اعلم أيدنا الله و إياك أن الجنة جنتان جنة محسوسة و جنة معنوية و العقل يعقلهما معا كما إن العالم عالمان عالم لطيف و عالم كثيف و عالم غيب و عالم شهادة و النفس الناطقة المخاطبة المكلفة لها نعيم بما تحمله من العلوم و المعارف من طريق نظرها و فكرها و ما وصلت إليه من ذلك بالأدلة العقلية و نعيم بما تحمله من اللذات و الشهوات مما يناله بالنفس الحيوانية من طريق قواها الحسية من أكل و شرب و نكاح و لباس و روائح و نغمات طيبة تتعلق بها الأسماع و جمال حي في صورة حسنة معشوقة يعطيها البصر في نساء كاعبات و وجوه حسان و ألوان متنوعة و أشجار و أنهار كل ذلك تنقله الحواس إلى النفس الناطقة فتلتذ به من جهة طبيعتها و لو لم يلتذ به إلا الروح الحساس الحيواني لا النفس الناطقة لكان الحيوان يلتذ بالوجه الجميل من المرأة المستحسنة و الغلام الحسن الوجه و الألوان و المصاغ فلما لم نر شيئا من الحيوان يلتذ بشيء من ذلك علمنا قطعا إن النفس الناطقة هي التي تلتذ بجميع ما تعطيه القوة الحسية مما تشاركها في إدراكه الحيوانات و مما لا تشاركها فيه و اعلم أن الله خلق هذه الجنة المحسوسة بطالع الأسد الذي هو الإقليد و برجه هو الأسد و خلق الجنة المعنوية التي هي روح هذه الجنة المحسوسة من الفرح الإلهي من صفة الكمال و الابتهاج و السرور فكانت الجنة المحسوسة كالجسم و الجنة المعقولة كالروح و قواه و لهذا سماها الحق تعالى الدار الحيوان لحياتها فأهلها يتنعمون فيها حسا و معنى فالمعنى الذي هو اللطيفة الإنسانية و الجنة أيضا أشد تنعما بأهلها الداخلين فيها و لهذا تطلب ملأها من الساكنين و قد ورد في خبر عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الجنة اشتاقت إلى بلال و علي و عمار و سلمان فوصفها بالشوق إلى هؤلاء و ما أحسن موافقة هذه الأسماء لما في شوقها من المعاني فإن الشوق من المشتاق فيه ضرب ألم لطلب اللقاء و بلال من أبل الرجل من مرضه و استبل و يقال بل الرجل من دائه و بلال معناه و سلمان من السلامة من الآلام و الأمراض و عما رأى بعمارتها بأهلها يزول ألمها فإن الله سبحانه يتجلى لعباده فيها فعلي يعلو بذلك التجلي شأنها على النار التي هي أختها حيث فازت بدرجة التجلي و الرؤية إذ كانت النار دار حجاب فانظر في موافقة هذه الأسماء الأربعة لصورة حال الجنة حين وصفها بالشوق إلى هؤلاء الأصحاب من المؤمنين و الناس على أربع مراتب في هذه المسألة فمنهم من يشتهي و يشتهي و هم الأكابر من رجال الله من رسول و نبي و ولي كامل و منهم من يشتهي و لا يشتهي و هم أصحاب الأحوال من رجال الله المهيمون في جلال الله الذين غلب معناهم على حسهم و هم دون الطبقة الأولى فإنهم أصحاب أحوال و منهم من يشتهي و لا يشتهي و هم عصاة المؤمنين و منهم من لا يشتهي و لا يشتهي و هم المكذبون بِيَوْمِ الدِّينِ و القائلون بنفي الجنة المحسوسة و لا خامس لهؤلاء الأربعة الأصناف و اعلم أن الجنات ثلاث جنات جنة اختصاص إلهي و هي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا حد العمل و حدهم من أول ما يولد إلى أن يستهل صارخا إلى انقضاء ستة أعوام و يعطي الله من شاء من عباده من جنات الاختصاص ما شاء و من أهلها المجانين الذين ما عقلوا و من أهلها أهل التوحيد العلمي و من أهلها أهل الفترات و من لم تصل إليهم دعوة رسول و الجنة الثانية جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنةممن ذكرنا و من المؤمنين و هي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها و الجنة الثالثة جنة الأعمال و هي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم