قال الله عز و جل قُلْ لَوْ كانَ في الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ من السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا و قال تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فاعلم إن الأسماء الإلهية لسان حال تعطيها الحقائق فاجعل بالك لما تسمع و لا تتوهم الكثرة و لا الاجتماع الوجودي و إنما أورد في هذا الباب ترتيب حقائق معقولة كثيرة من جهة النسب لا من جهة وجود عيني فإن ذات الحق واحدة من حيث ما هي ذات ثم إنه لما علمنا من وجودنا و افتقارنا و إمكاننا أنه لا بد لنا منمرجح نستند إليه و أن ذلك المستند لا بد أن يطلب وجودنا منه نسبا مختلفة كنى الشارع عنها بالأسماء الحسنى فسمى بها من كونه متكلما في مرتبة وجوبية وجوده الإلهي الذي لا يصح أن يشارك فيه فإنه إله واحد لا إله غيره فأقول بعد هذا التقرير في ابتداء هذا الأمر و التأثير و الترجيح في العالم الممكن إن الأسماء اجتمعت بحضرة المسمى و نظرت في حقائقها و معانيها فطلبت ظهور أحكامها حتى تتميز أعيانها بآثارها فإن الخالق الذي هو المقدر و العالم و المدبر و المفصل و الباري و المصور و الرزاق و المحيي و المميت و الوارث و الشكور و جميع الأسماء الإلهية نظروا في ذواتهم و لم يروا مخلوقا و لا مدبرا و لا مفصلا و لا مصورا و لا مرزوقا فقالوا كيف العمل حتى تظهر هذه الأعيان التي تظهر أحكامنا فيها فيظهر سلطاننا فلجأت الأسماء الإلهية التي تطلبها بعض حقائق العالم بعد ظهور عينه إلى الاسم الباري فقالوا له عسى توجد هذه الأعيان لتظهر أحكامنا و يثبت سلطاننا إذ الحضرة التي نحن فيها لا تقبل تأثيرنا فقال الباري ذلك راجع إلى الاسم القادر فإني تحت حيطته و كان أصل هذا أن الممكنات في حال عدمها سألت الأسماء الإلهية سؤال حال ذلة و افتقار و قالت لها إن العدم قد أعمانا عن إدراك بعضنا بعضا و عن معرفة ما يجب لكم من الحق علينا فلو أنكم أظهرتم أعياننا و كسوتمونا حلة الوجود أنعمتم علينا بذلك و قمنا بما ينبغي لكم من الإجلال و التعظيم و أنتم أيضا كانت السلطنة تصح لكم في ظهورنا بالفعل و اليوم أنتم علينا سلاطين بالقوة و الصلاحية فهذا الذي نطلبه منكم هو في حقكم أكثر منه في حقنا فقالت الأسماء إن هذا الذي ذكرته الممكنات صحيح فتحركوا في طلب ذلك فلما لجئوا إلى الاسم القادر قال القادر أنا تحت حيطة المريد فلا أوجد عينا منكم إلا باختصاصه و لا يمكنني الممكن من نفسه إلا أن يأتيه أمر الآمر من ربه فإذا أمره بالتكوين و قال له كن مكنني من نفسه و تعلقت بإيجاده فكونته من حينه فالجئوا إلى الاسم المريد عسى أنه يرجح و يخصص جانب الوجود على جانب العدم فحينئذ نجتمع أنا و الآمر و المتكلم و نوجدكم فلجئوا إلى الاسم المريد فقالوا له إن الاسم القادر سألناه في إيجاد أعياننا فأوقف أمر ذلك عليك فما ترسم فقال المريد صدق القادر و لكن ما عندي خبر ما حكم الاسم العالم فيكم هل سبق علمه بإيجادكم فنخصص أو لم يسبق فإنا تحت حيطة الاسم العالم فسيروا إليه و اذكروا له قضيتكم فساروا إلى الاسم العالم و ذكروا ما قاله الاسم المريد فقال العالم صدق المريد و قد سبق علمي بإيجادكم و لكن الأدب أولى فإن لنا حضرة مهيمنة علينا و هي الاسم الله فلا بد من حضورنا عنده فإنها حضرة الجمع فاجتمعت الأسماء كلها في حضرة الله فقال ما بالكم فذكروا له الخبر فقال أنا اسم جامع