اعلم أنه إنما سمي هذا اليوم يوم القيامة لقيام الناس فيه من قبورهم لرب العالمين في النشأة الآخرة التي ذكرناها في البرزخ في الباب الذي قبل هذا الباب و لقيامهم أيضا إذا جاء الحق للفصل و القضاء وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا قال الله تعالى يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي من أجل رب العالمين حين يأتي و جاء بالاسم الرب إذ كان الرب المالك فله صفةالقهر و له صفة الرحمة و لم يأت بالاسم الرحمن لأنه لا بد من الغضب في ذلك اليوم كما سيرد في هذا الباب و لا بد من الحساب و الإتيان بجهنم و الموازين و هذه كلها ليست من صفات الرحمة المطلقة التي يطلبها الاسم الرحمن غير أنه سبحانه أتى باسم إلهي تكون الرحمة فيه أغلب و هو الاسم الرب فإنه من الإصلاح و التربية فتقوى ما في المالك و السيد من فضل الرحمة على ما فيه من صفة القهر فتسبق رحمته غضبه و يكثر التجاوز عن سيئات أكثر الناس فأول ما أبين و أقول ما قال الله في ذلك اليوم من امتداد الأرض و قبض السماء و سقوطها على الأرض و مجيء الملائكة و مجيء الرب في ذلك اليوم و أين يكون الخلق حين تمد الأرض و تبدل صورتها و تجيء جهنم و ما يكون من شأنها ثم أسوق حديث مواقف القيامة في خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ و حديث الشفاعة اعلم يا أخي أن الناس إذا قاموا من قبورهم على ما سنورده إن شاء الله و أراد الله أن يبدل الأرض غير الأرض و تمد الأرض بإذن الله و يكون الجسر دون الظلمة فيكون الخلق عليه عند ما يبدل الله الأرض كيف يشاء إما بالصورة و إما بأرض أخرى ما نيم عليها تسمى الساهرة فيمدها سبحانه مد الأديم يقول تعالى وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ و يزيد في سعتها ما شاء أضعاف ما كانت من أحد و عشرين جزءا إلى تسعة و تسعين جزءا حتى لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً ثم إنه سبحانه يقبض السماء إليه فيطويها بيمينه كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ثم يرميها على الأرض التي مدها واهية و هو قوله وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ و يرد الخلق إلى الأرض التي مدها فيقفون منتظرين ما يصنع الله بهم فإذا وهت السماء نزلت ملائكتها على أرجائها فيرى أهل الأرض خلقا عظيما أضعاف ما هم عليه عددا فيتخيلون إن الله نزل فيهم لما يرون من عظم المملكة مما لم يشاهدوه من قبل فيقولون أ فيكم ربنا فتقول الملائكة سبحان ربنا ليس فينا و هو آت فتصطف الملائكة صفا مستديرا على نواحي الأرض محيطين بالعالم الإنس و الجن و هؤلاء هم عمار السماء الدنيا ثم ينزل أهل السماء الثانية بعد ما يقبضها الله أيضا و يرمي بكوكبها في النار و هو المسمى كاتبا و هم أكثر عددا من السماء الأولى فتقول الخلائق أ فيكم ربنا فتفزع الملائكة من قولهم فيقولون سبحان ربنا ليس هو فينا و هو آت فيفعلون فعل الأولين من الملائكة يصطفون خلفهم صفا ثانيا مستديرا ثم ينزل أهل السماء الثالثة و يرمي بكوكبها المسمى الزهرة في النار و يقبضها الله بيمينه فتقول الخلائق أ فيكم ربنا فتقول الملائكة سبحان ربنا ليس هو فينا و هو آت فلا يزال الأمر هكذا سماء بعد سماء حتى ينزل أهل السماء السابعة فيرون خلقا أكثر من جميع من نزل فتقول الخلائق أ فيكم ربنا فتقول الملائكة سُبْحانَ رَبِّنا قد جاء ربنا و إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا فيأتي الله في ظُلَلٍ من الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ و على المجنة اليسرى جهنم و يكون إتيانه إتيان الملك فإنه يقول ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ و هو ذلك اليوم فسمي بالملك و يصطف الملائكة عليهم السلام سبعة صفوف محيطة بالخلائق فإذا أبصر الناس جهنم لها فوران و تغيظ على الجبابرة المتكبرين فيفرون الخلق بأجمعهم منها لعظيم ما يرونه خوفا و فزعا و هو الفزع الأكبر إلا الطائفة التي لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ فهم الآمنون مع النبيين على أنفسهم غير إن النبيين تفزع على أممها للشفقة التي جبلهم الله عليها للخلق فيقولون في ذلك اليوم سلم سلم و كان الله قد أمر أن تنصب للآمنين من خلقه منابر من نور متفاضلة بحسب منازلهم في الموقف فيجلسون عليها آمنين مبشرين و ذلك قبل مجيء الرب تعالى فإذا فر الناس خوفا من جهنم و فرقا لعظيم ما يرون من الهول في ذلك اليوم يجدون الملائكة صفوفا لا يتجاوزونهم فتطردهم الملائكة وزعة الملك الحق سبحانه و تعالى إلى المحشر و تناديهم أنبياؤهم ارجعوا ارجعوا فينادي بعضهم بعضا فهو قول الله تعالى فيما يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ من الله من عاصِمٍ و الرسل تقول اللهم سلم سلم و يخافون أشد الخوف على أممهم و الأمم يخافون على أنفسهم و المطهرون المحفوظون الذين ما تدنست بواطنهم بالشبه المضلة و لا ظواهرهم أيضا بالمخالفات الشرعية آمنون بغبطهم النبيون في الذي هم عليه من الأمن لما هم النبيون عليه من الخوف على أممهم فينادي مناد من قبل الله يسمعه أهل الموقف لا يدرون أو لا أدري هل ذلك نداء الحق سبحانه بنفسه أو نداء عن أمره سبحانه يقول في ذلك النداء يا أهل الموقف ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم فإنه قال لنا يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ تعليما له و تنبيها ليقول كرمك و لقد سمعت شيخنا الشنختة يقول يوما و هو يبكي يا قوم لا