قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثالث و الثلاثون في معرفة أقطاب النيات و أسرارهم و كيفية أصوله

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الروح للجسم و النيات للعملتحيا بها كحياة الأرض بالمطر
فتبصر الزهر و الأشجار بارزةو كل ما تخرج الأشجار من ثمر
كذاك تخرج من أعمالنا صورلها روائح من نتن و من عطر
لو لا الشريعة كان المسك يخجل منأعرافها هكذا يقضي به نظري‏
إذا كان مستند التكوين أجمعهله فلا فرق بين النفع و الضرر
فالزم شريعته تنعم بها سوراتحلها صور تزهو على سرر
مثل الملوك تراها في أسرتهاأو كالعرائس معشوقين للبصر

روينا من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال إنما الأعمال بالنيات و إنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله و من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه‏ رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏ اعلم أن لمراعاة النيات رجالا على حال مخصوص و نعت خاص أذكرهم إن شاء الله و أذكر أحوالهم و النية لجميع الحركات و السكنات في المكلفين للأعمال كالمطر لما تنبته الأرض فالنية من حيث ذاتها واحدة و تختلف بالمتعلق و هو المنوي فتكون النتيجة بحسب المتعلق به لا بحسبها فإن حظ النية إنما هو القصد للفعل أو تركه و كون ذلك الفعل حسنا أو قبيحا و خيرا أو شرا ما هو من أثر النية و إنما هو من أمر عارض عرض ميزه الشارع و عينه للمكلف فليس للنية أثر البتة من هذا الوجه خاصة كالماء إنما منزلته أن ينزل أو يسبح في الأرض و كون الأرض الميتة تحيا به أو ينهدم بيت العجوز الفقيرة بنزوله ليس ذلك له فتخرج الزهرة الطيبة الريح و المنتنة و الثمرة الطيبة و الخبيثة من خبث مزاج البقعة أو طيبها أو من خبث البزرة أو طيبها قال تعالى يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ في الْأُكُلِ ثم قال إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فليس للنية في ذلك إلا الإمداد كما قال تعالى يُضِلُّ به كَثِيراً وَ يَهْدِي به كَثِيراً يعني المثل المضروب به في القرآن أي بسببه و هو من القرآن فكما كان الماء سببا في ظهور هذه الروائح المختلفة و الطعوم المختلفة كذلك هي النيات سبب في الأعمال الصالحة و غير الصالحة و معلوم أن القرآن مهداة كله و لكن بالتأويل في المثل المضروب ضل من ضل و به اهتدى من اهتدى فهو من كونه مثلا لم تتغير حقيقته و إنما العيب وقع في عين الفهم كذلك النية أعطت حقيقتها و هو تعلقها بالمنوي و كون ذلك المنوي حسنا أو قبيحا ليس لها و إنما ذلك لصاحب الحكم فيه بالحسن و القبح و قال تعالى إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ أي بينا له طريق السعادة و الشقاء ثم قال إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً هذا راجع للمخاطب المكلف فإن نوى الخير أثمر خيرا و إن نوى الشر أثمر شرا فما أتى عليه إلا من المحل من طيبه أو خبثه يقول الله تعالى وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ أي هذا أوجبته على نفسي كان الله يقول الذي يلزم جانب الحق منكم أن يبين لكم السبيل الموصل إلى سعادتكم و قد فعلت فإنكم لا تعرفونه إلا بإعلامي لكم به و تبييني‏ و سبب ذلك أنه سبق في العلم إن طريق سعادة العباد إنما هو في سبب خاص و سبب شقائهم أيضا إنما هو في طريق خاص و ليس إلا العدول عن طريق السعادة و هو الايمان بالله و بما جاء من عند الله مما ألزمنا فيه الايمان به و لما كان العالم في حال جهل