لحقائقكم و إني دليل على مسمى و هو ذات مقدسة له نعوت الكمال و التنزيه فقفوا حتى أدخل على مدلولي فدخل على مدلوله فقال له ما قالته الممكنات و ما تحاورت فيه الأسماء فقال اخرج و قل لكل واحد من الأسماء يتعلق بما تقتضيه حقيقته في الممكنات فإني الواحد لنفسي من حيث نفسي و الممكنات إنما تطلب مرتبتي و تطلبها مرتبتي و الأسماء إلهية كلها للمرتبة لا لي إلا الواحد خاصة فهو اسم خصيص بي لا يشاركني في حقيقته من كل وجه أحد لا من و الأسماء و لا من المراتب و لا من الممكنات فخرج الاسم الله و معه الاسم المتكلم يترجم عنه للممكنات و الأسماء فذكر لهم ما ذكره المسمى فتعلق العالم و المريد و القائل و القادر فظهر الممكن الأول من الممكنات بتخصيص المريد و حكم العالم فلما ظهرت الأعيان و الآثار في الأكوان و تسلط بعضها على بعض و قهر بعضها بعضا بحسب ما تستند إليه من الأسماء فادى إلى منازعة و خصام فقالوا إنا نخاف علينا أن يفسد نظامنا و نلحق بالعدم الذي كنا فيه فنبهت الممكنات الأسماء بما ألقى إليها الاسم العليم و المدبر و قالوا أنتم أيها الأسماء لو كان حكمكم على ميزان معلوم و حد مرسوم بإمام ترجعون إليه يحفظ علينا وجودنا و نحفظ عليكم تأثيراتكم فينا لكان أصلح لنا و لكم فالجئوا إلى الله عسى يقدم من يحد لكم حدا تقفون عنده و إلا هلكنا و تعطلتم فقالوا هذا عين المصلحة و عين الرأي ففعلوا ذلك فقالوا إن الاسم المدبر هو ينهي أمركم فانهوا إلى المدبر الأمر فقال أنا لها فدخل و خرج بأمر الحق إلى الاسم الرب و قال له افعل ما تقتضيه المصلحة في بقاء أعيان هذه الممكنات فاتخذ وزيرين يعينانه على ما أمر به الوزير الواحد الاسم المدبر و الوزير الآخر المفصل قال تعالى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ الذي هو الإمام فانظر ما أحكم كلام الله تعالى حيث جاء بلفظ مطابق للحال الذي ينبغي أن يكون الأمر عليه فحد الاسم الربلهم الحدود و وضع لهم المراسم لإصلاح المملكة و ليبلوهم أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا و جعل الله ذلك على قسمين قسم يسمى سياسة حكمية ألقاها في فطر نفوس الأكابر من الناس فحدوا حدودا و وضعوا نواميس بقوة وجدوها في نفوسهم كل مدينة و جهة و إقليم بحسب ما يقتضيه مزاج تلك الناحية و طباعهم لعلمهم بما تعطيه الحكمة فانحفظت بذلك أموال الناس و دماؤهم و أهلوهم و أرحامهم و أنسابهم و سموها نواميس و معناها أسباب خير لأن الناموس في العرف الاصطلاحي هو الذي يأتي بالخير و الجاسوس يستعمل في الشر فهذه هي النواميس الحكمية التي وضعها العقلاء عن إلهام من الله من حيث لا يشعرون لمصالح العالم و نظمه و ارتباطه في مواضع لم يكن عندهم شرع إلهي منزل و لا علم لواضع هذه النواميس بأن هذه الأمور مقربة إلى الله و لا تورث جنة و لا نارا و لا شيئا من أسباب الآخرة و لا علموا أن ثم آخرة و بعثا محسوسا بعد الموت في أجسام طبيعية و دارا فيها أكل و شرب و لباس و نكاح و فرح و دارا فيها عذاب و آلام فإن وجود ذلك ممكن و عدمه ممكن و لا دليل لهم في ترجيح أحد الممكنين بل رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها فلهذا كان مبني نواميسهم و مصالحهم على إبقاء الصلاح في هذه الدار ثم انفردوا في نفوسهم بالعلوم الإلهية من توحيد الله و ما ينبغي لجلاله من التعظيم و التقديس و صفات التنزيه و عدم المثل