تفعلوا بكرمه أخرجنا و لم نكن شيئا و علمنا ما لم نكن نعلم و امتن علينا ابتداء بالإيمان به و بكتبه و رسله و نحن لا نعقل أ فتراه يعذبنا بعد أن عقلنا و آمنا حاشى كرمه سبحانه من ذلك فأبكاني بكاء فرح و بكى الحاضرون ثم نرجع و نقول فيقول الحق في ذلك النداء أين الذين كانت تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فيؤتى بهم إلى الجنة ثم يسمعون من قبل الحق نداء ثانيا لا أدري هل ذلك نداء الحق بنفسه أو نداء عن أمر الحق أين الذين كانوا لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ من فَضْلِهِ و تلك الزيادة كما قلنا من جنات الاختصاص فيؤمر بهم إلى الجنة ثم يسمعون نداء ثالثا لا أدري هل هو نداء الحق بنفسه أو نداء عن أمر الحق يا أهل الموقف ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم أين الذين صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ لِيَجْزِيَ الله الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ فيؤمر بهم إلى الجنة فبعد هذا النداء يخرج عنق من النار فإذا أشرف على الخلائق و له عينان و لسان فصيح يقول يا أهل الموقف إني وكلت منكم بثلاث كما كان النداء الأول ثلاث مرات لثلاث طوائف من أهل السعادة و هذا كله قبل الحساب و الناس وقوف قد ألجمهم العرق و اشتد الخوف و تصدعت القلوب لهول المطلع فيقول ذلك العنق المستشرف من النار عليهم إني وكلت بكل جبار عنيد فيلقطهم من بين الصفوف كما يلقط الطائر حب السمسم فإذا لم يترك أحدا منهم في الموقف نادى نداء ثانيا يا أهل الموقف إني وكلت بمن آذى الله و رسوله فيلقطهم كما يلقط الطائر حب السمسم من بين الخلائق فإذا لم يترك منهم أحد نادى ثالثة يا أهل الموقف إني وكلت بمن ذهب يخلق كخلق الله فيلقط أهل التصاوير و هم الذين يصورون صورا في الكنائس لتعبد تلك الصور و الذين يصورون الأصنام و هو قوله تعالى أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ فكانوا ينحتون لهم الأخشاب و الأحجار ليعبدوها من دون الله فهؤلاء هم المصورون فيلقطهم من بين الصفوف كما يلقط الطير حب السمسم فإذا أخذهم الله عن آخرهم بقي الناس و فيهم المصورون الذين لا يقصدون بتصويرهم ما قصدها أولئك من عباداتها حتى يسألوا عنها لينفخوا فيها أرواحا تحيا بها و ليسوا بنافخين كما ورد في الخبر في المصورين فيقفون ما شاء الله ينتظرون ما فعل الله بهم و العرق قد ألجمهم فحدثنا شيخنا القصار بمكة سنة تسع و تسعين و خمسمائة تجاه الركن اليماني من الكعبة المعظمة و هو يونس ابن يحيى بن الحسين بن أبي البركات الهاشمي العباسي من لفظه و أنا أسمع قال حدثنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الارموي قال حدثنا أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن موسى بن جعفر المعروف بابن الخياط المغربي قال قرئ على أبي سهل محمود بن عمر بن إسحاق العكبري و أنا أسمع قيل له حدثكم رضي الله عنكم أبو بكر محمد بن الحسن النقاش فقال نعم حدثنا أبو بكر قال حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الطبري المروزي قال حدثنا محمد بن حميد الرازي أبو عبد الله قال حدثنا سلمة بن صالح قال أنا القاسم بن الحكم عن سلام الطويل عن غياث بن المسيب عن عبد الرحمن بن غنم و زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال كنت جالسا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه و عنده عبد الله بن عباس رضي الله عنه و حوله عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن في القيامة لخمسين موقفا كل موقف منها ألف سنة فأول موقف إذا خرج الناس من قبورهم يقومون على أبواب قبورهم ألف سنة عراة حفاة جياعا عطاشا فمن خرج من قبره مؤمنا بربه مؤمنا بنبيه مؤمنا بجنته و ناره مؤمنا بالبعث و القيامة مؤمنا بالقضاء و القدر خيره و شره مصدقا بما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم من عند ربه نجا و فاز و غنم و سعد و من شك في شيء من هذا بقي في جوعه و عطشه و غمه و كربه ألف سنة حتى يقضي الله فيه بما يشاء ثم يساقون من ذلك المقام إلى المحشر فيقفون على أرجلهم ألف عام في سرادقات النيران في حر الشمس و النار عن أيمانهم و النار عن شمائلهم و النار من بين أيديهم و النار من خلفهم و الشمس من فوق رءوسهم و لا ظل إلا ظل العرش فمن لقي الله تبارك و تعالى شاهدا له بالإخلاص مقرا بنبيه صلى الله عليه و سلم بريئا من الشرك و من السحر و بريئا من إهراق دماء المسلمين ناصحا لله و لرسوله محبا لمن أطاع الله و رسوله مبغضا لمن عصى الله و رسوله استظل تحت ظل عرشالرحمن و نجا من غمه و من حاد عن ذلك و وقع في شيء من هذه الذنوب بكلمة واحدة أو تغير قلبه أو شك في شيء من دينه بقي ألف سنة في الحر و الهم و العذاب حتى يقضي الله فيه بما يشاء ثم يساق الخلق إلى النور و الظلمة فيقيمون في تلك الظلمة ألف عام فمن لقي الله تبارك و تعالى لم يشرك به شيئا و لم يدخل في قلبه شيء من النفاق و لم يشك في شيء من أمر دينه و أعطى الحق من نفسه و قال الحق و أنصف الناس من نفسه و أطاع الله في السر و العلانية و رضي بقضاء الله و قنع بما أعطاه الله خرج من الظلمة إلى النور في مقدار طرفة العين مبيضا وجهه قد نجا من الغموم كلها و من خالف في شيء منها بقي في الغم و الهم ألف سنة ثم خرج منها مسودا وجهه و هو في مشيئة الله يفعل به ما يشاء ثم يساق الخلق إلى سرادقات الحساب و هي عشر سرادقات يقفون في كل سرادق منها ألف سنة فيسأل