قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثاني و الثلاثون في معرفة الأقطاب المدبرين أصحاب الركاب من الط

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن التدبر معشوق لصاحبهبه تعشقت الأسماء و الدول‏
عليه عند الذي يقضي سوالفهفي كل ما يقتضيه كونه العمل‏
به ترتب ما في الكون من عجبفكل كون له في علمه أجل‏

لقيت من هؤلاء الطبقة جماعة بإشبيلية من بلاد الأندلس منهم أبو يحيى الصنهاجى الضرير كان يسكن بمسجد الزبيدي صحبته إلى أن مات و دفن بجبل عال كثير الرياح بالشرق فكل الناس شق عليهم طلوع الجبل لطوله و كثرة رياحه فسكن الله الريح فلم تهب من الوقت الذي وضعناه في الجبل و أخذ الناس في حفر قبره و قطع حجره إلى أن فرغنا منه و واريناه في روضته و انصرفنا فعند انصرافنا هبت الريح على عادتها فتعجب الناس من ذلك و منهم أيضا صالح البربري و أبو عبد الله الشرفي و أبو الحجاج يوسف الشبربلي فأما صالح فساح أربعين سنة و لزم بإشبيلية مسجد الرطند إلى أربعين سنة على التجريد بالحالة التي كان عليها في سياحته و أما أبو عبد الله الشرفي فكان صاحب خطوة بقي نحوا من خمسين سنة ما أسرج له سراجا في بيته رأيت له عجائب و أما أبو الحجاج الشبر بلي من قرية يقال لها شبربل بشرق إشبيلية كان ممن يمشي على الماء و تعاشره الأرواح و ما من واحد من هؤلاء إلا و عاشرته معاشرة مودة و امتزاج و محبة منهم فينا و قد ذكرناهم مع أشياخنا في الدرة الفاخرة عند ذكرنا من انتفعت به في طريق الآخرة فكان هؤلاء الأربعة من أهل هذا المقام و هم من أكابر الأولياء الملامية جعل بأيديهم علم التدبير و التفصيل فلهم الاسم المدبر المفصل و هجيرهم يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ هم العرائس أهل المنصات فلهم الآيات المعتادة و غير المعتادة فالعالم كله عندهم آيات بينات و العامة ليست الآيات عندهم إلا التي هي عندهم غير معتادة فتلك تنبههم إلى تعظيم الله و الله قد جعل الآيات المعتادة لأصناف مختلفين من عباده فمنها للعقلاء مثل قوله تعالى إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ الله من السَّماءِ من ماءٍ فَأَحْيا به الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها من كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فثم آيات للعقلاء كلها معتادة و آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وآيات لِأُولِي الْأَلْبابِ و آيات لِأُولِي النُّهى‏ و آيات للسامعين و هم أهل الفهم عن الله و آيات للعالمين و آيات للعالمين و آيات للمؤمنين و آيات للمتفكرين و آيات لأهل التذكر فهؤلاء كلهم أصناف نعتهم الله بنعوت مختلفة و آيات مختلفات كلها ذكرها لنا في القرآن إذا بحثت عليها و تدبرتها علمت أنها آيات و دلالات على أمور مختلفة ترجع إلى عين واحدة غفل عن ذلك أكثر الناس و لهذا عدد الأصناف‏ فإن من الآيات المذكورة المعتادة ما يدرك الناس دلالتها من كونهم ناسا و جنا و ملائكة و هي التي وصف بإدراكها العالم بفتح اللام و من الآيات ما تغمض بحيث لا يدركها إلا من له التفكر السليم و من الآيات ما هي دلالتها مشروطة بأولي الألباب و هم العقلاء الناظرون في لب الأمور لا في قشورها فهم الباحثون عن المعاني و إن كانت الألباب و النهي العقول فلم يكتف سبحانه بلفظة العقل حتى ذكر الآيات لأولي الألباب فما