اعلم أيدك الله بروح القدس أن المعلومات مختلفة لأنفسها و أن الإدراكات التي تدرك بها المعلومات مختلفة أيضا لأنفسها كالمعلومات و لكن من حيث أنفسها و ذواتها لا من حيث كونها إدراكات و إن كانت مسألة خلاف عند أرباب النظر و قد جعل الله لكل حقيقة مما يجوز أن يعلم إدراكا خاصا عادة لا حقيقة أعني محلها و جعل المدرك بهذه الإدراكات لهذه المدركات عينا واحدة و هي ستة أشياء سمع و بصر و شم و لمس و طعم و عقل و إدراك جميعها للأشياء ما عدا العقل ضروري و لكن الأشياء التي ارتبطت بها عادة لا تخطئ أبدا و قد غلط في هذا جماعة من العقلاء و نسبوا الغلط للحس و ليس كذلك و إنما الغلظ للحاكم و أما إدراك العقل المعقولات فهو على قسمين منه ضروري مثل سائر الإدراكات و منه ما ليس بضروري بل يفتقر في علمه إلى أدوات ست منها الحواس الخمس التي ذكرناها و منها القوة المفكرة و لا يخلو معلوم يصح أن يعلمه مخلوق أن يكون مدركا بأحد هذه الإدراكات و إنما قلنا إن جماعة غلطت في إدراك الحواس فنسبت إليها الأغاليط و ذلك أنهم رأوا إذا كانوا في سفينة تجري بهم مع الساحل رأوا الساحل يجري بجري السفينة فقد أعطاهم البصر ما ليس بحقيقة و لا معلوم أصلا فإنهم عالمون علما ضروريا أن الساحل لم يتحرك من مكانه و لا يقدرون على إنكار ما شاهدوه من التحرك و كذلك إذا طعموا سكرا أو عسلا فوجدوه مرا و هو حلو فعلموا ضرورة أن حاسة الطعم غلطت عندهم و نقلت ما ليس بصحيح و الأمر عندنا ليس كذلك و لكن القصور و الغلط وقع من الحاكم الذي هو العقل لا من الحواس فإن الحواس إدراكها لما تعطيه حقيقتها ضروري كما إن العقل فيما يدركه بالضرورة لا يخطئ و فيما يدركه بالحواس أو بالفكر قد يغلط فما غلط حس قط و لا ما هو إدراكه ضروري فلا شك أن الحس رأى تحركا بلا شك و وجد طعما مرا بلا شك فأدرك البصر التحرك بذاته و أدرك الطعم قوة المرارة بذاته و جاء عقل فحكم إن الساحل متحرك و أن السكر مر و جاء عقل آخر و قال إن الخلط الصفراوي قام بمحل الطعم فأدرك المرارة و حال ذلك الخلط بين قوة الطعم و بين السكر فاذن فما ذاق الطعم إلا مرارة الصفراء فقد أجمع العقلان من الشخصين على أنه أدرك المرارة بلا شك و اختلف العقلان فيما هو المدرك للطعم فبان إن العقل غلط لا الحس فلا ينسب الغلط أبدا في الحقيقة إلا للحاكم لا للشاهد و عندي في هذه المسألة أمر آخر يخالف ما ادعوه و هو أن الحلاوة التي في الحلو و غير ذلك من المطعومات ليس هو في المطعوم لأمر إذا بحثت عليه وجدت صحة ما ذهبنا إليه و كذا الحكم في سائر الإدراكات و لو كان في العادة فوق العقل مدرك آخر يحكم على العقل و يأخذ عنه كما يحكم العقل على الحس لغلط أيضا ذلك المدرك الحاكم فيما هو للعقل ضروري و كان يقول إن العقل غلط فيما هو له ضروري فإذا تقرر هذا و عرفت كيف رتب الله المدركات و الإدراكات و أن ذلك الارتباط أمر عادي فاعلم إن لله عبادا آخرين خرق لهم العادة في إدراكهم العلوم فمنهم من جعل له إدراك ما يدرك بجميع القوي من المعقولات و المحسوسات بقوة البصر خاصة و آخر بقوة السمع و هكذا بجميع القوي ثم بأمور عرضية خلاف القوي من ضرب و حركة و سكون و غير ذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله ضرب بيده بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي فعلمت علم الأولين و الآخرين فدخل في هذا العلم كل معلوم معقول و محسوس مما يدركه المخلوق فهذا علم حاصل لا عن قوة من القوي الحسية و المعنوية فلهذا قلنا إن ثم سببا آخر خلاف هذه القوي تدرك به المعلومات و إنما قلنا قد تدرك العلوم بغير قواها المعتادة فحكمنا على هذه الإدراكات لمدركاتها المعتادة بالعادة من أجل المتفرس فينظر صاحب الفراسة في الشخص فيعلم ما يكون منه أو ما خطر له في باطنه أو ما فعل و كذلك الزاجر و أشباهه و إنما جئنا بهذا كله تأنيسا لما نريد أن ننسبه إلى أهل الله من الأنبياء و الأولياء فيما يدركونه من العلوم على غير الطرق المعتادة فإذا أدركوها نسبوا إلى تلك الصفة التي أدركوا بها المعلومات فيقولون فلان صاحب نظر أي بالنظر يدرك جميع المعلومات و هذا ذقته مع رسول الله صلى الله عليه و سلم و فلان صاحب سمع و فلان صاحب طعم و صاحب نفس و أنفاس يعني الشم و صاحب لمس و فلان صاحب معنى و هذا خارج عن هؤلاء بل هو كما يقال في العامة صاحب فكر صحيح فمن الناس من أعطى النظر إلى آخر القوي على قدر ما أعطى و هو له عادة إذا استمر ذلك عليه لأنه مشتق من العود أي يعود ذلك عليه في كل نظرة أو في كل شم ما ثم غير ذلك و كذلك أيضا لتعلم إن الأسماء الإلهية مثل هذا و أن كل اسم يعطي حقيقة خاصة ففي قوته أن يعطي كل واحد من الأسماء الإلهية ما تعطيه جميع الأسماء قال تعالى قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى و كذلك لو ذكر كل اسم لقال فيه إن له الأسماء الحسنى و ذلك لاحدية المسمى فاعلم ذلك فمن الناس من يختص به الاسم الله فتكون معارفه إلهية و منهم من يختص به الاسم الرحمن فتكون معارفه رحمانية كما كانت في القوي الكونية يقال فيها معارف هذا الشخص نظرية و في حق آخر سمعية فهو من عالم النظر و عالم السمع و عالم الأنفاس هكذا تنسب معارفه في الإلهيات إلى الاسم الإلهي الذي فتح له فيه فتندرج فيه حقائق الأسماء كلها فإذا علمت هذا أيضا فاعلم إن الذي يختص بهذا الباب من الأسماء الإلهية لهذا الشخص المعين الاسم الرحمن و الذي يختص به من القوي فينسب إليها قوة الشم و متعلقها الروائح و هي الأنفاس فهو من عالم الأنفاس في نسبة القوي و من الرحمانيين في مراتب الأسماء فنقول إن هذا الشخص المعين في هذا الباب سواء كان زيدا أو عمرا معرفته رحمانية فكل أمر ينسب إلى الاسم الرحمنفي كتاب أو سنة فإنه ينسب إلى هذا الشخص فإن هذا الاسم هو الممد له و ليس لاسم إلهي عليه حكم إلا بوساطة هذا الاسم على أي وجه كان و لهذا نقول إن الله سبحانه قد أبطن في مواضع رحمته في عذابه و نقمته كالمريض الذي جعل في عذابه بالمرض رحمته به فيما يكفر عنه من الذنوب فهذه رحمة في نقمة و كذلك من انتقم منه في إقامة الحد من قتل أو ضرب فهو عذاب حاضر فيه رحمة باطنة بها ارتفعت عنه المطالبة في الدار الآخرة كما أنه في نعمته في الدنيا من الاسم المنعم أبطن نقمته فهو ينعم الآن بما به يتعذب لبطون العذاب فيه في الدار الآخرة أو في زمان التوبة فإن الإنسان إذا ناب و نظر و فكر فيما تلذذ به من المحرمات