و التشبيه و نبه من يدري و من علم ذلك من لا يدري و حرضوا الناس على النظر الصحيح و أعلموهم أن للعقول من حيث أفكارها حدا تقف عنده لا تتجاوزه و أن لله على قلوب بعض عباده فيضا إلهيا يعلمهم فيه من لدنه علما و لم يبعد ذلك عندهم و إن الله قد أودع في العالم العلوي أمورا استدلوا عليها بوجود آثارها في العالم العنصري و هو قوله تعالى وَ أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فبحثوا عن حقائق نفوسهم لما رأوا أن الصورة الجسدية إذا ماتت ما نقص من أعضائها شيء فعلموا أن المدرك و المحرك لهذا الجسد إنما هو أمر آخر زائد عليه فبحثوا عن ذلك الأمر الزائد فعرفوا نفوسهم ثم رأوا أنه يعلم بعد ما كان يجهل فعلموا أنها و إن كانت أشرف من أجسادها فإن الفقر و الفاقة يصحبها فاعتلوا بالنظر من شيء إلى شيء و كلما وصلوا إلى شيء رأوه مفتقرا إلى شيء آخر حتى انتهى بهم النظر إلى شيء لا يفتقر إلى شيء و لا مثله شيء و لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء فوقفوا عنده و قالوا هذا هو الأول و ينبغي أن يكون واحدا لذاته من حيث ذاته و أن أوليته لا تقبل الثاني و لا أحديته لأنه لا شبه له و لا مناسب فوحدوه توحيد وجود ثم لما رأوا أن الممكنات لأنفسها لا تترجح لذاتها علموا أن هذا الواحد أفادها الوجود فافتقرت إليه و عظمته بأن سلبت عنه جميع ما تصف ذواتها به فهذا حد العقل فبينا هم كذلك إذ قام شخص من جنسهم لم يكن عندهم من المكانة في العلم بحيث أن يعتقدوا فيه أنه ذو فكر صحيح و نظر صائب فقال لهم أنا رسول الله إليكم فقالوا الإنصاف أولى انظروا في نفس دعواه هل ادعى ما هو ممكن أو ادعى ما هو محال فقالوا إنه قد ثبت عندنا بالدليل أن لله فيضا إلهيا يجوز أن يمنحه من يشاء كما أفاض ذلك على أرواح هذه الأفلاك و هذه العقول و الكل قد اشتركوا في الإمكان و ليس بعض الممكنات بأولى من بعض فيما هو ممكن فما بقي لنا نظر إلا في صدق هذا المدعي أو كذبه و لا نقدم على شيء من هذين الحكمين بغير دليل فإنه سوء أدب مع علمنا فقالوا هل لك دليل على صدق ما تدعيه فجاءهم بالدلائل فنظروا في دلالته و في أدلته و نظروا أن هذا الشخص ما عنده خبر مما تنتجه الأفكار و لا عرف منه فعلموا إن الذي أوحى في كل سماء أمرها كان مما أوحاه في كل سماء وجود هذا الشخص و ما جاء به فأسرعوا إليه بالإيمان به و صدقوه و علموا أن الله قد أطلعه على ما أودعه في العالم العلوي من المعارف ما لم تصل إليه أفكارهم ثم أعطاه من المعرفة بالله ما لم يكن عندهم و رأوا نزوله في المعارف بالله إلى العامي الضعيف الرأي بما يصلح لعقله من ذلك و إلى الكبير العقل الصحيح النظر بما يصلح لعقله من ذلك فعلموا أن الرجل عنده من الفيض الإلهي ما هو وراء طور العقل و أن الله قد أعطاه من العلم به و القدرة عليه ما لم يعطه إياهم فقالوا بفضله و تقدمه عليهم و آمنوا به و صدقوه و اتبعوه فعين لهم الأفعال المقربة إلى الله تعالى و أعلمهم بما خلق الله من الممكنات فيما غاب عنهم و ما يكون منه سبحانه فيهم في المستقبل و جاءهم بالبعث و النشور و الحشر و الجنة و النار ثم إنه تتابعت الرسل على اختلاف الأزمان و اختلاف الأحوال و كل واحد منهم يصدق صاحبه ما اختلفوا قط في الأصول التي استندوا إليها و عبروا عنها و إن اختلفت الأحكام فتنزلت الشرائع و نزلت الأحكام و كان الحكم بحسب الزمان و الحال