اعلم عصمنا الله و إياك أن جهنم من أعظم المخلوقات و هي سجن الله في الآخرة يسجن فيه المعطلة و المشركون و هي لهاتين الطائفتين دار مقامة و الكافرون و المنافقون و أهل الكبائر من المؤمنين قال تعالى وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ثم يخرج بالشفاعة ممن ذكرنا و بالامتنان الإلهي من جاء النص الإلهي فيه و سميت جهنم جهنم لبعد قعرها يقال بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر و هي تحوي على حرور و زمهرير ففيها البرد على أقصى درجاته و الحرور على أقصى درجاته و بين أعلاها و قعرها خمس و سبعون مائة من السنين و اختلف الناس في خلقها هل خلقت بعد أم لم تخلق و الخلاف مشهور فيها و كل واحد من الطائفتين يحتج فيما ذهب إليه بما يراه حجة عنده و كذلك اختلفوا في الجنة و أما عندنا و عند أصحابنا أهل الكشف و التعريف فهما مخلوقتان غير مخلوقتين فأما قولنا مخلوقة فكرجل أراد أن يبني دارا فأقام حيطانها كلها الحاوية عليها خاصة فيقال قد بنى دارا فإذا دخلها لم ير إلا سورا دائرا على فضاء و ساحة ثم بعد ذلك ينشئ بيوتها على أغراض الساكنين فيها من بيوت و غرف و سراديب و مهالك و مخازن و ما ينبغي أن يكون فيها مما يريده الساكن أن يجعل فيها من الآلات التي تستعمل في عذاب الداخل فيها و هي دار حرورها هواء محترق لا جمر لها سوى بنى آدم و الأحجار المتخذة آلهة و الجن لهبها قال تعالى وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ و قال إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ من دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ و قال تعالى فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ و تحدث فيها الآلات بحدوث أعمال الجن و الإنس الذين يدخلونها و أوجدها الله بطالع الثور و لذلك كان خلقها في الصورة صورة الجاموس سواء هذا الذي يعول عليه عندنا و بهذه الصورة رآها أبو الحكم بن برجان في كشفه و قد تمثل لبعض الناس من أهل الكشف في صورة حية فيتخيل إن تلك الصورة هي التي خلقها الله عليها كأبي القاسم بن قسي و أمثاله و لما خلقها الله تعالى كان زحل في الثور و كانت الشمس و الأحمر في القوس و كان سائر الدراري في الجدي و خلقها الله تعالى من تجلى قوله في حديث مسلم جعت فلم تطعمني و ظمئت فلم تسقني و مرضت فلم تعدني و هذا أعظم نزول نزله الحق إلى عباده في اللطف بهم فمن هذه الحقيقة خلقت جهنم أعاذنا الله و إياكم منها فلذلك تجبرت على الجبابرة و قصمت المتكبرين و جميع ما يخلق فيها من الآلام التي يجدها الداخلون فيها فمن صفة الغضب الإلهي و لا يكون ذلك إلا عند دخول الخلق فيها من الجن و الإنس متى دخلوها و أما إذا لم يكن فيها أحد من أهلها فلا ألم فيها في نفسها و لا في نفس ملائكتها بل هي و من فيها من زبانيتها في رحمة الله منغمسون ملتذون يسبحون لا يَفْتُرُونَ يقول تعالى وَ لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَ من يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى أي ينزل بكم غضبي فأضاف الغضب إليه و إذا نزل بهم كانوا محلا له و جهنم إنما هي مكان لهم و هم النازلون فيها و هم محل الغضب و هو النازل بهم فإن الغضب هنا هو عين الألم فمن لا معرفة له ممن يدعي طريقتنا و يريد أن يأخذ الأمر بالتمثيل و القوة و المناسبة في الصفات فيقول إن جهنم مخلوقة من القهر الإلهي و إن الاسم القاهر هو ربها و المتحلي لها و لو كان الأمر كما قاله لشغلها ذلك بنفسها عما وجدت له من التسلط على الجبابرة و لم يتمكن لها أن تقولهَلْ من مَزِيدٍ و لا إن تقول أكل بعضي بعضا فنزول الحق برحمته إليها التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و حنانه وسع لها المجال في الدعوى و التسلط على من تجبر على من أحسن إليها هذا الإحسان و جميع ما تفعله بالكفار من باب شكر المنعم حيث أنعم عليها فما تعرف منه سبحانه إلا لنعمة المطلقة التي لا يشوبها ما يقابلها فالناس غالطون