تعود تلك الصور المستحضرة عليه عذابا و كان قبل التوبة حين يستحضرها في ذهنه يلتذ بها غاية اللذة فسبحان من أبطن رحمته في عذابه و عذابه في رحمته و نعمته في نقمته و نقمته في نعمته فالمبطون أبدا هو روح العين الظاهرة أي شيء كان فهذا الشخص لما كانت معرفته رحمانية و كان الاسم الرحمن استوى على العرش فقال تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى كانت همة هذا الشخص عرشية فكما كان العرش للرحمن كانت الهمة لهذه المعرفة محلا لاستوائها فقيل همته عرشية و مقام هذا الشخص باطن الأعراف و هو السور الذي بين أهل السعادة و الشقاوة للاعراف رجال سيذكرون و هم الذين لم تقيدهم صفة كأبي يزيد و غيره و إنما كان مقامه باطن الأعراف لأن معرفته رحمانية و همته عرشية فإن العرش مستوي الرحمن كذلك باطن الأعراف فيه الرحمة كما إن ظاهره فيه العذاب فهذا الشخص له رحمة بالموجودات كلها بالعصاة و الكفار و غيرهم قال تعالى لسيد هذا المقام و هو محمد صلى الله عليه و سلم حين دعا على رعل و ذكوان و عصية بالعذاب و الانتقام فقال عليك بفلان و فلان و ذكر ما كان منهم قال الله له إن الله ما بعثك سبابا و لا لعانا و لكن بعثك رحمة فنهى عن الدعاء عليهم و سبهم و ما يكرهون و أنزل الله عز و جل عليه وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فعم العالم أي لترحمهم و تدعوني لهم لا عليهم فيكون عوض قوله لعنهم الله تاب الله عليهم و هداهم كما قال حين جرحوه اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون يريد من كذبه من غير أهل الكتاب و المقلدة من أهل الكتاب لا غيرهم فلهذا قلنا في حق هذا الشخص صاحب هذا المقام إنه رحيم بالعصاة و الكفار فإذا كان حاكما هذا الشخص و أقام الحد أو كان ممن تتعين عليه شهادة في إقامة حد فشهد به أو أقامه فلا يقيمه إلا من باب الرحمة و من الاسم الرحمن في حق المحدود و المشهود عليه لا من باب الانتقام و طلب التشفي لا يقتضيه مقام هذا الاسم فلا يعطيه حاله هذا الشخص قال تعالى في قصة إبراهيم إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ من الرَّحْمنِ و من كان هذا مقامه و معرفته و هذا الاسم الرحمن ينظر إليه فيعاين من الأسرار ذوقا ما بين نسبة الاستواء إلى العرش و ما بين نسبة الأين إلى العماء هل هما على حد واحد أو يختلف و يعلم ما للحق من نعوت الجلال و اللطف معا بين العماء و الاستواء إذ قد كان في العماء و لا عرش فيوصف بالاستواء عليه ثم خلق العرش و استوى عليه بالاسم الرحمن و للعرش حد يتميز به من العماء الذي هو الاسم الرب و للعماء حد يتميز به عن العرش و لا بد من انتقال من صفة إلى صفة فما كان نعته تعالى بين العماء و العرش أو بأي نسبة ظهر بينهما إذ قد تميز كل واحد منهما عن صاحبه بحده و حقيقته كما يتميز العماء الذي فوقه الهواء و تحته الهواء و هو السحاب الرقيق الذي يحمله الهواء الذي تحته و فوقه عن العماء الذي ما فوقه هواء و ما تحته هواء فهو عماء غير محمول فيعلم السامع أن العماء الذي جعل للرب أينية أنه عماء غير محمول ثم جاء قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الْغَمامِ فهل هذا الغمام هو راجع