فمن كان أفضل من غيره في وجوه التفاضل كان له من الجنة أكثر و سواء كان الفاضل دون المفضول أ و لم يكن غير أنه فضله في هذا المقام بهذه الحالة فما من عمل من الأعمال إلا و له جنة و يقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضي أحوالهم ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لبلال يا بلال بم سبقتني إلى الجنة فما وطئت منها موضعا إلا سمعت خشخشتك أمامي فقال يا رسول الله ما أحدثت قط إلا توضأت و لا توضأت إلا صليت ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم بهما فعلمنا أنها كانت جنة مخصوصة بهذا العمل فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لبلال بم نلت أن تكون مطرقا بين يدي تحجبني من أين لك هذه المسابقة إلى هذه المرتبة فلما ذكر له ذلك قال له صلى الله عليه و سلم بهما فما من فريضة و لا نافلة و لا فعل خير و لا ترك محرم و مكروه إلا و له جنة مخصوصة و نعيم خاص يناله من دخلها و التفاضل على مراتب فمنها بالسن و لكن في الطاعة و الإسلام فيفضل الكبير السن على الصغير السن إذا كانا على مرتبة واحدة من العمل بالسن فإنه أقدم منه فيه و يفضل أيضا بالزمان فإن العمل في رمضان و في يوم الجمعة و في ليلة القدر و في عشر ذي الحجة و في عاشوراء أعظم من سائر الأزمان و كل زمان عينه الشارع و تقع المفاضلة بالمكان كالمصلي في المسجد الحرام أفضل من صلاة المصلي في مسجد المدينة و كذلك الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى و هكذا فضل الصلاة في المسجد الأقصى على سائر المساجد و يتفاضلون أيضا بالأحوال فإن الصلاة في الجماعة في الفريضة أفضل من صلاة الشخص وحده و أشباه هذا و يتفاضلون بالأعمال فإن الصلاة أفضل من إماطة الأذى و قد فضل الله الأعمال بعضها على بعض و يتفاضلون أيضا في نفس العمل الواحد كالمتصدق على رحمه فيكون صاحب صلة رحم و صدقة و المتصدق على غير رحمه دونه في الأجر و كذلك من أهدى هدية لشريف من أهل البيت أفضل ممن أهدى لغير شريف أو بره أو أحسن إليه و وجوه المفاضلة كثيرة في الشرع و إن كانت محصورة و لكن أريتك منها أنموذجا تعرف به ما قصدناه بالمفاضلة و الرسل عليهم السلام إنما ظهر فضلها في الجنة على غيرها بجنة الاختصاص و أما بالعمل فهم في جنات الأعمال بحسب الأحوال كما ذكرنا و كل من فضل غيره ممن ليس في مقامه فمن جنات الاختصاص لا من جنات الأعمال و من الناس من يجمع في الزمن الواحد أعمالا كثيرة فيصرف سمعه فيما ينبغي في زمان تصريفه بصره في زمان تصريفه يده في زمان صومه في زمان صدقته في زمان صلاته في زمان ذكره في زمان نيته من فعل و ترك فيؤجر في الزمن الواحد من وجوه كثيرة فيفضل غيره ممن ليس له ذلك و لذلك لما ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم الثمانية الأبواب من الجنة أن يدخل من أيها شاء قال أبو بكر يا رسول الله و ما على الإنسان أن يدخل من الأبواب كلها قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أرجو أن تكون منهم يا أبا بكر فأراد أبو بكر بذلك القول ما ذكرنا أن يكون الإنسان في زمان واحد في أعمال كثيرة تعم أبواب الجنة و من هنا أيضا تعرف النشأة الآخرة فكما لا تشبه الجنة الدنيا في أحوالها كلها و إن اجتمعت في الأسماء كذلك نشأة الإنسان في الآخرة لا تشبه نشأة الدنيا و إن اجتمعتا في الأسماء و الصورة الشخصية فإن الروحانية على نشأة الآخرة أغلب من الحسية و قد ذقناه في هذه الدار الدنيا مع كثافة هذه النشأة فيكون الإنسان بعينه في أماكن كثيرة و أما