلمنا من لدنه علما فيه رحمة حبانا الله بها و عناية حيث كنا في ذلك على بينة من ربنا و يتلوها شاهد منا و هو اتباعنا سنته و ما شرع لنا لم نخل بشيء منها و لا ارتكبنا مخالفة بتحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل فنطلب لذلك المعلوم الذي علمناه من جانب الحق أمثال هذه العبارات النبوية لنفصح بها عن ذلك و لا سيما إذا سألنا عن شيء من ذلك لأن الله أخبر عمن هذه صفته أنه يدعو إلى الله على بصيرة فمن التأسي المأمور به برسول الله صلى الله عليه و سلم أن نطلق على تلك المعاني هذه الألفاظ النبوية إذ لو كان في العبارة عنها ما هو أفصح منها لا طلقها صلى الله عليه و سلم فإنه المأمور بتبيين ما أنزل به علينا و لا نعدل إلى غيرها لما نريده من البيان مع التحقق ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فإنا إذا عدلنا إلى عبارة غيرها ادعينا بذلك أنا أعلم بحق الله و أنزه من رسول الله صلى الله عليه و سلم و هذا أسوأ ما يكون من الأدب ثم إن المعنى لا بد أن يختل عند السامع إذ كان ذلك اللفظ الذي خالفت به لفظ من كان أفصح الناس و هو رسول الله صلى الله عليه و سلم و القرآن لا يدل على ذلك المعنى بحكم المطابقة فشرع لنا التأسي و غاب هذا المنكر المكفر من أتى بمثل هذا عن النظر في هذا كله و ذلك لأمرين أو لأحدهما إن كان عالما فلحسد قام به قال تعالى حَسَداً من عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ و إن كان جاهلا فهو بالنبوة أجهل يا ولي لقينا من أقطاب هذا المقام بجبل أبي قبيس بمكة في يوم واحد ما يزيد على السبعين رجلا و ليس لهذه الطبقة تلميذ في طريقهم أصلا و لا يسلكون أحدا بطريق التربية لكن لهم الوصية و النصيحة و نشر العلم فمن وفق أخذ به و يقال إن أبا السعود بن الشبل كان منهم و ما لقيته و لا رأيته و لكن شممت له رائحة طيبة و نفسا عطريا و بلغني أن عبد القادر الجيلي و كان عدلا قطب وقته شهد لمحمد بن قائد الأواني بهذا المقام كذا نقل إلي و العهدة على الناقل فإن ابن قائد زعم أنه ما رأى هناك أمامه سوى قدم نبيه و هذا لا يكون إلا لأفراد الوقت فإن لم يكن من الأفراد فلا بد أن يرى قدم قطب وقته أمامه زائدا على قدم نبيه إن كان إماما و إن كان وتدا فيرى أمامه ثلاثة أقدام و إن كان بدلا يرى أربعة قدام و هكذا إلا أنه لا بد أن يكون في حضرة الاتباع مقاما فإذا لم يقم في حضرات الاتباع و عدل به عن يمين الطريق بين المخدع و بين الطريق فإنه لا يبصر قدما أمامه و ذلك هو طريق الوجه الخاص الذي من الحق إلى كل موجود و من ذلك الوجه الخاص تنكشف للأولياء هذه العلوم التي تنكر عليهم و يزندقون بها و يزندقهم بها و يكفرهم من يؤمن بها إذا جاءته عن الرسل و هي العلوم عينها و هي التي ذكرناها آنفا و لأصحاب هذا المقام التصريف و التصرف في العالم فالطبقة الأولى من هؤلاء تركت التصرف لله في خلقه مع التمكن و تولية الحق لهم إياه تمكنا لا أمرا لكن عرضا فلبسوا الستر و دخلوا في سرادقات الغيب و استتر و بحجب العوائد و لزموا العبودة و الافتقار و هم الفتيان الظرفاء الملامتية الأخفياء الأبرياء و كان أبو السعود منهم كان رحمه الله ممن امتثل أمر الله في قوله تعالى فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا فالوكيل له التصرف فلو أمر امتثل الأمر هذا من شأنهم و أما عبد القادر فالظاهر من حاله إنه كان مأمورا بالتصرف فلهذا ظهر عليه هذا هو الظن بأمثاله و أما محمد الأواني فكان يذكر إن الله أعطاه التصرف فقبله فكان يتصرف و لم يكن مأمورا فابتلي فنقصه من المعرفة القدر الذي علا أبو السعود به عليه فنطق أبو السعود بلسان الطبقة الأولى من طائفة الركبان و سميناهم أقطابا لثبوتهم و لأن هذا المقام أعني مقام العبودة يدور عليهم لم أرد بقطبيتهم أن لهم جماعة تحت أمرهم يكونون رؤساء عليهم و أقطابا لهم هم أجل من ذلك و أعلى فلا رياسة أصلا لهم في نفوسهم لتحققهم بعبوديتهمو لم يكن لهم أمر إلهي بالتقدم فما ورد عليهم فيلزمهم طاعته لما هم عليه من التحقق أيضا بالعبودية فيكونون قائمين به في مقام العبودية بامتثال أمر سيدهم و أما مع التخيير و العرض أو طلب تحصيل المقام فإنه لا يظهر به إلا من لم يتحقق بالعبودة التي خلق لها فهذا يا ولي قد عرفتك في هذا الباب بمقاماتهم و بقي التعريف بأصولهم و تعيين أحوال الأقطاب المدبرين من الطبقة الثانية منهم نذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ لا رب غيره