قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السابع و الستون في معرفة لا إله إلا الله محمد رسول الله و هو ال

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
شهد الله لم يزل أزلاأنه لا إله إلا هو الله‏
ثم أملاكه بذا شهدتأنه لا إله إلا هو الله‏
و أولو العلم كلهم شهدواأنه لا إله إلا هو الله‏
ثم قال الرسول قولوا معيإنه لا إله إلا هو الله‏
أفضل ما قلته و قال بهمن قبلنا لا إله إلا هو الله‏
ما عدا الإنس كلهم شهدواأنه لا إله إلا هو الله‏

قال الله جل ثناؤه في كتابه العزيز شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ثم قال إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الْإِسْلامُ و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله‏ الحديث فقال سبحانه وَ أُولُوا الْعِلْمِ لم يقل و أولو الايمان فإن شهادته بالتوحيد لنفسه ما هي عن خبر فيكون إيمانا و لهذا الشاهد فيما يشهد به لا يكون إلا عن علم و إلا فلا تصح شهادته ثم إنه عز و جل عطف الملائكة و أولي العلم على نفسه بالواو و هو حرف يعطي الاشتراك و لا اشتراك هنا إلا في الشهادة قطعا ثم أضافهم إلى العلم لا إلى الايمان فعلمنا أنه أراد من حصل له التوحيد من طريق العلم النظري أو الضروري لا من طريق الخبر كأنه يقول‏و شهدت الملائكة بتوحيدي بالعلم الضروري من التجلي الذي أفادهم العلم و قام لهم مقام النظر الصحيح في الأدلة فشهدت لي بالتوحيد كما شهدت لنفسي و أولو العلم بالنظر العقلي الذي جعلته في عبادي ثم جاء بالإيمان بعد ذلك في الرتبة الثانية من العلماء و هو الذي يعول عليه في السعادة فإن الله به أمر و سميناه علما لكون المخبر هو الله فقال فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله و قال تعالى وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ حين قسم المراتب في آخر سورة إبراهيم من القرآن العزيز و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في الصحيح من أمات و هو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة و لم يقل هنا يؤمن فإن الايمان موقوف على الخبر و قد قال وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و قد علمنا أن لله عبادا كانوا في فترات و هم موحدون علما و ما كانت دعوة الرسل قبل رسول الله صلى الله عليه و سلم عامة فيلزم أهل كل زمان الايمان فعم بهذا الكلام جميع العلماء بتوحيد الله المؤمن منهم من حيث ما هو عالم به من جهة الخبر الصدق الذي يفيد العلم لا من جهة الايمان و غير المؤمن فالإيمان لا يصح وجوده إلا بعد مجي‏ء الرسول و الرسول لا يثبت حتى يعلم الناظر العاقل أن ثم إلها و أن ذاك الإله واحد لا بد من ذلك لأن الرسول من جنس من أرسل إليهم فلا يختص واحد من الجنس دون غيره إلا لعدم المعارض و هو الشريك فلا بد أن يكون عالما بتوحيد من أرسله و هو الله تعالى و لا بد أن يتقدمه العلم بأن هذا الإله هو على صفة يمكن أن يبعث رسولا بنسبة خاصة ما هي ذاته و حينئذ ينظر في صدق دعوى هذا الرسول أنه رسول من عند الله لامكان ذلك عنده‏ و هذه في العلم مراتب معقولة يتوقف العلم ببعضها على بعض و ليس هذا كله حظ المؤمن فإن مرتبة الايمان و هو التصديق بأن هذا رسول من عند الله لا تكون إلا بعد حصول هذا العلم الذي ذكرناه فإذا جاءت الدلالات على صدقه بأنه رسول الله لا بتوحيد مرسله حينئذ نتأهب العقلاء أولو الألباب و الأحلام و