عامة الناس فيدركون ذلك في المنام و لقد رأيت رؤيا لنفسي في هذا النوع و أخذتها بشرى من الله فإنها مطابقة لحديث نبوي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين ضرب لنا مثله في الأنبياء عليهم السلام فقال صلى الله عليه و سلم مثلي في الأنبياء كمثل رجل بنى حائطا فأكمله إلا لبنة واحدة فكنت أنا تلك اللبنة فلا رسول بعدي و لا نبي فشبه النبوة بالحائط و الأنبياء باللبن التي قام بها هذا الحائط و هو تشبيه في غاية الحسن فإن مسمى الحائط هنا المشار إليه لم يصح ظهوره إلا باللبن فكان صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين فكنت بمكة سنة تسع و تسعين و خمسمائة أرى فيما يرى النائم الكعبة مبنية بلبن فضة و ذهب لبنة فضة و لبنة ذهب و قد كملت بالبناء و ما بقي فيها شيء و أنا أنظر إليها و إلى حسنها فالتفت إلى الوجه الذي بين الركن اليماني و الشامي هو إلى الركن الشامي أقرب فوجدت موضع لبنتين لبنة فضة و لبنة ذهب ينقص من الحائط في الصفين في الصفالأعلى ينقص لبنة ذهب و في الصف الذي يليه ينقص لبنة فضة فرأيت نفسي قد انطبعت في موضع تلك اللبنتين فكنت أنا عين تينك اللبنتين و كمل الحائط و لم يبق في الكعبة شيء ينقص و أنا واقف أنظر و اعلم إني واقف و اعلم إني عين تينك اللبنتين لا أشك في ذلك و أنهما عين ذاتي و استيقظت فشكرت الله تعالى و قلت متأولا إني في الاتباع في صنفي كرسول الله صلى الله عليه و سلم في الأنبياء عليهم السلام و عسى أن أكون ممن ختم الله الولاية بي وَ ما ذلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ و ذكرت حديث النبي صلى الله عليه و سلم في ضربه المثل بالحائط و أنه كان تلك اللبنة فقصصت رؤياى على بعض علماء هذا الشأن بمكة من أهل توزر فأخبرني في تأويلها بما وقع لي و ما سميت له الرائي من هو فالله أسأل أن يتمها علي بكرمه فإن الاختصاص الإلهي لا يقبل التحجير و لا الموازنة و لا العمل و إن ذلِكَ من فَضْلِ الله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من يَشاءُ وَ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِو اعلم أن جنة الأعمال مائة درجة لا غير كما إن النار مائة درك غير أن كل درجة تنقسم إلى منازل فلنذكر من منازلها ما يكون لهذه الأمة المحمدية و ما تفضل به على سائر الأمم فإنها خير أمة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ بشهادة الحق في القرآن و تعريفه و هذه المائة درجة في كل جنة من الثمان الجنات و صورتها جنة في جنة و أعلاها جنة عدن و هي قصبة الجنة فيها الكثيب الذي يكون اجتماع الناس فيه لرؤية الحق تعالى و هي أعلى جنة في الجنات هي في الجنات بمنزلة دار الملك يدور عليها ثمانية أسوار بين كل سورين جنة فالتي تلي جنة عدن إنما هي جنة الفردوس و هي أوسط الجنات التي دون جنة عدن و أفضلها ثم جنة الخلد ثم جنة النعيم ثم جنة المأوى ثم دار السلام ثم دار المقامة و أما الوسيلة فهي أعلى درجة في جنة عدن و هي لرسول الله صلى الله عليه و سلم حصلت له بدعاء أمته فعل ذلك الحق سبحانه حكمة أخفاها فإنا بسببه نلنا السعادة من الله و به كنا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ و به ختم الله بنا الأمم كما ختم به النبيين و هو صلى الله عليه و سلم بشر كما أمر أن يقول و لنا وجه خاص إلى الله عز و جل نناجيه منه و يناجينا و هكذا كل مخلوق له وجه خاص إلى ربه فأمرنا عن أمر الله أن ندعو له بالوسيلة حتى ينزل فيها و ينالها بدعاء أمته فافهم هذا الفضل العظيم و هذا من باب الغيرة الإلهية إن فهمت فلقد كرم