في شأن خلقها و من أعجب ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان قاعدا مع أصحابه في المسجد فسمعوا هدة عظيمة فارتاعوا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أ تعرفون ما هذه الهدة قالوا الله و رسوله اعلم قال حجر ألقى من أعلى جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها فكان وصوله إلى قعرها و سقوطه فيها هذه الهدة فما فرغ من كلامه صلى الله عليه و سلم إلا و الصراخ في دار منافق من المنافقين قد مات و كان عمره سبعين سنة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم الله أكبر فعلم علماء الصحابة أن هذا الحجر هو ذاك المنافق و أنه منذ خلقه الله يهوى في نار جهنم و بلغ عمره سبعين سنة فلما مات حصل في قعرها قال تعالى إِنَّ الْمُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ من النَّارِ فكان سماعهم تلك الهدة التي أسمعهم الله ليعتبروا فانظر ما أعجب كلام النبوة و ما ألطف تعريفه و ما أحسن إشارته و ما أعذب كلامه صلى الله عليه و سلم و لقد سألت الله أن يمثل لي من شأنها ما شاء فمثل لي حالة خصامهم فيها و هو قوله تعالى إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ و قوله تعالى قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ لضلالهم و آلهتهم إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ و هم أهل النار الذين هم أهلها الذين يقول الله فيهم وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ يريد بالمجرمين أهل النار الذين يعمرونها و لا يخرجون منها يمتازون عن الذين يخرجون منها بشفاعة الشافعين و سابق العناية الإلهية في الموحدين فهذا مثل لي في وقت منها فما شبهت خصامهم فيها إلا كخصام أصحاب الخلاف في مناظرتهم إذا استدل أحدهم فإذا رأيت ذلك تذكرت الحالة التي أطلعني الله عليها و رأيت الرحمة كلها في التسليم و التلقي من النبوة و الوقوف عند الكتاب و السنة و لقد عمي الناس عن قوله صلى الله عليه و سلم عند نبي لا ينبغي تنازع و حضور حديثه صلى الله عليه و سلم كحضوره لا ينبغي أن يكون عند إيراده تنازع و لا يرفع السامع صوته عند سرد الحديث النبوي فإن الله يقول لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ و لا فرق عند أهل الله بين صوت النبي أو حكاية قوله فما لنا إلا التهيؤ لقبول ما يرد به المحدث من كلام النبوة من غير جدال سواء كان ذلك الحديث جوابا عن سؤال أو ابتداء كلام فالوقوف عند كلامه في المسألة أو في النازلة واجب فمتى ما قيل قال الله أو قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ينبغي أن يقبل و يتأدب السامع و لا يرفع صوته على صوت المحدث إذا قال ما قال الله أو سرد الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول الله تعالى فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و ما تلاه إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما سمعه السامع إلا منه ثم إذا شاركه السامع في حال كلامه فهو ليس بسامع فإنه من الآداب التي أدب الله نبيه صلى الله عليه و سلم قوله وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ من قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ و الله يقول لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ و توعد على ذلك بحبط العمل من حيث لا يشعر الإنسان فإنه يتخيل في رده و خصامه أنه يذب عن دين الله و هذا من مكر الله الذي قال فيه سَنَسْتَدْرِجُهُمْ من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ و قال وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فالعاقل المؤمن الناصح نفسه إذا سمع من يقول قال الله تعالى أو قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فلينصت و يصغ و يتأدب و يتفهم ما قال الله أو ما قال رسوله صلى الله عليه و سلم يقول الله وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فأوقع