إلى ذلك العماء فيكون العماء حاملا للعرش و يكون العرش مستوي الرحمن فتجمع القيامة بين العماء و العرش أو هو هذا المقام المقصود الذي فوقه هواء و تحته هواء فصاحب هذا المقام يعطي علم ذلك كله ثم إن صاحب هذا المقام يعطي أيضا من العلوم الإلهية من هذا النوع بالاسم الرحمن نزول الرب إلى سماء الدنيا من العرش يكون هذا النزول أو من العماء فإن العماء إنما ورد حين وقع السؤال عن الاسم الرب فقيل له أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه فقال كان في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء فاسم كان المضمر هو ربنا و قال ينزل ربنا إلى السماء فيدلك هذا على إن نزوله إلى السماء الدنيا من ذلك العماء كما كان استواءه على العرش من ذلك العماء فنسبته إلى السماء الدنيا كنسبته إلى العرش لا فرق فما فارق العرش في نزوله إلى السماء الدنيا و لا فارق العماء في نزوله إلىالعرش و لا إلى السماء الدنيا و لما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن الله يقول في هذا النزول إلى السماء الدنيا هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فاغفر له هل من سائل فأعطيه هل من داع فأجيبه فهذا كله من باب رحمته و لطفه و هذا حقيقة الاسم الرحمن الذي اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فنزلت هذه الصفة مع الاسم الرب إلى السماء الدنيا فهو ما أعلمناك به إن كل اسم إلهي يتضمن حكم جميع الأسماء الإلهية من حيث إن المسمى واحد فيعلم صاحب هذا المقام من هذا النزول الرباني السماوي ما يختص بالاسم الرحمن منه الذي قال به هل من تائب هل من مستغفر فإن الرحمن يطلب هذا القول بلا شك فهذا حظ ما يعلم صاحب هذا المقام من هذا النزول بلا واسطة و يعلم نزول الرب من العماء إلى السماء بوساطة الاسم الرحمن لأنه ليس للاسم الرب على صاحب هذا المقام سلطان فإنه كما قلنا الاسم الرحمن فلا يعلم من الاسم الرب و لا غيره أمرا إلا بالاسم الرحمن فيعلم عند ذلك بإعلام الرحمن إياه ما أراد الحق بنزوله من العماء إلى السماء على هذا الوجه هي معرفته ثم مما يختص بعلمه صاحب هذا المقام بوساطة الاسم الرحمن علم قول الله ما وسعني أرضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن فأتى بياء الإضافة في السعة و العبودية فلم يأخذ من الله إلا قدر ما تعطيه الياء خاصة و يتضمن هذا علمين علما بما فيه من العناية بعبده المؤمن فيأخذه من الاسم الرحمن بذاته و علما بما فيه من سر الإضافة بحرف الياء فيأخذه من الله بترجمة الاسم الرحمن فيعلم إن للسعة هنا المراد بها الصورة التي خلق الإنسان عليها كأنه يقول ما ظهرت أسمائي كلها إلا في النشأة الإنسانية قال تعالى وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها أي الأسماء الإلهية التي وجدت عنها الأكوان كلها و لم تعطها الملائكة و قال صلى الله عليه و سلم إن الله خلق آدم على صورته و إن كان الضمير عندنا متوجها أن يعود على آدم فيكون فيه رد على بعض النظار من أهل الأفكار و يتوجه أن يعود على الله لتخلقه بجميع الأسماء الإلهية فعلمت إن هذه السعة إنما قبلها العبد المؤمن لكونه على الصورة كما قبلت