بما في علم الله من تعيين تلك الطريق تعين الإعلام به بصفة الكلام فلا بد من الرسول قال الله تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و لا نوجب على الله إلا ما أوجبه على نفسه و قد أوجب التعريف على نفسه بقوله تعالى وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ مثل قوله وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ و قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و على الحقيقة إنما وجب ذلك على النسبة لا على نفسه فإنه يتعالى أن يجب عليه من أجل حد الواجب الشرعي فكأنه لما تعلق العلم الإلهي أزلا بتعيين الطريق التي فيها سعادتنا و لم يكن للعلم بما هو علم صورة التبليغ و كان‏التبليغ من صفة الكلام تعين التبليغ على نسبة كونه متكلما بتعريف الطريق التي فيها سعادة العباد التي عينها العلم فأبان الكلام الإلهي بترجمته عن العلم ما عينه من ذلك فكان الوجوب على النسبة فإنها نسب مختلفة و كذلك سائر النسب الإلهية من إرادة و قدرة و غير ذلك‏ و قد بينا محاضرة الأسماء الإلهية و محاورتها و مجاراتها في حلبة المناظرة على إيجاد هذا العالم الذي هو عبارة عن كل ما سوى الله في كتاب عنقاء مغرب بوبنا عليه محاضرة أزلية على نشأة أبدية و كذلك في كتاب إنشاء الجداول و الدوائر لنا فقد علمت كيف تعلق الوجوب الإلهي على الحضرة الإلهية إن كنت فطنا لعلم النسب و على هذا يخرج قوله تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً و كيف يحشر إليه من هو جليسه و في قبضته سمع أبو يزيد البسطامي قارئا يقرأ هذه الآية يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً فبكى حتى ضرب الدمع المنبر بل روى أنه طار الدم من عينيه حتى ضرب المنبر و صاح و قال يا عجبا كيف يحشر إليه من هو جليسه فلما جاء زماننا سألنا عن ذلك فقلت ليس العجب إلا من قول أبي يزيد فاعلموا إنما كان ذلك لأن المتقي جليس الجبار فيتقي سطوته و الاسم الرحمن ما له سطوة من كونه الرحمن إنما الرحمن يعطي اللين و اللطف و العفو و المغفرة فلذلك يحشر إليه من الاسم الجبار الذي يعطي السطوة و الهيبة فإنه جليس المتقين في الدنيا من كونهم متقين و على هذا الأسلوب تأخذ الأسماء الإلهية كلها و كذا تجدها حيث وردت في ألسنة النبوات إذا قصدت حقيقة الاسم و تميزه من غيره فإن له دلالتين دلالة على المسمى به و دلالة على حقيقته التي بها يتميز عن اسم آخر فافهم‏ و اعلم أن هؤلاء الرجال إنما كان سبب اشتغالهم بمعرفة النية كونهم نظروا إلى الكلمة و فيها فعلموا أنها ما ألفت حروفها و جمعت إلا لظهور نشأة قائمة تدل على المعنى الذي جمعت له في الاصطلاح فإذا تلفظ بها المتكلم فإن السامع يكون همه في فهم المعنى الذي جاءت له فإن بذلك تقع الفائدة و لهذا وجدت في ذلك اللسان على هذا الوضع الخاص و لهذا لا يقول هؤلاء الرجال بالسماع المقيد بالنغمات لعلو همتهم و يقولون بالسماع المطلق فإن السماع المطلق لا يؤثر فيهم إلا فهم المعاني و هو السماع الروحاني الإلهي و هو سماع الأكابر و السماع المقيد إنما يؤثر في أصحابه النغم و هو السماع الطبيعي فإذا ادعى من ادعى أنه يسمع في السماع المقيد بالألحان المعنى و يقول لو لا المعنى ما تحركت و يدعي أنه قد خرج عن حكم الطبيعة في ذلك يعني في السبب المحرك فهو غير صادق و قد رأينا من ادعى ذلك من المتشيخين المتطفلين على الطريقة فصاحب هذه الدعوى إذا لم يكن صادقا يكون سريع الفضيحة و ذلك أن هذا المدعي إذا حضر مجلس السماع فاجعل بالك منه فإذا