قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثامن و الستون في أسرار الطهارة)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
تبصر ترى سر الطهارة واضحايسيرا على أهل التيقظ و الذكاء
فكم طاهر لم يتصف بطهارةإذا جانب البحر اللدني و احتمى‏
و لو غاص في البحر الأجاج حياتهو لم يفن عن بحر الحقيقة ما زكا
إذا استجمر الإنسان وترا فقد مشىعلى السنة المثلى حليفا لمن مضى‏
فإن شفع استجماره عاد خاسراو فارق من يهواه من باطن الردا
و إن غسل الكفين وترا و لم يزلبخيلا بما يهوى على فطرة الأولى‏
فما غسلت كف خضيب و معصم إذا لم يلح سيف التوكل منتضى‏
إذا صح غسل الوجه صح حياؤهو صح له رفع الستور متى يشأ
و إن لم يمس الماء لمة رأسهو لا وقفت كفاه في ساحة القفا
فما انفك من رق العبودية التيتسخرها الأغيار في منزل التوي‏
و إن لم ير الكرسي في غسل رجلهتناقص معنى الطهر للحين و انتفى‏
إذا مضمض الإنسان فاه و لم يكنبريئا من الدعوى وفيا بما أدعي‏
و مستنشق ما شم ريح اتصالهو مستنثر أودى به كبره الردي‏
صماخاه ما تنفك تطهر إن صغاإلى أحسن الأقوال و اكتف و اقتفى‏
و إن لبس الجرموق و هو مسافرعلى طهره يمسح و في سره خفا
ثلاثة أيام و إن كان حاضرابمنزله فالمسح يوم بلا قضا
و في المسح سر لا أبوح بذكرهو لو قطعت مني المفاصل و الكلي‏
و يتلوه مسح في الجبائر بينلكل مريد لم يرد ظاهر الدنا
و إن عدم الماء القراح فإنهتيممه يكفيه من طيب الثرى‏
و يوتره وجها و كفا فإن أبيو صيره شفعا فنعم الذي أتى‏
إذا أجنب الإنسان علم طهورهكما عمت اللذات أجزاءه العلى‏
أ لم تر أن الله نبه خلقهبإخراجه بين الترائب و المطا
فذاك الذي أجنى عليه طهورهو لو غاب بالذات النزيهة ما جنا
فإن نسي الإنسان ركنا فإنهيعيد و يقضي ما تضمن و احتوى‏
و إن لم يكن ركنا و عطل سنةفلم يأنس الزلفى و ما بلغ المنى‏
و ذلك في كل العبادات شائعو ليس جهول بالأمور كمن دري‏
فهذا طهور العارفين فإن تكنمن أحزابهم تحظى بتقريب مصطفى‏
إذا كان هذا ظاهر الأمر فالذيتوارى عن الأبصار أعظم منتشى‏

اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أنه لما كانت الطهارة النظافة علمنا أنها صفة تنزيه و هي معنوية و حسية طهارة قلب و طهارة أعضاء معينة فالمعنوية طهارة النفس من سفساف الأخلاق و مذمومها و طهارة العقل من دنس الأفكار و الشبه و طهارة السر من النظر إلى الأغيار و طهارة الأعضاء فاعلم إن لكل عضو طهارة معنوية ذكرناها في كتاب التنزلات الموصلية في أبواب الطهارة منه و طهارة الحس من الأمور المستقذرة التي تستخبثها النفوس طبعا و عادة و هاتان الطهارتان مشروعتان‏ فالطهارة الحسية الظاهرة نوعان النوع الواحد قد ذكرناه و هو النظافة و النوع الآخر أفعال معينة مخصوصة في محال معينة مخصوصة لأحوال موجبة مخصوصة لا يزاد فيها و لا ينقص منها شرعا و لهذه الطهارة المذكورة ثلاثة أسماء شرعا وضوء و غسل و تيمم و تكون هذه الطهارة بثلاثة أشياء اثنان مجمع عليهما و واحد مختلف فيه فالمجمع عليهما الماء الطلق و التراب سواء فارق الأرض أ و لم يفارقها و الواحد المختلف فيه في الوضوء خاصة نبيذ التمرو ما فارق الأرض مما ينطلق عليه اسم الأرض إذا كان في الأرض فإنه مختلف فيه ما عدا التراب كما ذكرنا و هذه الطهارة قد تكون عبادة مستقلة كما قال صلى الله عليه و سلم فيها نُورٌ عَلى‏ نُورٍ و قد تكون شرطا في صحة عبادة مشروعة مخصوصة لا تصح تلك العبادة شرعا إلا بوجودها أو الأفضلية فالأول كالوضوء على الوضوء نور على نور و الثاني لرفع المانع عن فعل العبادة التي لا تصح لا بهذه الطهارة و استباحة فعلها و هو الأصل في تشريعها و مما تقع به هذه الطهارة ما يكون رافعا للمانع مبيحا للفعل معا و هو الماء بلا خلاف و نبيذ التمر في الوضوء بخلاف و منه ما تقع به الإباحة للفعل المعين في الوقت المفروض وقوعه و لا يرفع المانع بخلاف و هو التراب و عندي إنه يرفع المانع في الوقت و لا بد و كون الشارع حكم بالطهارة إذا وجد الماء حكم آخر منه كما عاد حكم المانع بعد ما كان ارتفع و ما عدا التراب مما فارق الأرض بخلاف قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ بنصف اللام و خفضه إلى الكعبين وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ من الْغائِطِ (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ من حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ‏ و قال تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ من السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ به وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ و زاى الرجز هنا بدل من السين على قراءة من قرأ الزراط بالزاي و هي لغة قرأ ابن كثير بها أعني بالسين و حمزة بالزاي و باقي القراء بالصاد سمعت شيخا و كنت أقرأ عليه القرآن يقال له محمد بن خلف بن صاف اللخمي بمسجده المعروف به بقوس الحنية بإشبيلية من بلاد الأندلس سنة ثمان و سبعين و خمسمائة فقرأت السراط بالسين لابن كثير فقال لي سأل بعض ناقلي اللغة بعض الأعراب كيف تقولون صقر أو سقر فقال له ما أدري ما تقول و لكنني أظنك تسأل عن الزفر فقال فزادني لغة ثالثة ما كنت أعرفها قال الفراء الرجس القذر و لا شك أن الماء يزيل القذر و الطهور الشرعي يذهب قدر الشيطان قال تعالى وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال إمرؤ القيس‏