الترجي مع هذه الصفة و ما قطع بالرحمة فكيف حال من خاصم و رفع صوته و داخل التالي و سأرد الحديث النبوي في الكلام و أرجو أن يكون الترجي الإلهي واجبا كما يراه العلماء و لما عاينت هذا المحل رأيت عجبا و في هذه الرؤية رأيت اعتماد الماء على الهواء و هو من أعجب الأشياء في عمارة الأحياز و إن جوهرين لا يكونان في حيز واحد و إن الحيز لن شغله و في هذه الرؤية علمت إبطال التوالد و أن المحرك للأشياء هو الله تعالى و أن السبب لا أثر له في الفعل جملة واحدة و في هذه الرؤية علمت إن الألطف أقوى من الأكثف فإن الهواء ألطف من الماء بلا شك و قد منعه و لم يقاومه الماء في القوة و منعه من النزول فإني رأيت نفسي في الهواء و الماء فوقي و يمنعه الهواء من النزول إلى الأرض و في هذه الرؤية علمت علوما جمة كثيرة
و في هذه الرؤية رأيت من دركات أهل النار من كونها جهنم لا من كونها نارا ما شاء الله أن يطلعني منها و رأيت فيها موضعا يسمى المظلمة نزلت في درجة نحو خمسة أدراج و رأيت مهالكها ثم زج بي في الماء علوا فاخترقته و قد رأيت عجبا و علمت في أحوال مخاصمتهم حيث يختصمون في الجحيم و أن ذلك الخصام هو نفس عذابهم في تلك الحال و أن عذابهم في جهنم ما هو من جهنم و إنما جهنم دار سكناهم و سجنهم و الله يخلق الآلام فيهم متى شاء فعذابهم من الله و هم محل له و خلق الله لجهنم سبعة أبواب لكل باب جزء من العالم و من العذاب مقسوم و هذه الأبواب السبعة مفتحة و فيها باب ثامن مغلق لا يفتح و هو باب الحجاب عن رؤية الله تعالى و على كل باب ملك من الملائكة ملائكة السموات السبع عرفت أسماءهم هنالك و ذهبت عن حفظي إلا إسماعيل فهو بقي على ذكري و أما الكواكب كلها فهي في جهنم مظلمة الأجرام عظيمة الخلق و كذلك الشمس و القمر و الطلوع و الغروب لهما في جهنم دائما فشمسها شارقة لا مشرقة و التكوينات عن سيرها بحسب ما يليق بتلك الدار من الكائنات و ما تغير فيها من الصور في التبديل و الانتثار و لهذا قال تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا و الحالة مستمرة ففي البرزخ يكون العرض و في الدار الآخرة يكون الدخول فذوات الكواكب فيها صورتها صورة الكسوف عندنا سواء غير أن وزن تلك الحركات في تلك الدار خلاف ميزانها اليوم فإن كسوفها ما ينجلي و هو كسوف في ذاتها لا في أعيننا و الهواء فيها فيه تطفيف فيحول بين الأبصار و بين إدراك الأنوار كلها فتبصر الأعين الكواكب المنتثرة غير نيرة الأجرام كما يعلم قطعا إن الشمس هنا في ذاتها نيرة و أن الحجاب القمري هو الذي منع البصر أن يدركها أو يدرك نور القمر أو ما كان مكسوفا و لهذا في زمان كسوف شيء منها في موضع يكون في موضع آخر أكثر من ذلك و في موضع آخر لا يكون منه شيء فلما اختلفت الأبصار في إدراك ذلك لاختلاف الأماكن علمنا قطعا إن ثم أمرا عارضا عرض في الطريق حال بين البصر و بينها أو بين نورها كالقمر يحول بينك و بين إدراك جرم الشمس و ظل الأرض يحول بينك و بين نور القمر لا بينك و بين جرمه مثل ما حال القمر بينك و بين جرم الشمس و ذلك بحسب ما يكون منك و يكون منه و هكذا سائر الكواكب وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ كما إن أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ فإن ذلك الكسوف كله على اختلاف أنواعه خشوع من المكسوف عن تجل إلهي حصل له و حد جهنم بعد الفراغ من الحساب و دخول أهل الجنة الجنة من مقعر فلك الكواكب الثابتة إلى أسفل سافلين فهذا كله يزيد في جهنم مما هو الآن ليس مخلوقا فيها و لكن ذلك معد حتى يظهر إلا الأماكن التي قد عينها الله من الأرض فإنها ترجع إلى الجنة يوم القيامة مثل الروضة التي بين منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم و بين قبره صلى الله عليه و سلم و كل مكان عينه الشارع و كل نهر فإن ذلك كله بصير إلى الجنة و ما بقي فيعود نارا كله و هو من جهنم و لهذا كان يقول عبد الله بن عمر إذا رأى البحر يقول يا بحر متى تعود نارا