أخذ القوال في القول بتلك النغمات المحركة بالطبع للمزاج القابل أيضا و سرت الأحوال أ النفوس الحيوانية فحركت الهياكل حركة دورية لحكم استدارة الفلك و هو أعني الدور مما يدلك على إن السماع طبيعي لأن اللطيفة الإنسانية ما هي عن الفلك و إنما هي عن الروح المنفوخ منه و هي غير متحيزة فهي فوق الفلك فما لها في الجسم تحريك دوري و لا غير دوري و إنما ذلك للروح الحيواني الذي هو تحت الطبيعة و الفلك فلا تكن جاهلا بنشأتك و لا بمن يحركك فإذا تحرك هذا المدعي و أخذه الحال و دار أو قفز إلى جهة فوق من غير دور و قد غاب عن إحساسه بنفسه و بالمجلس الذي هو فيه فإذا فرغ من حاله و رجع إلى إحساسه فاسأله ما الذي حركه فيقول إن القوال قال كذا و كذا ففهمت منه معنى كذا و كذا فذلك المعنى حركني فقل له ما حركك سوى حسن النغمة و الفهم إنما وقع لك في حكم التبعية فالطبع حكم على حيوانيتك فلا فرق بينك و بين الجمل في تأثير النغمة فيك فيعز عليه مثل هذا الكلام و يثقل و يقول لك ما عرفتني و ما عرفت ما حركني فاسكت عنه ساعة فإن صاحب هذه الدعوى تكون الغفلة مستولية عليه ثم خذ معه في الكلام الذي يعطي ذلك المعنى فقل له ما أحسن قول الله تعالى حيث يقول و اتل عليه آية من كتاب الله تتضمن ذلك المعنى الذي كان حركه من صوت المغني و حققه عنده حتى يتحققه فيأخذ معك فيه و يتكلم و لا يأخذه لذلك حال و لا حركة و لا فناء و لكن يستحسنه و يقول لقد تتضمن هذه الآية معنى جليلا من المعرفة بالله فما أشد فضيحته في دعواه فقل له يا أخي هذا المعنى بعينه هو الذي ذكرت لي أنه حركك في السماع البارحة لما جاء به القوال في شعره بنغمته الطيبة فلأي معنى سرى فيك الحال البارحة و هذا المعنى موجود فيما قد صغته لك و سقته بكلام الحق تعالى الذي هو أعلى و أصدق و ما رأيتك تهتز مع الاستحسان و حصول الفهم و كنت البارحة يتخبطك الشَّيْطانُ من الْمَسِّ كما قال الله تعالى و حجبك عن عين الفهم السماع الطبيعي فما حصل لك في سماعك إلا الجهل بك فمن لا يفرق بين فهمه و حركته كيف يرجى فلاحه‏ فالسماع من عين الفهم هو السماع الإلهي و إذا ورد على صاحبه و كان قويا لما يرد به من الإجمال فغاية فعله في الجسم أن يضجعه لا غير و يغيبه عن إحساسه و لا يصدر منه حركة أصلا بوجه من الوجوه سواء كان من الرجال الأكابر أو الصغار هذا حكم الوارد الإلهي القوي و هو الفارق بينه و بين حكم الوارد الطبيعي فإن الوارد الطبيعي كما قلنا يحركه الحركة الدورية و الهيمان و التخبط فعل المجنون و إنما يضجعه الوارد الإلهي لسبب أذكره لك و ذلك أن نشأة الإنسان مخلوقة من تراب قال تعالى مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ و إن كان فيه من جميع العناصر و لكن العنصر الأعظم التراب قال عز و جل فيه أيضا إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ من تُرابٍ و الإنسان في قعوده و قيامه بعد عن أصله الأعظم الذي منه نشأ من أكثر جهاته فإن قعوده و قيامه و ركوعه فروع فإذا جاءه الوارد الإلهي و للوارد الإلهي صفة القيومية و هي في الإنسان من حيث جسميته بحكم العرض و روحه المدبر هو الذي كان يقيمه و يقعده فإذا اشتغل الروح الإنساني المدبر عن تدبيره بما يتلقاه من الوارد الإلهي من العلوم الإلهية لم يبق للجسم من يحفظ عليه قيامه و لا قعوده فرجع إلى أصله و هو لصوقه بالأرض المعبر عنه بالاضطجاع و لو كان على سرير فإن السرير هو المانع له من وصوله إلى التراب فإذا فرغ روحه من ذلك التلقي و صدر الوارد إلى ربه رجع الروح