قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الحادي و الثلاثون في معرفة أصول الركبان)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
حدب الدهر علينا و حناو مضى في حكمه و ما ونى‏
و عشقناه فغنينا عسىيطرب الدهر بإيقاع الغنا
نحن حكمناك في أنفسنافاحكم إن شئت علينا أو لنا
و لقد كان له الحكم و ماكان ذاك الحكم للدهر بنا
فشفيعي هو دهري و الذيصرف الدهر كذا صرفنا
فركبنا نطلب الأصل الذيجعل السر لدينا علنا
فلنا منه الذي حركناو له منا الذي سكننا
حركات الدهر فينا شهدتأنه قال له ما سكنا
فأنا العبد الذليل المجتبىو أنا حق و ما الحق أنا

اعلم أيدك الله أن الأصول التي اعتمد عليها الركبان كثيرة منها التبري من الحركة إذا أقيموا فيها فلهذا ركبوا فهم الساكنون على مراكبهم المتحركون بتحريك مراكبهم فهم يقطعون ما أمروا بقطعه بغيرهم لا بهم فيصلون مستريحين مما تعطيه مشقة الحركة متبرءين من الدعوى التي تعطيها الحركة حتى لو افتخروا بقطع المسافات البعيدة في الزمان القليل لكان ذلك الفخر راجعا للمركب الذي قطع بهم تلك المسافة لا لهم فلهم التبري و ما لهم الدعوى فهجيرهم لا حول و لا قوة إلا بالله و آيتهم وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ يقال لهم و ما قطعتم هذه المسافات حين قطعتموها و لكن الركاب قطعتها فهم المحمولون فليس للعبد صولة لا بسلطان سيده و له الذلة و العجز و المهانة و الضعف من نفسه و لما رأوا أن الله قد نبه بقوله تعالى وَ لَهُ ما سَكَنَ فأخلصه له علموا إن الحركة فيها الدعوى و أن السكون لا تشوبه دعوى فإنه نفي الحركة فقالوا إن الله قد أمرنا بقطع هذه المسافة المعنوية وجوب هذه المفاوز المهلكة إليه فإن نحن قطعناها بنفوسنا لم نأمن على نفوسنا من أن نتمدح بذلك في حضرة الاتصال فإنها مجبولة على الرعونة و طلب التقدم و حب الفخر فنكون من أهل النقص في ذلك المقام بقدر ما ينبغي أن نحترم به ذلك الجلال الأعظم‏ فلنتخذ ركابا نقطع به فإن أرادت الافتخار يكون الافتخار للركاب لا للنفوس فاتخذت من لا حول و لا قوة إلا بالله نجبا لما كانت النجب أصبر عن الماء و العلف من الأفراس و غيرها و الطريق معطشة جدبة يهلك فيها من المراكب من ليس له مرتبة النجب فلهذا اتخذوها نجبا دون غيرها مما يصح أن يركب و لا يصح أن يقطع ذلك الحمد لله فإن هذا الذكر من خصائص الوصول و لا سبحان الله فإنه من خصائص التجلي و لا لا إله إلا الله فإنه من خصائص الدعاوي و لا الله أكبر فإنه من خصائص المفاضلة فتعين لا حول و لا قوة إلا بالله فإنه من خصائص الأعمال فعلا و قولا ظاهرا و باطنا لأنهم بالأعمال أمروا و السفر عمل قلبا و بدنا و معنى و حسا و ذلك مخصوص بلا حول و لا قوة إلا بالله فإنه بها يقولون لا إله إلا الله و بها نقول سبحان الله و غير ذلك من جميع الأقوال و الأعمال‏ و لما كان السكون عدم الحركة و العدم أصلهم لأنه قوله وَ قَدْ خَلَقْتُكَ من قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً يريد موجودا فاختاروا السكون على الحركة و هو الإقامة على الأصل فنبه سبحانه و تعالى في قوله وَ لَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أن الخلق سلموا له العدم و ادعوا له في الوجود فمن باب الحقائق عرى الحق خلقه في هذه الآية عن إضافة ما ادعوه لأنفسهم بقوله وَ لَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أي ما ثبت و الثبوت أمر وجودي عقلي لا عيني بل نسبي وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يسمع‏دعواكم في نسبة ما هو له و قد نسبتموه إليكم عليم بأن الأمر على خلاف ما دعيتموه‏ و من أصولهم التوحيد بلسان بي يتكلم و بي يسمع و بي يبصر و هذا مقام لا يحصل إلا عن فروع الأعمال و هي النوافل فإن هذه الفروع تنتج المحبة الإلهية و المحبة تورث العبد أن يكون بهذه الصفة فتكون