و قال تعالى وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أي أججت نارا من سجرت التنور إذا أوقدته و كان ابن عمر يكره الوضوء بماء البحر و يقول التيمم أعجب إلي منه و لو كشف الله عن أبصار الخلق اليوم لرأوه يتأجج نارا و لكن الله يظهر ما يشاء و يخفى ما يشاء ليعلم أَنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ الله قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً و أكثر ما يجري هذا الأهل الورع فيرى الطعام الحرام صاحب الورع المحفوظ خنزيرا أو عذرة و الشراب خمرا لا يشك فيما يراه و يراه جليسه قرصة خبز طيبة و يرى الشراب ماء عذبا فيا ليت شعري من هو صاحب الحس الصحيح من صاحب الخيال هل الذي أدرك الحكم الشرعي صورة أو هل الذي أدرك المحسوس في العادة على حاله و هذا مما يقوي مذهب المعتزلة في أن القبيح قبيح لنفسه و الحسن حسن لنفسه و أن الإدراك الصحيح إنما هو لمن أدرك الشراب الحرام خمرا فلو لا أنه قبيح لنفسه ما صح هذا الكشف لصاحبه و لو كان فعله عين تعلق الخطاب بالحرمة و القبح ما ظهر ذلك الطعام خنزيرا فإن الفعل ما وقع من المكلف فإن الله أظهر له صورته و أنه قبيح حتى لا يقدم على أكله و هذا بعينه يتصور فيمن يدركه طعاما على حاله في العادة و لكن هذا أحق في الشرع فعلم قطعا إن الذي يراه طعاما على عادته قد حيل بينه و بين حقيقة حكم الشرع فيه بالقبح و لو كان الشيء قبيحا بالقبح الوضعي لم يصدق قول الشارع في الإخبار عنه إنه قبيح أو حسن فإنه خبر بالشيء على خلاف ما هو عليه فإن الأحكامأخبار بلا شك عند كل عاقل عارف بالكلام فإن الله أخبرنا أن هذا حرام و هذا حلال و لذا قال تعالى في ذم من قال عن الله ما لم يقل وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى الله الْكَذِبَ فإنه ألحق الحكم بالخبر لأنه خبر بلا شك إلا أنه ليس في قوة البشر في أكثر الأشياء إدراك قبح الأشياء و لا حسنها فإذا عرفنا الحق بها عرفناها و منها ما يدرك قبحه عقلا في عرفنا مثل كالكذب و كفر المنعم و حسنه عقلا مثل الصدق و شكر المنعم و كون الإثم يتعلق ببعض أنواع الصدق و الأجر يتعلق ببعض أنواع الكذب فذلك لله يعطي الأجر على ما شاءه من قبح و حسن و لا يدل ذلك على حسن الشيء و لا قبحه كالكذب في نجاة مؤمن من هلاك يؤجر عليه الإنسان و إن كان الكذب قبيحا في ذاته و الصدق كالغيبة يأثم بها الإنسان و إن كان الصدق حسنا في ذاته فذاك أمر شرعي يعطي فضله من شاء و يمنعه من شاء كما قال يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من يَشاءُ وَ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ و اعلم أن أشد الخلق عذابا في النار إبليس الذي سن الشرك و كل مخالفة و سبب ذلك أنه مخلوق من النار فعذابه بما خلق منه أ لا ترى النفس به تكون حياة الجسم الحساس فإذا منع بالشنق أو الخنق خروج ذلك النفس انعكس راجعا إلى القلب فأحرقه من ساعته فهلك لحينه فبالنفس كانت حياته و به كان هلاكه و هلاكه على الحقيقة بالنفس من كونه متنفسا لا من كونه ذا نفس و لا من كونه متنفسا فقط بل من كونه يجذب بالقوة الجاذبة نفس الهواء البارد إلى قلبه و يخرج بالقوة الدافعة النفس الحار المحرق آمن قلبه فسبب هذه الأحوال بها تكون حياته فإن الذي يرمى في النار هو متنفس و لكن لا يخلو من أحد الوجهين إما إنه لا يتنفس في النار فتكون حالته حالة المشنوق الذي يخنق بالحبل فيقتله نفسه و إما أن يتنفس فيجذب بالقوة الجاذبة هواء ناريا محرقا إذا وصل إلى قلبه أحرقه فلهذا قلنا في سبب الحياة هذه الأمور كلها فعذاب إبليس في جهنم بما فيها من الزمهرير فإنه يقابل النار الذي هو أصل نشأة إبليس فيكون عذابه بالزمهرير و بما هو نار مركبة فيه من ركن الهواء و الماء و التراب فلا بد أن يتعذب بالنار على قدر مخصوص و عامة عذابه بما يناقض ما هو الغالب عليه في أصل خلقه و النار ناران نار حسية و هي المسلطة على إحساسه و حيوانيته و ظاهر جسمه و باطنه و نار معنوية