إلى تدبير جسده فأقامه من ضجعته هذا سبب اضطجاع الأنبياء على ظهورهم عند نزول الوحي عليهم و ما سمع قط عن نبي أنه تخبط عند نزول الوحي هذا مع وجود الواسطة في الوحي و هو الملك فكيف إذا كان الوارد برفع الوسائط لا يصح أن يكون منه قط غيبة عن إحساسه و لا يتغير عن حاله الذي هو عليه فإن الوارد الإلهي برفع الوسائط الروحانية يسرى في كلية الإنسان و يأخذ كل عضو بل كل جوهر فرد فيه حظه من ذلك الوارد الإلهي من لطيف و كثيف و لا يشعر بذلك جليسه و لا يتغير عليه من حاله الذي هو عليه من جليسه شي‏ء إن كان يأكل بقي على أكله في حاله أو شربه أو حديثه الذي هو في حديثه فإن ذلك الوارد يعم و هو قوله تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فمن كانت أينيته في ذلك الوقت حالة الأكل أو الشرب أو الحديث أو اللعب أو ما كان بقي على حاله‏ فلما رأت هذه الطائفة الجليلة هذا الفرق بين الواردات الطبيعية و الروحانية و الإلهية و رأت أن الالتباس قد ظرأ على من يزعم أنه في نفسه من رجال الله تعالى أنفوا أن يتصفوا بالجهل و التخليط فإنه محل الوجود الطبيعي فارتقت همتهم إلى الاشتغال بالنيات إذ كان الله قد قال لهم وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ و الإخلاص النية و لهذا قيدها بقوله له و لم يقل مخلصين و هو من الاستخلاص فإن الإنسان قد يخلص نيته للشيطان و يسمى مخلصا فلا يكون في عمله لله شي‏ء و قد يخلص للشركة و قد يخلص لله فلهذا قال تعالى مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لا لغيره و لا لحكم الشركة فشغلوا نفوسهم بالأصل في قبول الأعمال و نيل السعادات و موافقة الطلب الإلهي منهم فيما كلفهم به من الأعمال الخالصة له و هو المعبر عنه بالنية فنسبوا إليها لغلبة شغلهم بها و تحققوا إن الأعمال ليست مطلوبة لأنفسها و إنما هي من حيث ما قصد بها و هو النية في العمل كالمعنى في الكلمة فإن الكلمة ما هي مطلوبة لنفسها و إنما هي لما تضمنته فانظر يا أخي ما أدق نظر هؤلاء الرجال و هذا هو المعبر عنه في الطريق بمحاسبة النفس و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و لقيت من هؤلاء الرجال اثنين أبو عبد الله بن المجاهد و أبو عبد الله بن قسوم بإشبيلية كان هذا مقامهم و كانوا من أقطاب الرجال النياتيين و لما شرعنا في هذا المقام تأسيا بهما و بأصحابهما و امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم الواجب امتثاله في أمره حاسبوا أنفسكم و كان أشياخنا يحاسبون أنفسهم على ما يتكلمون به و ما يفعلونه و يقيدونه في دفتر فإذا كان بعد صلاة العشاء و خلوا في بيوتهم حاسبوا أنفسهم و أحضروا دفترهم و نظروا فيما صدر منهم في يومهم من قول و عمل و قابلوا كل عمل بما يستحقه إن استحق استغفارا استغفروا و إن استحق توبة تابوا و إن استحق شكرا شكروا إلى أن يفرغ ما كان منهم في ذلك اليوم و بعد ذلك ينامون فزدنا عليهم في هذا الباب بتقييد الخواطر فكنا نقيد ما تحدثنا به نفوسنا و ما تهم به زائدا على كلامنا و أفعالنا و كنت أحاسب نفسي مثلهم في ذلك الوقت و أحضر الدفتر و أطالبها بجميع ما خطر لها و ما حدثت به‏نفسها و ما ظهر للحس من ذلك من قول و عمل و ما نوته في ذلك الخاطر و الحديث فقلت الخواطر و الفضول إلا فيما يعني فهذا فائدة هذا الباب و فائدة الاشتغال بالنية و ما في الطريق ما يغفل عنه أكثر من هذا الباب فإن ذلك راجع إلى مراعاة الأنفاس و هي عزيزة و بعد أن عرفتك بأصول هذه الطائفة و ما هو سبب شغلهم بذلك و أنه لهم