قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الخامس و الثلاثون في معرفة هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس و أ

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
العبد من كان في حال الحياة بهكحاله بعد موت الجسم و الروح‏
و العبد من كان في حال الحجاب بهنورا كإشراق ذات الأرض من يوح‏
فحالة الموت لا دعوى تصاحبهاكما الحياة لها الدعوى بتصريح‏
في حق قوم و في قوم تكون لهمتلك الدعاوي بإيماء و تلويح‏
فإن فهمت الذي قلناه قمت بهو زنا تنزه عن نقص و ترجيح‏
و كنت ممن تزكيه حقائقهو لا سبيل إلى طعن و تجريح‏
و إن جهلت الذي قلناه جئت إلىدار السؤال بصدر غير مشروح‏

اعلم أيدك الله بروح القدس أن هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس أي شخص كان فإن حاله بعد موته يخالف سائر أحوال الموتى فلنذكر أولا حصر مآخذ أهل الله العلوم من الله كما قررناه في الباب قبل هذا و لنذكر ما لهم و آثار تلك المأخذ في ذواتهم فلنقل اعلم يا أخي أن علم أهل الله المأخوذ من الكشف إنه على صورة الايمان سواء فكل ما يقبله الايمان عليه يكون كشف أهل الله فإنه حق كله و المخبر به و هو النبي صلى الله عليه و سلم مخبر به عن كشف صحيح و ذوات العلماء بالله تعالى تكون على صفة الشي‏ء الذي تأخذ منه العلم بالله أي شي‏ء كان‏ و اعلم أن الصفات على نوعين صفات نفسية و صفات معنوية فالصفات المعنوية في الموصوف هي التي إذا رفعتها عن الذات الموصوفة بها لم ترتفع الذات التي كانت موصوفة بها و الصفات النفسية هي التي إذا رفعتها عن الموصوف بها ارتفع الموصوف بها و لم يبق له عين في الوجود العيني و لا في الوجود العقلي حيث ما رفعتها ثم إنه ما من صفة نفسية للموصوف التي هي ليست بشي‏ء زائد على ذاته إلا و لها صفة نفسية بها يمتاز بعضها عن بعض فإنه قد تكون ذات الموصوف مركبة من صفتين نفسيتين إلى ما فوق ذلك و هي الحدود الذاتية و هنا باب مغلق لو فتحناه لظهر ما يذهب بالعقول و يزيل الثقة بالمعلوم و ربما كان يؤول الأمر في ذلك إلى أن يكون السبب الأول من صفات نفس الممكنات كما أنك إذا جعلت السبب شرطا في وجود المشروط و رفعت الشرط ارتفع المشروط بلا شك و لا يلزم العكس فهذا يطرد و لا ينعكس فتركناه مقفلا لمن يجد مفتاحه فيفتحه‏ و إذا كان الأمر عندنا و عند كل عاقل بهذه المثابة فقد علمت إن الصفات معان لا تقوم بأنفسها و ما لها ظهور إلا في عين الموصوف و الصفات النفسية معان و هي عين الموصوف و المعاني لا تقوم بأنفسها فكيف تكون هي عين الموصوف لا غيره فيوصف الشي‏ء بنفسه و صار قائما بنفسه من حقيقته ألا يقوم بنفسه فإن كل موصوف هو مجموع صفاته النفسية و الصفات لا تقوم بأنفسها و ما ثم ذات غيرها تجمعها و تظهر و قد نبهتك على أمر عظيم لتعرف لما ذا يرجع علم العقلاء من حيث أفكارهم و يتبين لك أن العلم الصحيح لا يعطيه الفكر و لا ما قررته العقلاء من حيث أفكارهم و أن العلم الصحيح إنما هو ما يقذفه الله في قلب العالم و هو نور إلهي يختص به من يَشاءُ من عِبادِهِ من