و إن كنت قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل‏

فكنى بالثوب عن الود و الوصلة و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في خبر عن ربه سبحانه ما وسعني أرضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن‏ و من أسمائه سبحانه الْمُؤْمِنُ فمن تخلق به فقد طهر قلبه لأن القلب محل الايمان و كانت السعة الإلهية و التجلي الرباني‏ (و الطهارة عامة) و هي الغسل للفناء الذي عم ذاته لوجود اللذة بالكون عند الجماع‏ أريها السهى و تريني القمر (و خاصة) و هي الوضوء المخصص بعض الأعضاء بالاغتسال و المسح و هو تنبيه على مقامات معلومة و تجليات شريفة منها القوة و الكلام و الأنفاس و الصدق و التواضع و الحياء و السماع و الثبات فهذه أعضاء الوضوء و هي مقامات شريفة لها نتائج في القرب إلى الله‏ و هذه الطاهرة الروحانية بأحد أمرين إما سر الحياة أو بأصل النش‏ء الطبيعي العنصري فالوضوء بسر الحياة لمشاهدة الحي القيوم أو بأصل النش‏ء في الأب الذي هو أصل الأبناء و هو الأرض و التراب و ليس إلا النظر و التفكر في ذاتك لتعرف من أوجدك فإنه أحالك عليك في قوله تعالى وَ في أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ و في‏ قول رسوله صلى الله عليه و سلم من عرف نفسه عرف ربه‏ أحالك عليك بالتفصيل و أخفاك عنك بالإجمال لتنظر و تستدل فقال في التفصيل وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ و هو آدم عليه السلام هنا ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ و هي نشأة الأبناء في الأرحام مساقط النطف و مواقع النجوم فكنى عن ذلك بالقرار المكين ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً و قد تم البدن على التفصيل فإن اللحم يتضمن العروق و الأعصاب‏

و في كل طور له آية تدل على إنني مفتقر

ثم أجمل خلق النفس الناطقة الذي هو بها إنسان في هذه الآية فقال ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ عرفك بذلك أن المزاج لا أثر له في لطيفتك و إن لم يكن نصا لكن هو ظاهر و أبين منه قوله فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ و هو ما ذكره في التفصيل من التقلب في الأطوار فقال في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ فقرنه بالمشيئة فالظاهر أنه لو اقتضى المزاج روحا خاصا معينا ما قال‏في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ و أي حرف نكرة مثل حرف ما فإنه حرف يقع على كل شي‏ء فأبان لك أن المزاج لا يطلب صورة بعينها و لكن بعد حصولها تحتاج إلى هذا المزاج و ترجع به فإنه بما فيه من القوي التي لا تدبره إلا بها فإنه بقواه لها كالآلات لصانع النجارة أو البناء مثلا إذا هيئت و أتقنت و فرغ منها تطلب بذاتها و حالها صانعا يعمل بها ما صنعت له و ما تعين زيدا و لا عمرا و لا خالدا و لا واحدا بعينه فإذا جاء من جاء من أهل الصنعة مكنته الآلة من نفسها تمكينا ذاتيا لا تتصف بالاختيار فيه فجعل يعمل بها صنعته بصرف كل آلة لما هيئت له فمنها مكملة و هي المخلقة يعني التامة الخلقة و منها غير مكملة و هي غير المخلقة فينقص العامل من العمل على قدر ما نقص من جودة الآلة ذلك ليعلم أن الكمال الذاتي لله سبحانه فبين لك الحق مرتبة جسدك و روحك لتنظر و تفتكر فتعتبر أن الله ما خلقك سدى و إن طال المدى‏ و أما القصد الذي هو النية شرط في صحة هذا النظر بخلاف قال تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً أي اقصدوا التراب الذي ما فيه ما يمنع من استعماله في هذه العبادة من نجاسة و لم يقل ذلك في طهارة الماء فإنه أحال على الماء المطلق لا المضاف فإن الماء المضاف مقيد بما أضيف إليه عند العرب فإذا قلت للعربي أعطني ما جاء إليك بالماء الذي هو غير مضاف ما يفهم العرب منه غير ذلك و ما أرسل رسول و لا أنزل كتاب إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ‏ يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما أنزل القرآن بلساني لسان عربي مبين‏ يقول تعالى إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فلهذا لم يقل بالقصد في الماء لأنه سر الحياة فيعطي الحياة بذاته سواء قصد أم لم يقصد بخلاف التراب فإنه إن لم يقصد الصعيد الطيب فليس بنافع لأنه جسد كثيف لا يسرى فروحه القصد فإن القصد معنى روحاني فافتقر المتيمم للقصد الخاص في التراب أو الأرض بخلاف أيضا و لم يفتقر المتوضئ بالماء بخلاف فقال اغسلوا و لم يقل تيمموا ماء طيبا فإن قالوا إنما الأعمال بالنيات و هي القصد و الوضوء عمل قلنا سلمنا ما تقول و نحن نقول به و لكن النية هنا متعلقها العمل لا الماء و الماء ما هو العمل و القصد