أمر شرعي و ما لهم في ذلك من الأسرار و العلوم فاعلم أيضا مقامهم في ذلك و ما لهم فهذه الطائفة على قلب يونس عليه السلام فإنه لما ذَهَبَ مُغاضِباً و ظن أن الله لا يضيق عليه لما عهده من سعة رحمة الله فيه و ما نظر ذلك الاتساع الإلهي الرحماني في حق غيره فتناله أمته و اقتصر به على نفسه و الغضب ظلمة القلب فأثرت لعلو منصبه في ظاهره فاسكن في ظلمة بطن الحوت ما شاء الله لينبهه الله على حالته حين كان جنينا في بطن أمه من كان يدبره فيه و هل كان في ذلك الموطن يتصور منه أن يغاضب أو يغاضب بل كان في كنف الله لا يعرف سوى ربه فرده إلى هذه الحالة في بطن الحوت تعليما له بالفعل لا بالقول فَنادى‏ في الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ عذرا عن أمته في هذا التوحيد أي تفعل ما تريد و تبسط رحمتك على من تشاء سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ من الظَّالِمِينَ مشتق من الظلمة أي ظلمتي عادت على ما أنت ظلمتني بل ما كان في باطني سرى إلى ظاهري و انتقل النور إلى باطني فاستنار فأزال ظلمة المغاضبة و انتشر فيه نور التوحيد و انبسطت الرحمة فسرى ذلك النور في ظاهره مثل ما سرت ظلمة الغضب فاستجاب له ربه فنجاه من الغم فقذفه الحوت من بطنه مولودا على الفطرة السليمة فلم يولد أحد من ولد آدم ولادتين سوى يونس عليه السلام فخرج ضعيفا كالطفل كما قال وَ هُوَ سَقِيمٌ و رباه باليقطين فإن ورقه ناعم و لا ينزل عليه ذباب فإن الطفل لضعفه لا يستطيع أن يزيل الذباب عن نفسه فغطاه بشجرة خاصيتها أن لا يقربها ذباب مع نعمة ورقها فإن ورق اليقطين مثل القطن في النعمة بخلاف سائر ورق الأشجار كلها فإن فيها خشونة و أنشأه الله عز و جل نشأة أخرى‏ و لما رأت هذه الطائفة أن يونس عليه السلام ما أتى عليه إلا من باطنه من الصفة التي قامت به و من قصده شغلوا نفوسهم بتمحيص النيات و القصد في حركاتهم كلها حتى لا ينوون إلا ما أمرهم الله به أن ينووه و يقصدوه و هذا غاية ما يقدر عليه رجال الله و هذه الطائفة في الرجال قليلون فإنه مقام ضيق جدا يحتاج صاحبه إلى حضور دائم و أكبر من كان فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه و لهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه في حرب اليمامة فما هو إلا أن رأيت أن الله عز و جل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق لمعرفة عمر باشتغال أبي بكر بباطنه فإذا صدرت منه حركة في ظاهره فما تصدر إلا من إل و هو عزيز و لهذا كان من يفهم المقامات من المتقدمين من أهل الكتاب إذا سمعوا أو يقال لهم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول كذا و كذا يقولون هذا كلام ما خرج إلا من إل أي هو كلام إلهي ما هو كلام مخلوق فانظر ما أحسن العلم و في أي مقام ثبتت هذه الطائفة و بأي قائمة استمسكت جعلنا الله منهم فجل أعمالهم في الباطن مساكن السائحين منهم الغيران و الكهوف و في الأمصار ما بناه غيرهم من عباد الله تعالى لا يضعون لبنة على لبنة و لا قصبة على قصبة و هكذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أن انتقل إلى ربه ما بنى قط مسكنا لنفسه‏ و سبب ذلك أنهم رأوا الدنيا جسرا منصوبا من خشب على نهر عظيم و هم عابرون فيه راحلون عنه فهل رأيتم أحدا بنى منزلا على جسر خشب لا و الله و لا سيما و قد عرف أن الأمطار تنزل و أن النهر يعظم بالسيول التي تأتي و أن الجسور تنقطع فكل من بنى على جسر فإنما يعرض به للتلف فلو أن عمار الدنيا يكشف الله عن بصيرتهم حتى