ملك و رسول و نبي و ولي و مؤمن و من لا كشف له لا علم له‏ و لهذا جاءت الرسل و التعريف الإلهي بما تحيله العقول فتضطر إلى التأويل في بعضها لتقبله و تضطر إلى التسليم و العجز في أمور لا تقبل التأويل أصلا و غايته أن يقول له وجه لا يعلمه إلا الله لا تبلغه عقولنا و هذا كله تأنيس للنفس لا علم حتى لا ترد شيئا مما جاءت به النبوة هذا حال المؤمن العاقل و أما غير المؤمن فلا يقبل شيئا من ذلك و قد وردت أخبار كثيرة مما تحيلها العقول منها في الجناب العالي و منها في الحقائق و انقلاب الأعيان فأما التي في الجناب العالي فما وصف الحق به نفسه في كتابه و على لسان رسله مما يجب الايمان به و لا يقبله العقل بدليله على ظاهره إلا إن تأوله بتأويل بعيد فإيمانه إنما هو بتأويله لا بالخبر و لم يكن له كشف إلهي كما كان للنبي فيعرف مراد الحق في ذلك الخبر فوصف نفسه سبحانه بالظرفية الزمانية و المكانية و وصفه بذلك رسوله صلى الله عليه و سلم و جميع الرسل و كلهم على لسان واحد في ذلك لأنهم يتكلمون عن إل واحد و العقلاء أصحاب الأفكار اختلفت مقالاتهم في الله تعالى على قدر نظرهم فالإله الذي يعبد بالعقل مجردا عن الايمان كأنه بل هو إله موضوع بحسب ما أعطاه نظر ذلك العقل فاختلفت حقيقته بالنظر إلى كل عقل و تقابلت العقول و كل طائفة من أهل العقول تجهل الأخرى بالله و إن كانوا من النظار الإسلاميين المتأولين فكل طائفة تكفر الأخرى و الرسل صلوات الله عليهم من آدم ع إلى محمد صلى الله عليه و سلم ما نقل عنهم اختلاف فيما ينسبونه إلى الله من النعوت بل كلهم على لسان واحد في ذلك و الكتب التي جاءوا بها كلها تنطق في حق الله بلسان واحد ما اختلف منهم اثنان يصدق بعضهم بعضا مع طول الأزمان و عدم الاجتماع و ما بينهم من الفرق المنازعين لهم من العقلاء ما اختل نظامهم و كذلك المؤمنون بهم على بصيرة المسلمون المسلمون الذين لم يدخلوا نفوسهم في تأويل فهم أحد رجلين إما رجل آمن و سلم و جعل علم ذلك إليه إلى أن مات و هو المقلد و إما رجل عمل بما علم من فروع الأحكام و اعتقد الايمان بما جاءت به الرسل و الكتب فكشف الله عن بصيرته و صيره ذا بصيرة في شأنه كما فعل بنبيه و رسوله صلى الله عليه و سلم و أهل عنايته فكاشف و أبصر و دعا إلى الله عز و جل على بصيرة كما قال الله تعالى في حق نبيه صلى الله عليه و سلم مخبرا له أَدْعُوا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي و هؤلاء هم العلماء بالله العارفون و إن لم يكونوا رسلا و لا أنبياء فهم على بينة من ربهم في علمهم به و بما جاء من عنده‏ و كذلك وصف نفسه بكثير من صفات المخلوقين من المجي‏ء و الإتيان و التجلي للأشياء و الحدود و الحجب و الوجه و العين و الأعين و اليدين و الرضي و الكراهة و الغضب و الفرح و التبشبش و كل خبر صحيح ورد في كتاب و سنة و الأخبار أكثر من أن تحصى مما لا يقبلها إلا مؤمن بها من غير تأويل أو بعض أرباب النظر من المؤمنين بتأويل أضطره إليه إيمانه فانظر مرتبة المؤمن ما أعزها و مرتبة أهل الكشف ما أعظمها حيث