كل عاقل ينظر في لب الأمور و بواطنها فإن أهل الظاهر لهم عقول بلا شك و ليسوا بأولي الألباب‏ و لا شك أن العصاة لهم عقول و لكن ليسوا بأولي نهى فاختلفت صفاتهم إذ كانت كل صفة تعطي صنفا من العلم لا يحصل إلا لمن حاله تلك الصفة فما ذكرها الله سدى و كثر الله ذكر الآيات في القرآن العزيز ففي مواضع أردفها و تلا بعضها بعضا و أردف صفة العارفين بها و في مواضع أفردها فمثل إرداف بعضها على بعض مساقها في سورة الروم فلا يزال يقول تعالى وَ من آياتِهِ وَ من آياتِهِ وَ من آياتِهِ فيتلوها جميع الناس و لا يتنبه لها إلا الأصناف الذين ذكرهم في كل آية خاصة فكان تلك الآيات في حق أولئك أنزلت آيات و في حق غيرهم لمجرد التلاوة ليؤجروا عليها و لما قرأت هذه السورة و أنا في مقام هذه الطبقة و وصلت إلى قوله وَ من آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ابْتِغاؤُكُمْ من فَضْلِهِ تعجبت كل العجب من حسن نظم القرآن و جمعه و لما ذا قدم ما كان ينبغي في النظر العقلي في ظاهر الأمر أن يكون على غير هذا النظم فإن النهار لابتغاء الفضل و الليل للمنام كما قال في القصص وَ من رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ فأعاد الضمير على الليل وَ لِتَبْتَغُوا من فَضْلِهِ يريد في النهار فأضمر و إن كان الضميران يعودان على المعنى المقصود فقد يعمل الصانع بالليل و يبيع و يشتري بالليل كما أنه ينام أيضا و يسكن بالنهار و لكن الغالب في الأمور هو المعتبر فلاح لي من خلف ستارة هذه الآية و حسن العبارة عنها الرافعة سترها و هو قوله مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ أمر زائد على ما يفهم منه في العموم بقرائن الأحوال في ابتغاء الفضل للنهار و المنام لليل ما نذكره‏ و هو أن الله نبه بهذه الآية على إن نشأة الآخرة الحسية لا تشبه هذه النشأة الدنياوية و إنها ليست بعينها بل تركيب آخر و مزاج آخر كما وردت به الشرائع و التعريفات النبوية في مزاج تلك الدار و إن كانت هذه الجواهر عينها بلا شك فإنها التي تبعثر في القبور و تنشر و لكن يختلف التركيب و المزاج بأعراض و صفات تليق بتلك الدار لا تليق بهذه الدار و إن كانت الصورة واحدة في العين و السمع و الأنف و الفم و اليدين و الرجلين بكمال النشأة و لكن الاختلاف بين فمنه ما يشعر به و يحس و منه ما لا يشعر به و لما كانت صورة الإنشاء في الدار الآخرة على صورة هذه لنشأة لم يشعر بما أشرنا إليه و لما كان الحكم يختلف عرفنا إن المزاج اختلف فهذا الفرق بين حظ الحس و العقل‏ فقال تعالى وَ من آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ و لم يذكر اليقظة و هي من جملة لآيات فذكر المنام دون اليقظة في حال الدنيا فدل على إن اليقظة لا تكون إلا عند الموت و أن الإنسان نائم أبدا ما لم يمت فذكر أنه في منام بالليل و النهار في يقظته و نومه و في الخبر الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا أ لا ترى أنه لم يأت بالباء في قوله تعالى وَ النَّهارِ و اكتفى بباء الليل ليحقق بهذه المشاركة أنه يريد المنام في حال اليقظة المعتادة فحذفها مما يقوي الوجه الذي أبرزناه في هذه الآية فالمنام هو ما يكون فيه النائم في حال نومه فإذا استيقظ يقول رأيت كذا و كذا فدل إن الإنسان في منام ما دام في هذه النشأة في الدنيا إلى أن يموت فلم يعتبر الحق اليقظة