الله هذا النبي و هذه الأمة فتحوى درجات الجنة من الدرج فيها على خمسة آلاف درج و مائة درج و خمسة أدراج لا غير و قد تزيد على هذا العدد بلا شك و لكن ذكرنا منها ما اتفق عليه أهل الكشف مما يجري مجرى الأنواع من الأجناس و الذي اختصت به هذه الأمة المحمدية على سائر الأمم من هذه الأدراج اثنا عشر درجا لا غير لا يشاركها فيها أحد من الأمم كما فضل صلى الله عليه و سلم غيره من الرسل في الآخرة بالوسيلة و فتح باب الشفاعة و في الدنيا بست لم يعطها نبي قبله كما ورد في الحديث الصحيح من حديث مسلم بن الحجاج فذكر منها عموم رسالته و تحليل الغنائم و النصر بالرعب و جعلت له الأرض كلها مسجدا و جعلت تربتها له طهورا و أعطى مفاتيح خزائن الأرض ثم اعلم أن أهل الجنة أربعة أصناف الرسل و هم الأنبياء و الأولياء و هم أتباع الرسل على بصيرة و بينة من ربهم و المؤمنون و هم المصدقون بهم عليهم السلام و العلماء بتوحيد الله إنه لا إله إلا هو من حيث الأدلة العقلية قال الله تعالى شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ و هؤلاء هم الذين أريده بالعلماء و فيهم يقول الله تعالى يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ و الطريق الموصلة إلى العلم بالله طريقان لا ثالث لهما و من وحد الله من غير هذين الطريقين فهو مقلد في توحيده (الطريق الواحدة) طريق الكشف و هو علم ضروري يحصل عند الكشف يجده الإنسان في نفسه لا يقبل معه شبهة و لا يقدر على دفعه و لا يعرف لذلك دليلا يستند إليه سوى ما يجده في نفسه إلا أن بعضهم قال يعطي الدليل و المدلول في كشفه فإنه ما لا يعرف إلا بالدليل فلا بد أن يكشف له عن الدليل و كان يقول بهذه المقالة صاحبنا أبو عبد الله بن الكتاني بمدينة فاس سمعت ذلك منه و أخبر عن حاله و صدق و أخطأ في إن الأمر لا يكون إلا كذلك فإن غيره يجد ذلك في نفسه ذوقا من غير أن يكشف له عن الدليل و أما أن يحصل له عن تجل إلهي يحصل له و هم الرسل و الأنبياء و بعض الأولياء (و الطريق الثاني) طريق الفكر و الاستدلال بالبرهان العقلي و هذا الطريق دون الطريق الأول فإن صاحب النظر في الدليل قد تدخل عليه الشبه القادحة في دليله فيتكلف الكشف عنها و البحث عن وجه الحق في الأمر المطلوب و ما ثم طريق ثالث فهؤلاء هم أولو العلم الذين شهدوا بتوحيدالله و لفحول هذه الطبقة من العلماء بتوحيد الله دلالة و نظر زيادة علم على التوحيد بتوحيد في الذات بأدلة قطعية لا يعطاها كل أهل الكشف بل بعضهم قد يعطاها و هؤلاء الأربع الطوائف يتميزون في جنات عدن عند رؤية الحق في الكثيب الأبيض و هم فيه على أربعة مقامات طائفة منهم أصحاب منابر و هي الطبقة العليا الرسل و الأنبياء و الطائفة الثانية هم الأولياء ورثة الأنبياء قولا و عملا و حالا و هم على بينة من ربهم و هم أصحاب الأسرة و العرش و الطبقة الثالثة العلماء بالله من طريق النظر البرهاني العقلي و هم أصحاب الكراسي و الطبقة الرابعة و هم المؤمنون المقلدون في توحيدهم و لهم المراتب و هم في الحشر مقدمون على أصحاب النظر العقلي و هم في الكثيب عند النظر يتقدمون على المقلدين فإذا أراد الله أن يتجلى لعباده في الزور العام نادى منادي الحق في الجنات كلها يا أهل الجنان حي على المنة العظمى و المكانة الزلفى و المنظر الأعلى هلموا إلى زيارة ربكم في جنة عدن فيبادرون إلى جنة عدن فيدخلونها و كل طائفة قد عرفت مرتبتها و منزلتها فيجلسون ثم يؤمر بالموائد فتنصب بين أيديهم موائد اختصاص ما رأوا مثلها و لا تخيلوه في حياتهم و لا في جناتهم جنات الأعمال و كذلك الطعام ما ذاقوا