ابن آدم عند أول سرادق منها عن المحارم فإن لم يكن وقع في شيء منها جاز إلى السرادق الثاني فيسأل عن الأهواء فإن كان نجا منها جاز إلى السرادق الثالث فيسأل عن عقوق الوالدين فإن لم يكن عاقا جاز إلى السرادق الرابع فيسأل عن حقوق من فوض الله إليه أمورهم و عن تعليمهم القرآن و عن أمر دينهم و تأديبهم فإن كان قد فعل جاز إلى السرادق الخامس فيسأل عما ملكت يمينه فإن كان محسنا إليهم جاز إلى السرادق السادس فيسأل عن حق قرابته فإن كان قد أدى حقوقهم جاز إلى السرادق السابع فيسأل عن صلة الرحم فإن كان وصولا لرحمه جاز إلى السرادق الثامن فيسأل عن الحسد فإن كان لم يكن حاسدا جاز إلى السرادق التاسع فيسأل عن المكر فإن لم يكن مكر بأحد جاز إلى السرادق العاشر فيسأل عن الخديعة فإن لم يكن خدع أحدا نجا و نزل في ظل عرش الله تعالى قارة عينه فرحا قلبه ضاحكا فوه و إن كان قد وقع في شيء من هذه الخصال بقي في كل موقف منها ألف عام جائعا عطشانا حزنا مغموما مهموما لا ينفعه شفاعة شافع ثم يحشرون إلى أخذ كتبهم بإيمانهم و شمائلهم فيحبسون عند ذلك في خمسة عشر موقفا كل موقف منها ألف سنة فيسألون في أول موقف منها عن الصدقات و ما فرض الله عليهم في أموالهم فمن أداها كاملة جاز إلى الموقف الثاني فيسأل عن قول الحق و العفو عن الناس فمن عفا عفا الله عنه و جاز إلى الموقف الثالث فيسأل عن الأمر بالمعروف فإن كان آمرا بالمعروف جاز إلى الموقف الرابع فيسأل عن النهي عن المنكر فإن كان ناهيا عن المنكر جاز إلى الموقف الخامس فيسأل عن حسن الخلق فإن كان حسن الخلق جاز إلى الموقف السادس فيسأل عن الحب في الله و البغض في الله فإن كان محبا في الله مبغضا في الله جاز إلى الموقف السابع فيسأل عن مال الحرام فإن لم يكن أخذ شيئا جاز إلى الموقف الثامن فيسأل عن شرب الخمر فإن لم يكن شرب من الخمر شيئا جاز إلى الموقف التاسع فيسأل عن الفروج الحرام فإن لم يكن أتاها جاز إلى الموقف العاشر فيسأل عن قول الزور فإن لم يكن قاله جاز إلى الموقف الحادي عشر فيسأل عن الايمان الكاذبة فإن لم يكن حلفها جاز إلى الموقف الثاني عشر فيسأل عن أكل الربا فإن لم يكن أكله جاز إلى الموقف الثالث عشر فيسأل عن قذف المحصنات فإن لم يكن قذف المحصنات أو افترى على أحد جاز إلى الموقف الرابع عشر فيسأل عن شهادة الزور فإن لم يكن شهدها جاز إلى الموقف الخامس عشر فيسأل عن البهتان فإن لم يكن بهت مسلما مر فنزل تحت لواء الحمد و أعطى كتابه بيمينه و نجا من غم الكتاب و هو له و حوسب حِساباً يَسِيراً و إن كان قد وقع في شيء من هذه الذنوب ثم خرج من الدنيا غير تائب من ذلك بقي في كل موقف من هذه الخمسة عشر موقفا ألف سنة في الغم و الهول و الهم و الحزن و الجوع و العطش حتى يقضي الله عز و جل فيه بما يشاء ثم يقام الناس في قراءة كتبهم ألف عام فمن كان سخيا قد قدم ماله ليوم فقره و حاجته و فاقته قرأ كتابه و هون عليه قراءته و كسي من ثياب الجنة و توج من تيجان الجنة و أقعد تحت ظل عرش الرحمن آمنا مطمئنا و إن كان بخيلا لم يقدم ماله ليوم فقره و فاقته أعطى كِتابَهُ بِشِمالِهِ و يقطع له من مقطعات النيران يقاوم على رءوس الخلائق ألف عام في الجوع و العطش و العرى و الهم و الغم و الحزن و الفضيحة حتى يقضي الله عز و جل فيه بما يشاء ثم يحشر الناس إلى الميزان فيقومون عند الميزان ألف عام فمن رجح ميزانه بحسناته فاز و نجا في طرفة عين و من خف ميزانه من حسناته و ثقلت سيئاته حبس عند الميزان ألف عام في الغم و الهم و الحزن و العذاب و الجوع و العطش حتى يقضي الله فيه بما يشاء ثم يدعي بالخلق إلى الموقف بين يدي الله في اثني عشر موقفا كل موقف منها مقدار ألف عام فيسأل في أول موقف عن عتق الرقابفإن كان أعتق رقبة أعتق الله رقبته من النار و جاز إلى الموقف الثاني فيسأل عن القرآن و حقه و قراءته فإن جاء بذلك تاما جاز إلى الموقف الثالث فيسأل عن الجهاد فإن كان جاهد في سبيل الله محتسبا جاز إلى الموقف الرابع فيسأل عن الغيبة فإن لم يكن اغتاب جاز إلى الموقف الخامس فيسأل عن النميمة فإن لم يكن نماما جاز إلى الموقف السادس فيسأل عن الكذب فإن لم يكن كذابا جاز إلى الموقف السابع فيسأل عن طلب العلم فإن كان طلب العلم و عمل به جاز إلى الموقف الثامن فيسأل عن العجب فإن لم يكن معجبا بنفسه في دينه و دنياه أو في شيء من عمله جاز إلى الموقف التاسع فيسأل عن التكبر فإن لم يكن تكبر على أحد جاز إلى الموقف العاشر فيسأل عن القنوط من رحمة الله فإن لم يكن قنط من رحمة الله جاز إلى الموقف الحادي عشر فيسأل عن الأمن من مكر الله فإن لم يكن أمن من مكر الله جاز إلى الموقف الثاني عشر فيسأل عن حق جاره فإن كان أدى حق جاره أقيم بين يدي الله تعالى قريرا عينه فرحا قلبه مبيضا وجهه كاسيا ضاحكا مستبشرا فيرحب به ربه و يبشره برضاه عنه فيفرح عند ذلك فرحا لا يعلمه أحد إلا الله فإن لم يأت بواحدة منهن تامة و مات غير تائب حبس عند كل موقف ألف عام حتى يقضي الله عز و جل فيه بما يشاء ثم يؤمر بالخلائق إلى الصراط فينتهون إلى الصراط و قد ضربت عليه الجسور على جهنم أدق من الشعر و أحد من السيف و قد غابت الجسور في جهنم مقدار أربعين ألف عام و لهيب جهنم بجانبها يلتهب و عليها حسك و كلاليب و خطاطيف و هي سبعة جسور يحشر العباد كلهم عليها و على كل جسر منها عقبة مسيرة ثلاثة آلاف عام ألف عام صعود و ألف عام استواء و ألف عام هبوط و ذلك قول الله عز و جل إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ يعني على تلك الجسور و ملائكة يرصدون الخلق عليها ليسأل العبد عن الايمان بالله فإن جاء به مؤمنا مخلصا لا شك فيه و لا زيغ جاز إلى الجسر الثاني فيسأل عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر الرابع فيسأل عن الصيام فإن جاء به تاما جاز إلى الجسر الخامس فيسأل عن حجة الإسلام فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر السادس فيسأل عن الطهر فإن جاء به تاما جاز إلى الجسر السابع فيسأل عن المظالم فإن كان لم يظلم أحدا جاز إلى الجنة و إن كان قصر في واحدة منهن حبس على كل جسر منها ألف سنة حتى يقضي الله عز و جل فيه بما يشاء و ذكر الحديث إلى آخره و سيأتي بقية الحديث إن شاء الله في باب الجنة فإنه يختص بالجنة و لم نذكر النشأة الأخرى التي يحشر فيها الإنسان في باب البرزخ لأنها نشأة محسوسة غير خيالية و القيامة أمر محقق موجود حسي مثل ما هو الإنسان في الدنيا فلذلك أخرنا ذكرها إلى هذا الباب (وصل) اعلم أن الناس اختلفوا في الإعادة من المؤمنين القائلين بحشر الأجسام و لم نتعرض لمذهب من يحمل الإعادة و النشأة لآخرة على أمور عقلية غير محسوسة فإن ذلك على خلاف ما هو الأمر عليه لأنه جهل إن ثم نشأتين نشأة الأجسام و نشأة الأرواح و هي النشأة المعنوية فأثبتوا المعنوية و لم يثبتوا المحسوسة و نحن نقول بما قاله هذا المخالف من إثبات النشأة الروحانية المعنوية لا بما خالف فيه و أن عين موت الإنسان هو قيامته لكن القيامة الصغرى فإن النبي صلى الله عليه و سلم يقول من مات فقد قامت قيامته و إن الحشر جمع النفوس الجزئية إلى النفس الكلية هذا كله أقول به كما يقول المخالف و إلى هنا ينتهي حديثه في القيامة و يختلف في ذلك بعينه من يقول بالتناسخ و من لا يقول به و كلهم عقلاء أصحاب نظر و يحتجون في ذلك كله بظواهر آيات من الكتاب و أخبار من السنة إن أوردناها و تكلمنا عليها طال الباب في الخوض معهم في تحقيق ما قالوه و ما منهم من نحل نحلة في ذلك إلا و له وجه حق صحيح و إن القائل به فهم بعض مراد الشارع و نقصه علم ما فهمه غيره من إثبات الحشر المحسوس في الأجسام المحسوسة و الميزان المحسوس و الصراط المحسوس و النار و الجنة المحسوستان كل ذلك حق و أعظم في القدرة و في علم الطبيعة بقاء الأجسام الطبيعية في الدارين إلى غير مدة متناهية بل مستمرة الوجود و أن الناس ما عرفوا من أمر الطبيعة إلا قدر ما أطلعهم الحق عليه من ذلك مما ظهر لهم في مدد حركات الأفلاك و الكواكب السبعة و لهذا جعلوا العمر الطبيعي مائة و عشرين سنة الذي اقتضاه هذا الحكم فإذا زاد الإنسان على هذه المدة وقع في العمر المجهول و إن كان من الطبيعة و لم يخرج عنها و لكن ليس في قوة علمه أن يقطع عليه بوقت مخصوص فكما زاد على العمر الطبيعي سنة و أكثر جاز أن يزيد على ذلك آلافا من السنين و جازأن يمتد عمره دائما و لو لا أن الشرع عرف بانقضاء مدة هذه الدار و أن كل نفس ذائقة الموت و عرف بالإعادة و عرف بالدار الآخرة و عرف بأن الإقامة فيها في النشأة الآخرة إلى غير نهاية ما عرفنا ذلك و ما خرجنا في كل حال من موت و إقامة و بعث أخروي و نشأة أخرى و جنان و نعيم و نار و عذاب بأكل محسوس و شرب محسوس و نكاح محسوس و لباس على المجرى الطبيعي فعلم الله أوسع و أتم و الجمع بين العقل و الحس و العقول و المحسوس أعظم في القدرة و أتم في الكمال الإلهي ليستمر له سبحانه في كل صنف من الممكنات حكم عالم الغيب و الشهادة و يثبت حكم الاسم الظاهر و الباطن في كل صنف فإن فهمت فقد وفقت و تعلم أن العلم الذي أطلع عليه النبيون و المؤمنون من قبل الحق أعم تعلقا من علم المنفردين بما تقتضيه العقول مجردة عن الفيض الإلهي فالأولى بكل ناصح نفسه الرجوع إلى ما قالته الأنبياء و الرسل على الوجهين المعقول و المحسوس إذ لا دليل للعقل يحيل ما جاءت به الشرائع على تأويل مثبتي المحسوس من ذلك و المعقول فالإمكان باق حكمه و المرجح موجود فبما ذا يحيل و ما أحسن قول القائل
فقوله فالخسار عليكما يريد حيث لم يؤمنوا بظاهر ما جاءتهم به الرسل عليهم السلام و قوله فلست بخاسر فإني مؤمن أيضا بالأمور المعنوية المعقولة مثلكم و زدنا عليكم بأمر آخر لم تؤمنوا أنتم به و لم يرد القائل به أنه يشك بقوله إن صح و إنما ذلك على مذهبك أيها المخاطب و هذا يستعمل مثله كثيرا فتدبر كلامي هذا و ألزم الايمان نفسك تربح و تسعد إن شاء الله تعالى و بعد أن تقرر هذا فاعلم إن الخلاف الذي وقع بين المؤمنين القائلين في ذلك بالحس و المحسوس إنما هو راجع إلى كيفية الإعادة فمنهم من ذهب إلى أن الإعادة تكون في الناس مثل ما بدأهم بنكاح و تناسل و ابتداء خلق من طين و نفخ كما جرى من خلق آدم و حواء و سائر البنين من نكاح و اجتماع إلى آخر مولود في العالم البشرى الإنساني و كل ذلك في زمان صغير و مدة قصيرة على حسب ما يقدره الحق تعالى هكذا زعم الشيخ أبو القاسم بن قسي في خلع النعلين له في قوله تعالى كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فلا أدري هل هو مذهبه أو هل قصد شرح المتكلم به و هو خلف الله الذي جاء بذلك الكلام و كان من الأميين و منهم من قال بالخبر المروي إن السماء تمطر مطرا شبه المني تمخض به الأرض فتنشأ منه النشأة الآخرة و أما قوله تعالى عندنا كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ هو قوله وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ و قوله كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا و قد علمنا إن النشأة