هنالك للصعيد فيفتقر الوضوء بهذا الحديث للنية من حيث ما هو عمل لا من حيث ما هو عمل بماء فالماء هنا تابع للعمل و العمل هو المقصود بالنية و هنالك القصد للصعيد الطيب و العمل به تبع يحتاج إلى نية أخرى عند الشروع في الفعل كما يفتقر العمل بالماء في الوضوء و الغسل و جميع الأعمال المشروعة إلى الإخلاص المأمور به و هو النية بخلاف قال تعالى وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و في هذه الآية نظر و هذه مسألة ما حققها الفقهاء على الطريقة التي سلكنا فيها و في تحقيقها فافهم و لم يقل في الماء تيمموا الماء فيفتقر إلى روح من النية و الماء في نفسه روح فإنه يعطي الحياة من ذاته قال تعالى وَ جَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ فإن كل شي‏ء يسبح بحمد الله و لا يسبح إلا حي فالماء أصل الحياة في الأشياء و لهذا وقع الخلاف بين علماء الشريعة في النية في الوضوء هل هي شرط في صحته أو ليست بشرط في صحته و السر ما ذكرناه فإن قيل إن الإمام الذي لا يرى النية في الوضوء يراها في غسل الجنابة و كلا العبادتين بالماء و هو سر الحياة فيهما قلنا لما كانت الجنابة ماء و قد اعتبر الشرع الطهارة منها لدنس حكمي فيها لامتزاج ماء الجنابة بما في الأخلاط و كون الجنابة ماء مستحيلا من دم فشاركت الماء في سر الحياة فتمانعا فلم يقو الماء وحده على إزالة حكم الجنابة لما ذكرنا فافتقر إلى روح مؤيد له عند الاغتسال فاحتاج إلى مساعدة النية فاجتمع حكم النية و هي روح معنوي و حكم الماء فازالا بالغسل حكم الجنابة بلا شك كأبي حنيفة و من قال بقوله في هذه المسألة و من راعى كون ماء الجنابة لا يقوى قوة الماء المطلق لأنه ماء استحال من دم كماء الجنابة إلى ممازجته بالأخلاط و مفارقته إياه بالكثافة و اللونية قال قد ضعف ماء الجنابة عن مقاومة الماء المطلق فلم يفتقر عنده إلى نية كالحسن بن حي و المخالف لهما من العلماء ما تفطنوا لما رأياه هذان الإمامان و من ذهب مذهبهما فاجعل بالك لما بينته لك و رجح ما شئت‏ (وصل) و بعد أن تحققت هذا فاعلم إن الماء ماءان ماء ملطف مقطر في غاية الصفاء و التخليص و هو ماء الغيث فإنه ماء مستحيل من أبخرة كثيفة قد أزال التقطير ما كان تعلق به من الكثافة و ذلك هو العلم الشرعي اللدني فإنه عن رياضة و مجاهدة و تخليص فطهر به ذاتك لمناجاة ربك و الماء الآخر ماء لم يبلغ في للطافة هذا المبلغ و هو ماء العيون و الأنهار فإنه ينبع من الأحجار ممتزجا بحسب البقعة التي ينبع بها و يجري عليها فيختلف طعمه فمنه عَذْبٌ فُراتٌ و منه مِلْحٌ أُجاجٌ و منه مر زعاق‏ و ماء الغيث على حالة واحدة ماء نمير خالص سلسال سائغ شرابه و هذه علوم الأفكار الصحيحة و العقول فإن علوم العقل المستفادة من الفكر يشوبها التغير لأنها بحسب مزاج المتفكر من العقلاء لأنه لا ينظر إلا في مواد محسوسة كونية في الخيال و على مثل هذا تقوم براهينها فتختلف مقالاتهم في الشي‏ء الواحد أو تختلف مقالة الناظر الواحد في الشي‏ء الواحد في أزمان مختلفة لاختلاف الأمزجة و التخليط و الأمشاج الذي في نشأتهم فاختلفت أقاويلهم في الشي‏ء الواحد و في الأصول التي يبنون عليها فروعهم و العلم اللدني الإلهي المشروع ذو طعم واحد و إن اختلفت مطاعمه فما اختلفت في الطيب فطيب و أطيب فهو خالص ما شابه كدر لأنه تخلص من حكم المزاج الطبيعي و تأثير المنابيع فيه فكانت الأنبياء و الأولياء و كل مخبر عن الله على قول واحد في الله إن لم يزد فلا ينقص و لا تخالف يصدق بعضهم بعضا كما لم يختلف ماء السماء حال النزول فليكن اعتمادك و طهورك في قلبك بمثل هذا العلم و ليس إلا العلم بالشرع المشبه بماء الغيث و إن لم تفعل فما نصحت نفسك و تكون في ذاتك و طهورك بحسب ما تكون البقعة التي نبع منها ذلك الماء فإن فرقت بين عذبه و ملحه فاعلم إنك سليم الحاسة و هذه مسألة لم أجد أحدا نبه عليها فإن آكل السكر بالحلاوة في السكر كذلك و في مرارة الصبر ليس بصحيح و لا يقتضيه الدليل العقلي و قد نبهناك إن تنبهت فانظر ثم يا وليي استدرك استعمال علوم الشريعة في ذاتك و علوم الأولياء و العقلاء الذين أخذوها عن الله بالرياضات و الخلوات و المجاهدات و الاعتزال عن فضول الجوارح و خواطر النفوس و إن لم تفرق بين هذه المياه فاعلم إنك سيئ المزاج قد غلب عليك خلط من أخلاطك فما لنا فيك من حيلة إلا أن يتدارك الله برحمته نفسك‏ فإذا استعملت من ماء هذه العلوم في طهارتك ما دللتك عليه و هو العلم المشروع طهرت صفاتك و روحانيتك به كما طهرت أعضاءك بالماء و نظفتها فأول طهارتك غسل يديك قبل إدخالهما في الإناء عند قيامك من نوم الليل بلا خلاف و وجوب غسلهما من نوم النهار بخلاف و اليد محل القوة و التصريف فطهورهما بعلم لا حول في اليسرى و لا قوة إلا بالله العلي العظيم في اليمنى و اليدان محل القبض و الإمساك بخلا و شحا فطهر هما بالبسط و الإنفاق كرما و جودا و سخاء و نوم الليل غفلتك عن علم عالم غيبك و نوم النهار غفلتك عن علم عالم شهادتك فهذا عين تخلقك و تحققك بعالم الغيب و الشهادة