النهى لما يورده في رسالته هذا الرسول فأول شي‏ء قال في رسالته إن الله الذي أرسلني بقول لكم قولوا لا إله إلا الله فعلم أولو الألباب أن العالم بتوحيد الله لا يلزمه أن يتلفظ به فلما سمع من الرسول الأمر بالتلفظ به و أن ذلك ليس من مدلول دليل العلم بتوحيد الله تلفظ به هذا العالم الموحد إيمانا و تصديقا بهذا الرسول فإذا قال العالم لا إله إلا الله لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم له قل لا إله إلا الله عن أمر الله سمي مؤمنا فإن الرسول أوجب عليه أن يقولها و قد كان في نفسه عالما بها و مخيرا في نفسه في التلفظ بها و عدم التلفظ بها فهذه مرتبة العالم بتوحيد الله من حيث الدليل فمن مات و هو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة بلا شك و لا ريب و هو من السعداء فأما من كان في الفترات فيبعثه الله أمة وحده كقُسِّ بن ساعدة لا تابع لأنه ليس بمؤمن و لا هو متبوع لأنه ليس برسول من عند الله بل هو عالم بالله و بما علم من الكوائن الحادثة في العالم بأي وجه علمها و ليس لمخلوق أن يشرع ما لم يأذن به الله و لا أن يوجب وقوع ممكن من عالم الغيب يجوز خلافه في دليله على جهة القربة إلى الله إلا بوحي من الله و أخبار و هنا نكت لمن له قلب و فطنة لقوله تعالى وَ أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و قوله إنه أودع اللوح المحفوظ جميع ما يجريه في خلقه إلى يوم القيامة و مما أوحى الله في سماواته و أودعه في لوحه بعثة الرسل فتؤخذ من اللوح كشفا و اطلاعا و تؤخذ من السماء نظرا و اختبارا و علمهم ببعثة الرسل علمهم بما يجيئون به من القربات إلى الله و بأزمانهم و أمكنتهم و حلاهم و ما يكون من الناس بعد الموت و ما يكون منهم في البعث و الحشر و مآلهم إلى السعادة و الشقاء من جنة و نار و أن الله جعل بروج الفلك و منازله و سباحة كواكبه أدلة على حكم ما يجريه الله في العالم الطبيعي و العنصري من حر و برد و يبس و رطوبة في حار و بارد و رطب و يابس فمنها ما يقتضي وجود الأجسام في حركات معلومة و منها ما يقتضي وجود الأرواح و منها ما يقتضي بقاء مدة السموات و هو العلم الذي أشار إليه أبو طالب المكي من أن الفلك يدور بأنفاس العالم و مع رؤيتهم لذلك كله هم فيه متفاضلون بعضهم على بعض فمنهم الكامل المحقق المدقق و منهم من ينزل عن درجته بالتفاضل في النزول و قد رأينا جماعة من أصحاب خط الرمل و العلماء بتقادير حركات الأفلاك و تسيير كواكبها و الاقترانات و مقاديرها و منازل اقتراناتها و ما يحدث الله عند ذلك من الحكم في خلقه كالأسباب المعتادة في العامة التي لا يجهلها أحد و لا يكفر القائل بها فهذه أيضا معتادة عند العلماء بها فإنها تعطي بحسب تأليف طباعها مما لا يعطيه حالها في غير اقترانها بغيرها فيخبون بأمور جزئية تقع على حد ما أخبروا به و إن كان‏ذلك الأمر واقعا بحكم الاتفاق بالنظر إليه و إن كان علما في نفس الأمر فإن الناظر فيه ما هو على يقين و إن قطع به في نفسه لغموض الأمر فما يصح أن يكون مع الإنصاف على يقين من نفسه أنه ما فاتته دقيقة في نظره و لا فات لمن مهد له السبيل قبله من غير نبي يخبر عن الله فإن المتأخر على حساب المتقدم يعتمد فلما رأينا ذلك علمنا أن لله أسرارا في خلقه و من حصل في هذه المرتبة من العلم لم يكن أحد أقوى في الايمان منه بما جاءت به الرسل و ما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم من عند الله إلا من