ألحقت أصحابها بالرسل و الأنبياء عليهم السلام فيما خصوا به من العلم الإلهي لأن العلماء ورثة الأنبياء و ما ورثوا دينارا و لا درهما بل ورثوا العلم‏ يقول صلى الله عليه و سلم إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة فمن كان عنده شي‏ء من هذه الدنيا فليوقفه صدقة على من يراه من الأقربين إلى الله فهو النسب الحقيقي أو يزهد فيه و لا يترك شيئا يورث عنه إن أراد أن يلحق بهم و لا يرث أحدا فالحمد لله الذي أعطانا من هذا المقام الحظ الوافر فهذا بعض ما ورد علينا من الله عز و جل في الله تعالى من الأوصاف‏ و أما في قلب الحقائق فلا خلاف بين العقلاء في أنه لا يكون و دل دليل العقل القاصر من جهة فكره و نظره لا من جهة إيمانه و قبوله إذ لا أعقل من الرسل و أهل الله إن الأعيان لا تنقلب حقيقة في نفسها و إن الصفات و الأعراض في مذهب من يقول إنها أعيان موجودة لا نقوم بأنفسها و لا بد لها من محل قائم بنفسه أو غير قائم بنفسه لكنه في قائم بنفسه و لا بد و مثال الأول السواد مثلا أو أي لون كان لا يقوم إلا بمحل يقال فيه لقيام السواد به أسود و مثال الثاني كالسواد المشرق مثلا فالسواد هو المشرق فإنه نعت له فهذا معنى قولي أو غير قائم بنفسه لكنه في قائم بنفسه و هذه مسألة خلاف بين النظار هل يقوم المعنى بالمعنى فمن قائل به و مانع من ذلك و قد ثبت أن جميع الأعمال كلها أعراض و إنها تفني و لا بقاء لها و إنه ليس لها عين موجودة بعد ذهابها و لا توصف بالانتقال و إن الموت إما عرض موجود في الميت في مذهب بعض النظار و إما نسبة افتراق بعد اجتماع و كذا جميع الأكوان في مذهب بعضهم و هو الصحيح الذي يقتضيه الدليل و على كل حال فإنه لا يقوم بنفسه‏ و وردت الأخبار النبوية بما يناقض هذا كله مع كوننا مجمعين على إن الأعمال أعراض أو نسب‏ فقال الشارع و هو الصادق صاحب العلم الصحيح و الكشف الصريح إن الموت يجاء به يوم القيامة في صورة كبش أملح يعرفه الناس و لا ينكره أحد فيذبح بين الجنة و النار روى أن يحيى ع هو الذي يضجعه و يذبحه بشفرة تكون في يده و الناس ينظرون إليه‏ و ورد أيضا في الخبر أن عمل الإنسان يدخل معه في قبره في صورة حسنة أو قبيحة فيسأله صاحبه فيقول أنا عملك و أن مانع الزكاة يأتيه ماله شجاعا أقرع له زبيبتان‏ و أمثال هذا في الشرع لا تحصى كثرة فأما المؤمنون فيؤمنون بهذا كله من غير تأويل و أما أهل النظر من أهل الايمان و غيرهم فيقولون حمل هذا على ظاهره محال عقلا و له تأويل فيتأولونه بحسب ما يعطيهم نظرهم فيه ثم يقولون أهل الايمان منهم عقيب تأويلهم و الله أعلم يعني في ذلك التأويل الخاص الذي ذهب إليه هل هو المراد لله أم لا و أما حمله على ظاهره فمحال عندهم جملة واحدة و الايمان إنما يتعلق بلفظ الشارع به خاصة هذا هو اعتقاد أهل الأفكار و بعد أن بينا لك هذه الأمور و مراتب الناس فيها فإنها من هذا الباب الذي نحن بصدده فاعلم أنه ما ثم إلا ذوات أوجدها الله تعالى فضلا منه عليها قائمة بأنفسها و كل ما وصفت به فنسب و إضافات بينها و بين الحق من حيث ما وصفت