من الأسماء الحسنى المضافة ثم بعد هذا الاستنجاء و الاستجمار و الجمع بينهما أفضل من الإفراد فهما طهارتان نور في نور مرغب فيهما سنة و قرآنا فإن استنجيت و هو استعمال الماء في طهارة السوأتين لما قام بهما من الأذى و هما محل الستر و الصوم كما هما محل إخراج الخبث و الأذى القائم بباطنك و هو ما تعلق بباطنك من الأفكار الرديئة و الشبه المضلة كما ورد في الصحيح أن الشيطان يأتي إلى الإنسان في قلبه فيقول له من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول فمن خلق الله فطهارة هذا القلب من هذا الأذى ما قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم الاستعاذة و الانتهاء و هما عورتان أي مائلتان إلى ما يوسوس به نفسه من الأمور القادحة في الدين أصلا و فرعا فإن الدبر هو الأصل في الأذى فإنه ما وجد إلا لهذا و الفرجان الآخران في الرجل و المرأة فرعان عن هذا الأصل ففيهما وجه إلى الخير و وجه إلى الشر و هو النكاح و السفاح أ لا ترى النجاسة إذا وردت على الماء القليل أثرت فيه فلم يستعمل و إذا ورد الماء على النجاسة أذهب حكمها كذلك الشبه إذا وردت على القلوب الضعيفة الايمان الضعيفة الرأي أثرت فيها و إذا وردت على البحر استهلكت فيه كذلك القلوب القوية المؤيدة بالعلم و روح القدس كذلك الشبه إذا جاء بها شيطان الإنس و الجن إلى المتضلع من العلم الإلهي الريان منه قلب عينها و عرف كيف يرد نحاسها ذهبا و قزديرها فضة بإكسير العلم اللدني الذي عنده من عناية الرحمة الإلهية التي أتاه الله بها و عرف وجه الحق منها و آثر فيها فهذا سر الاستنجاء الروحاني‏ فإن استجمر هذا المتوضئ و لم يستنج فاعلم إن ذلك طهور المقلد فإن الجمرة الجماعة و يد الله مع الجماعة و لا يأكل الذئب إلى القاصية و هي التي بعدت عن الجماعة و خرجت عنها و ذلك مخالفة الإجماع و الاستجمار معناه جمع أحجار أقلها ثلاثة إلى ما فوقها من الأوتار لأن الوتر هو الله فلا يزال الوتر مشهودك و الوتر طلب الثأر و هو هنا ما ألقاه الشيطان من الشبه في إيمانك فتجمع الأحجار للإنقاء من ذلك الخبث القائم بالعضو فالمقلد إذا وجد شبهة في نفسه هرب إلى الجماعة أهل السنة فإن يد الله كما جاء مع الجماعة و يد الله تأييده و قوته و قد نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن مفارقة الجماعة و لهذا قام‏الإجماع في الدلالة على الحكم المشروع مقام النص من الكتاب أو السنة المتواترة التي تفيد العلم فهذا يكون استجمارك في هذه الطهارة ثم مضمض بالذكر الحسن لتزيل به الذكر القبيح من النميمة و الغيبة و الجهر بالسوء من القول فلتكن مضمضتك بالتلاوة و ذكر الله و إصلاح ذات البين و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر قال تعالى لا يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوءِ من الْقَوْلِ و قال مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ و قال لا خَيْرَ في كَثِيرٍ من نَجْواهُمْ إِلَّا من أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ و ما أشبه ذلك فهذه طهارة فيك و قد فتحت لك الباب فاجر في وضوئك و غسلك و تيممك في أعضائك على هذا الأسلوب فهو الذي طلبه الحق منك و قد استوفينا الكلام على هذه الطهارة في التنزلات الموصلية فانظرها هنالك نثرا و نظما و قد رميت بك على الطريق‏ و لتصرف هذه الطهارة بكمالها في كل مكلف منك فإن كل مكلف منك مأمور بجميع العبادات كلها من طهور و صلاة و زكاة و صيام و حج و جهاد و غير ذلك من الأعمال المشروعة و كل مكلف فيك تصرفه في هذه العبادات بحسب ما تطلبه حقيقته لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا ما آتاها و قد أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ أي بين كيف تستعمله فيها و هم ثمانية أصناف لا يزيدون لكن قد ينقصون في بعض الأشخاص و هم العين و الأذن و اللسان و اليد و البطن و الفرج و الرجل و القلب لا زائد في الإنسان عليهم لكن قد ينقصون في بعض أشخاص هذا النوع الإنساني كالأكمه و الأخرس و الأصم و أصحاب العاهات فمن بقي من هؤلاء المكلفين منك فالخطاب يترتب عليه‏ و من خطاب الشارع تعلم جميع ما يتعلق بكل عضو من هؤلاء الأعضاء من لتكاليف و هم كالآلة للنفس المخاطبة المكلفة بتدبير هذا البدن و أنت المسئول عنهم في إقامة العدل فيهم فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا انقطع شسع نعله خلع الأخرى حتى يعدل بين رجليه و لا يمشي في نعل واحد و قد بيناها بكمالها و ما لها من الأنوار و الكرامات و المنازل و الأسرار و التجليات في كتابنا المسمى مواقع النجوم ما سبقنا في علمنا في هذا الطريق إلى ترتيبه أصلا و قيدته في أحد عشر يوما في شهر رمضان بمدينة المرية سنة خمس و تسعين و خمسمائة يغني عن الأستاذ بل الأستاذ محتاج إليه فإن الأستاذين فيهم العالي و الأعلى و هذا الكتاب على أعلى مقام يكون الأستاذ عليه ليس وراءه مقام في هذه الشريعة التي تعبدنا بها فمن حصل لديه فليعتمد بتوفيق الله عليه فإنه عظيم المنفعة و ما جعلني أن