هذه الصفة أصلا لهذا الصف من العباد فيما يعلمونه و يحكمون به من أحكام الخضر و علمه فهو أصل مكتسب و هو للخضر أصل عناية إلهية بالرحمة التي آتاه الله و عن تلك الرحمة كان له هذا العلم الذي طلب موسى عليه السلام أن يعلمه منه فإن تفطنت لهذا الأمر الذي أوردناه عرفت قدر ولاية هذه الملة المحمدية و الأمة و منزلتها و أن ثمرة زهرة فروع أصلها المشروع لها في العامة هي أصل الخضر الذي امتن الله تعالى على عبده موسى عليه السلام بلقائه و أدبه به فانتج للمحمدي فرع فرع فرع أصله ما هو أصل للخضر و مثل موسى عليه السلام يطلب منه أن يعلمه مما هو عليه من العلم فانظر منزلة هذا العارف المحمدي أين تميزت فكيف لك بما ينتجه الأصل الذي ترجع إليه هذه الفروع‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يرويه عن ربه إن الله يقول ما تقرب إلي المتقربون بأحب إلي من أداء ما افترضته عليهم‏ فهذا هو الأصل أداء الفرض ثم قال و لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل و هو ما زاد على الفرائض و لكن من جنسها حتى تكون الفرائض أصلا لها مثل نوافل الخيرات من صلاة و زكاة و صوم و حج و ذكر فهذا هو الفرع الأقرب إلى الأصل ثم ينتج له هذا العمل الذي هو نافلة محبة الله إياه و هي محبة خاصة جزاء ليست هي محبة الامتنان فإن محبة الامتنان الأصلية اشترك فيها جميع أهل السعادة عند الله تعالى و هي التي أعطت لهؤلاء التقرب إلى الله بنوافل الخيرات ثم إن هذه المحبة و هي الفرع الثاني الذي هو بمنزلة الزهرة أنتجت له أن يكون الحق سمعه و بصره و يده إلى غير ذلك و هذا هو الفرع الثالث و هو بمنزلة الثمرة التي تعقد عند الزهرة فعند ذلك يكون العبد يسمع بالحق و ينطق به و يبصر به و يبطش به و يدرك به و هذا وحي خاص إلهي أعطاه هذا المقام ليس للملك فيه وساطة من الله و لهذا قال الخضر لموسى عليه السلام ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً فإن وحي الرسل إنما هو بالملك بين الله و بين رسوله فلا خبر له بهذا الذوق في عين إمضاء الحكم في عالم الشهادة فما تعود الإرسال لتشريع الأحكام الإلهية في عالم الشهادة إلا بواسطة الروح الذي ينزل به على قلبه أو في تمثله لم يعرف الرسول الشريعة إلا على هذا الوصف لا غير الشريعة فإن الرسول له قرب أداء الفرض و المحبة عليها من الله و ما تنتج له تلك المحبة و له قرب النوافل و محبتها و ما يعطيه محبتها و لكن من العلم بالله لا من علم التشريع و إمضاء الحكم في عالم الشهادة فلم يحط به خبرا من هذا القبيل فهذا القدر هو الذي اختص به خضر دون موسى عليه السلام‏ و من هذا الباب يحكم المحمدي الذي لم يتقدم له علم بالشريعة بوساطة النقل و قراءة الفقه و الحديث و معرفة الأحكام الشرعية فينطق صاحب هذا المقام بعلم الحكم المشروع على ما هو عليه في الشرع المنزل من هذه الحضرة و ليس من الرسل و إنما هو تعريف إلهي و عصمة يعطيها هذا المقام ليس للرسالة فيه مدخل فهذا معنى قوله ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً فإن الرسول لا يأخذ هذا الحكم إلا بنزول الروح الأمين على قلبه أو بمثال في شاهده يتمثل له الملك رجلا و لما كانت النبوة قد منعت و الرسالة كذلك بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم كان التعريف لهذا الشخص بما هو الشرع المحمدي عليه في عالم الشهادة فلو كان في زمان التشريع كما كان زمان موسى لظهر الحكم من هذا الولي كما ظهر من الخضر من غير وساطة ملك بل من حضرة القرب فالرسول و النبي لهما حضرة القرب مثل ما لهذا و ليس له التشريع منها بل التشريع لا يكون له لا بوساطة الملك الروح و ما بقي إلا إذا حصل للنبي المتأخر من شرع المتقدم ما هو شرع له هل يحصل ذلك بوساطة الروح كسائر شرعه أو يحصل له كما حصل للخضر و لهذا الولي منا من حضرة الوحي فمذهبي أنه لا يحصل له إلا