قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الخامس و التسعون و مائة في معرفة الشطح)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الشطح دعوى في النفوس بطبعهالبقية فيها من آثار الهوى‏
هذا إذا شطحت بقول صادقمن غير أمر عند أرباب النهي‏

اعلم أيدك الله أن الشطح كلمة دعوى بحق تفصح عن مرتبته التي أعطاه الله من المكانة عنده أفصح بها عن غير أمر إلهي لكن على طريق الفخر بالراء فإذا أمر بها فإنه يفصح بها تعريفا عن أمر إلهي لا يقصد بذلك الفخر قال عليه السلام أنا سيد ولد آدم و لا فخر يقول ما قصدت الافتخار عليكم بهذا التعريف لكن أنبأتكم به لمصالح لكم في ذلك و لتعرفوا منة الله عليكم برتبة نبيكم عند الله و الشطح زلة المحققين إذا لم يؤمر به فيقولها كما قالها عليه السلام و لهذا بين فقال و لا فخر فإني أعلم أني عبد الله كما أنتم عبيد الله و العبد لا يفتخر على العبد إذا كان السيد واحدا و كذا نطق عيسى فبدأ بالعبودية و هو بمنزلة قوله عليه السلام و لا فخر فقال لقومه في براءة أمه و لما علم من نور النبوة التي في استعداده أنه لا بد أن يقال فيه إنه ابن لله فقال إِنِّي عَبْدُ الله فبدأ في أول تعريفه و شهادته في الحال الذي لا ينطق مثله في العادة فما أنا ابن لأحد فأمي طاهرة بتول و لست بابن لله كما أنه لا يقبل الصاحبة لا يقبل الولد و لكني عبد الله مثلكم آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا فنطق بنبوته في وقتها عنده و في غير وقتها عند الحاضرين لأنه لا بد له في وقت رسالته أن يعلم بنبوته كما جرت عادة الله في الأنبياء قبله فهم مأمورون بكل ما يظهر عليهم و منهم من الدعاوي الصادقة التي تدل على المكانة الزلفى و التميز عن الأمثال و الأشكال بالمرتبة المثلى عند الله وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أي محلا و علامة على زيادات الخير عندكم أَيْنَ ما كُنْتُ يعني في كل حال من الأحوال ما تختص البركة بسببي فيكم في حال دون حال و ذكرها كلها بلفظ الماضي و هو يريد الحال و الاستقبال فما كان منه في الحال فنطقه شهادة ببراءة أمه و تنبيها و تعليما لمن يريد أن يقول فيه أنه ابن الله فنزه الله و هو نظير براءة أمه مما نسبوا إليها فهو في جناب الحق تنزيه و في جناب الأم تبرئة و يدل لفظ الماضي فيه و أَيْنَ ما كُنْتُ أن يكون له التعريف بذلك من الله كما كان لمحمد صلى الله عليه و آله و سلم‏ لما قال كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين‏ فعلم مرتبته عند الله و آدم ما وجدت صورته البدنية و أعلم عيسى بلفظ الماضي أن الله آتاه الكتاب و أوصاه بالصلاة و الزكاة ما دام في عالم التكليف و التشريع و هو قوله ما دُمْتُ حَيًّا يريد حياة التكليف في ظاهر الأمر عند السامعين و يريد عندنا هذا و أمرا آخر و هو قوله تعالى في عيسى إنه كلمة الله و الكلمة جمع حروف و سيأتي علم ذلك في باب النفس بفتح الفاء فأخبر أنه آتاه الكتاب يريد الإنجيل و يريد مقام وجوده من حيث ما هو كلمة و الكتاب ضم حروف رقمية لإظهار كلمة أو ضم معنى إلى صورة حرف يدل عليه فلا بد من تركيب فلهذا ذكر أن الله أعطاه الكتاب مثل قوله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ و يريد بالوصية بالصلاة و الزكاة العبادة كما تدل على العمل هي على العبادة أدل لأنها لا تفتقر في كونها عبادة إلى بيان و إذا أريد بها العمل احتيج إلى تعيين ذلك العمل و بيان صورته حتى يقيم نشأته هذا المكلف به فإذا كانت العبادة دل على أنه لا يزال حيا أينما كان و إن فارق هذا الهيكل بالموت فالحياة تصحبه لأنها صفة نفسية له و لا سيما و قد جعله روح الله ثم ذكر أنه بر بوالدته أي محسن إليها فأول إحسانه أنه برأها مما نسب