أعرفك بمنزلته إلا أني رأيت الحق في النوم مرتين و هو يقول لي أنصح عبادي و هذا من أكبر نصيحة نصحتك بها و الله الموفق و بيده الهداية و ليس لنا من الأمر شي‏ء و لقد صدق الكذوب إبليس رسول الله صلى الله عليه و سلم حين اجتمع به فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ما عندك فقال إبليس لتعلم يا رسول الله أن الله خلقك للهداية و ما بيدك من الهداية شي‏ء و إن الله خلقني للغواية و ما بيدي من الغواية شي‏ء لم يزده على ذلك و انصرف و حالت الملائكة بينه و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم‏ (وصل) و بعد أن نبهتك على ما نبهتك عليه مما تقع لك به الفائدة فاعلم أن الله خاطب الإنسان بجملته و ما خص ظاهره من باطنه و لا باطنه من ظاهره فتوفرت دواعي الناس أكثرهم إلى معرفة أحكام الشرع في ظواهرهم و غفلوا عن الأحكام المشروعة في بواطنهم إلا القليل و هم أهل طريق الله فإنهم بحثوا في ذلك ظاهرا و باطنا فما من حكم قرروه شرعا في ظواهرهم إلا و رأوا أن ذلك الحكم له نسبة إلى بواطنهم أخذوا على ذلك جميع أحكام الشرائع فعبدوا الله بما شرع لهم ظاهرا و باطنا ففازوا حين خسر الأكثرون و نبغت طائفة ثالثة ضلت و أضلت فأخذت الأحكام الشرعية و صرفتها في بواطنهم و ما تركت من حكم الشريعة في الظواهر شيئا تسمى الباطنية و هم في ذلك على مذاهب مختلفة و قد ذكر الإمام أبو حامد في كتاب المستظهري له في الرد عليهم شيئا من مذاهبهم و بين خطأهم فيها و السعادة إنما هي مع أهل الظاهر و هم في الطرف و النقيض من أهل الباطن و السعادة كل السعادة مع الطائفة التي جمعت بين الظاهر و الباطن و هم العلماء بالله و بأحكامه‏ و كان في نفسي إن أخر الله في عمري أن أضع كتابا كبيرا أقرر فيه مسائل الشرع كلها كما وردت في أماكنها الظاهرة و أقررها فإذا استوفينا المسألة المشروعة في ظاهر الحكم جعلنا إلى جانبها حكمها في باطن الإنسان فيسري حكم الشرع في الظاهر و الباطن فإن أهل طريق الله و إن كان هذا غرضهم و مقصدهم و لكن ما كل أحد منهم يفتح الله له في الفهم حتى يعرف ميزان ذلك الحكم في باطنه فقصدنا في هذا الكتاب إلى الأمر العام من العبادات و هي الطهارة و الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج و التلفظ بلا إله إلا الله محمد رسول الله فاعتنيت بهذه الخمسة لكونها من قواعد الإسلام التي بنى الإسلام عليها و هي كالأركان للبيت فالإيمان هو عين البيت و مجموعه و باب البيت الذي يدخل منه إليه و هذا الباب له مصراعان و هما التلفظ بالشهادتين و أركان البيت أربعة و هي الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج‏ فجردنا العناية في إقامة هذا البيت لنسكن فيه و يقينا من زمهرير نفس جهنم و حرورها قال النبي صلى الله عليه و سلم اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فاذن لها بنفسين نفس في الشتاء و نفس في الصيف فما كان من سموء و حرور فهو من نفسها و ما كان من يرد و زمهرير فهو من نفسها فاتخذ الناس البيوت لتقيهم حر الشمس و برد الهواء فينبغي للعاقل أن يقيم لنفسه بيتا يكنه يوم القيامة من هذين النفسين في ذلك اليوم لأن جهنم في ذلك اليوم تأتي بنفسها تسعى إلى الموقف تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ من الْغَيْظِ على أعداء الله فمن كان في مثل هذا البيت وقاه الله من شرها و سطوتها و لما كانت الطهارة شرطا في صحة الصلاة أفردنا لها بابا قدمناه بين يدي باب الصلاة ثم يتلوها الزكاة ثم الصوم ثم الحج و يكفي في هذا الكتاب هذا القدر من العبادات فأتتبع أمهات مسائل كل باب منها و أقررها بالحكم الكلي باسمها في الظاهر ثم انتقل إلى حكم تلك المسألة عينها في الباطن إلى أن أفرغ منها و الله يؤيد و يعين‏ (بيان و إيضاح) فأول ذلك تسميتها طهارة و قد ذكرنا ذلك في أول الباب ظاهرا و باطنا فلنشرع إن شاء الله في أحكامها و هو أن ننظر في وجوبها و على من تجب و متى تجب و في أفعالها و فيما به تفعل و في نواقضها و في صفة الأشياء التي تفعل من أجلها كما فعلته علماء الشريعة و قررته في كتبها و قد انحصر في هذا أمر الطهارة و لننظر ذلك ظاهرا و باطنا و إنما نومئ إليه ظاهرا حتى لا يفتقر الناظر فيها إلى كتب الفقهاء فيغنيه ما ذكرناه و لا نتعرض للادلة التي للعلماء على ثبوت هذا الحكم من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس في مذهب من يقول به لطرد علة جامعة يراها بين المنطوق عليه و المسكوت عنه لا أتعرض إلى أصول الفقه في ذلك و لا إلى الأدلة إذا العامة ليس منصبها النظر في الدليل فنحن نذكر أمهات فروع الأحكام و مذاهب الناس فيها من وجوب و غير وجوب‏ (وصل) نقول أولا أجمع المسلمون قاطبة من غير مخالف على وجوب الطهارة على كل من لزمته الصلاة إذا دخل وقتها و أنها تجب على البالغ حد الحلم العاقل و اختلف الناس هل من شرط وجوبها الإسلام أم لا هذا حكم الظاهر فأما الباطن في ذلك و هي الطهارة الباطنة فنقول إن باطن الصلاة و روحها إنما هو مناجاة الحق تعالى حيث‏ قال قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين‏ الحديث فذكر المناجاة يقول العبد كذا فيقول الله كذا فمتى أراد العبد مناجاة ربه في أي فعل كان تعينت عليه طهارة قلبه من كل شي‏ء يخرجه عن مناجاة ربه في ذلك الفعل و متى لم يتصف بهذه الطهارة في وقت مناجاته فما ناجاه و قد أساء الأدب فهو بالطرد أحق و سأذكر في أفعالها تقاسيم هذه الطهارة في الحكم إن شاء الله‏ و أما قول العلماء إنها تجب على البالغ العاقل بالإجماع و اختلفوا في الإسلام فكذلك عندنا تجب هذه الطهارة على العاقل و هو الذي يعقل عن الله أمره و نهيه و ما يلقيه الله في سره و يفرق بين خواطر قلبه فيما هو من الله أو من نفسه أو من لمة الملك أو من لمة الشيطان و ذلك هو الإنسان فإذا بلغ في المعرفة و التمييز إلى هذا الحد و عقل عن الله ما يريد منه و سمع‏ قول الله تعالى وسعني قلب عبدي‏ وجب عليه عند ذلك استعمال هذه الطهارة في قلبه و في كل عضو يتعلق به على الحد المشروع فإن طهارة البصر مثلا في الباطن هو النظر في الأشياء بحكم الاعتبار و عينه فلا يرسل بصره عبثا و لا يكون مثل هذا إلا لمن تحقق باستعمال الطهارة المشروعة في محلها كلها قال تعالى إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ فجعلها للابصار و الاعتبار إنما هو للبصائر فذكر الأبصار لأنها الأسباب المؤدية إلى الباطن ما يعتبر فيه عين البصيرة و هكذا جميع الأعضاء كلها و أما قول العلماء في هذه الطهارة هل من شرط وجوبها الإسلام فهو قولهم هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة و إن المنافق إذا توضأ هل أدى واجبا أم لا و هي مسألة خلاف تعم جميع الأحكام المشروعة فمذهبنا أن جميع الناس كافة من مؤمن و كافر و منافق مكلفون مخاطبون بأصول الشريعة و فروعها و أنهم مؤاخذون يوم القيامة بالأصول و بالفروع و لهذا كان المنافق في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ من النَّارِ و هو باطن النار و إن المنافق معذب بالنار الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إذ أتى في الدنيا بصورة ظاهر الحكم المشروع من التلفظ بالشهادة و إظهار تصديق‏الرسل و الأعمال الظاهرة و ما عندهم في بواطنهم من الايمان مثقال ذرة فبهذا القدر تميزوا من الكفار و قيل فيهم إنهم منافقون قال تعالى إِنَّ (الله جامِعُ) الْمُنافِقِينَ وَ الْكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعاً فذكر الدار فالمنافقون يعذبون في أسفل جهنم و الكافرون لهم عذاب في الأعلى و الأسفل‏ فإن الله قد رتب مراتب و طبقات للعذاب في نار جهنم لأعمال مخصوصة بأعضاء مخصوصة على ميزان معلوم لا يتعداه فالمؤمن ليس للنار اطلاع على محل إيمانه البتة فما له نصيب في النار الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ و إن خرج عنه هناك فإن عنايته سارية في محله من الإنسان و إنما يخرج عنه ليحميه و يرد عنه من عذاب الله ما شاء الله كما خرج عنه في الدنيا إذا أوقع المعصية قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في المؤمن يشرب الخمر و يسرق و يزني إنه لا يفعل شيئا من ذلك و هو مؤمن حال فعله و قال إن الايمان يخرج عنه في ذلك الوقت حال الفعل‏ و تأول الناس هذا الحديث على غير وجهه لأنهم ما فهموا مقصود الشارع و فسروا الايمان بالأعمال فقالوا إنه أراد العمل فأبان النبي صلى الله عليه و سلم مراده بذلك في الحديث الآخر فقال صلى الله عليه و سلم إن العبد إذا زنى خرج عنه الايمان حتى يصير عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الايمان‏ فاعلم أن الحكمة الإلهية في ذلك أن العبد إذا شرع في المخالفة التي هو بها مؤمن أنها مخالفة و معصية فقد عرض نفسه بفعله إياها لنزول عذاب الله عليه و إيقاع العقوبة به و أن ذلك الفعل يستدعي وقوع البلاء به من الله فيخرج عنه إيمانه الذي في قلبه حتى يكون عليه مثل الظلة فإذا نزل البلاء من الله يطلبه تلقاه إيمانه فيرده عنه فإن الايمان لا يقاومه شي‏ء و يمنعه من الوصول إليه رحمة من الله و ما بعد بيان رسول الله صلى الله عليه و سلم بيان و لهذا قلنا إن العبد المؤمن لا يخلص له أبدا معصية لا تكون مشوبة بطاعة و هي كونه مؤمنا بها أنها معصية فهو من الذين خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً فقال الله عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ و التوبة الرجوع فمعناه أن يرجع عليهم بالرحمة فإنه تعالى تمم الآية بقوله إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ و قال العلماء إن عسى من الله واجبة فإنه لا مانع له‏ ثم نرجع و نقول إنه لما كان الايمان عين طهارة الباطن لم يتمكن أن يتصور الخلاف فيه كما تصور في الطهارة الظاهرة إلا بوجه دقيق يكون حكم الظاهر فيه في الباطن حكم الباطن في طهارة الظاهر فنقول من ذلك الوجه هل من شرط طهارة الباطن بالإيمان التلفظ به فينطق اللسان بما يعتقده القلب من ذلك أم لا فيكون في عالم الغيب إذا لم يظهر بما يعتقده في الباطن منافقا كمنافق الظاهر