كما يحصل ما يختص به من الشرائع ذلك الرسول و لهذا ليصدق الثقة العدل في قوله ما لم تحط به خبرا و ما يعرف له منازع و لا مخالف فيما ذكرناه من أهل طريقنا و لا وقفنا عليه غير أنه إن خالفنا فيه أحد من أهل طريقنا فلا يتصور فيه خلاف لنا إلا من أحد رجلين إما رجل من أهل الله التبس عليه الأمر و جعل التعريف الإلهي حكما فأجاز أن يكون النبي أو الرسول كذلك و لكن في هذه الأمة و أما في الزمان الأول فهو حكم لصاحبه و لا بد و هو تعريف للرسول بوساطة الملك أن هذا شرع‏لغيره قال تعالى لما ذكر الأنبياء أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و ما ذكر له هداهم إلا بالوحي بوساطة لروح و الرجل الآخر رجل قاس الحكم على الأخبار و أما غير ذلك فلا يكون و مع هذا فلم يصل إلينا عن أحد منهم خلاف فيما ذكرناه و لا وفاق‏ و من أصول هذه الطبقة أيضا أنه يتكلم بما به يسمع و لا يقول بذلك سواهم من حيث الذوق لكن قد يقول بذلك من يقول به من حيث الدليل العقلي فهؤلاء يأخذونه عن تجل إلهي و غيرهم يأخذه عن نظر صحيح موافق للأمر على ما هو عليه و هو الحق و وقوع الاختلاف في الطريق فهذا الطريق غير هذا الطريق و إن اتفقا في المنزل و هو الغاية فهو السميع لنفسه البصير لنفسه العالم لنفسه و هكذا كل ما تسميه به أو تصفه أو تنعته إن كنت ممن يسي‏ء الأدب مع الله حيث يطلق لفظ صفة على ما نسب إليه أو لفظ نعت فإنه ما أطلق على ذلك إلا لفظ اسم فقال سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ و تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ و لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ بِها و قال في حق المشركين قُلْ سَمُّوهُمْ و ما قال صفوهم و لا أنعتوهم بل قال سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ فنزه نفسه عن الوصف لفظا و معنى إن كنت من أهل الأدب و التفطن فهذا معنى قولي إن كنت ممن يسي‏ء الأدب مع الله‏ و المخالف لنا يقول إنه يعلم بعلم و يقدر بقدرة و يبصر ببصر و هكذا جميع ما يتسمى به إلا صفات التنزيه فإنه لا يتكلم فيها بهذا النوع كالغني و أشباهه إلا بعضهم فإنه جعل ذلك كله معاني قائمة بذات الله لا هي هو و لا هي غيره و لكن هي أعيان زائدة على ذاته و الأستاذ أبو إسحاق جعل السبعة أصولا لا أعيانا زائدة على ذاته اتصفت بها ذاته و جعل كل اسم بحسب ما تعطيه دلالته فجعل صفات التنزيه كلها في جدول الاسم الحي و جعل الخبير و الحسيب و العليم و المحصي و أخواته في جدول العلم و جعل الاسم الشكور في جدول الكلام و هكذا الحق الكل كل صفة من السبعة ما يليق بها من الأسماء بالمعنى كالخالق و الرازق للقدرة و غير ذلك على هذا الأسلوب هذا مذهب الأستاذ و أجمع المتكلمون من الأشاعرة على إن ثم أمورا زائدة على الذات و نصبوا على ذلك أدلة ثم إنهم مع إجماعهم على الزائد لم يجدوا دليلا قاطعا على إن هذا الزائد على الذات هل هو عين واحدة لها أحكام مختلفة و إن كان زائدا لا بد من ذلك أو هل هذا الزائد أعيان متعددة لم يقل حاذقوهم في ذلك شيئا بل قال بعضهم يمكن أن يكون الأمر في نفسه يرجع إلى عين واحدة و يمكن أن يرجع إلى أعيان مختلفة إلا أنه زائد و لا بد و لا فائدة جاء بها هذا المتكلم إلا عدم التحكم فإن الذات إذا قبلت عينا واحدة زائدة جاز أن تقبل عيونا كثيرة زائدة على ذاتها فيكون القدماء لا يحصون كثرة و هو مذهب أبي بكر بن الطيب و الخلاف في ذلك يطول و ليس طريقنا على هذا بنى أعني في الرد عليهم و منازعتهم لكن طريقنا تبيين مآخذ كل طائفة و من أين انتحلته في نحلها و ما تجلى لها و هل يؤثر ذلك في سعادتها أو لا يؤثر هذا حظ أهل طريق الله من العلم بالله فلا نشتغل بالرد على أحد من خلق الله بل ربما يقيم لهم العذر في ذلك للاتساع الإلهي فإن الله أقام العذر فيمن يدعو مع الله إلها آخر ببرهان يرى أنه دليل في