المرآة صورة الرائي دون غيرها مما لا صقالة فيه و لا صفاء و لم يكن هذا للسماء لكونها شفافة و لا للأرض لكونها غير مصقولة فدل على إن خلق الإنسان و إن كان عن حركات فلكية هي أبوه و عن عناصر قابلة و هي أمه فإن له من جانب الحق أمرا ما هو في آبائه و لا في أمهاته من ذلك الأمر وسع جلال الله تعالى إذ لو كان ذلك من قبل أبيه الذي هو السماء أو أمه التي هي الأرض أو منهما لكان السماء و الأرض أولى بأن يسعا الحق ممن تولد عنهما و لا سيما و الله تعالى يقول لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يريد في المعنى لا في الجرمية و مع هذا فاختص الإنسان بأمر أعطاه هذه السعة التي ضاق عنها السماء و الأرض فلم تكن له هذه السعة إلا من حيث أمر آخر من الله فضل به على السماء و الأرض فكل واحد من العالم فاضل مفضول فقد فضل كل واحد من العالم من فضله لحكمة الافتقار و النقص الذي هو عليه كل ما سوى الله فإن الإنسان إذا زها بهذه السعة و افتخر على الأرض و السماء جاءه قوله تعالى لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ و إذا زهت السماء و الأرض بهذه الآية على الإنسان جاء قوله ما وسعني أرضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي فأزال عنه هذا العلم ذلك الزهو و الفخر و عنهما و افتقر الكل إلى ربه و انحجب عن زهوه و نفسه و قوله وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يدل على إن بعض الناس يعلم ذلك و علم هذا من علمه منا من الاسم الرحمن الذي هو له و به تحقق فَسْئَلْ به خَبِيراً فرحمه عند ما زها بعلم ما فضل به على السماء و الأرض و علم من ذلك أنه ما حصل له من الاسم الرحمن إلا قدر ما كشف له مما فيه دواؤه فإن ذلك الأمر الذي به فضل السماء و الأرض هذا العبد هو أيضا من الاسم الرحمن ما جاد به على هذا العبد و لا تقول إن هذا طعن في كونه نسخة من العالم بل هو على الحقيقة نسخة جامعة باعتبار إن فيه شيئا من السماء بوجه ما و من الأرض بوجه ما و من كل شيء بوجه ما لا من جميع الوجوه فإن الإنسان على الحقيقة من جملة المخلوقات لا يقال فيه إنه سماء و لا أرض و لا عرش و لكن يقال فيه إنه يشبه السماء من وجه كذا و الأرض من وجه كذا و العرش من وجه كذا و عنصر النار من وجه كذا و ركن الهواء من وجه كذا و الماء و الأرض و كل شيء في العالم فبهذا الاعتبار يكون نسخة و له اسم الإنسان كما للسماء اسم السماء و من علوم صاحب هذا المقام نزول القرآن فرقانا لا قرآنا فإذا علمه قرآنا فليس من الاسم الرحمن و إنما الاسم الرحمن ترجم له عن اسم آخر إلهي يتضمنه الاسم الرحمن و أنه نزل في ليلة مباركة و هي ليلة القدرفعرف بنزوله مقادير الأشياء و أوزانها و عرف بقدره منها كما نزل الرب تعالى في الثلث الباقي من الليل فالليل محل النزول الزماني للحق و صفته التي هي القرآن و كان الثلث الباقي من الليل في نزول الرب غيب محمد صلى الله عليه و سلم و غيب هذا النوع الإنساني فإن الغيب ستر و الليل ستر و سمي هذا الباقي من الليل الثلث لأن هذه النشأة الإنسانية لها البقاء دائما في دار الخلود فإن الثلثين الأولين ذهبا بوجود الثلث الباقي أو الآخر من الليل فيه نزل الحق