المعتادة عندنا في العموم بل جعل الإنسان في منام في نومه و يقظته كما أوردناه في الخبر النبوي من‏ قوله صلى الله عليه و سلم الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فوصفهم بالنوم في الحياة الدنيا و العامة لا تعرف النوم في المعتاد إلا ما جرت به العادة أن يسمى نوما فنبه النبي صلى الله عليه و سلم بل صرح أن الإنسان في منام ما دام في الحياة الدنيا حتى ينتبه في الآخرة و الموت أول أحوال الآخرة فصدقه الله بما جاء به في قوله تعالى وَ من آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ و هو النوم العادي وَ النَّهارِ و هو هذا المنام الذي صرح به رسول الله صلى الله عليه و سلم و لهذا جعل الدنيا عبرة جسرا يعبر أي تعبر كما تعبر الرؤيا التي يراها الإنسان في نومه فكما إن الذي يراه الرائي في حال نومه ما هو مراد لنفسه إنما هو مراد لغيره فيعبر من تلك الصورة المرئية في حال النوم إلى معناها المراد بها في عالم اليقظة إذا استيقظ من نومه كذلك حال الإنسان في الدنيا ما هو مطلوب للدنيا فكل ما يراه من حال و قول و عمل في الدنيا إنما هو مطلوب للآخرة فهناك يعبر و يظهر له ما رآه في الدنيا كما يظهر له في الدنيا إذا استيقظ ما رآه في المنام فالدنيا جسر يعبر و لا يعمر كالإنسان في حال ما يراه في نومه يعبر و لا يعمر فإنه إذا استيقظ لا يجد شيئا مما رآه من خير يراه أو شر و ديار و بناء و سفر و أحوال حسنة أو سيئة فلا بد أن يعبر له العارف بالعبارة ما رآه فيقول له تدل رؤياك لكذا على كذا فكذلك الحياة الدنيا منام إذا انتقل إلى الآخرة بالموت لم ينتقل معه شي‏ء مما كان في يده و في حسه من دار و أهل و مال كما كان حين استيقظ من نومه لم ير شيئا في يده مما كان له حاصلا في رؤياه في حال نومه فلهذا قال تعالى إننا في منام بالليل و النهار و في الآخرة تكون اليقظة و هناك تعبر الرؤيا فمن نور الله عين بصيرته و عبر رؤياه هنا قبل الموت أفلح و يكون فيها مثل من رأى رؤيا ثم رأى في رؤياه إنه استيقظ فيقص ما رآه و هو في النوم على حاله على بعض الناس الذين يراهم في نومه فيقول رأيت كذا و كذا فيفسره و يعبره له ذلك الشخص بما يراه في علمه بذلك فإذا استيقظ حينئذ يظهر له أنه لم يزل في منام في حال الرؤيا و في حال التعبير لها و هو أصح التعبير و كذلك الفطن اللبيب في هذه الدار مع كونه في منامه يرى أنه استيقظ فيعبر رؤياه في منامه لينتبه و يزدجر و يسلك الطريق الأسد فإذا استيقظ بالموت حمد رؤياه و فرح بمنامه و أثمرت له رؤياه خيرا فلهذه الحقيقة ما ذكر الله في هذه الآية اليقظة و ذكر المنام و أضافه إلينا بالليل و النهار و كان ابتغاء الفضل فيه في حق من رأى في نومه أنه استيقظ في نومه فيعبر رؤياه و هي حالة الدنيا و الله يلهمنا رشد أنفسنا هذا من قوله تعالى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ فهذا تفصيل آيات المنام بالليل و النهار و الابتغاء من الفضل و جعله آيات لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي يفهمون كما قال وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ أراد الفهم عن الله و قال فيهم صُمٌّ مع كونهم يسمعون بُكْمٌ مع كونهم يتكلمون عُمْيٌ مع كونهم يبصرون فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ فنبهتك على ما أراد بالسمع و الكلام و البصر هنا فهذه الطبقة