إليها في حالة لا يشكون في أنه صادق في ذلك التعريف ثم تمم فقال وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً فإن الجبروت و هو العظمة يناقض العبودة و هو قوله إنه عبد الله‏و يريد بقوله جَبَّاراً أي لا أجبر الأمة التي أرسل إليها بالكتاب و الصلاة و الزكاة إنما أنا مبلغ عن الله لا غير لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ فأكون جبارا فأجبر و أبلغ عن الله كما قال يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ و ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ فقوله مذكر و المذكر لا يكون إلا لمن كان على حالة منسية و لو لم يكن كذلك لكان معلما لا مذكرا فدل أنه لا يذكرهم إلا بحال إقرارهم بربوبيته تعالى عليهم حين قبض الذرية من ظهر آدم في الميثاق الأول ثم قال وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ بما نطقت فيكم به من أني عبد الله فسلمت من انتساب وجودي إلى سفاح أو نكاح وَ يَوْمَ أَمُوتُ فأسلم من وقوع القتل الذي ينسب إلى من يزعم أنه قتلني و هو قول بنى إسرائيل إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ (عِيسَى) ابْنَ مَرْيَمَ فأكذبهم الله فقال وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ فقال لهم إن السلام عليه يوم يموت سالما من القتل إذ لو قتل قتل شهادة و الشهيد حي غير ميت و لا يقال فيه إنه ميت كما ورد النهي عن ذلك عندنا و كذلك لم يزل الأمر فأخبر أنه يموت و لا يقتل فذكر السلام عليه يوم يموت ثم ذكر أن السلام عليه يوم يبعث حيا يعني في القيامة و هو موطن سلامة الأبرياء من كل سوء مثل الأنبياء و غيرهم من أهل العناية فهو صاحب سلامة في هذه المواطن كلها و ما ثم موطن ثالث ما هي إلا حياة دنيا و حياة أخرى بينهما موت فهذه كلها لو لم تكن عن أمر إلهي لكانت من قائلها شطحات فإنها كلمات تدل على الرتبة عند الله على طريق الفخر بذلك على الأمثال و الأشكال و حاشا أهل الله أن يتميزوا عن الأمثال أو يفتخروا و لهذا كان الشطح رعونة نفس فإنه لا يصدر من محقق أصلا فإن المحقق ما له مشهود سوى ربه و على ربه ما يفتخر و ما يدعي بل هو ملازم عبوديته مهيا لما يرد عليه من أوامره فيسارع إليها و ينظر جميع من في الكون بهذه المثابة فإذا شطح فقدا تحجب عما خلق له و جهل نفسه و ربه و لو انفعل عنه جميع ما يدعيه من القوة فيحيي و يميت و يولي و يعزل و ما هو عند الله بمكان بل حكمه في ذلك حكم الدواء المسهل أو القابض يفعل بخاصية الحال لا بالمكانة عند الله كما يفعل الساحر بخاصية الصنعة في عيون الناظرين فيخطف أبصارهم عن رؤية الحق فيما أتوا به و كل من شطح فعن غفلة شطح و ما رأينا و لا سمعنا عن ولي ظهر منه شطح لرعونة نفس و هو ولي عند الله إلا و لا بد أن يفتقر و يذل و يعود إلى أصله و يزول عنه ذلك الزهو الذي كان يصول به فذلك لسان حال الشطح هذا إذا كان بحق هو مذموم فكيف لو صدر من كاذب فإن قيل و كيف صورة الكاذب في الشطح مع وجود الفعل و الأثر منه قلنا نعم ما سألت عنه أما صورة الكاذب في ذلك فإن أهل الله ما يؤثرون إلا بالحال الصادق إذا كانوا أهل الله و ذلك المسمى شطحا عندهم حيث لم يقترن به أمر إلهي أمر به كما تحقق ذلك عن الأنبياء عليهم السلام فمن الناس من يكون عالما بخواص الأسماء فيظهر بها الآثار العجيبة و الانفعالات الصحيحة و لا يقول إن ذلك عن أسماء عنده و إنما يظهر ذلك عند الحاضرين أنه من قوة الحال و المكانة عند الله و الولاية الصادقة و هو كاذب في هذا كله و هذا لا يسمى شطحا و لا صاحبه شاطحا بل هو كذب محض ممقوت فالشطح كلمة صادقة صادرة من رعونة نفس عليها بقية طبع تشهد لصاحبها يبعده من الله في تلك الحال و هذا القدر كاف في حال معرفة الشطح‏