فإذا أوجد الموجد قيل فيه إنه قادر على الإيجاد و لو لا ذاك ما أوجد و إذا خصص الممكن بأمر دون غيره مما يجوز أن يقوم به قيل مريد و لو لا ذلك ما خصصه بهذا دون غيره و سبب هذا كله إنما تعطيه حقيقة الممكن فالممكنات أعطت هذه النسب فافهم إن كنت ذا لب و نظر إلهي و كشف رحماني‏ و قد قررنا في الباب الذي قبل هذا أن مآخذ العلوم من طرق مختلفة و هي السمع و البصر و الشم و اللمس و الطعم و العقل من حيث ضرورياته و هو ما يدركه بنفسه من غير قوة أخرى و من حيث فكره الصحيح أيضا مما يرجع إلى طرق الحواس أو الضروريات و البديهيات‏لا غير فذلك يسمى علما و الأمور العارضة الحاصل عنها العلوم أيضا ترجع إلى هذه الأصول لا تنفك عنها و إنما سميت عوارض من أجل أن العادة في إدراك الألوان إن اللمس لا يدركها و إنما يدركها البصر فإذا أدركها الأكمه باللمس و قد رأينا ذلك فقد عرض لحاسة اللمس ما ليس من حقيقتها في العادة أن تدركه و كذلك سائر الطرق إذا عرض لها درك ما ليس من شأنها في العادة أن يدرك بها يقال فيه عرض لها و إنما فعل الله هذا تنبيها لنا أنه ما ثم حقيقة كما يزعم أهل النظر لا ينفذ فيها الاقتدار الإلهي بل تلك الحقيقة إنما هي بجعل الله لها على تلك الصورة و إنها ما أدركت الأشياء المربوط إدراكها بها من كونها بصرا و لا غير ذلك يقول الله بل بجعلنا فيدرك جميع العلوم كلها بحقيقة واحدة من هذه الحقائق إذا شاء الحق فلهذا قلنا عرض لها إدراك ما لم تجر العادة بإدراكها إياه فتعلم قطعا أنه عز و جل قد يكون مما يعرض لها أن تعلم و ترى من ليس كمثله شي‏ء و إن كانت الإدراكات لم تدرك شيئا قط إلا و مثله أشياء كثيرة من جميع المدركات‏ و لم ينف سبحانه عن إدراكه قوة من القوي التي خلقها إلا البصر فقال لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فمنع ذلك شرعا و ما قال لا يدركه السمع و لا العقل و لا غيرهما من القوي الموصوف بها الإنسان كما لم يقل أيضا إن غير البصر يدركه بل ترك الأمر مبهما و أظهر العوارض التي تعرض لهذه القوي في معرض التنبيه أنه ربما وضع ذلك في رؤيتنا من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ كما رأينا أول مرئي و سمعنا أول مسموع و شممنا أول مشموم و طعمنا أول مطعوم و لمسنا أول ملموس و عقلنا أول معقول مما لم يكن له مثل عندنا و إن كان له أمثال في نفس الأمر و لكن في أولية الإدراك سر عجيب في نفي المماثلة له فقد أدرك المدرك من لا مثل له عنده فيقيسه عليه و كون ذلك المدرك يقبل لذاته المثل أو لا يقبله حكم آخر زائد على كونه مدركا لا يحتاج إليه في الإدراك إن كنت ذا فطنة بل نقول إن التوسع الإلهي يقتضي أن لا مثل في الأعيان الموجودة و أن المثلية أمر معقول متوهم فإنه لو كانت المثلية صحيحة ما امتاز شي‏ء عن شي‏ء مما يقال هو مثله فذلك الذي امتاز به الشي‏ء عن الشي‏ء هو عين ذلك الشي‏ء و ما لم يمتاز به عن غيره فما هو إلا عين واحدة فإن قلت رأيناه مفترقا مفارقا ينفصل هذا عن هذا مع كونه يماثله في الحد و الحقيقة يقال له أنت الغالط فإن