الركبانية الثانية مأخذهم للأشياء على هذا الحد الذي ذكرناه في هذه الآية و إنما ذكرنا هذا المأخذ لنعرفك بطريقتهم فتتبين لك منزلتهم من غيرهم فلطائفهم بالآيات المنصوبة المعتادة و غير المعتادة قائمة ناظرة إلى نفوس العالم ناظرة إلى الوجوه العرضية التي إليها يتوجهون بسبب أغراضهم ناظرة إلى الحدود الإلهية فيما إليه يتوجهون لا يغفلون عن النظر في ذلك طرفة عين فغفلتهم التي تقتضيها جبلتهم إنما متعلقها منهم عما ضمن لهم فهم متيقظون فيما طلب منهم غافلون عما ضمن لهم حتى لا يخرجون عن حكم الغفلة فإنها من جبلة الإنسان و غير هذه الطائفة صرفتها الغفلة عما يراد منها فإن كان الذي يقع إليه التوجه طاعة نظروا في دقائق تحصيلها و نظروا إلى الأمر الإلهي الذي يناسبها و الاسم الإلهي الذي له السلطان عليها فيفصل لهم الأمر الإلهي الآية التي يطلبونها فإن كانت الآية معتادة مثل اختلاف الليل و النهار و تسخير السحاب و غير ذلك من الآيات المعتادة التي لا خبر لنفوس العامة بكونها حتى يفقدوها فإذا فقدوها حينئذ خرجوا للاستسقاء و عرفوا في ذلك الوقت موضع دلالتها و قدرها و إنهم كانوا في آية و هم لا يشعرون فإذا جاءتهم و أمطروا عادوا إلى غفلتهم هذا حال العامة كما قال الله فيهم معجلا في هذه الدار هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ في الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ في الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ من كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ و إِذا هُمْ يَبْغُونَ في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يقول الله لهم يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا و هكذا يقولون في النار يا لَيْتَنا نُرَدُّ قال تعالى وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ كما عاد أصحاب الفلك إلى شركهم و بغيهم بعد إخلاصهم لله فإذا نظرت هذه الطائفة إلى هذه الآيات أرسلوها مع أمرها الإلهي إلى حيث دعاها و إن كانت الآية غير معتادة نظروا أي اسم إلهي يطلبها فإن طلبها القهار و أخواته فهي آية رهبة و زجر و وعيد أرسلوها على النفوس و إن طلبها أعني تلك الآية الاسم اللطيف و أخواته فهي آية رغبة أرسلوها على الأرواح فأشرق لها نور شعشعاني على النفوس فجنحت بذلك النفوس إلى بارئها فرزقت التوفيق و الهداية و أعطيت التلذذ بالأعمال فقامت فيها بنشاط و تعرت فيها من ملابس الكسل و تبغض إليها معاشرة البطالين و صحبة الغافلين اللاهين عن ذكر الله و يكرهون الملأ و الجلوة و يؤثرون الانفراد و الخلوة و لهذه الطبقة الثانية حقيقة ليلة القدر و كشفها و سرها و معناها و لهم فيها حكم إلهي اختصوا به و هي حظهم من الزمان فانظر ما أشرف إذ حباهم الله من الزمان بأشرفه فإنها خير من ألف شهر فيه زمان رمضان و يوم الجمعة و يوم عاشوراء و يوم عرفة و ليلة القدر فكأنه قال فتضاعف خيرها ثلاثا و ثمانين ضعفا و ثلث ضعف لأنها ثلاث و ثمانون سنة و أربعة أشهر و قد تكون الأربعة الأشهر مما يكون فيها ليلة القدر فيكون التضعيف في كل ليلة قدر أربعة و ثمانين ضعفا فانظر ما في هذا الزمان من الخير و بأي زمان خصت هذه الطائفة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الثامن عشر و الحمد لله‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)