يدعو إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ كالرسول و أتباعه و إن كلامنا في المفاضلة إنما هو بين هؤلاء و بين المؤمنين أهل التقليد لا بين الرسل و أولياء الله و خاصته الذين تولى الله تعليمهم فأتاهم رحمة من عنده و علمهم من لدنه علما فهم فيما علموه بحكم القطع لا بحكم الاتفاق‏ يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم في علم الخط إن نبيا من الأنبياء بعث به قيل هو إدريس عليه السلام فأوحى الله إليه في تلك الأشكال التي أقامها الله له مقام الملك لغيره‏ و كما يجي‏ء الملك من غير قصد من النبي لمجيئه كذلك يجي‏ء شكل الخط من غير قصد الضارب صاحب الخط إليه و هذه هي الأمهات خاصة ثم شرع له أن يشرع و هي السنة التي يرى الرسول أن يضعها في العالم و أصلها الوحي كذلك ما يولد صاحب الخط عن الأمهات من الأولاد و أولاد الأولاد فتفصح له تلك الأشكال عن الأمر المطلوب على ما هو عليه و الضمير فيه كالنية في العمل فلا يخطئ قال عليه السلام في العلماء العالمين بالخط فمن وافق خطه يعني خط ذلك النبي فذاك يقول فقد أصاب الحق فهذا مثل من يدعو إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ من اتباع الرسل فقوله فإن وافق فما جعله علما عنده لكونه لا يقطع به و إن كان علما في نفس الأمر فهذا الفرق بين هؤلاء و بين من يدعو إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ و من هو عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ فاعلم العلماء بالله بعد ملائكة الله رسل الله و أولياؤه ثم العلماء بالأدلة و من دونهم و إن وافق العلم في نفس الأمر فليس هو عند نفسه بعالم للتردد الإمكانى الذي يجده في نفسه المنصف فما هو مؤمن إلا بما جاء في كتاب الله على التعيين و ما جاء عن رسوله على الجملة لا على التفصيل إلا ما حصل له من ذلك تواترا و لهذا قيل للمؤمنين آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فقد بانت لك مراتب الخلق في العلم بالله‏ فإذا جاء الرسول و بين يديه العلماء بالله و غير العلماء بالله و قال للجميع قولوا لا إله إلا الله‏ علمنا على القطع أنه صلى الله عليه و سلم في ذلك القول معلم لمن لا علم له بتوحيد الله من المشركين و علمنا أنه في ذلك القول أيضا معلم للعلماء بالله و توحيده إن التلفظ به واجب و أنه العاصم لهم من سفك دمائهم و أخذ أموالهم و سبي ذراريهم و لهذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحق الإسلام و حسابهم على الله‏ و لم يقل حتى يعلموا فإن فيهم العلماء فالحكم هنا للقول لا للعلم و الحكم يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ في هذا للعلم لا للقول فقالها هنا العالم و المؤمن و المنافق الذي ليس بعالم و لا مؤمن فإذا قالوا هذه الكلمة عصموا دماءهم و أموالهم إلا بحقها في الدنيا و الآخرة و حسابهم على الله في الآخرة من أجل المنافق و من ترتب عليه حق لأحد فلم يؤخذ منه و أما في الدنيا فمن أجل الحدود الموضوعة فإن قول لا إله إلا الله لا يسقطها في الدنيا و لا في الآخرة و أما حسابهم على الله في الآخرة يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ فيعلمون بقرينة الحال أنه سؤال و استفهام عن إجابتهم بالقلوب فيقولون لا عِلْمَ لَنا أي لم نطلع على القلوب إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ تأكيد و تأييد لما ذكرنا ثم قال صلى الله عليه و سلم من اسمه