الذي وقع به الانفصال هو المعبر عنه بأنه تلك العين و ما لم يقع به الانفصال هو الذي توهمت أنه مثل و هذا من أغمض مسائل هذا الباب فما ثم مثل أصلا و لا يقدر على إنكار الأمثال و لكن بالحدود لا غير و لهذا انطلق المثلية من حيث الحقيقة الجامعة المعقولة لا الموجودة فالأمثال معقولة لا موجودة فنقول في الإنسان إنه حيوان ناطق بلا شك و أن زيدا ليس هو عين عمرو من حيث صورته و هو عين عمرو من حيث إنسانيته لا غيره أصلا و إذا لم يكن غيره في إنسانيته فليس مثله بل هو هو فإن حقيقة الإنسانية لا تتبعض بل هي في كل إنسان بعينها لا بجزئيتها فلا مثل لها و هكذا جميع الحقائق كلها فلم تصح المثلية إذا جعلتها غير عين المثل فزيد ليس مثل عمرو من حيث إنسانيته بل هو هو و ليس زيد مثل عمرو في صورته فإن الفرقان بينهما ظاهر و لو لا الفارق لالتبس زيد بعمرو و لم تكن معرفة بالأشياء فما أدرك المدرك أي شي‏ء أدرك إلا من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و ذلك لأن الأصل الذي نرجع إليه في وجودنا و هو الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فلا يكون ما يوجد عنه إلا على حقيقة أنه لا مثل له فإنه كيف يخلق ما لا تعطيه صفته و حقيقته لا تقبل المثل فلا بد أن يكون كل جوهر فرد في العالم لا يقبل المثل إن كنت ذا فطنة و لب فإنه ليس في الإله حقيقة تقبل المثل فلو كان قبول المثل موجودا في العالم لاستند في وجوده من ذلك الوجه إلى غير حقيقة إلهية و ما ثم موجد إلا الله و لا مثل له فما في الوجود شي‏ء له مثل بل كل موجود متميز عن غيره بحقيقة هو عليها في ذاته و هذا هو الذي يعطيه الكشف و العلم الإلهي الحق فإذا أطلقت المثل على الأشياء كما قد تقرر فاعلم أني أطلق ذلك عرفا قال تعالى أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ أي كما انطلق عليكم اسم الأمة كذلك ينطلق اسم أمة على كل دابة و طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ و كما إن كل أمة و كل عين في الوجود ما سوى الحق تفتقر في إيجادها إلى موجد نقول بتلك النسبة في كل واحد إنه مثل للآخر في الافتقار إلى الله و بهذا يصح قطعا إن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ بزيادة الكاف أو بفرض المثل فإنك إذا عرفت أن كل محدث لا يقبل المثلية كما قررناه لك فالحق أولى بهذه الصفة فلم تبق المثلية الواردة في القرآن و غيره إلا في الافتقار إلى الله الموجد أعيان الأشياء ثم ارجع و أقول إن كل واحد من أهل الله لا يخلو أن يكون قد جعل الله علم هذا الشخص‏بالأشياء في جميع القوي أو في قوة بعينها كما قررنا إما في الشم و هو صاحب علم الأنفاس و إما في النظر فيقال هو صاحب نظر و إما في الضرب و هو من باب اللمس بطريق خاص و لذلك كني عن ذلك بوجود برد الأنامل فينسب صاحب تلك الصفة التي بها تحصل العلوم إليها فيقال هو صاحب كذا كما قررنا إن الصفة هي عين الموصوف في هذا الباب أعني الصفة النفسية فكما رجع المعنى الذي يقال فيه إنه لا يقوم بنفسه صورة قائمة بنفسها رجعت الصورة التي