مثله في منازلهم و كذلك ما تناولوه من الشراب فإذا فرغوا من ذلك خلعت عليهم من الخلع ما لم يلبسوا مثلها فيما تقدم و مصداق ذلك قوله صلى الله عليه و سلم في الجنة فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر فإذا فرغوا من ذلك قاموا إلى كثيب من المسك الأبيض فأخذوا منازلهم فيه على قدر علمهم بالله لا على قدر عملهم فإن العمل مخصوص بنعيم الجنان لا بمشاهدة الرحمن فبينا هم على ذلك إذا بنور قد بهرهم فيخرون سجدا فيسري ذلك النور في أبصارهم ظاهرا و في بصائرهم باطنا و في أجزاء أبدانهم كلها و في لطائف نفوسهم فيرجع كل شخص منهم عينا كله و سمعا كله فيرى بذاته كلها لا تقيده الجهات و يسمع بذاته كلها فهذا يعطيهم ذلك النور فيه يطيقون المشاهدة و الرؤية و هي أتم من المشاهدة فيأتيهم رسول من الله يقول لهم تأهبوا لرؤية ربكم جل جلاله فها هو يتجلى لكم فيتأهبون فيتجلى الحق جل جلاله و بينه و بين خلقه ثلاثة حجب حجاب العزة و حجاب الكبرياء و حجاب العظمة فلا يستطيعون نظرا إلى تلك الحجب فيقول الله جل جلاله لأعظم الحجبة عنده ارفعوا الحجب بيني و بين عبادي حتى يروني فترفع الحجب فيتجلى لهم الحق جل جلاله خلف حجاب واحد في اسمه الجميل اللطيف إلى أبصارهم و كلهم بصر واحد فينفهق عليهم نور يسرى في ذواتهم فيكونون به سمعا كلهم و قد أبهتهم جمال الرب و أشرقت ذواتهم بنور ذلك الجمال الأقدس قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من حديث النقاش في مواقف القيامة و هذا تمامه فيقول الله جل جلاله سلام عليكم عبادي و مرحبا بكم حياكم الله سلام عليكم من الرحمن الرحيم الحي القيوم طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ طابت لكم الجنة فطيبوا أنفسكم بالنعيم المقيم و الثواب من الكريم و الخلود الدائم أنتم المؤمنون الآمنون و أنا الله المؤمن المهيمن شققت لكم اسما من أسمائي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ أنتم أوليائي و جيراني و أصفيائي و خاصتي و أهل محبتي و في داري سلام عليكم يا معشر عبادي المسلمين أنتم المسلمون و أنا السلام و داري دار السلام سأريكم وجهي كما سمعتم كلامي فإذا تجليت لكم و كشفت عن وجهي الحجب فاحمدوني و ادخلوا إلى داري غير محجوبين عني بِسَلامٍ آمِنِينَ فردوا علي و اجلسوا حولي حتى تنظروا إلي و تروني من قريب فأتحفكم بتحفي و أجيزكم بجوائزي و أخصكم بنوري و أغشيكم بجمالي و أهب لكم من ملكي و أفاكهكم بضحكي و أغلفكم بيدي و أشمكم روحي أنا ربكم الذي كنتم تعبدوني و لم تروني و تحبوني و تخافوني و عزتي و جلالي و علوي و كبريائي و بهائي و سناى إني عنكم راض و أحبكم و أحب ما تحبون و لكم عندي ما تشتهي أنفسكم و تلذ أعينكم و لكم عندي ما تدعون و ما شئتم و كل ما شئتم أشاء فاسألوني و لا تحتشموا و لا تستحيوا و لا تستوحشوا و إني أنا الله الجواد الغني الملي الوفي الصادق و هذه داري قد أسكنتكموها و جنتي قد أبحتكموها و نفسي قد أريتكموها و هذه يدي ذات الندى و الطل مبسوطة ممتدة عليكم لا أقبضها عنكم و أنا أنظر إليكم لا أصرف بصري عنكم فاسألوني ما شئتم و اشتهيتم فقد آنستكم بنفسي و أنا لكم جليس و أنيس فلا حاجة و لا فاقة بعد هذا و لا بؤس و لا مسكنة و لا ضعف و لا هرم و لا سخط و لا حرج و لا تحويل أبدا سرمدا نعيمكم نعيم الأبد و أنتم الآمنون المقيمونالماكثون المكرمون المنعمون و أنتم السادة الأشراف الذين أطعتموني و اجتنبتم محارمي فارفعوا إلي حوائجكم أقضها لكم و كرامة و نعمة قال فيقولون ربنا ما كان هذا أملنا و لا أمنيتنا و لكن حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم أبدا أبدا و رضي نفسك عنا فيقول لهم العلي الأعلى مالك الملك السخي الكريم تبارك و تعالى فهذا وجهي بارز لكم أبدا سرمدا فانظروا إليه و أبشروا فإن نفسي عنكم راضية فتمتعوا و قوموا إلى أزواجكم فعانقوا و أنكحوا و إلى ولائدكم ففاكهوا و إلى غرفكم فادخلوا و إلى بساتينكم فتنزهوا و إلى دوابكم فاركبوا و إلى فرشكم فاتكئوا و إلى جواريكم و سراريكم في الجنان فاستأنسوا و إلى هداياكم من ربكم فأقبلوا و إلى كسوتكم فالبسوا و إلى مجالسكم فتحدثوا ثم قيلوا قائلة لا نوم فيها و لا غائلة في ظل ظليل و أمن مقيل و مجاورة الجليل ثم روحوا إلى نهر الكوثر و الكافور و الماء المطهر و التسنيم و السلسبيل و الزنجبيل فاغتسلوا و تنعموا طوبى لكم وَ حُسْنُ مَآبٍ ثم روحوا فاتكئوا على الرفارف الخضر و العبقري الحسان و الفرش المرفوعة في الظل الممدود و الماء المسكوب و الفاكهة الكثيرة لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ في ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَ لَهُمْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلًا من رَبٍّ رَحِيمٍ ثم تلا هذه الآية أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا إلى هنا انتهى حديث أبي بكر النقاش الذي أسندناه في باب القيامة قبل هذا في حديث المواقف ثم إن الحق تعالى بعد هذا الخطاب يرفع الحجاب و يتجلى لعباده فيخرون سجدا فيقول لهم ارفعوا رءوسكم فليس هذا موطن سجوديا عبادي ما دعوتكم إلا لتنعموا بمشاهدتي فيمسكهم في ذلك ما شاء الله فيقول لهم هل بقي لكم شيء بعد هذا فيقولون يا ربنا و أي شيء بقي و قد نجيتنا من النار و أدخلتنا دار رضوانك و أنزلتنا بجوارك و خلعت علينا ملابس كرمك و أريتنا وجهك فيقول الحق جل جلاله بقي لكم فيقولون يا ربنا و ما ذاك الذي بقي فيقول دوام رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا فما أحلاها من كلمة و ما ألذها من بشرى فبدأ سبحانه بالكلام خلقنا فقال كُنْ فأول شيء كان لنا منه السماع فختم بما به بدأ فقال هذه المقالة فختم بالسماع و هو هذه البشرى و تتفاضل الناس في رؤيته سبحانه و يتفاوتون فيها تفاوتا عظيما على قدر علمهم فمنهم و منهم ثم يقول سبحانه لملائكته ردوهم إلى قصورهم فلا يهتدون لأمرين لما طرأ عليهم من سكر الرؤية و لما زادهم من الخير في طريقهم فلم يعرفوها فلو لا أن الملائكة تدل بهم ما عرفوا منازلهم فإذا وصلوا إلى منازلهم تلقاهم أهلهم من الحور و الولدان فيرون جميع ملكهم قد كسي بهاء و جمالا و نورا من وجوههم أفاضوه إفاضة ذاتية على ملكهم فيقولون لهم لقد زدتم نورا و بهاء و جمالا ما تركناكم عليه فيقول لهم أهلهم و كذا كم أنتم قد زدتم من البهاء و الجمال ما لم يكن فيكم عند مفارقتكم إيانا فينعم بعضهم ببعض و اعلم أن الراحة و الرحمة مطلقة في الجنة كلها و إن كانت الرحمة ليست بأمر وجودي و إنما هي عبارة عن الأمر الذي يلتذ و يتنعم به المرحوم و ذلك هو الأمر الوجودي فكل من في الجنة متنعم و كل ما فيها نعيم فحركتهم ما فيها نصب و أعمالهم ما فيها لغوب إلا راحة النوم ما عندهم لأنهم ما ينامون فما عندهم من نعيم النوم شيء و نعيم النوم هو الذي يتنعم به أهل النار خاصة فراحة النوم محلها جهنم و من رحمة الله بأهل النار في أيام عذابهم خمود النار عنهم ثم تسعر بعد ذلك عليهم فيخف عنهم بذلك من آلام العذاب على قدر ما خبت النار قال تعالى كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً و هذا يدلك أن النار محسوسة بلا شك فإن