زعمه فقال عز من قائل وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به‏ و من أصولهم الأدب مع الله تعالى فلا يسمونه إلا بما سمي به نفسه و لا يضيفون إليه إلا ما أضافه إلى نفسه كما قال تعالى ما أَصابَكَ من حَسَنَةٍ فَمِنَ الله و قال في السيئة وَ ما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ثم قال قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله قال ذلك في الأمرين إذا جمعتهما لا تقل من الله فراع اللفظ و اعلم أن لجمع الأمر حقيقة تخالف حقيقة كل مفرد إذا انفرد و لم يجتمع مع غيره كسواد المداد بين العفص و الزاج ففصل سبحانه بين ما يكون منه و بين ما يكون من عنده يقول تعالى في حق طائفة مخصوصة وَ الله خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ ببنية المفاضلة و لا مناسبة و قال في حق طائفة أخرى معينة صفتها وَ ما عِنْدَ الله خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ فما هو عنده ما هو عين ما هو منه و لا عين هويته فبين الطائفتين ما بين المنزلتين كما قيل لواحد ما تركت لأهلك قال الله و رسوله و قيل للآخر فقال نصف مالي فقال بينكما ما بين كلمتيكما يعني في المنزلة فإذا أخذ العبد من كل ما سواه جعله في الله خير و أبقى و إذا أخذه من وجه من العالم يقتضي الحجاب و البعد و الذم جعله فيما عند الله خير و أبقى فميز المراتب ثم إنه سبحانه عرفنا بأهل الأدب و منزلهم من العلم به فقال عن إبراهيم خليله أنه قال الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ و لم يقل يجوعني وَ إِذا مَرِضْتُ و لم يقل أمرضني فَهُوَ يَشْفِينِ فأضاف الشفاء إليه و المرض لنفسه و إن كان الكل من عنده و لكنه تعالى هو أدب رسله إذ كان‏المرض لا تقبله النفوس بخلاف الموت فإن الفضلاء من العقلاء العارفين يطلبون الموت للتخلص من هذا الحبس و تطلبه الأنبياء للقاء الله الذي يتضمنه و كذلك أهل الله و لذلك ما خير نبي في الموت إلا اختاره لأن فيه لقاء الله فهو نعمة منه عليه و منة و المرض شغل شاغل عن أداء ما أوجب الله على العبد أداءه من حقوق الله لإحساسه بالألم و هو في محل التكليف و ما يحس بالألم إلا الروح الحيواني فيشغل الروح المدبر لجسده عما دعي إليه في هذه الدنيا فلهذا أضاف المرض إليه و الشفاء و الموت للحق كما فعل صاحب موسى عليه السلام في إضافة خرق السفينة إليه إذ جعل خرقها عيبا و أضاف قتل الغلام إليه و إلى ربه لما فيه من الرحمة بابويه و ما ساءهما من ذلك أضافه إليه و أضاف إقامة الجدار إلى ربه لما فيه من الصلاح و الخير فقال تعالى عن عبده خضر في خرق السفينة فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها تنزيها أن يضيف إلى الجناب العالي ما ظاهره ذم في العرف و العادة و قال في إقامة الجدار لما جعل إقامته رحمة باليتيمين لما يصيبانه من الخير الذي هو الكنز فَأَرادَ رَبُّكَ يخبر موسى عليه السلام أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً من رَبِّكَ و قال لموسى في حق الغلام إنه طبع كافرا و الكفر صفة مذمومة قال تعالى وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ و أراد أن يخبره بأن الله يبدل أبويه خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً فأراد أن يضيف ما كان في المسألة من العيب في نظر موسى ع حيث جعله نكرا من المنكر و جعله نفسا زاكية قتلت بِغَيْرِ نَفْسٍ قال فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما فأتى بنون الجمع فإن في قتله أمرين أمر يؤدي إلى الخير و أمر إلى غير ذلك في نظر موسى و في مستقر العادة فما كان من خير في هذا الفعل فهو لله من حيث ضمير النون و ما كان فيه من نكر في ظاهر الأمر و في نظر موسى عليه السلام في ذلك الوقت كان للخضر من حيث ضمير النون فنون الجمع لها وجهان لما فيها من الجمع وجه