الملك بنى الإسلام على خمس فصيره ملكا شهادة أن لا إله إلا الله و هي القلب و أن محمدا رسول الله حاجب الباب و إقام الصلاة المجنبة اليمنى و إيتاء الزكاة المجنبة اليسرى و صيام رمضان التقدمة و الحج الساقة و ربما كانت الصلاة التقدمة لكونها نورا فهي تحجب الملك‏ و قد ورد في الخبر أن حجابه النور و تكون الزكاة الميمنة لأنها إنفاق يحتاج إلى قوة لإخراج ما كان يملكه عن ملكه و يكون الحج الميسرة لما فيه من الإنفاق و القرابين حيث تجتمع بالزكاة في الصدقة و الهدية و كلاهما من أعمال الأيدي و يكون الصوم في الساقة فإن الخلف نظير الأمام و هو ضياء فإن الصبر ضياء يريد الصوم و الضياء من النور فهو أولى بالساقة للموازنة فإن الآخر يمشي على أثر الأول و هكذا يكون الايمان الإلهي يوم القيامة فيأتي الايمان يوم القيامة في صورة ملك على هذه الصفة فأهل لا إله إلا الله في القلب و أهل الصلاة في التقدمة و أهل الزكاة و هي الصدقة في الميمنة و أهل الحج في الميسرة و أهل الصيام في الساقة جعلنا الله ممن قام بناء بيته على هذه القواعدفكان بيته الايمان و حده من القبلة الصلاة و من الشمال الصوم و من الغرب صدقة السر و من الشرق الحج فلقد سعد ساكنه‏ و اعلم أن لا إله إلا الله كلمة نفي و إثبات و هي أفضل كلمة قالتها الأنبياء قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة فيه إشارة لدعاء العارفين بالله و أفضل ما قلته أنا و النبيون من قبلي لا إله إلا الله‏ و هو حديث صحيح رواية و معنى فالنفي لا بد أن يرد على ثابت فينفيه فإنه إن ورد النفي على ما ليس بثابت و هو النفي أثبته لأن ورود النفي على النفي إثبات كما إن عدم العدم وجود فما نفى هذا النافي بقوله لا إله أخبرونا فقد استفهمناكم و المثبت أيضا هل حكمه حكم المنفي من أنه لا يثبت إلا المنفي أو حكمه حكم آخر يتميز به عن حكم النفي فأي شي‏ء نفى هذا النافي و أي شي‏ء أثبت هذا المثبت هذا كله لا بد من تحقيقه إن شاء الله فاعلم إن النفي ورد على أعيان من المخلوقات لما وصفت بالألوهية و نسبت إليها و قيل فيها آلهة و لهذا تعجب من تعجب من المشركين لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الله الواحد فأخبرنا الله عنه أنه قال أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ فسموها آلهة و هي ليست بهذه الصفة فورد حكم النفي على هذه النسبة الثابتة عندهم إليها لا في نفس الأمر لا على نفي الألوهية لأنه لو نفى النفي لكان عين الإثبات لما زعمه المشرك فكأنه يقول للمشرك هذا القول الذي قلت لا يصح أي ما هو الأمر كما زعمت و لا بد من إله و قد انتفت الكثرة من الآلهة بحرف الإيجاب الذي هو قوله إلا و أوجبوا هذه النسبة إلى المذكور بعد حرف الإيجاب و هو مسمى الله فقالوا لا إله إلا الله فلم تثبت نسبة الألوهة لله بإثبات المثبت لأنه سبحانه إله لنفسه فأثبت المثبت بقوله إلا الله هذا الأمر في نفس من لم يكن يعتقد انفراده سبحانه بهذا الوصف فإن ثبت الثبت محال و ليس نفي المنفي بمحال فعلى الحقيقة ما عبد المشرك إلا الله لأنه لو لم يعتقد الألوهة في الشريك ما عبده وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ و لذلك غار الحق لهذا الوصف فعاقبهم في الدنيا إذ لم يحترموه و رزقهم و سمع دعاءهم و أجابهم إذا سألوا إلههم في زعمهم لعلمه سبحانه أنهم ما لجئوا إلا لهذه المرتبة و إن أخطئوا في النسبة فشقوا في الآخرة شقاء الأبد حيث نبههم