هي هذا العالم معنى لتحققه بذلك المعنى و تألفه به كما تألفت هذه المعاني فصار من تأليفها ذات قائمة بنفسها يقال فيها جسم و إنسان و فرس و نبات فافهم فيصير صاحب علم الذوق ذوقا و صاحب علم الشم شما و معنى ذلك أنه يفعل في غيره ما يفعل الذوق فيه إن كان صاحب ذوق أو ما فعل الشم فيه إن كان صاحب شم فقد التحق في الحكم بمعناه و صار هو في نفسه معنى يدرك به المدرك الأشياء كما يدرك الرائي بالنظر في المرآة الأشياء التي لا يدركها في تلك الحالة إلا بالمرآة كان للشيخ أبي مدين ولد صغير من سوداء و كان أبو مدين صاحب نظر فكان هذا الصبي و هو ابن سبع سنين ينظر و يقول أرى في البحر في موضع صفته كذا و كذا سفنا و قد جرى فيها كذا و كذا فإذا كان بعد أيام و تجي‏ء تلك السفن إلى بجاية مدينة هذا الصبي التي كان فيها يوجد الأمر على ما قاله الصبي فيقال للصبي بما ذا ترى فيقول بعيني ثم يقول لا إنما أراه بقلبي ثم يقول لا إنما أراه بوالدي إذا كان حاضرا و نظرت إليه رأيت هذا الذي أخبركم به و إذا غاب عني لا أرى شيئا من ذلك‏ ورد في الخبر الصحيح عن الله تعالى في العبد الذي يتقرب إلى الله بالنوافل حتى بحبه يقول فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به‏ الحديث فبه يسمع و يبصر و يتكلم و يبطش و يسعى فهذا معنى قولنا يرجع المحقق بمثل صورة معنى ما تحقق به فكان ينظر بأبيه كما ينظر الإنسان بعينه في المرآة فافهم و هكذا كل صاحب طريق من طرق هذه القوي و قد يجمع الكل واحد فيرى بكل قوة و يسمع بكل قوة و يشم بكل قوة و هو أتم الجماعة و أما أحوالهم بعد موتهم فعلى قدر ما كانوا عليه في الدنيا من التفرغ لأمر ما معين أو أمور مختلفة على قدر ما تحققوا به في التفرغ له و هم في الآخرة على قدر أحوالهم في الدنيا فمن كان في الدنيا عبدا محضا كان في الآخرة ملكا محضا و من كان في الدنيا يتصف بالملك و لو في جوارحه أنها ملك له نقص من ملكه في الآخرة بقدر ما استوفاه في الدنيا و لو أقام العدل في ذلك و صرفه فيما أوجب الله عليه أن يصرفه فيه شرعا و هو يرى أنه مالك لذلك لغفلة طرأت منه فإن وبال ذلك يعود عليه و يؤثر فيه فلا أعز في الآخرة ممن بلغ في الدنيا غاية الذل في جناب الحق و الحقيقة و لا أذل في الآخرة ممن بلغ في الدنيا غاية العزة في نفسه و لو كان مصفوعا في الدنيا و لا أريد بعز الدنيا أن يكون فيها ملكا إلا أن يكون صفته في نفسه العزة و كذلك الذلة و أما أن يكون في ظاهر الأمر ملكا أو غير ذلك فما نبالي في أي مقام و في أي حال أقام الحق عبده في ظاهره و إنما المعتبر في ذلك حاله في نفسه‏ ذكر عبد الكريم بن هوازن القشيري في بعض كتبه و غيره عن رجل من الناس أنه دفن رجلا من الصالحين فلما جعله في قبره نزع الكفن عن خده و وضع خده على التراب ففتح الميت عينيه و قال له يا هذا أ تذللني بين يدي من أعزني فتعجب من ذلك و خرج من القبر و رأيت أنا مثل هذا لعبد الله صاحبي الحبشي في قبره و رآه غاسله و قد هاب أن يغسله في حديث طويل ففتح عينيه في المغتسل و قال له اغسل فمن أحوالهم بعد