يروها جسرا و يروا النهر الذي بنيت عليه أنه خطر قوي ما بنوا الذي بنوا عليه من القصور المشيدة فلم يكن لهم عيون يبصرون بها إن الدنيا قنطرة خشب على نهر عظيم خرار و لا كان لهم سمع يسمعون به قول الرسول العالم بما أوحى الله إليه به إن الدنيا قنطرة فلا بالإيمان عملوا و لا على الرؤية و الكشف حصلوا فهم كما قال الله فيهم وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَ صَمُّوا ثُمَّ تابَ الله عَلَيْهِمْ في حال سماعهم من الرسول صلى الله عليه و سلم حين‏ قال لهم إن الدنيا قنطرة و أشباه ذلك فلا تشغلوا نفوسكم بعمارتها و انهضوا فما فرغ من قوله صلى الله عليه و سلم حتى رجع كثير منهم إلى عماهم و صممهم مع كونهم مسلمين مؤمنين فأخبر الله تعالى نبيه بقوله ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ بعد التوبة يقول ما نفع القول فيهم يا ولي لو فرضنا إن الدنيا باقية أ لسنا نبصر رحلتنا عنها جيلا بعد جيل‏ فمن أحوال هذه الطائفة مراعاتهم‏لقلوبهم و أسرارهم متعلقة بالله من حيث معرفة نفوسهم و لا اجتماع لهم بالنهار مع الغافلين بل حركتهم ليلية و نظرهم في الغيب الغالب عليهم مقام الحزن فإن الحزن إذا فقد من القلب خرب فالعارف يأكل الحلوى و العسل و المحقق الكبير يأكل الحنظل فهو كثير التنغيص لا يلتذ بنعمة أبدا ما دام في هذه الدار لشغله بما كلفه الله من الشكر عليها لقيت منهم بدنيسر عمر الفرقوي و بمدينة فاس عبد الله السماد و العارفون بالنظر إلى هؤلاء كالأطفال الذين لا عقول لهم يفرحون و يلتذون بخشخاشة فما ظنك بالمريدين فما ظنك بالعامة لهم القدم الراسخة في التوحيد و لهم المشافهة في الفهوانية يقدمون النفي على الإثبات لأن التنزيه شأنهم كلفظة لا إله إلا الله و هي أفضل كلمة جاءت بها الرسل و الأنبياء توحيدهم كوني عقلي ليسوا من اللهو في شي‏ء لهم الحضور التام على الدوام و في جميع الأفعال اختصوا بعلم الحياة و الأحياء لهم اليد البيضاء فيعلمون من الحيوان ما لا يعلمه سواهم و لا سيما من كل حيوان يمشي على بطنه لقربه من أصله الذي عنه تكون فإن كل حيوان يبعد عن أصله ينقص من معرفته بأصله على قدر ما بعد منه أ لا ترى المريض الذي لا يقدر على القيام و القعود و يبقى طريحا لضعفه و هو رجوعه إلى أصله تراه فقيرا إلى ربه مسكينا ظاهر الضعف و الحاجة بلسان الحال و المقال و ذلك أن أصله حكم عليه لما قرب منه يقول الله خَلَقَكُمْ من ضَعْفٍ و قال خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً فإذا استوى قائما و بعد عن أصله تفرعن و تجبر و ادعى القوة و قال أنا فالرجل من كان مع الله في حال قيامه و صحته كحاله في اضطجاعه من المرض و الضعف و هو عزيز لهم البحث الشديد في النظر في أفعالهم و أفعال غيرهم معهم من أجل النيات التي بها يتوجهون و إليها ينسبون لشدة بحثهم عنها حتى تخلص لهم الأعمال و يخلصوها من غيرهم و لهذا قيل فيهم النياتيون كما قيل الملامية و الصوفية لأحوال خاصة هم عليها فلهم معرفة الهاجس و الهمة و العزم و الإرادة و القصد و هذه كلها أحوال مقدمة للنية و النية هي التي تكون منه عند مباشرة أفعاله و هي المعتبرة في الشرع الإلهي ففيها يبحثون و هي متعلق الإخلاص و كان عالمنا الإمام سهل بن عبد الله يدقق في هذا الشأن و هو الذي نبه على نقر الخاطر و يقول إن النية هو ذلك الهاجس و أنه السبب الأول في حدوث الهم و العزم و الإرادة و القصد فكان يعتمد عليه و هو الصحيح عندنا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