قولنا بوزن أفعال أريد قوله تعالى لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً و هو من أوزان جمع القلة فإن أوزان جمع القلة أربعة افعل مثل أكلب و أفعال مثل أحقاب و فعلة مثل فتية و أفعلة مثل أحمرة و جمع ذلك بعض الأدباء في بيت من الشعر فقال
بأفعل و بأفعال و أفعلة و فعلة يجمع الأدنى من العدد
يقول الله تعالى من كرمه لإبليس و عموم رحمته حين قال له أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ... لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً وَ اسْتَفْزِزْ من اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شارِكْهُمْ في الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ وَ عِدْهُمْ فما جاء إبليس إلا بأمر الله تعالى فهو أمر إلهي يتضمن وعيدا و تهديدا و كان ابتلاء شديدا في حقنا ليريه تعالى أن في ذريته من ليس لإبليس عليه سلطان و لا قوة ثم إن الذي خذلهم الله من العباد جعلهم طائفتين طائفة لا تضرهم الذنوب التي وقعت منهم و هو قوله وَ الله يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا فلا تمسهم النار بما تاب الله عليهم و استغفار الملإ الأعلى لهم و دعائه لهذه الطائفة و طائفة أخرى أخذهم الله بذنوبهم و الذين أخذهم الله بذنوبهم قسمهم بقسمين قسم أخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين و هم أهل الكبائر من المؤمنين و بالعناية الإلهية و هم أهل التوحيد بالنظر العقلي و قسم آخر أبقاهم الله في النار و هذا القسم هم أهل النار الذين هم أهلها و هم المجرمون خاصة الذين يقول الله فيهم وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أي المستحقون بأن يكونوا أهلا لسكنى هذه الدار التي هي جهنم يعمرونها ممن يخرج منها إلى الدار الآخرة التي هي الجنة و هؤلاء المجرمون أربع طوائف كلها في النار لا يُخْرَجُونَ مِنْها و هم المتكبرون على الله كفرعون و أمثاله ممن ادعى الربوبية لنفسه و نفاها عن الله فقال يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلهٍ غَيْرِي و قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى يريد أنه ما في السماء إله غيري و كذلك نمرود و غيره و الطائفة الثانية المشركون و هم الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ فقالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى و قالوا أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ و الطائفة الثالثة المعطلة و هم الذين نفوا الإله جملة واحدة فلم يثبتوا إلها للعالم و لا من العالم و الطائفة الرابعة المنافقون و هم الذين أظهروا الإسلام من إحدى هؤلاء الطوائف الثلاثة للقهر الذي حكم عليهم فخافوا على دمائهم و أموالهم و ذراريهم و هم في نفوسهم على ما هم عليه من اعتقاد هؤلاء الطوائف الثلاث فهؤلاء أربعة أصناف هم الذين هم أهل النار لا يخرجون منها من جن و إنس و إنما كانوا أربعة لأن الله تعالى ذكر عن إبليس أنه يأتينا من بين أيدينا و من خلفنا و عن أيماننا و عن شمائلنا فيأتي للمشرك من بين يديه و يأتي للمعطل من خلفه و يأتي إلى المتكبر من عن يمينه و يأتي إلى المنافق من عن شماله و هو الجانب الأضعف فإنه أضعف الطوائف كما إن الشمال أضعف من اليمين و جعل المتكبر من اليمين لأنه محل القوة فتكبر لقوته التي أحسها من نفسه و جاء للمشرك من بين يديه فإنه رأى إذ كان بين يديه جهة عينية فأثبت وجود الله و لم يقدر على إنكاره فجعله إبليس يشرك مع الله في ألوهيته و جاء للمعطل من خلفه فإن الخلف ما هو محل النظر فقال له ما ثم شيء أي ما في الوجود إله ثم قال الله تعالى في جهنم لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ فهذه أربع مراتب لهم من كل باب من أبواب جهنم جزء مقسوم و هي منازل عذابهم فإذا ضربت الأربعة التي هي المراتب التي دخل عليهم منها إبليس في السبعة الأبواب كان الخارج ثمانية و عشرين منزلا و كذلك جعل الله المنازل التي قدرها الله للإنسان المفرد و هو القمر و غيره من السيارة الخنس الكنس تسير فيها و تنزلها لإيجاد الكائنات فيكون عند هذا السير ما يتكون من الأفعال في العالم العنصري فإن هذه السيارة قد انحصرت في أربع طبائع مضروبة في ذواتها و هن سبعة فخرج منها منازلها الثمانية و العشرون ذلك بتقدير العزيز العليم كما قال كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ و كان مما ظهر عن هذا التسيير الإلهي في هذه الثمانية و العشرين وجود ثمانية و عشرين حرفا ألف الله الكلمات منها و ظهر الكفر في العالم و الايمان بأن تكلم كل شخص بما في نفسه من إيمان و كفر و كذب و صدق لتقوم الحجة لله على عباده ظاهرا بما تلفظوا به و وكل بهم ملائكة يكتبون ما تلفظوا به قال تعالى كِراماً كاتِبِينَ و قال ما يَلْفِظُ من قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ فجعل منازل النار ثمانية و عشرين منزلا و جهنم كلها مائة درك من أعلاها إلى أسفلها نظائر درج الجنة التي ينزل فيها السعداء و في كل درك من هذه الدركات ثمانية و عشرون منزلا فإذا ضربت ثمانية و عشرين في مائة كان الخارج من ذلك ألفين و ثمانمائة منزل فهي الثمانية و العشرون مائة فما برحت الثمانية و العشرون تصحبنا و هذه منازل النار فلكل طائفة من الأربع سبعمائة نوع من العذاب و هم أربع طوائف فالمجموع ثمان و عشرون مائة نوع من العذاب كما لأهل الجنة سواء من الثواب يبين ذلك في صدقاتهم كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ فالمجموع سبعمائة و هم أربعة طوائف رسل و أنبياء و أولياء و مؤمنون فلكل متصدق من هؤلاء الأربعة سبعمائة ضعف من النعيم في عملهم فانظر ما أعجب القرآن في بيانه الشافي و موازنته في خلقه في الدارين الجنة و النار لإقامة العدل على السواء في باب جزاء النعيم و جزاء العذاب فبهذا القدر يقع الاشتراك بين أهل الجنة و أهل النار للتساوي في عدد الدرج و الدرك و يقع الامتياز بأمر آخر و ذلك أن النار امتازت عن الجنة بأنه ليس في النار دركات اختصاص إلهي و لا عذاب اختصاص إلهي من الله فإن الله ما عرفنا قط إنه اختص بنقمته من يشاء كما أخبرنا أنه يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من يَشاءُ و بفضله فالجنة في نعيمها مخالف لميزان عذاب أهل النار فأهل النار معذبون بأعمالهم لا غير و أهل الجنة ينعمون بأعمالهم و بغير أعمالهم في جنات الاختصاص فلأهل السعادة ثلاث جنات جنة أعمال و جنة اختصاص و جنة ميراث و ذلك أنه ما من شخص من الجن و الإنس إلا و له في الجنة موضع و في النار موضع و ذلك لإمكانه الأصلي فإنه قبل كونه يمكن أن يكون له البقاء في العدم أو يوجد فمن هذه الحقيقة له قبول النعيم و قبول العذاب فالجنة تطلب الجميع و الجميع يطلبها و النار تطلب الجميع و الجميع يطلبها فإن الله يقول وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي أنتم قابلون لذلك و لكن حقت الكلمة و سبق العلم و نفذت المشيئة فلا راد لأمره و لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ فينزل أهل الجنة في الجنة على أعمالهم و لهم جنات الميراث و هي التي كانت لأهل النار لو دخلوا الجنة و لهم جنات الاختصاصيقول الله تعالى تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ من عِبادِنا من كانَ تَقِيًّا فهذه الجنة التي حصلت لهم بطريق الورث من أهل النار الذين هم أهلها إذ لم يكن في علم الله أن يدخلوها و لم يقل في أهل النار إنهم يرثون من النار أماكن أهل الجنة لو دخلوا النار و هذا من سبق الرحمة بعموم فضله سبحانه فما نزل من نزل في النار من أهلها إلا بأعمالهم و لهذا يبقى فيها أماكن خالية و هي الأماكن التي لو دخلها أهل الجنة عمروها فيخلق الله خلقا يعمرونها على مزاج لو دخلوا به الجنة تعذبوا و هو قوله صلى الله عليه و سلم فيضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط أي حسبي حسبي فإنه تعالى يقول لها هَلِ امْتَلَأْتِ فتقول هَلْ من مَزِيدٍ فإنه قال للجنة و النار لكل واحدة منكما ملؤها فما اشترط لهما إلا أن يملأهما خلقا و ما اشترط عذاب من يملأها بهم و لا نعيمهم و إن الجنة أوسع من النار بلا شك فإن عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ فما ظنك بطولها فهي للنار كمحيط الدائرة مما يحوي عليه و في التنزلات الموصلية رسمناها و بيناها على ما هي عليه في نفسها في باب يوم الإثنين و النار عرضها قدر الخط الذي يميز قطري دائرة فلك الكواكب الثابتة فأين هذا الضيق من تلك السعة و سبب هذا الاتساع جنات الاختصاص الإلهي فورد في الخبر أنه يبقى أيضا في الجنة أماكن ما فيها أحد فيخلق الله خلقا للنعيم يعمرها بهم و هو أن يضع الرحمن فيها قدمه و