و هي التي تطلع على الأفئدة و بها يتعذب روحه المدبر لهيكله الذي أمر فعصى فمخالفته عذبته و هي عين جهله بمن استكبر عليه فلا عذاب على الأرواح أشد من الجهل فإنه غبن كله و لهذا سمي يَوْمُ التَّغابُنِ يريد يوم عذاب النفوس فيقول يا ويلتا عَلى ما فَرَّطْتُ و هو يَوْمَ الْحَسْرَةِ يقول يوم الكشف من حسرت عن الشيء إذا كشفت عنه فكأنه يقول يا ليتني حسرت عن هذا الأمر في الدنيا فأكون على بصيرة من أمري فيغتبن في نفسه و التغابن يدرك في ذلك اليوم الكل الطائع و العاصي فالطائع يقول يا ليتني بذلت جهدي و وفيت حق استطاعتي و تدبرت كلام ربي فعملت بمقتضاه مع كونه سعيدا و المخالف يقول يا ليتني لم أخالف ربي فيما أمرني به و نهاني ف ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ و سيأتي هذا في باب يوم القيامة إن شاء الله و لما أعلمناك بمرتبة النفس و التنفس إنما جئنا به لتعلم إن جهنم لما اختص بآلام أهلها صفة الغضب الإلهي و اختص بوجودها التنزل الرحماني الإلهي و جاء في الخبر الصحيح نفس الرحمن مشعرا بصفة الغضب فكان التنفس ملحقا صفة الغضب بمن حل به و لهذا لما أتى نفس الرحمن من قبل اليمن حل الغضب الإلهي بالكفار بالقتل و السيف الذي وقعت بهم الأنصار فنفس الله بذلك عن دينه و نبيه صلى الله عليه و سلم فإن ذا الغضب إذا وجد على من يرسل غضبه نفس عنه ما يجده من أ لم الغضب و أكمل الصورة في محمد صلى الله عليه و سلم فقام به على الكفار لأجل ردهم كلمة الله صفة الغضب فنفس الرحمن عنه بما أمره به من السيف و نفس عنه بأصحابه و أنصاره فوجد الراحة فإنه وجد حيث يرسل غضبه فافهم من هذا آلام أهل النار و الصورة الحجابية المحمدية على الغضب الإلهي على أعداء الله و إن الآلام أرسلت على الأعداء فقامت بهم و نفس الله عن دينه و هو أمره و كلامه و هو عين علمه في خلقه و علمه ذاته جل و تعالى و قد بينا لك أمر جهنم من حيث ما هي دار فلنبين إن شاء الله في الباب الذي يلي هذا الباب مراتب أهل النار ثم اعلم أن الله قد جعل فيها مائة درك في مقابلة درج الجنة و لكل درك قوم مخصوصون لهم من الغضب الإلهي الحال بهم آلام مخصوصة و أن المتولي عذابهم من الولاة الذين ذكرناهم في الباب قبل هذا من هذا الكتاب القائم و الإقليد و الحامدو النائب و السادن و الجابر فهؤلاء الأملاك من الولاة هم الذين يرسلون عليهم العذاب بإذن الله تعالى و مالك هو الخازن و أما بقية الولاة مع هؤلاء الذين ذكرناهم و هم الحائر و السائق و الماتح و العادل و الدائم و الحافظ فإن جميعهم يكونون مع أهل الجنان و خازن الجنان رضوان و إمدادهم إلى أهل النار مثل إمدادهم إلى أهل الجنة فإنهم يمدونهم بحقائقهم و حقائقهم لا تختلف فيقبل كل طائفة من أهل الدارين منهم بحسب ما تعطيهم نشأتهم فيقع العذاب بما به يقع النعيم من أجل المحل كما قلنا في المبرود إنه يتنعم بحر الشمس و المحرور يتعذب بحر الشمس فنفس ما وقع به النعيم به عينه وقع به الألم عند الآخر فالله ينشئنا نشأة النعماء كما قال تعالى في حق الأبرار تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ أي هم في خلقهم على هذه الصفة و نشأة أهل النار تخالف نشأة أهل الجنان فإن نشأة الجنة إنما هو من الحق سبحانه على أيدي الولاة خاصة و نشأة أهل النار على أيدي الولاة و الحجاب و النقباء و السدية على كثرتهم فإنه لا يحصي عددهم إلا الله و لكل ملك منهم في هذه النشأة الدنياوية و نشأة النار و نشأة أهلها حكم سخره الله في ذلك فهم كالفعلة في المملكة و إنشاء الدار المبنية و سيأتي إن شاء الله ذكر الجنة و ما فيها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب الحادي و الستون في معرفة جهنم و أعظم المخلوقات فيها عذابا و معر
إن السماء تعود رتقا مثل ماكانت و أنجمها يزول ضياؤها
هذا لينصفك المقيم بأرضهاو عليه قام عمادها و بناؤها
فأشد خلق الله آلاما بهامن كان منها خلقه فسماؤها
تكسوه حلة ناره من نورهافلذاك يعظم في النفوس بلاؤها