كما قال تعالىلِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً فاتفقت أصولهم من غير خلاف في شيء من ذلك و فرقوا في هذه السياسات النبوية المشروعة من عند الله بينها و بين ما وضعت الحكماء من السياسات الحكمية التي اقتضاها نظرهم و علموا أن هذا الأمر أتم و أنه من عند الله بلا شك فقبلوا ما أعلمهم به من الغيوب و آمنوا بالرسل و ما عابد أحد منهم إلا من لم ينصح نفسه في علمه و اتبع هواه و طلب الرئاسة على أبناء جنسه و جهل نفسه و قدره و جهل ربه فكان أصل وضع الشريعة في العالم و سببها طلب صلاح العالم و معرفة ما جهل من الله مما لا يقبله العقل أي لا يستقل به العقل من حيث نظره فنزلت بهذه المعرفة الكتب المنزلة و نطقت بها ألسنة الرسل و الأنبياء عليهم السلام فعلمت العقلاء عند ذلك أنها نقصها من العلم بالله أمور تممتها لهم الرسل و لا أعني بالعقلاء المتكلمين اليوم في الحكمة و إنما أعني بالعقلاء من كان على طريقتهم من الشغل بنفسه و الرياضات و المجاهدات و الخلوات و التهيؤ لواردات ما يأتيهم في قلوبهم عند صفائها من العالم العلوي الموحى في السموات العلى فهؤلائك أعني بالعقلاء فإن أصحاب اللقلقة و الكلام و الجدل الذين استعملوا أفكارهم في مواد الألفاظ التي صدرت عن الأوائل و غابوا عن الأمر الذي أخذها عنه أولئك الرجال و أما أمثال هؤلاء الذين عندنا اليوم لا قدر لهم عند كل عاقل فإنهم يستهزئون بالدين و يستخفون بعباد الله و لا يعظم عندهم إلا من هو معهم على مدرجتهم قد استولى على قلوبهم حب الدنيا و طلب الجاه و الرئاسة فأذلهم الله كما أذلوا العلم و حقرهم و صغرهم و ألجأهم إلى أبواب الملوك و الولاة من الجهال فاذلتهم الملوك و الولاة فأمثال هؤلاء لا يعتبر قولهم فإن قلوبهم قد ختم الله عليها و فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ مع الدعوى العريضة أنهم أفضل العالم عند نفوسهم فالفقيه المفتي في دين الله مع قلة ورعه بكل وجه أحسن حالا من هؤلاء فإن صاحب الايمان مع كونه أخذه تقليدا هو أحسن حالا من هؤلاء العقلاء على زعمهم و حاشى العاقل أن يكون بمثل هذه الصفة و قد أدركنا ممن كان على حالهم قليلا و كانوا أعرف الناس بمقدار الرسل و من أعظمهم تبعا لسنن الرسول صلى الله عليه و سلم و أشدهم محافظة على سننه عارفين بما ينبغي لجلال الحق من التعظيم عالمين بما خص الله عباده من النبيين و أتباعهم من الأولياء من العلم بالله من جهة الفيض الإلهي الاختصاصي الخارج عن التعلم المعتاد من الدرس و الاجتهاد ما لا يقدر العقل من حيث فكره أن يصل إليه و لقد سمعت واحدا من أكابرهم و قد رأى مما فتح الله به علي من العلم به سبحانه من غير نظر و لا قراءة بل من خلوة خلوت بها مع الله و لم أكن من أهل الطلب فقال الحمد لله الذي أنا في زمان رأيت فيه من آتاه الله رحمة من عنده و علمه من لدنه علما فالله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من يَشاءُ وَ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب السادس و الستون في معرفة سر الشريعة ظاهرا و باطنا و أي اسم إلهي
طلب الجليل من الجليل جلالافأبى الجليل يشاهد الإجلالا
لما رأى عز الإله و جودهعبد الإله يصاحب الإدلالا
و قد اطمأن بنفسه متعززامتجبرا متكبرا مختالا
أنهى إليه شريعة معصومةفأذله سلطانها إذلالا
نادى العبيد بفاقة و بذلةيا من تبارك جده و تعالى