الأولى أوجدها الله تعالى على غير مثال سبق فهكذا النشأة الآخرة يوجدها الله تعالى على غير مثال سبق مع كونها محسوسة بلا شك و قد ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم من صفة نشأة أهل الجنة و النار ما يخالف ما هي عليه هذه النشأة الدنيا فعلمنا إن ذلك راجع إلى عدم مثال سابق ينشئها عليه و هو أعظم في القدرة و أما قوله وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ فلا يقدح فيما قلنا فإنه لو كانت النشأة الأولى عن اختراع فكر و تدبر و نظر إلى أن خلق أمرا فكانت إعادته إلى أن يخلق خلقا آخر مما يقارب ذلك و يزيد عليه أقرب للاختراع و الاستحضار في حق من يستفيد الأمور بفكره و الله منزه عن ذلك و متعال عنه علوا كبيرا فهو الذي يفيد العالم و لا يستفيد و لا يتجدد له علم بشيء بل هو عالم بتفصيل ما لا يتناهى بعلم كلي فعلم التفصيل في عين الإجمال و هكذا ينبغي لجلاله أن يكون فينشئ الله النشأة الآخرة على عجب الذنب الذي يبقى من هذه النشأة الدنيا و هو أصلها فعليه تركب النشأة الآخرة فأما أبو حامد فرأى إن العجب المذكور في الخبر أنه النفس و عليها تنشأ النشأة الآخرة و قال غيره مثل أبي زيد الرقراقي هو جوهر فرد يبقى من هذه النشأة الدنيا لا يتغير عليه تنشأ النشأة الأخرى و كل ذلك محتمل و لا يقدح في شيء من الأصول بل كلها توجيهات معقولة يحتمل كل توجيه منها أن يكون مقصودا و الذي وقع لي به الكشف الذي لا أشك فيه إن المراد بعجب الذنب هو ما تقوم عليه النشأة و هو لا يبلى أي لا يقبل البلى فإذا أنشأ الله النشأة الآخرة و سواها و عدلها و إن كانت هي الجواهر بأعيانها فإن الذوات الخارجة إلى الوجود من العدم لا تنعدم أعيانها بعد وجودها و لكن تختلف فيها الصور بالامتزاجات و الامتزاجات التي تعطي هذه الصور أعراض تعرض لها بتقدير العزيز العليم فإذا تهيأت هذه الصوركانت كالحشيش المحرق و هو الاستعداد لقبول الأرواح كاستعداد الحشيش بالنارية التي فيه لقبول الاشتعال و الصور البرزخية كالسرج مشتعلة بالأرواح التي فيها فينفخ إسرافيل نفخة واحدة فتمر تلك النفخة على تلك الصور البرزخية فتطفئها و تمر النفخة التي تليها و هي الأخرى إلى الصورة المستعدة للاشتعال و هي النشأة الأخرى فتشتعل بأرواحها فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ فتقوم تلك الصور أحياء ناطقة بما ينطقها الله به فمن ناطق بالحمد لله و من ناطق يقول من بَعَثَنا من مَرْقَدِنا و من ناطق يقول سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ و كل ناطق ينطق بحسب علمه و ما كان عليه و نسي حاله في البرزخ و يتخيل أن ذلك الذي كان فيه منام كما تخيله المستيقظ و قد كان حين مات و انتقل إلى البرزخ كان كالمستيقظ هناك و أن الحياة الدنيا كانت له كالمنام و في الآخرة يعتقد في أمر الدنيا و البرزخ أنه منام في منام و أن اليقظة الصحيحة هي التي هو عليها في الدار الآخرة و هو في ذلك الحال يقول إن الإنسان في الدنيا كان في منام ثم انتقل بالموت إلى البرزخ فكان في ذلك بمنزلة من يرى في المنام أنه استيقظ من النوم ثم بعد ذلك في النشأة الآخرة هي اليقظة التي لا نوم فيها و لا نوم بعدها لأهل السعادة لكن لأهل النار و فيها راحتهم كما قدمنا و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فالدنيا بالنسبة إلى البرزخ نوم و منام فإن البرزخ أقرب إلى الأمر الحق فهو أولى باليقظة و البرزخ بالنظر إلى النشأة الأخرى يوم القيامة منام فاعلم ذلك فإذا قام الناس و مدت الأرض وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ و انكدرت النجوم و كورت الشمس وَ خَسَفَ الْقَمَرُ و حشر الوحوش و سجرت البحار و زوجت النفوس بأبدانها و نزلت الملائكة عَلى أَرْجائِها أعني أرجاء السموات و أتى ربنا في ظُلَلٍ من الْغَمامِ و نادى المنادي يا أهل السعادة فأخذ منهم الثلاث الطوائف الذين ذكرناهم و خرج العنق من النار فقبض الثلاث لطوائف الذين ذكرناهم و ماج الناس و اشتد الحر و ألجم الناس العرق و عظم الخطب و جل الأمر و كان البهت فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً و جيء بجهنم و طال الوقوف بالناس و لم يعلموا ما يريد الحق بهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول الناس بعضهم لبعض تعالوا ننطلق إلى أبينا آدم فنسأله أن يسأل الله لنا أن يريحنا مما نحن فيه فقد طال وقوفنا فيأتون إلى آدم فيطلبون منه ذلك فيقول آدم إن الله قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله و لن يغضب بعده مثله و ذكر خطيئته فيستحي من ربه أن يسأله فيأتون إلى نوح بمثل ذلك فيقول لهم مثل ما قال آدم و يذكر دعوته على قومه و قوله وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً فموضع المؤاخذة عليه قوله وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً لا نفس دعائه عليهم من كونه دعاء ثم يأتون إلى إبراهيم عليه السلام بمثل ذلك فيقولون له مثل مقالتهم لمن تقدم فيقول كما قال من تقدم و يذكر كذباته الثلاث ثم يأتون إلى موسى و عيسى و يقولون لكل واحد من الرسل مثل ما قالوه لآدم فيجيبونهم مثل جواب آدم فيأتون إلى محمد صلى الله عليه و سلم و هو سيد الناس يوم القيامة فيقولون له مثل ما قالوا للأنبياء فيقول محمد صلى الله عليه و سلم أنا لها و هو المقام المحمود الذي وعده الله به يوم القيامة فيأتي و يسجد و يحمد الله بمحامد يلهمه الله تعالى إياها في ذلك الوقت لم يكن بعلمها قبل ذلك ثم