في عالم الشهادة فإن المؤمن يعتقد وجوب الصلاة مثلا و لا يصلي و لا يتطهر كما أن المنافق يصلي و يتطهر و لا يؤمن بوجوبها عليه بقلبه و لا يعتقده أو لا يفعله لقول ذلك الرسول الذي شرعه له فهذا معنى ذلك إذا حققت النظر فيه حتى بسري الحكم في الظاهر و الباطن على صورة ما هو في الظاهر من الخلاف و الإجماع فاعلم ذلك‏ (وصل) و أما أفعال هذه الطهارة فقد ورد بها الكتاب و السنة و بين فرضها من سننها من استحباب أفعال فيها و لهذه الطهارة شروط و أركان و صفات و عدد و حدود معينة في محالها فمن شروطها النية و هي القصد بفعلها على جهة القربة إلى الله تعالى عند الشروع في الفعل فمن الناس من ذهب إلى أنها شرط في صحة ذلك الفعل الذي لا يصح إلا بوجودها و ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب و لا بد و هو مذهبنا و به نقول في الطهارة الظاهرة و الباطنة و هي عندنا في الباطن آكد و أوجب لأن النية من صفات الباطن أيضا فحكمها في طهارة الباطن أقوى لأنها تحكم في موضع سلطانها و الظاهر غريب عنها فلهذا لم يختلف في علمنا في الباطن و اختلف في ذلك في الظاهر و قد تقدم من الكلام في النية طرف يغني و ذهب آخرون إلى أنها ليست بشرط صحة و أغنى ما ذكرناه في طهارة الوضوء بالماء (وصل) اختلف علماء الشريعة في غسل اليد قبل إدخالها في الإناء الذي تريد الوضوء منه على أربعة أقوال فمن قائل إن غسلهما سنة بإطلاق و من قائل إن ذلك مستحب لمن يشك في طهارة يده و من قائل إن غسل اليد واجب على القائم من النوم في الإناء الذي يريد الوضوء منه و من قائل إن ذلك واجب على المنتبه من نوم الليل خاصة و هذا حصر مذاهب العلماء في علمي في هذه المسألة و لكل قائل حجة من الاستدلال يدل بها على قوله و ليس كتابنا هذا موضع إيراد أدلتهم و تتميم حكم هذه المسألة في الباطن غسل اليد هو طهارتها بما كلفه الشارع فيها بتركه و ذلك على قسمين منه ما هو واجب و منه ما هو مندوب إليه و الواجب عندنا و الفرض على السواء لفظان متواردان على معنى واحد فلا فرق‏ عندنا إذا قلت أوجب أو فرض‏ ثم نقول فالواجب إذا كانت اليد على شي‏ء يحكم الشرع فيه عليها أنها غاصبة أو بكونه مسروقا أو بكونه وقعت فيه خيانة و كل ما لم يجوز لها الشارع أن تتصرف فيه و الفروق في هذه الأحوال بينة فواجب طهارتها عن هذا كله و سيرد بما ذا تطهر في موضعه إن شاء الله فواجبة عليها هذه الطهارة و أما الطهارة المندوب إليها فهي ترك ما في اليد من الدنيا مما هو مباح له إمساكه فندبه الشرع إلى إخراجه عن يده رغبة فيما عند الله و ذلك هو الزهد و هي تجارة فإن لها عوضا عند الله على ما تركته و الترك أعلى من الإمساك و هذه مسألة إجماع في كل ملة و نحلة شرعا و عقلا فإن الناس مجمعون على أن الزهد في الدنيا و ترك جمع حطامها و الخروج عما بيده منها أولى عند كل عاقل هذا هو المندوب إليه في طهر اليد و هو السنة و أما المذهب في الاستحباب في طهارة اليد عند الشاك في طهارتها فهو الخروج عن المال الذي في يده لشبهة قامت له فيه قدحت في حله فليس له إمساكه و هذا هو الورع ما هو الزهد و إن كان له وجه إلى الحل فالمستحب تركه و لا بد فإن مراعاة الحرمة أولى فإنك في إمساكه مسئول و في تركه للشبهة التي قامت عندك فيه غير مسئول بل أنت إلى المثوبة على ذلك أقرب و هذا في الطهارة المندوب إليها أولى و الاستحباب في الترك للمباح أولى‏ و أما اختلافهم في وجوب غسلها من النوم مطلقا و فيمن قيد ذلك بنوم الليل فاعلم أن الليل غيب لأنه محل الستر و لذلك جعل الليل لباسا و النهار شهادة لأنه محل الظهور و الحركة و لذلك جعله معاشا لابتغاء الفضل يعني طلب الرزق هنا من وجهه فالفضل المبتغي فيه من الزيادة و من الشرف و هو زيادة الفضائل فإنه يجمع ما ليس له برزق فهو فضول لأنه يجمعه لوارثه أو لغيره فإن رزق الإنسان ما هو ما يجمعه و إنما هو ما يتغذى به فاعلم أن النائم في عالم الغيب بلا شك و إذا كان النوم بالليل فهو غيب في غيب فيكون حكمه أقوى و النوم بالنهار غيب في شهادة فيكون حكمه أضعف أ لا تراه جعل النَّوْمَ سُباتاً فهو راحة بلا شك و هو بالليل أقوى فإنه فيه أشد استغراقا من نوم النهار و الغيب أصل فالليل أصل و الشهادة فرع فالنهار فرع وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فالنهار مسلوخ من الليل فالليل لما كان يستر الأشياء و لا يبين حقائق صورها للابصار أشبه الجهل فإن الجهل بالشي‏ء لا يبين حكمه فمن جهل الشرع في شي‏ء لم يعلم حكمه فيه‏ و لما كان النائم في حال نومه لا يعلم شيئا من أمور الظاهر في عالم الشهادة في حق الناس كان النوم جهلا محضا إلا في حق من تنام عينه و لا ينام قلبه كرسول الله صلى الله عليه و سلم و من شاء الله من ورثته في الحال و لما كان النهار يوضح الأشياء و يبين صور ذواتها و يظهر للمتقي ما يتقى من الأمور المضرة و ما لا يتقيه أشبه العلم فإن العلم هو المبين حكم الشرع في الأشياء و لما كان النائم بالنهار متصفا بالجهل لأجل نومه لأن النوم من أضداد العلم ربما مد يده و هو لا علم