الرسول على توحيد من تجب له هذه النسبة فلم ينظروا و لا نصحوا نفوسهم و لهذا كانت دلالة كل رسول بحسب ما كان الغالب على أهل زمانه لتقوم عليهم الحجة فتكون لله الحجة البالغة فعمت هذه الكلمة مرتبة العدم و الوجود فلم تبق مرتبة إلا و هي داخلة تحت النفي و الإثبات فلها الشمول فمن قائل لا إله إلا الله بنفسه و من قائل لا إله إلا الله بنعته و من قائل لا إله إلا الله بربه و من قائل لا إله إلا الله بنعت ربه و من قائل لا إله إلا الله بحاله و من قائل لا إله إلا الله بحكمه و هو المؤمن خاصة و الخمسة الباقون ما لهم في الايمان مدخل أما من قال لا إله إلا الله بنفسه فهو الذي قالها من تجليه لنفسه فرأى استفادة وجوده من غيره فأعطته رؤية نفسه أن يقول لا إله إلا الله و هو التوحيد الذاتي الذي أشارت إليه طائفة من المحققين و أما القائل لا إله إلا الله بنعته فهو الذي وحده بعلمه فإن نعته العلم بتوحيد الله و أحديته فنطقه علمه و الفرق بينه و بين الأول أن الأول عن شهود و هذا الثاني عن وجود و الوجود قد يكون عن شهود و قد لا يكون و أما القائل لا إله إلا الله بربه فهو الذي رأى أن الحق عين الوجود لا أمر آخر و أن اتصاف الممكنات بالوجود هو ظهور الحق لنفسه بأعيانها و ذلك أن استفادتها الوجود لها من الله إنما هو من حيث وجوده فإن الوجود المستفاد و هو الظاهر و هو عين الحكم به على هذه الأعيان فقال لا إله إلا الله بربه و أما القائل لا إله إلا الله بنعت ربه فإنه رأى أن الحق سبحانه من حيث أحديته و ذاته ما هو مسمى الله و الرب فإنه لا يقبل الإضافة و رأى أن مسمى الرب يقتضي المربوب و مسمى الله يطلب المألوه و رأى أنهم لما استفادوا منه الوجود ثبت له اسم الرب إذ كان المربوب يطلبه فالمربوب أصل في ثبوت الاسم الرب و وجود الحق أصل في وجود الممكنات و رأى أن لا إله إلا الله لا تطلبه عين الذات فقال لا إله إلا الله بنعت الرب الذي نعته به المربوب فالعلم بنا أصل في علمنا به‏ يقول عليه السلام من عرف نفسه عرف ربه‏ فوجودنا موقوف على وجوده و العلم به موقوف على العلم بنا فهو أصل في وجه و نحن أصل في وجه و أما القائل لا إله إلا الله بحاله فهو الذي يستند في أموره إلى غير الله فإذا لم يتفق له حصول ما طلب تحصيله ممن استند إليه و سدت الأبواب في وجهه من جميع الجهات رجع إلى الله اضطرارا فقال لا إله إلا الله بحاله و هؤلاء الأصناف كلهم لا يتصفون بالإيمان لأنه ما فيهم من قالها عن تقليد و أما من قال لا إله إلا الله بحكمه فهو الذي قالها لقول الشارع حيث‏أوجب عليه أن يقولها و حكم عليه أن يقولها و لو لا هذا الحكم ما قالها على جهة القربة إلى الله و ربما لو قالها قالها معلما أو معلما دخلت على شيخنا أبي العباس العريبي من أهل العليا و كان مستهترا بذكر الاسم الله لا يزيد عليه شيئا فقلت له يا سيدي لم لا تقول لا إله إلا الله فقال لي يا ولدي الأنفاس بيد الله ما هي بيدي فأخاف أن يقبض الله روحي عند ما قول لا له فأقبض في وحشة النفي و سألت شيخنا آخر عن ذلك فقال لي ما رأت عيني و لا سمعت أذني من يقول أنا الله غير الله فلم أجد من أنفى فأقول كما سمعته يقول الله الله و إنما تعبدنا بهذا الاسم في التوحيد لأنه الاسم الجامع المنعوت بجميع الأسماء الإلهية و ما نقل إنه وقعت من أحد من المعبودين فيه مشاركة بخلاف غيره من الأسماء مثل إله و غيره و بهذا القدر من القول إذا قيل لقول الشارع يثبت الايمان و إنما