إلى الخير به أضاف الأمر إلى الله و وجه إلى العيب به أضاف العيب إلى نفسه و جاء بهذه المسألة و الواقعة في الوسط لا في الطرف بين السفينة و الجدار ليكون ما فيها من عيب من جهة السفينة و ما فيها من خير من جهة الجدار فلو كانت مسألة الغلام في الطرف ابتداء أو انتهاء لم تعط الحكمة أن يكون كل وجه مخلصا من غير أن يشوبه شي‏ء من الخير أو ضده فلو كان أولا و كانت السفينة وسط لم يصل ما في مسألة الغلام من الخير الذي له و لأبويه حتى يمر على حضرة مصيبة ظاهرا و هي السفينة و حينئذ يتصل بالخير الذي في الجدار و لو كان الجدار وسطا و تأخر حديث الغلام لم يصل عيب السفينة إلى الاتصال بعيب الغلام حتى يمر بخير ما في الجدار فيمر بغير المناسب و من شأن الحضرات أن تقلب أعيان الأشياء أعني صفاتها إذا مرت بها فكانت مسألة الغلام وسطا فيلي وجه العيب جهة السفينة و يلي جهة الخير جهة الجدار و استقامت الحكمة فإن قلت فلم جمع بين الله و بين نفسه في ضمير النون أعني نون فأردنا و قال صلى الله عليه و سلم لما سمع بعض الخطباء و قد جمع بين الله تعالى و رسول الله صلى الله عليه و سلم في ضمير واحد في قوله و من يعصهما بئس الخطيب أنت‏ فاعلم أنه من الباب الذي قررناه و هو أنه لا يضاف إلى الحق إلا ما أضافه الحق إلى نفسه أو أمر به رسوله أو من آتاه علما من لدنه كالخضر المنصوص عليه فهذا من ذلك الباب فلما كان هذا الخطيب عريا من العلم اللدني و لم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم تقدم إليه في إباحة مثل هذا لهذا ذمه و قال بئس الخطيب أنت فإنه كان ينبغي له أن لا يجمع بين الحق و الخلق في ضمير واحد إلا بإذن إلهي من رسول أو علم لدني و لم يكن واحد من هذين الأمرين عنده فلهذا ذمه رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث رويناه عنه في خطبة خطبها فذكر الله تعالى فيها و ذكر نفسه صلى الله عليه و سلم ثم جمع بين ربه تعالى و بين نفسه فيها في ضمير واحد فقال من يُطِعِ الله وَ رَسُولَهُ فقد رشد و من يعصهما فلا يضر إلا نفسه و لا يضر الله شيئا وَ ما يَنْطِقُ صلى الله عليه و سلم عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ و كذا قال الخضر وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي يعني جميع ما فعله من الأعمال و جميع ما قال من الأقوال في العبارة لموسى عليه السلام عن ذلك فافهم‏ فبهذا قد أبنت لك عن أصولهم ما فيه كفاية فالركبان هم المرادون المجذوبون المصونة أسرارهم في البيض فلا يتخللها هواء مثل القاصرات الطرف من الحور المقصورات في الخيام كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ‏ و من صفاتهم أنهم لا يكشفون وجوههم عند النوم و لا ينامون إلا على ظهورهم لهم التلقي لا يتحركون إلا عن أمر إلهي و لا يسكنون إلا كذلك بإرادة إرادتهم ما يراد بهم و لما كان السكون أمرا عدميا لذلك‏قرنا به الإرادة دون الأمر و لما كان التحرك أمرا وجوديا لذلك قرنا به الأمر الإلهي إن فهمت و هم رضي الله عنهم لا يزاحمون و لا يزاحمون أكثر ما يجري على ألسنتهم ما شاء الله سخرت لهم السحاب لهم القدم الراسخة في علم الغيوب لهم في كل ليلة معراج روحاني بل في كل نومة من ليل أو نهار لهم استشراف على بواطن العالم فرأوا ملكوت السموات و الأرض يقول الله تعالى وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ من الْمُوقِنِينَ و قال في حق رسول الله صلى الله عليه و سلم سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ من آياتِنا و هو عين إسرائه و العلماء ورثة الأنبياء أحوالهم الكتمان لو قطعوا إربا إربا ما عرف ما عندهم لهذا قال خضر ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي فالكتمان من أصولهم إلا أن يؤمروا بالإفشاء و الإعلان وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