له أو رجله فيفسد شيئا مما لو كان مستيقظا لم يتعرض إلى فساده أوجب عليه الشرع الطهارة بالمعلم من نوم الجهل إذا استيقظ فيعلم بيقظته حكم الشرع في ذلك فإنه ما كان يدري في حال نوم جهالته حيث جالت يده هل فيما أبيح له ملكه أو في ما لم يبح له ملكه كالمغصوب و أمثاله كما ذكرنا كما راعى المخالف قوله أين باتت يده و اشتركا في النوم و إنما ذكر الشارع المبيت لأن غالب النوم فيه و هو أبدا يراعي الأغلب فجعل هذا الحكم في نوم الليل و مراعاة النوم أولى من مراعاة نوم الليل و يقول مراعي نوم الليل لذكر المبيت فإنه لما كان الإنسان إذا نام بالنهار قد يكون هناك إنسان أو جماعة إذا رأوا النائم يتحرك بيده أو برجله فتؤديه حركته تلك إلى كسر جرة أو غيرها أو صبي صغير رضيع تحصل يده على فمه فتؤذيه أو يمسك عنه خروج النفس فيموت و قد رأينا ذلك فيكون المستيقظ الحاضر يمنع من ذلك بإزالة الطفل القريب منه أو الجرة أو ما كان من أجل ضوء النهار الذي كشفه به و يقظته كذلك العالم مع الجاهل إذا رآه يتصرف بما لا علم له به بحكم الشرع فيه نبهه أو حال الشرع بينه و بين ذلك الفعل فوجب غسل اليد عندنا و لا بد باطنا على الغافل و هو النائم بالنهار الجاهل و هو النائم بالليل و أما اعتبارنا بالطهارة قبل إدخالها في الإناء فإنه بالعلم و العمل خوطبنا فالعلم الماء و العمل الغسل و بهما تحصل الطهارة فغسلها قبل إدخالها في إناء الوضوء هو ما يقرره في نفسه من القصد الجميل في ذلك الفعل إلى جناب الحق الذي فيه سعادته عند الشروع في الفعل على التفصيل فهذا معنى غسل اليد قبل إدخالها في إناء الوضوء في طهارة الباطن‏ (وصل) المضمضة و الاستنشاق‏ اختلف علماء الشريعة فيهما على ثلاثة أقوال فمن قائل إنهما سنتان و من‏قائل إنهما فرض و من قائل إن المضمضة سنة و الاستنشاق فرض هذا حكمهما في الظاهر قد نقلناه‏ فأما حكمهما في الباطن فمنهما ما هو فرض و منهما ما هو سنة فأما المضمضة فالفرض منها التلفظ بلا إله إلا الله فإن بها يتطهر لسانك من الشرك و صدرك فإن حروفها من الصدر و اللسان و كذلك في كل فرض أوجب الله عليك التلفظ به مما لا ينوب فيه عنك غيرك فيسقط عنك كفرض الكفاية كرجل أبصر أعمى على بعد يريد السقوط في حفرة يتأذى بالسقوط فيها أو يهلك فيتعين عليه فرضا أن ينادي به يحذره من السقوط بما يفهم عنه لكونه لا يلحقه فإن سبقه إنسان إلى ذلك سقط عنه ذلك الفرض الذي كان تعين عليه فإن تكلم به فهو خير له و ليس بفرض عليه فإذا تمضمض في باطنه بهذا و أمثاله فقد أصاب خيرا و قال خيرا و هو حسن القول و صدق اللسان طهور من الكذب و الجهر بالقول الحسن طهور من الجهر بِالسُّوءِ من الْقَوْلِ و إن كان جزاء بقوله إِلَّا من ظُلِمَ و لكن السكوت عنه أفضل و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر طهور من نقيضيهما فمثل هذا فرض المضمضة و سننها و كذلك الاستنشاق‏ فاعلم إن الاستنشاق في الباطن لما كان الأنف في عرف العرب محل العزة و الكبرياء و لهذا تقول العرب في دعائها أرغم الله أنفه و قد اتفق هذا على رغم أنفه و الرغام التراب أي حطك الله من كبريائك و عزك إلى مقام الذلة و الصغار فكنى عنه بالتراب فإن الأرض سماها الله ذلولا على المبالغة فإن أذل الأذلاء من وطئه الذليل و العبيد أذلاء و هم يطئون الأرض بالمشي عليها في مناكبها فلهذا سماها ببنية المبالغة و لا يندفع هذا و لا تزول الكبرياء من الباطن إلا باستعمال أحكام العبودية و الذلة و الافتقار و لهذا شرع الاستنثار في الاستنشاق فقيل له اجعل في أنفك ماء ثم استنثر و الماء هنا علمك بعبوديتك إذا استعملته في محل كبريائك خرج الكبرياء من محله و هو الاستنثار و منه فرض و استعماله في الباطن فرض بلا شك و أما كونه سنة فمعناه أنك لو تركته صح وضوؤك و محله في هذا القدر أنك لو تركت معاملتك لعبدك أو لمن هو تحت أمرك و هنا سر خفي يتضمنه رب أعطني كذا أو لمن هو دونك بالتواضع و أظهرت العزة و حكم الرئاسة لمصلحة تراها أباحها لك الشارع فلم تستنشق جاز حكم طهارتك دون استعمال هذا الفعل و إن كان استعمالها أفضل فهذا موضع سقوط فرضها فلهذا قلنا قد يكون سنة و قد يكون فرضا لعلمنا أنه لو أجمع أهل مدينة على ترك سنة وجب قتالهم و لو تركها واحد لم يقتل فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يغير على مدينة إذا جاءها ليلا حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك و إلا أغار و كان يتلو إذا لم يسمع أذانا إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ‏ و ما من حكم من أحكام فرائض الشريعة و سننها و استحباباتها إلا و لها في الباطن حكم أو أزيد على قدر ما يفتح للعبد في ذلك فرضا كان أو سنة أو مستحبا لا بد من ذلك و حد ذلك في سائر العبادات المشروعة كلها و بهذا يتميز حكم الظاهر من الباطن فإن الظاهر يسرى في الباطن و ليس في الباطن أمر مشروع يسرى في الظاهر بل هو عليه مقصور فإن الباطن معان كلها و الظاهر أفعال محسوسة فينتقل من المحسوس إلى المعنى و لا ينتقل من المعنى إلى الحس‏