قال الشارع حتى يقولوا لا إله إلا الله و لم يقل محمد رسول الله لتضمن هذه الشهادة بالتوحيد الشهادة بالرسالة فإن القائل لا إله إلا الله لا يكون مؤمنا إلا إذا قالها لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا قالها لقوله فهو عين إثبات رسالته فلما تضمنت هذه الكلمة الخاصة الشهادة بالرسالة لهذا لم يقل قولوا محمد رسول الله و قال في غير القول و هو الايمان و الايمان معنى من المعاني ما هو مما يدرك بالحس فقرن بالإيمان بالله الايمان به و بما جاء به يعني من عنده مما له أن يشرعه من غير نقل عن الله‏ فقال في حديث ابن عمر لما ذكر الايمان بالله و بالصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و كل هذا جاء من عند الله قال في حديث ابن عمر أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله و يؤمنوا بي و بما جئت به‏ من أجل المنافق المقلد فإنه يقولها من غير إيمان بقلبه و لا اعتقاد و الجاحد المنافق يقولها لا لقوله مع علمه بأنه رسول الله من كتابه لا من دليله العقلي‏ و اعلم أن التلفظ بشهادة الرسالة المقرونة بشهادة التوحيد فيه سر إلهي عرفنا به الحق سبحانه و هو أن الإله الواحد الذي جاء بوصفه و نعته الشارع ما هو التوحيد الإلهي الذي أدركه العقل فإن ذلك لا يقبل اقتران الشهادة بالرسالة مع الشهادة بالتوحيد فهذا التوحيد من حيث ما يعلمه الشارع ما هو التوحيد من حيث ما أثبته النظر العقلي و إذا كان الإله الذي دعانا الشرع إلى عبادته و توحيده إنما هو في رتبة كونه إلها لا في ذاته صح أن تنعته بما نعته به من النزول و الاستواء و المعية و التردد و التدبر و ما أشبه ذلك من الصفات التي لا يقبلها توحيد العقل المحض المجرد عن الشرع فهذا المعبود ينبغي أن تقرن شهادة الرسول برسالته بشهادة توحيد مرسله و لهذا يضاف إليه فيقال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله كل يوم ثلاثين مرة في أذان الخمس الصلوات و في الإقامة و المتلفظون بهذه الشهادة الرسالية التفصيل فيهم كالتفصيل في شهادة التوحيد فلنمش بها على ذلك الأسلوب من المراتب‏ و في الايمان بالله و برسوله الايمان بكل ما جاء به من عند الله و من عنده مما سنه و شرعه و يدخل فيما سنه الايمان بسنة من سن سنة حسنة فاستمر الشرع و حدوث العبادة المرغب فيها مما لا ينسخ حكما ثابتا إلى يوم القيامة و هذا الحكم خاص بهذه الأمة و أعني بالحكم تسميتها سنة تشريفا لهذه الأمة و كانت في حق غيرهم من الأمم السالفة تسمى رهبانية قال تعالى وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها فمن قال بدعة في هذه الأمة مما سماها الشارع سنة فما أصاب السنة إلا أن يكون ما بلغه ذلك و الاتباع أولى من الابتداع و الفرق بين الاتباع و الابتداع معقول و لهذا جنح الشارع إلى تسميتها سنة و ما سماها بدعة لأن الابتداع إظهار أمر على غير مثال هذا أصله و لهذا قال الحق تعالى عن نفسه بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أي موجدها على غير مثال سبق فلو شرع الإنسان اليوم أمرا لا أصل له في الشرع لكان ذلك إبداعا و لم يكن يسوغ لنا الأخذ به فعدل الشارع عن لفظ الابتداع إلى لفظ السنة إذ كانت السنة مشروعة و قد شرع الله لمحمد صلى الله عليه و سلم الاقتداء يهدي الأنبياء عليهم السلام وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الثلاثون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)