يشفع إلى ربه أن يفتح باب الشفاعة للخلق فيفتح الله ذلك الباب فيأذن في الشفاعة للملائكة و الرسل و الأنبياء و المؤمنين فبهذا يكون سيد الناس يوم القيامة فإنه شفع عند الله أن تشفع الملائكة و الرسل و مع هذا تأدب صلى الله عليه و سلم و قال أنا سيد الناس و لم يقل سيد الخلائق فتدخل الملائكة في ذلك مع ظهور سلطانه في ذلك اليوم على الجميع و ذلك أنه صلى الله عليه و سلم جمع له بين مقامات الأنبياء عليهم السلام كلهم و لم يكن ظهر له على الملائكة ما ظهر لآدم عليه السلام عليهم من اختصاصه يعلم الأسماء كلها فإذا كان في ذلك اليوم افتقر إليه الجميع من الملائكة و الناس من آدم فمن دونه في فتح باب الشفاعة و إظهار ما له من الجاه عند الله إذ كان القهر الإلهي و الجبروت الأعظم قد أخرس الجميع و كان هذا المقام مثل مقام آدم عليه السلام و أعظم في يوم اشتدت الحاجة فيه مع ما ذكر من الغضب الإلهي الذي تجلى فيه الحق في ذلك اليوم و لم تظهر مثل هذه الصفة فيما جرى من قضية آدم فدل بالمجموع على عظيم قدره صلى الله عليه و سلم حيث أقدم مع هذه الصفة الغضبية الإلهية على مناجاة الحق فيما سأل فيه فأجابه الحق سبحانه فعلقت الموازين و نشرت الصحف و نصب الصراط و بديء بالشفاعة فأول ما شفعت الملائكة ثم النبيون ثم المؤمنون و بقي أرحم الراحمين و هنا تفصيل عظيم يطول الكلام فيه فإنه مقام عظيم غير أن الحق يتحلى في ذلك اليوم فيقول لتتبع كل أمة ما كانت تعبد حتى تبقي هذه الأمة و فيها منافقوها فيتجلى لهم الحق في أدنى صورة من الصور التي كان تجلى لهم فيها قبل ذلك فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك ها نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا فيقول لهم جل و تعالى هل بينكم و بينه علامة تعرفونه بها فيقولون نعم فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها بتلك العلامة فيقولون أنت ربنا فيأمرهم بالسجود فلا يبقى من كان يسجد لله إلا سجد و من كان يسجد إنقاء و رياء جعل الله ظهره طبقة نحاس كلما أراد أن يسجد خر على قفاه و ذلك قوله يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ... وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ يعني في الدنيا و الساق التي كشفت لهم عبارة عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة تقول العرب كشفت الحرب عن ساقها إذا اشتد الحرب و عظم أمرها و كذلك الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ أي دخلت الأهوال و الأمور العظام بعضها في بعض يوم القيامة فإذا وقعت الشفاعة و لم يبق في النار مؤمن شرعي أصلا و لا من عمل عملا مشروعا من حيث ما هو مشروع بلسان نبي و لو كان مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ فما فوق ذلك في الصغر إلا خرج بشفاعة النبيين و المؤمنين و بقي أهل التوحيد الذين علموا التوحيد بالأدلة العقلية و لم يشركوا بالله شيئا و لا آمنوا إيمانا شرعيا و لم يعملوا خيرا قط من حيث ما اتبعوا فيه نبيا من الأنبياء فلم يكن عندهم ذرة من إيمان فما دونها فيخرجهم أرحم الراحمين و ما عملوا خيرا قط يعني مشروعا من حيث ما هو مشروع و لا خير أعظم من الايمان و ما عملوه و هذا حديث عثمان بن عفان في الصحيح لمسلم بن الحجاج قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من مات و هو يعلم و لم يقل يؤمن أنه لا إله إلا الله دخل الجنة و لا قال يقول بل أفرد العلم ففي هؤلاء تسبق عناية الله في النار فإن النار بذاتها لا تقبل تخليد موحد لله بأي وجه كان و أتم وجوهه الايمان عن علم فجمع بين العلم و الايمان فإن قلت فإن إبليس يعلم أن الله واحد قلنا صدقت و لكنه أول من سن الشرك فعليه إثم المشركين و إثمهم إنهم لا يخرجون من النار هذا إذا ثبت أنه مات موحدا و ما يدريك لعله مات مشركا لشبهة طرأت عليه في نظره و قد تقدم الكلام على هذه المسألة فيما مضى من الأبواب فإبليس ليس بخارج من النار فالله يعلم أي ذلك كان و هنا علوم كثيرة و فيها طول يخرجنا عن المقصود من الاختصار إيرادها و لكن مع هذا فلا بد أن نذكر نبذة من كل موطن مشهور من مواطن القيامة كالعرض و أخذ الكتب و الميزان و الصراط و الأعراف و ذبح الموت و المأدبة التي تكون في ميدان الجنة فهذه سبعة مواطن لا غير و هي أمهات للسبعة الأبواب التي للنار و السبعة الأبواب التي للجنة فإن الباب الثامن هو لجنة الرؤية و هو الباب المغلق الذي في النار و هو باب الحجاب فلا يفتح أبدا فإن أهل النار محجوبون عن ربهم الأول و هو العرض اعلم أنه قد ورد في الخبر أن رسول الله ص سئل عن قوله تعالى فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً فقال ذلك العرض يا عائشة من نوقش الحساب عذب و هو مثل عرض الجيش أعني عرض الأعمال لا لأنها زي أهل الموقف و الله الملك ف يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ كما يعرف الأجناد هنا بزيهم الثاني الكتب قال تعالى اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً و قال فَأَمَّا من أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ و هو المؤمن السعيد وَ أَمَّا من أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ و هو المنافق فإن الكافر لا كتاب له فالمنافق سلب عنه الايمان و ما أخذ منه الإسلام فقيل في المنافق إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ فيدخل فيه المعطل و المشرك و المتكبر على الله و لم يتعرض للإسلام فإن المنافق ينقاد ظاهرا