فأوجب له البقاء أيضا و هو ليل لا يعقبه صباح أبدا فلا يذهب لكن ينتقل من حال إلى حال و من دار إلى دار كما ينتقل الليل من مكان إلى مكان أمام الشمس و إنما يفر أمامها لئلا تذهب عينه إذ كان النور ينافي الظلمة و تنافيه غير أن سلطان النور أقوى فالنور ينفر الظلمة و الظلمة لا تنفر النور و إنما هو النور ينتقل فتظهر الظلمة في الموضع الذي لا عين للنور فيه أ لا ترى الحق تسمى بالنور و لم يتسم بالظلمة إذ كان النور وجودا و الظلمة عدما و إذ كان النور لا تغالبه الظلمة بل النور الغالب كذلك الحق لا يغالبه الخلق بل الحق الغالب فسمى نفسه نورا فتذهب السماء و هو الثلث الأول من الليل و تذهب الأرض و هو الثلث الثاني من الليل و يبقى الإنسان في الدار الآخرة أبد الآبدين إلى غير نهاية و هو الثلث الباقي من الليل و هو الولد عن هذين الأبوين السماء و الأرض فنزل القرآن في الليلة المباركة في الثلث الآخر منها و هو الإنسان الكامل ففرق فيه كل أمر حكيم فتميز عن أبويه بالبقاء نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ هو محمد صلى الله عليه و سلم أ لا ترى الشارع كيف قال في ولد الزنا إنه شر الثلاثة و كذلك ولد الحلال خير الثلاثة من هذا الوجه خاصة فإن الماء الذي خلق منه الولد من الرجل و المرأة أراد الخروج و هو الماء الذي تكون منه الولد و هو الأمر الثالث فحرك لما أراد الخروج الأبوين للنكاح ليخرج و كان تحريكه لهما على غير وجه مرضي شرعا يسمى سفاحا فقيل فيه إنه شر الثلاثة أي هو سبب الحركة التي بها انطلق عليهم اسم الشر فجعله ثلاثة أثلاث الأبوان ثلثان و الولد ثالث كذلك قسم الليل على ثلاثة أثلاث ثلثان ذاهبان و هما السماء و الأرض و ثلث باق و هو الإنسان و فيه ظهرت صورة الرحمن و فيه نزل القرآن و إنما سميت السماء و الأرض ليلا لأن الظلمة لها من ذاتها و الإضاءة فيها من غيرها من الأجسام المستنيرة التي هي الشمس و أمثالها فإذا زالت الشمس أظلمت السماء و الأرض فهذا يا أخي قد استفدت علوما لم تكن تعرفها قبل هذا و هي علوم هذا الشخص المحقق بمنزل الأنفاس و كل ما أدركه هذا الشخص فإنما أدركه من الروائح بالقوة الشمية لا غير و قد رأينا منهم جماعة بإشبيلية و بمكة و بالبيت المقدس و فاوضناهم في ذلك مفاوضة حال لا مفاوضة نطق كما أني فاوضت طائفة أخرى من أصحاب النظر البصري بالبصر فكنت أسأل و أجاب و نسأل و نجيب بمجرد النظر ليس بيننا كلام معتاد و لا اصطلاح بالنظر أصلا لكن كنت إذا نظرت إليه علمت جميع ما يريده مني و إذا نظر إلى علم جميع ما نريده منه فيكون نظره إلي سؤالا أو جوابا و نظري إليه كذلك فنحصل علوما جمة بيننا من غير كلام و يكفي هذا القدر من بعض علم هذا الشخص فإن علومه كثيرة أحطنا بها فمن أراد أن يعرف مما ذكرناه شيئا فليعلم الفرق بين في في قوله كان في عماء و بين استوى في قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى و لم يقل في كما قال في السماء و في الليل و يتبين لك في كل ما ذكرناه مقام جمع الجمع و مقام الجمع و مقام التفرقة و مقام تمييز المراتب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء التاسع عشر
(بسم الله الرحمن الرحيم)