قرآن کریمبه زبان فارسی

(باب التحديد في غسل الوجه)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

لا خلاف إن غسل الوجه فرض و حكمه في الباطن المراقبة و الحياء من الله مطلقا و ذلك أن لا تتعدى حدود الله تعالى و اختلف علماء الرسوم في تحديد غسل الوجه في الوضوء في ثلاثة مواضع منها البياض الذي بين العذار و الأذن و الثاني ما سدل من اللحية و الثالث غسل اللحية فأما البياض المذكور فمن قائل إنه من الوجه و من قائل إنه ليس من الوجه و أما ما انسدل من اللحية فمن قائل بوجوب إمرار الماء عليه و من قائل بأن ذلك لا يجب و أما تخليل اللحية فمن قائل بوجوب تخليلها و من قائل إنه لا يجب‏ (وصل في حكم ما ذكرناه في الباطن) أما غسل الوجه مطلقا من غير نظر إلى تحديد الأمر في ذلك فإن منه ما هو فرض و منه ما ليس بفرض فأما الفرض فالحياء من الله أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك و أما السنة منه الحياء من الله أن تكشف عورتك في خلوتك فالله أولى أن تستحيي منه مع علمك أنه ما من جزء فيك إلا و هو يراه منك و لكن حكمه في أفعالك من حيث أنت مكلف ما ذكرناه و قد ورد به الخبر و كذلك النظر إلى عورة امرأتك و إن كان قد أبيح لك ذلك و لكن استعمال الحياء فيها أفضل و أولى فيسقط الفرض‏ فيه أعني في الحياء في مثل قوله لا يَسْتَحْيِي من الْحَقِّ فما يتعين منه فهو فرض عليك و ما لا يتعين عليك فهو سنة و استحباب فإن شئت فعلته و هو أولى و إن شئت لم تفعله فيراقب الإنسان أفعاله و ترك أفعاله ظاهرا و باطنا و يراقب آثار ربه في قلبه فإن وجه قلبه هو المعتبر و وجه الإنسان و كل شي‏ء حقيقته و ذاته و عينه يقال وجه الشي‏ء و وجه المسألة و وجه الحكم و يريد بهذا الوجه حقيقة المسمى و عينه و ذاته قال تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ و الوجوه التي هي في مقدم الإنسان ليست توصف بالظنون و إنما الظن لحقيقة الإنسان‏ فالحياء خير كله و الحياء من الايمان و الحياء لا يأتي إلا بخير و أما البياض الذي بين العذار و الأذن و هو الحد الفاصل بين الوجه و الأذن فهو الحد بين ما كلف الإنسان من العمل في وجهه و العمل في سمعه فالعمل في ذلك إدخال الحد في المحدود فالأولى بالإنسان أن يصرف حياءه في سمعه كما صرفه في بصره فكما أنه من الحياء غض البصر عن محارم الله قال تعالى لرسوله صلى الله عليه و سلم قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا من أَبْصارِهِمْ و قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ من أَبْصارِهِنَّ باطن هاتين الآيتين خطاب النفس و العقل كذلك يلزمه الحياء من الله أن يسمع ما لا يحل له سماعه من غيبة و سوء قول من متكلم بما لا ينبغي و لا يحل له التلفظ به فإن ذلك البياض بين العذار و الأذن و هو محل الشبهة و صورة الشبهة في ذلك أن يقول إنما أصغيت إليه لأرد عليه و عن الشخص الذي اغتيب و هذا من فقه النفس فقوله هذا هو من العذار فإنه من العذر أي الإنسان إذا عوتب في ذلك يعتذر بما ذكرناه و أمثاله و يقول إنما أصغيت لأحقق سماعي قوله حتى أنهاه عن ذلك على يقين فكنى عنه بالعذار و يكون فيمن لا عذار له موضع العذار فمن رأى وجوب ذلك عليه غسله بما قال تعالى الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ الله أي بين لهم الحسن من ذلك من القبيح وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ أي عقلوا ما أردنا و هو من لب الشي‏ء المصون بالقشر و من لم ير وجوب ذلك عليه إن شاء غسل و إن شاء ترك كمن يسمع ممن لا يقدر على رد الكلام في وجهه من ذي سلطان يخاف من تعديه عليه فإن قدر على القيام من مجلسه انصرف فذلك غسله إن شاء و إن ترجح عنده الجلوس لأمر يراه مظنونا عنده جلس و لم يبرح و هذا عند من لا يرى وجوب ذلك عليه‏ و أما غسل ما انسدل من اللحية و تخليلها فهي الأمور العوارض فإن اللحية شي‏ء يعرض في الوجه ما هي من الوجه و لا تؤخذ في حده مثل ما يعرض لك في ذاتك من المسائل الخارجة عن ذاتك فأنت فيها بحكم ذلك العارض فإن تعين عليك طهارة نفسك من ذلك العارض فهو اعتبار قول من يقول بوجوب غسل ذلك و إن لم يتعين عليك طهارته فطهرته استحبابا أو تركته لكونه ما تعين عليك و لكن هو نقص في الجملة فهذا قول من يقول ليس بواجب و هو مذهب الآخرين و قد بينا لك فيما تقدم من مثل هذا الباب أن حكم الباطن في هذه الأمور بخلاف حكم الظاهر فيما فيه وجه إلى الفرضية و وجه إلى السنة و الاستحباب فالفرض لا بد من العمل به فعلا كان أو تركا و غير الفرض فيه إن تنزله في الامتثال منزلة الفرض و هو أولى فعلا و تركا و ذلك سار في سائر العبادات‏