ليحفظ ماله و أهله و دمه و يكون في باطنه واحدا من هؤلاء الثلاثة و إنما قلنا إن هذه الآية تعم الثلاثة فإن قوله لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ معناه لا يصدق بالله و الذين لا يصدقون بالله هم طائفتان طائفة لا تصدق بوجود الله و هم المعطلة و طائفة لا تصدق بتوحيد الله و هم المشركون و قوله العظيم في هذه الآية يدخل فيها المتكبر على الله فإنه لو اعتقد عظمة الله التي يستحقها من يسمى بالله لم يتكبر عليه و هؤلاء الثلاثة مع هذا المنافق الذي تميز عنهم بخصوص وصف هم أهل النار الذين هم أهلها وَ أَمَّا من أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فهم الذين أوتوا الكتاب فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا به ثَمَناً قَلِيلًا فإذا كان يوم القيامة قيل له خذه من وراء ظهرك أي من الموضع الذي نبذته فيه في حياتك الدنيا فهو كتابهم المنزل عليهم لا كتابالأعمال فإنه حين نبذه وراء ظهره ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أي تيقن قال الشاعر فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج أي تيقنوا ورد في الصحيح يقول الله له يوم القيامة أ ظننت أنك ملاقي و قال تعالى وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ الثالث الموازين فتوضع الموازين لوزن الأعمال فيجعل فيها الكتب بما عملوا و آخر ما يوضع في الميزان قول الإنسان الحمد لله و لهذا قال صلى الله عليه و سلم الحمد لله تملأ الميزان فإنه يلقى في الميزان جميع أعمال العباد إلا كلمة لا إله إلا الله فيبقى من ملئه تحميدة فتجعل فيمتلئ بها فإن كفة ميزان كل أحد بقدر عمله من غير زيادة و لا نقصان و كل ذكر و عمل يدخل الميزان إلا لا إله إلا الله كما قلنا و سبب ذلك أن كل عمل خير له مقابل من ضده فيجعل هذا الخير في موازنته و لا يقابل لا إله إلا الله إلا الشرك و لا يجتمع توحيد و شرك في ميزان أحد لأنه إن قال لا إله إلا الله معتقدا لها فما أشرك و إن أشرك فما اعتقد لا إله إلا الله فلما لم يصح الجمع بينهما لم يكن لكلمة لا إله إلا الله من يعادلها في الكفة الأخرى و لا يرجحها شيء فلهذا لا تدخل الميزان و أما المشركون فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً أي لا قدر لهم و لا يوزن لهم عمل و لا من هو من أمثالهم ممن كذب بلقاء الله و كفر بآياته فإن أعمال خير المشرك محبوطة فلا يكون لشرهم ما يوازنه فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً و أما صاحب السجلات فإنه شخص لم يعمل خير قط إلا أنه تلفظ يوما بكلمة لا إله إلا الله مخلصا فتوضع له في مقابلة التسعة و التسعين سجلا من أعمال الشر كل سجل منها كما بين المغرب و المشرق و ذلك لأنه ما له عمل خير غيرها فترجح كفنها بالجميع و تطيش السجلات فيتعجب من ذلك و لا يدخل الموازين إلا أعمال الجوارح شرها و خيرها السمع و البصر و اللسان و اليد و البطن و الفرج و الرجل و أما الأعمال الباطنة فلا تدخل الميزان المحسوس لكن يقام فيها العدل و هو الميزان الحكمي المعنوي محسوس لمحسوس و معنى لمعنى يقابل كل شيء بمثله فلهذا توزن الأعمال من حيث ما هي مكتوبة الرابع الصراط و هو الصراط المشروع الذي كان هنا معنى ينصب هنالك حسا محسوسا يقول الله لنا وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ و لما تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية خط خطا و خط عن جنبتيه خوطا هكذا و هذا هو صراط التوحيد و لوازمه و حقوقه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحق الإسلام و حسابهم على الله أراد بقوله و حسابهم على الله أنه لا يعلم أنهم قالوها معتقدين لها إلا الله فالمشرك لا قدم له على صراط التوحيد و له قدم على صراط الوجود و المعطل لا قدم له على صراط الوجود فالمشرك ما وحد الله هنا فهو من الموقف إلى النار مع المعطلة و من هو من أهل النار الذين هم أهلها إلا المنافقين فلا بد لهم أن ينظروا إلى الجنة و فيها من النعيم فيطمعون فذلك نصيبهم من نعيم الجنان ثم يصرفون إلى النار و هذا من عدل الله فقوبلوا بأعمالهم و الطائفة التي لا تخلد في النار إنما تمسك و تسأل و تعذب على الصراط و الصراط على متن جهنم غائب فيها و الكلاليب التي فيه بها يمسكهم الله عليه و لما كان الصراط في النار و ما ثم طريق إلى الجنة إلا عليه قال تعالى وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا و من عرف معنى هذا القول عرف مكان جهنم ما هو و لو قاله النبي صلى الله عليه و سلم لما سئل عنه لقلته فما سكت عنه و قال في الجواب في علم الله إلا بأمر إلهي فإنه ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى و ما هو من أمور الدنيا فسكوتنا عنه هو الأدب و قد أتى في صفة الصراط أنه أدق من الشعر و أحد من السيف و كذا هو علم الشريعة في الدنيا لا يعلم وجه الحق في المسألة عند الله و لا من هو المصيب من المجتهدين بعينه و لذلك تعبدنا بغلبات الظنون بعد بذل المجهود في طلب الدليل لا في المتواتر و لا في خبر الواحد الصحيح المعلوم فإن المتواتر و إن أفاد العلم فإن العلم المستفاد من التواتر إنما هو عين هذا اللفظ أو العلم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قاله أو عمل به و مطلوبنا بالعلم ما يفهم من ذلك القول و العمل حتى يحكم في المسألة على القطع و هذا لا يوصل إليه إلا بالنص الصريح المتواتر و هذا لا يوجد إلا نادرا مثل قوله تعالى تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ في كونها عشرة خاصة فحكمها بالشرع أحد من السيف و أدق من الشعر في الدنيا فالمصيب للحكم واحد لا بعينه و الكل مصيب للأجر فالشرع هنا هو الصراط المستقيم و لا يزال في كل ركعة من الصلاة يقول اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فهو أحد من السيف و أدق من الشعر فظهوره في الآخرة محسوس أبين و أوضح من ظهوره في الدنيا إلا لمن دعا إلى الله علىبصيرة كالرسول و أتباعه فألحقهم الله بدرجة الأنبياء في الدعاء إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ أي على علم و كشف و قد ورد في خبر أن الصراط يظهر يوم القيامة متنه للابصار على قدر نور المارين عليه فيكون دقيقا في حق قوم و عريضا في حق آخرين يصدق هذا الخبر قوله تعالى نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ و السعي مشي و ما ثم طريق إلا الصراط و إنما قال بِأَيْمانِهِمْ لأن المؤمن في الآخرة لا شمال له كما أن أهل النار لا يمين لهم هذا بعض أحوال ما يكون على الصراط و أما الكلاليب و الخطاطيف و الحسك كما ذكرنا هي من صور أعمال بنى آدم تمسكهم أعمالهم تلك على الصراط فلا ينتهضون إلى الجنة و لا يقعون في النار حتى تدركهم الشفاعة و العناية الإلهية كما قررنا فمن تجاوز هنا تجاوز الله عنه هناك و من أنظر معسرا أنظره الله و من عفا عفا الله عنه و من استقصى حقه هنا من عباده استقصى الله حقه منه هناك و من شدد على هذه الأمة شدد الله عليه و إنما هي أعمالكم ترد عليكم فالتزموا مكارم الأخلاق فإن الله غدا يعاملكم بما عاملتم به عباده كان ما كان و كانوا ما كانوا الخامس الأعراف و أما الأعراف فسور بين الجنة و النار باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ و هو ما يلي الجنة منه وَ ظاهِرُهُ من قِبَلِهِ الْعَذابُ و هو ما يلي النار منه يكون عليه من تساوت كفتا ميزانه فهم ينظرون إلى النار و ينظرون إلى الجنة و ما لهم رجحان بما يدخلهم أحد الدارين فإذا دعوا إلى السجود و هو الذي يبقى يوم القيامة من التكليف فيسجدون فيرجح ميزان حسناتهم فيدخلون الجنة و قد كانوا ينظرون إلى النار بما لهم من السيئات و ينظرون إلى الجنة بما لهم من الحسنات و يرون رحمة الله فيطمعون و سبب طمعهم أيضا إنهم من أهل لا إله إلا الله و لا يرونها في ميزانهم و يعلمون إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ و لو جاءت ذرة لإحدى الكفتين لرجحت بها لأنهما في غاية الاعتدال فيطمعون في كرم الله و عدله و أنه لا بد أن يكون لكلمة لا إله إلا الله عناية بصاحبها يظهر لها أثر عليهم يقول عز و جل فيهم وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ كما نادوا أيضا إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ و الظلم هنا الشرك لا غير السادس ذبح الموت الموت و إن كان نسبة فإن الله يظهره يوم القيامة في صورة كبش أملح و ينادي يا أهل الجنة فيشرئبون و ينادي يا أهل النار فيشرئبون و ليس في النار في ذلك الوقت إلا أهلها الذين هم أهلها فيقال للفريقين أ تعرفون هذا و هو بين الجنة و النار فيقولون هو الموت و يأتي يحيى عليه السلام و بيده الشفرة فيضجعه و يذبحه و ينادي مناديا أهل الجنة خلود فلا موت و يا أهل النار خلود فلا موت و ذلك هو يَوْمَ الْحَسْرَةِ فأما أهل الجنة إذا رأوا الموت سروا برؤيته سرورا عظيما و يقولون له بارك الله لنا فيك لقد خلصتنا من نكد الدنيا و كنت خير وارد علينا و خير تحفة أهداها الحق إلينا فإن النبي صلى الله عليه و سلم يقول الموت تحفة المؤمن و أما أهل النار إذا أبصروه يفرقون منه و يقولون له لقد كنت شر وارد علينا حلت بيننا و بين ما كنا فيه من الخير و الدعة ثم يقولون له عسى تميتنا فنستريح مما نحن فيه و إنما سمي يوم الحسرة لأنه حسر للجميع أي ظهر عن صفة الخلود الدائم للطائفتين ثم تغلق أبواب النار غلقا لا فتح بعده و تنطبق النار على أهلها و يدخل بعضها في بعض ليعظم انضغاط أهلها فيها و يرجع أسفلها أعلاها و أعلاها أسفلها و ترى الناس و الشياطين فيها كقطع اللحم في القدر إذ كان تحتها النار العظيمة تغلي كَغَلْيِ الْحَمِيمِ فتدور بمن فيها علوا و سفلا كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً بتبديل الجلود السابع المأدبة و هي مأدبة الملك لأهل الجنة و في ذلك الوقت يجتمع أهل النار في مندبة فأهل الجنة في المأدب و أهل النار في المنادب و طعامهم في تلك المأدبة زيادة كبد النون و أرض الميدان درمكة بيضاء مثل القرصة و يخرج من الثور الطحال لأهل النار فيأكل أهل الجنة من زيادة كبد النون و هو حيوان بحري مائي فهو من عنصر الحياة المناسبة للجنة و الكبد بيت الدم و هو بيت الحياة و الحياة حارة رطبة و بخار ذلك الدم هو النفس المعبر عنه بالروح الحيواني الذي به حياة البدن فهو بشارة لأهل الجنة ببقاء الحياة عليهم و أما الطحال في جسم الحيوان فهو بيت الأوساخ فإن فيه تجتمع أوساخ البدن و هو ما يعطيه الكبد من الدم الفاسد فيعطي لأهل النار يأكلونه و هو من الثور و الثور حيوان ترابي طبعه البرد و اليبس و جهنم على صورة الجاموس و الطحال من الثور لغذاء أهل النار أشد مناسبة فبما في الطحال من الدمية لا يموت أهل النار و بما فيه من أوساخ البدنو من الدم الفاسد المؤلم لا يحيون و لا ينعمون فيورثهم أكله سقما و مرضا ثم يدخل أهل الجنة الجنة ف ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الثامن و العشرون
(بسم الله الرحمن الرحيم)