النار ما تتصف بهذا الوصف إلا من كون قيامها بالأجسام لأن حقيقة النار لا تقبل هذا الوصف من حيث ذاتها و لا الزيادة و لا النقص و إنما هو الجسم المحرق بالنار هو الذي يسجر بالنارية و إن حملنا هذه الآية على الوجه الآخر قلنا قوله تعالى كُلَّما خَبَتْ يعني النار المسلطة على أجسامهم زِدْناهُمْ يعني المعذبين سَعِيراً فإنه لم يقل زدناها و معنى ذلك أن العذاب ينقلب إلى بواطنهم و هو أشد العذاب الحسي يشغلهم عن العذاب المعنوي فإذا خبت النار في ظواهرهم و وجدوا الراحة من حيث حسهم سلط الله عليهم في بواطنهم التفكر فيما كانوا فرطوا فيه من الأمور التي لو عملوا بها لنالوا السعادة و تسلط عليهم الوهم بسلطانه فيتوهمون عذابا أشد مما كانوا فيه فيكون عذابهم بذلك التوهم في نفوسهم أشد من حلول العذاب المقرون بتسلط النار المحسوسة على أجسامهم و تلك النار التي أعطاها الوهم هي النار الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ و هي التي قلنا فيها
و كذلك أهل الجنة يعطيهم الله من الأماني و النعيم المتوهم فوق ما هم عليه فما هو إلا أن الشخص منهم يتوهم ذلك أو يتمناه فيكون فيه بحسب ما يتوهمه إن تمناه معنى كان معنى أو توهمه حسا كان محسوسا أي ذلك كان و ذلك النعيم من جنات الاختصاص و نعيمها و هو جزاء لمن كان يتوهم هنا و يتمنى أن لو قدر و تمكن أن يكون ممن لا يعصي الله طرفة عين و أن يكون من أهل طاعته و أن يلحق بالصالحين من عباده و لكن قصرت به العناية في الدنيا فيعطي هذا التمني في الجنة فيكون له ما تمناه و توهمه و أراحه الله في الدنيا من تلك الأعمال الشاقة و لحق في الآخرة بأصحاب تلك الأعمال في الدرجات العلى و قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الرجل الذي لا قوة له و لا مال له فيرى رب المال الموفق يتصدق و يعطي في فك الرقاب و يوسع على الناس و يصل الرحم و يبني المساجد و يعمل أعمالا لا يمكن أن يصل إليها إلا رب المال و يرى أيضا من هو أجلد منه على العبادات التي ليس في قوة جسمه أن يقوم بها و يتمنى أنه لو كان له مثل صاحبه من المال و القوة لعمل مثل عمله قال صلى الله عليه و سلم فهما في الأجر سواء و معنى ذلك أنه يعطي في الجنة مثل ذلك التمني من النعيم الذي أنتجته تلك الأعمال فيكون له ما تمنى و هو أقوى في اللذة و التنعم مما لو وجده في الجنة قبل هذا التمني فلما انفعل عن تمنيه كان النعيم به أعلى فمن جنات الاختصاص ما يخلق الله له من همته و تمنيه فهو اختصاص عن عمل معقول متوهم و تمن لم يكن له وجود ثمرة في الدنيا و هو الذي عنينا بالاختصاص في قولنا
فأردنا بالاختصاص الثاني ما لا يكون عن تمن و لا توهم و أردنا بالاختصاص الأول ما يكون عن تمن و توهم الذي هو جزاء عن تمن و توهم في الدنيا و أما الأماني المذمومة فهي التي لا يكون لها ثمرة و لكن صاحبها يتنعم بها في الحال كما قيل
أماني إن تحصل تكن أحسن المنى و إلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
و لكن تكون حسرة في المال و فيها قال الله تعالى وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ الله و فيها يقال أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا لأنه لا مفاضلة بين الخير و الشر فما كان خير أصحاب الجنة أفضل و أحسن إلا من كونه واقعا وجوديا محسوسا فهو أفضل من الخير الذي كان الكافر يتوهمه في الدنيا و يظن أنه يصل إليه بكفره لجهله فلهذا قال فيه خير و أحسن الله فأتى بنية المفاضلة و هي أفعل من كذا فافهم هذا المعنى وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