ليس ذلك إلا في جنات الاختصاص فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من يَشاءُ وَ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فمن كرمه أنه تعالى ما أنزل أهل النار إلا على أعمالهم خاصة و أما قوله تعالى زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ فذلك لطائفة مخصوصة و هم الأئمة المضلون يقول تعالى وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ و هم الذين أضلوا العباد و أدخلوا عليهم الشبه المضلة فحادوا بها عن سواء السبيل فضلوا و أضلوا و قالوا لهم اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ يقول الله وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ من خَطاياهُمْ من شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في هذا القول بل هم حاملون خطاياهم و الذين أضلوهم يحملون أيضا خطاياهم و خطايا هؤلاء مع خطاياهم و لا ينقص هؤلاء من خطاياهم من شيء يقول صلى الله عليه و سلم من سن سنة سيئة فله وزرها و وزر من عمل بها دون أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا فهو قوله ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً فهؤلاء قيل فيهم زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ فما أنزلوا من النار إلا منازل استحقاق بخلاف الجنة فإن أهل الجنة أنزلوا فيها منازل استحقاق مثل الكفار في النار بأعمالهم و أنزلوا أيضا منازل وراثة و منازل اختصاص و ليس ذلك في أهل النار و لا بد لأهل النار من فضل الله و رحمته في نفس النار بعد انقضاء مدة موازنة أزمان العمل فيفقدون الإحساس بالآلام في نفس النار لأنهم ليسوا بخارجين من النار أبدا فلا يموتون فيها و لا يحيون فتتخدر جوارحهم بإزالة الروح الحساس منها و ثم طائفة يعطيهم الله بعد انقضاء موازنة المدد بين العذاب و العمل نعيما خياليا مثل ما يراه النائم و جلده كما قال تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ هو كما قلنا خدرها فزمان النضج و التبديل يفقدون الآلام لأنه إذا انقضى زمان الإنضاج خمدت النار في حقهم فيكونون في النار كالأمة التي دخلتها و ليست من أهلها فأماتهم الله فيها إماتة فلا يحسون بما تفعله النار في أبدانهم الحديث بكماله ذكره مسلم في صحيحه و هذا من فضل الله و رحمته و أما أبواب جهنم فقد ذكر الله من صفات أصحابها بعض ما ذكر و لكن من هؤلاء الأربع الطوائف الذين هم أهلها و من خرج بالشفاعة أو العناية ممن دخلها فقد جاء ببعض ما وصف الله به من دخلها من الأسباب الموجبة لذلك و هي باب الجحيم و باب سقر و باب السعير و باب الحطمة و باب لظى و باب الحامية و باب الهاوية و سميت الأبواب بصفات ما وراءها مما أعدت له و وصف الداخلون فيها بما ذكر الله تعالى في مثل قوله في لظى إنها تَدْعُوا من أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى وَ جَمَعَ فَأَوْعى و قال ما يقول أهل سقر إذا قيل لهم ما سَلَكَكُمْ في سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ من الْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ و قال في أهل الجحيم إنه يكذب بِيَوْمِ الدِّينِ وَ ما يُكَذِّبُ به إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ فوصفه بالإثم و الاعتداء ثم قال فيهم ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ به تُكَذِّبُونَ و هكذا في الحطمة و السعير و غير ذلك مما جاء به القرآن أو السنة فهذا قد ذكرنا الأمهات و الطبقات و أما مناسبات الأعمال لهذه المنازل فكثيرة جدا يطول الشرح فيها و لو شرعنا في ذلك طال علينا المدى فإن المجال رحب و لكن الأعمال مذكورة و لعذاب عليها مذكور فمتى وقفت على شيء من ذلك و كنت على نور من ربك و بينة فإن الله يطلعك عليه بكرمه و الذي شرطنا في هذاالباب و ترجمنا عليه إنما كان ذكر المراتب و قد ذكرناها و بيناها و نبهنا على مواضع يجول فيها نظر الناظر من كتابي هذا من الآيات التي استشهدنا بها في هذا الباب من أوله من أمر الله إبليس بما ذكر له فهل له من امتثال ذلك الأمر الإلهي أمر يعود عليه منه من حيث ما هو ممتثل أم لا و أشباه هذه التنبيهات إن وفقت لذلك عثرت على علوم جمة إلهية مما يختص بأهل الشقاء و النار و هذا القدر في هذا الباب كاف وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