الموت أنهم أحياء بالحياة النفسية التي بها يسبح كل شي‏ء و من كانت له همة بمعبده في حال عبادته في حياته بحيث أن يكون يحفظها من الداخل فيها حتى لا يتغير عليه الحال إن كان صاحب نفس فإذا مات و دخل أحد بعده معبده ففعل فيه ما لا يليق بصاحبه الذي كان يعمره ظهرت فيه آية و هذا قد رويناه في حكاية عن أبي يزيد البسطامي كان له بيت يتعبد فيه يسمى بيت الأبرار فلما مات أبو يزيد بقي البيت محفوظا محترما لا يفعل فيه إلا ما يليق بالمساجد فاتفق أنه جاء رجل فبات فيه قيل و كان جنبا فاحترقت عليه ثيابه من غير نار معهودة ففر من البيت فما كان يدخله أحد فيفعل فيه ما لا يليق إلا رأى آية فيبقى أثر مثل هذا الشخص بعد موته يفعل مثل ما كان يفعله في حياته سواء و قد قال بعضهم و كان محبا في الصلاة يا رب إن كنت أذنت لأحد أن يصلي في قبره فاجعلني ذلك فرئي و هو يصلي في قبره و قد مر رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة إسرائه بقبر موسى ع فرآه و هو يصلي في قبره ثم عرج به إلى السماء و ذكر الإسراء و ما جرى له فيه مع الأنبياء و رأى موسى في السماء السادسة و قد رآه و هو يصلي في قبره فمن أحوال هذا الشخص بعد موته مثل هذه الأشياء لا فرق في حقه بين حياته و موته فإنه كان في زمان حياته في الدنيا في صورة الميت حاله الموت فجعله الله في حال موته كمن حاله الحياة جزاء وفاقا و من صفات صاحب هذا المقام في موته إذا نظر الناظر إلى وجهه و هو ميت يقول فيه حي و إذا نظر إلى مجس عروقه يقول فيه ميت فيحار الناظر فيه فإن الله جمع له بين الحياة و الموت في حال حياته و موته و قد رأيت ذلك لوالدي رحمه الله يكاد إنا ما دفناه إلا على شك مما كان عليه في وجهه من صورة الأحياء و مما كان من سكون عروقه و انقطاع نفسه من صورة الأموات و كان قبل أن يموت بخمسة عشر يوما أخبرني بموته و أنه يموت يوم الأربعاء و كذلك كان فلما كان يوم موته و كان مريضا شديد المرض استوى قاعدا غير مستند و قال لي يا ولدي اليوم يكون الرحيل و اللقاء فقلت له كتب الله سلامتك في سفرك هذا و بارك لك في لقائك ففرح بذلك و قال لي جزاك الله يا ولدي عني خيرا كل ما كنت أسمعه منك تقوله و لا أعرفه و ربما كنت أنكر بعضه هو ذا أنا أشهده ثم ظهرت على جبينه لمعة بيضاء تخالف لون جسده من غير سوء له نور يتلألأ قشعر بها الوالد ثم إن تلك اللمعة انتشرت على وجهه إلى أن عمت بدنه فقبلته و وادعته و خرجت من عنده و قلت له أنا أسير إلى المسجد الجامع إلى أن يأتيني نعيك فقال لي رح و لا تترك أحدا يدخل علي و جمع أهله و بناته فلما جاء الظهر جاءني نعيه فجئت إليه فوجدته على حالة يشك الناظر فيه بين الحياة و الموت و على تلك الحالة دفناه و كان له مشهد عظيم فسبحان من يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من يَشاءُ فصاحب هذا المقام حياته و موته سواء و كل ما قدمناه في هذا الباب من العلم هو علم صاحب هذا المقام فإنه من علم الأنفاس و لهذا ذكرنا ما ذكرنا من ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